Ibn Kathir (d. 774 AH) · Surah 88 · 26 verses
88:1هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:2وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:3تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:4تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:5تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:6لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:7لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى " وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١١١) وسنن أبي داود برقم (١١٢٣) وسنن النسائي (٣/١١٢) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (١١١٩) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
الْغَاشِيَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ وتَعُمّهم. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ وَيَقُولُ: "نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي" [[وهذا مرسل وقد تقدم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَيْ: ذَلِيلَةٌ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا، وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حامية.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ [[في أ: "حدثنا يسار".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الجَوني يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ: فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ [يَا رَاهِبُ] [[زيادة من م، أ.]] فَأَشْرَفَ. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فَذَاكَ الَّذِي أَبْكَانِي [[ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٢٩٩) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) من طريق الخضر بن أبان، عن سيار، عن جعفر به، وقال الحاكم: "هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر".]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ: ﴿عَامِلَةٌ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ فِي النَّارِ بِالْعَذَابِ وَالْأَغْلَالِ [[في م: "والإهلاك".]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أَيْ: حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ: قَدِ انْتَهَى حَرّها وَغَلَيَانُهَا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَجَرٌ مِنْ نَارٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْحِجَارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّبرِقُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ فِي الرَّبِيعِ الشِّبرِقُ، وَفِي الصَّيْفِ الضَّرِيعُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهُوَ شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ لَاطِئَةٌ بِالْأَرْضِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الضريعُ نبتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ: الضريعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ [[صحيح البخاري (٨/٧٠٠) "فتح".]] .
وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هُوَ الشِّبرِقُ، إِذَا يَبِسَ سُمّي الضَّرِيعَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ وَأَبْشَعِهِ وَأَخْبَثِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَحْذُورٌ.
88:8وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ
لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:9لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:10لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:11لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ
لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:12لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:13فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ
لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:14لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:15لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:16لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ: يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا. وَإِنَّمَا حَصَل لَهَا ذَلِكَ بِسَعْيِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قَدْ رَضِيَتْ عَمَلَهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أَيْ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مَرْيَمَ:٦٢] وَقَالَ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطَّوْرِ:٢٣] وَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦]
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أَيْ: سَارِحَةٌ. وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ، يَعْنِي: فِيهَا عُيُونٌ جَارِيَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرئ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ-أَوْ: مِنْ تَحْتِ جِبَالِ-الْمِسْكِ" [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢) "موارد" من طريق القراطيسي، عن أسد بن موسى به.]] .
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْفَرْشِ، مُرْتَفِعَةُ السَّمْك، عَلَيْهَا الْحُورُ الْعِينُ. قَالُوا: فَإِذَا أَرَادَ وَليُّ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي: أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرصدة [[في م: "موضوعة".]] لِمَنْ أَرَادَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ: الْوَسَائِدُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ: الْبُسُطُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى مَبْثُوثَةٍ، أَيْ: هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا.
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنِي كُرَيْب أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمَّر لِلْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَر لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَل كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا. قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ بِهِ [[البعث لابن أبي داود برقم (٧١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣٢٥) : "هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في طبقات التهذيب: "مجهول". وسليمان بن موسى مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات".]] .
88:17أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:18وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:19وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:20وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:21فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:22لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:23إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:24فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:25إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.
88:26ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ؟ فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا. وَنُبِّهُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ أَيْ: كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ: جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً قَائِمَةً ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ.
﴿وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ؟ أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فنبَّه الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ-عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ. وَهَكَذَا أَقْسَمَ "ضِمَام" فِي سُؤَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُ أَتَانَا رسولُك فزعَم لَنَا أَنَّكَ تَزعُم أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ". قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رسولُك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: "صَدَقَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ صَدَقَ ليدخُلَنّ الْجَنَّةَ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٢) .]] وعَلّقه الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ [[صحيح البخاري (١/١٤٨) "فتح" وسنن الترمذي برقم (٦١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠١) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن شريك ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ بِطُولِهِ [[المسند (٣/١٦٨) وصحيح البخاري برقم (٦٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٤٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٢) .]] وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنِ امْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا تَرْعَى غَنَمًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُهَا: يَا أُمَّهْ، مَنْ خَلَقَكِ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ أَبِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَنِي؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْجَبَلَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْغَنَمَ؟ قَالَتِ: اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ لِلَّهِ شَأْنًا. وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا هَذَا.
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ كَثِيرًا مَا يُحَدِّثُنَا بِهَذَا [[ورواه ابن عدي في الكامل (٤/١٧٨) عن أبي يعلى به مثله. وقال: "غير محفوظ، لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر".]] .
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا هُوَ الْمَدِينِيُّ، ضَعّفه وَلَدُهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ: فَذَكِّرْ-يَا مُحَمَّدُ-النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ "الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيِ [[في أ: "في كتاب".]] التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، بِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [[المسند (٣/٣٠٠) وصحيح مسلم برقم (٢١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٠) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ [[صحيح البخاري برقم (٢٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (٢١) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ: تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ [[في أ: "علي بن أبي خالد" والمثبت من "م" والمسند.]] أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مَرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ شَرَد عَلَى اللَّهِ شَراد الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ".
تَفَرَّدَ [[في م: "انفرد".]] بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٢٥٨) .]] وَعَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَاهُنَا: "رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ" [[الجرح والتعديل (٦/١٨٤) وقد ذكر الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) "أنه ثقة".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ: مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْغَاشِيَةِ" ولله الحمد والمنة.