QuraanOnline

Tafsir · تفسير ابن كثير

Al-Waqi'ah

ٱلْوَاقِعَة

Ibn Kathir (d. 774 AH) · Surah 56 · 96 verses

56:1

إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:2

لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:3

خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:4

إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:5

وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:6

فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:7

وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:8

فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:9

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:10

وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:11

أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:12

فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شبتَ؟ قَالَ: "شيَّبتني هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٧) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْمِصْرِيِّ: حَدَّثَنَا السُّرِّي بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري به.]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ: عَنْ "شُجَاعٍ"، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ السُّرِّي. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي السُّرِّي بْنُ يَحْيَى أَنَّ شُجَاعًا حَدَّثه، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". فَكَانَ أَبُو ظَبْيَةَ لَا يَدَعُهَا [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/١١٢) من طريق خالد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.]] . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيب الْعَدَنِيِّ، عَنِ السُّرِّي بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا". لَمْ يَذْكُرْ فِي سَنَدِهِ "شُجَاعًا" [[وَرَوَاهُ عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤) .]] . قَالَ: وَقَدْ أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْيَمَانِ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي فَاطِمَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَعُودُهُ، فذكر الحديث بِطُولِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ أَبُو فَاطِمَةَ هَذَا مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[تاريخ دمشق (ق ٢٩٤) "مصورة معهد المخطوطات" وكذا رواه حجاج بن المنهال عن السري بن يحيى فقال: عن أبي فاطمة: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) وقد أعمل الزيلعي رحمه الله هذا الحديث بأربع علل تلاجح بعدها ضعفه: الأولى: الانقطاع كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في علله نقلا عن أبيه. الثانية: نكارة متنه قاله الإمام أحمد. الثالثة: ضعف رواته: السري بن يحيى وشجاع كما ذكره ابن الجوزي. الرابعة: الاضطراب فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة ومنهم من يقول: أبو ظبية بالظاء المعجمة. ومنهم من يقول: أبو فاطمة ومنهم من يقول: شجاع ومنهم من يقول: أبو شجاع وقد اجتمع على ضعفه: الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحا وتصريحا والله أعلم.]] . وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من م.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ. كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ "الْوَاقِعَةَ" وَنَحْوَهَا مِنَ السُّوَرِ [[المسند (٥/١٠٤) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الْوَاقِعَةُ: مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشُّورَى:٤٧] ، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [الْمَعَارِجِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٣] . وَمَعْنَى ﴿كَاذِبَة﴾ -كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ-: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ فِيهَا مثنوية ولا ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْكَاذِبَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَيْ: تَحْفُضُ [[في م: "تخفض".]] أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ. وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ. وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْعَتَكِيُّ، عَنْ عثمان بن سراقة، ابن خالة عمر بن الْخَطَّابِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [قَالَ [[زيادة من م.]] ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ. وَقَالَ السُّدِّيّ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أَيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [شَدِيدًا] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: فُتِّتَتْ فَتًّا [[في م: "تفتيتا".]] . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ، إِذَا اضْطَرَمَتْ [[في م: "اضطربت".]] يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُنْبَثُّ: الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ [[في م: "تذراه".]] الرِّيَاحُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا -أَيْ قَلْعِهَا-وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أَيْ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ. قَالَ السُّدِّيّ: وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ-وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ [[في أ: "عن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [قَالَ] [[زيادة من م.]] : يَعْنِي: فِرَقًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً. وَقَالَ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ اثْنَانِ في الجنة، وواحد في النار. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ [[سيأتي تخريج الحديث عند الآية: ٧ من سورة التكوير.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا [[في أ: "قرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين".]] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [[في م، أ: "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال".]] فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: "هَذِهِ لِلْجَنَّةِ [[في م، أ: "هذه في الجنة".]] وَلَا أُبَالِي، وَهَذِهِ لِلنَّارِ [[في م، أ: "وهذه في النار".]] وَلَا أُبَالِي" [[المسند (٥/٢٣٩) والحسن لم يسمع من معاذ.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، أنه قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ" [[المسند (٦/٦٧) .]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ. وَقَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، قَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى، وَمُؤْمِنُ آلِ "يس"، سَبَقَ إِلَى عِيسَى، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ، عَنْ شُعَيْب بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ [[في أ: "وذكر عن محمد".]] بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ قُرَّة، َ عَنِ ابْنِ سِيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير".]] مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ، بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ الله. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٢] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ [[في أ: "الفزاري".]] الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصعَب، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ [[في أ: "عمر".]] بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ" [[وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي فرفعه كما في البداية والنهاية (١/٥٥) للمؤلف وقال: "وهو أصح" وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٤٨) وقال: "هذا حديث لا يصح".]] .
56:13

ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:14

وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:15

عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:16

مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:17

يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:18

بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:19

لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:20

وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:21

وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:22

وَحُورٌ عِينٞ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:23

كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:24

جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:25

لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:26

إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ ، وَ ﴿الآخِرِينَ﴾ . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ، وَالْآخِرِينَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ. هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[لم أجد الحديث في تفسير الطبري والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٨٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٨٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَلَمْ يحك غيره ولا عزاه إلى أحد. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ: شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ-وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، بَيَّاعِ الْمِلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٢/٣٩١) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، ذُكِرَ فِيهَا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عُمَرُ، تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إليَّ ثُلَّةً، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ، مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ "عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ" [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ق٢٧٩) "مصورة معهد المخطوطات".]] ، إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ [[منها حديث عمران بن حصين، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣١٦٨) وحديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في المسند (١/٤٢٠) .]] ، وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي "صِفَةِ الْجَنَّةِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [[في أ: "بكير" وفي م: "أبي بكر".]] الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ، فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى من هذه الأمة. وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ المَنْقَري، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ، أَوْ يَرْجُونَ، أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْأَمْرُ [[في م: "الأمة".]] جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [[المسند (٤/٣١٩) .]] ، فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَرِوَايَتِهَا وَإِظْهَارِهَا، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي يَحْتَاجُ [[في م: "هو محتاج".]] إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً؛ لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا. وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَفِي لَفْظٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَفِي آخَرَ [[في أ: "آخره".]] مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا". وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في أ: "هاشم".]] بْنُ مَرْثَدٍ [[في هـ وبقية النسخ: "يزيد" والتصويب من المعجم الكبير.]] الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ-حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم -يَعْنِي ابْنَ زُرْعَة-عَنْ شُرَيْحٍ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" [[المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف لم يسمع من أبيه.]] . وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكَرَ هَاهُنَا [عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ] [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بن مطر، حدثنا جعفر -[هو] [[زيادة من أ.]] بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ -حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في م، أ: "عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّح الحرَّاني، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في م، أ: "مسلم".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعِي، عَنْ ابْنِ زَمْل الْجُهَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا" سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَقُولُ: "سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ، لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ". ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، ثُمَّ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ " قَالَ ابْنُ زَمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اقْصُصْ رُؤْيَاكَ". فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جَمِيعَ الناس على طريق رحب سهل لا حب، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَشَفَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ، فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ قَالَ: وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ [[في أ: "وكانوا بالرعلة".]] الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ. ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا، ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ. وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا: (هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ) . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ أَقْنَى، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ الرِّجَالَ طُولًا وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ [[في م: "بار".]] كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ. وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا وَوَجْهًا، كُلُّكُمْ تَؤُمُّونَهُ تُرِيدُونَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا. قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السهل الرحب اللا حب، فَذَاكَ مَا حُمِلْتُمْ [[في أ: "حملتكم".]] عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَرْجُ الَّذِي رَأَيْتَ، فَالدُّنْيَا [[في م، أ: "فالدنيا ونضارة عيشها".]] مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا، وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا. ثُمَّ جَاءَتِ [[في م: "ثم كانت".]] الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ، وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ، وَنَجَوْا [[في م: "ثم نجوا".]] عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ، فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي. وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ، فَذَلِكَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ، يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَالَّذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِي الْبَازُّ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ، كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ. وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا، فَهِيَ السَّاعَةُ، عَلَيْنَا تَقُومُ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي". قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا [[دلائل النبوة (٧/٣٦) وفي إسناده سليمان بن عطاء بن قيس، قال ابن حبان في المجروحين (١/٣٢٩) : "شيخ يروي عن مسلمة ابن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، يَعْنِي: مَنْسُوجَةٌ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ سُمِّيَ وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الْجَنَّةِ مَضْفُورَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ. وَقَالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ: مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَكْبُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ، أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ: الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ. وَالْأَبَارِيقُ: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِين، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ، بَلْ مِنْ عُيُونٍ سَارِحَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ. فَذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعَطِيَّةُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنزفُونَ﴾ أَيْ: لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ "عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ" الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِي، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْراش، عَنْ أَبِيهِ عِكْراش بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ " قُلْتُ: عِكْراش بْنُ ذُؤَيْبٍ. قَالَ: "ارْفَعْ فِي النَّسَبِ"، فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ"، وَهَذِهِ صَدَقَةُ "مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ". فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي، هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ " فَأُتِينَا بحفنة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ -شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا-فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: "يَا عِكْراش، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِكْراش، هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ أبي الهزيل الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (١٨٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٧٤) وعبيد الله بن عكراش تكلم فيه، وتكلم في حديثه هذا. قال البخاري: "لا يثبت حديثه" ونقل العقيلي عنه أنه قال: "في إسناده نظر".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ -وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ -قَالُوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَإِذَا أثني عليه معروف، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ وَجبَة انْتَحَبَتْ لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فُلَانٍ، فسَمَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ -أَوْ: الْبَيْذَخِ-قَالَ: فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسر، فَأَكَلُوا مِنْ بُسره مَا شاؤوا، فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا، وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السِّرِّيَّةِ، فَقَالَ: كَانَ [[في م، أ: "فقال: ما كان".]] مِنْ أَمْرِنَا [[في م، أ: "رؤيا".]] كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ [[في م، أ: "فأصيب".]] فُلَانٌ وَفُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ فَقَالَ: "قُصِّي رُؤْيَاكِ" فَقَصَّتْهَا، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ [[المسند للإمام أحمد (٣/١٣٥) ومسند أبي يعلى برقم (٣٢٨٩) (٦/٤٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧٥) : "رجاله رجال الصحيح".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ، عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى" [[المعجم الكبير (٢/١٠٢) وفي إسناده عباد متكلم فيه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، يَرْعَى [[في م: "ترعى".]] فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا [[في م، أ: "أكلها".]] أَنْعَمُ مِنْهَا -قَالَهَا ثَلَاثًا-وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/٢٢١) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "صِفَةِ الْجَنَّةِ" مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الخُطَبِيّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الخُيُوطي، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَة، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طُوبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ: "أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٤/٦٤٩) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى طَيْرَهَا نَاعِمَةً كَمَا أَهْلُهَا نَاعِمُونَ. قَالَ: "مَنْ يَأْكُلُهَا -وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ [[في م: "يا أبا بكر والله".]] -أَنْعَمُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا [[في م: "أن آكل منها".]] يَا أَبَا بَكْرٍ" [[وهذا مرسل وقد روى من طريق الحسن مرسلا أيضا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٣) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم سئل عن الْكَوْثَرِ فَقَالَ: "نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْجَنَّةِ، أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ [[في م: "عبيد" وهو خطأ.]] بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ القَعْنَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٢) وقال فيه: "حسن غريب".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ الْوَلِيدِ الوَصَّافي، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَطَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ رِيشَةٍ، فَيَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَنْتَفِضُ، فَيُخْرِجُ مَنْ كُلِّ رِيشَةٍ -يَعْنِي: لَوْنًا-أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، لَيْسَ مِنْهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ [[في أ: "الآخر".]] ثُمَّ يَطِيرُ" [[ورواه هناد في الزهد برقم (١١٩) حدثنا أبو معاوية به.]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، والوَصَّافي وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ طَائِرَ الْجَنَّةِ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، يَأْكُلُ [[في م: "يأكلن".]] مِمَّا خُلِقَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ، وَيَشْرَبُ [[في م: "يشربن".]] مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَصْطَفِفْنَ لَهُ، فَإِذَا اشْتَهَى مِنْهَا شَيْئًا أَتَاهُ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ خَارِجِهِ وَدَاخِلِهِ ثُمَّ يَطِيرُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا" [[جزء الحسن بن عرفة برقم (٢٢) وحميد الأعرج منكر الحديث.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَهُمْ فِيهَا حُورٌ عِينٌ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى الْإِتْبَاعِ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ:٢١] . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطُوفُ بِهِ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقُصُورِ، لَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَلْ فِي الْخِيَامِ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخُدَّامُ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ فِي بَيَاضِهِ وَصَفَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي "سُورَةِ الصَّافَّاتِ" ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الرَّحْمَنِ" وَصْفُهُنَّ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى مَا أَحْسَنُوا مِنَ الْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّةِ كَلَامًا لَاغِيًا، أَيْ: غَثًّا [[في م: "عبثا".]] خَالِيًا عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنًى حَقِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الْغَاشِيَةِ:١١] أَيْ: كَلِمَةً لَاغِيَةً ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أَيْ: وَلَا كَلَامًا فِيهِ قُبْحٌ [[في م: "قبيحا".]] ، ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أَيْ: إِلَّا التَّسْلِيمَ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] وَكَلَامُهُمْ أَيْضًا سَالِمٌ مِنَ اللَّغْوِ وَالْإِثْمِ.
56:27

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:28

فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:29

وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:30

وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:31

وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:32

وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:33

لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:34

وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:35

إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:36

فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:37

عُرُبًا أَتۡرَابٗا

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:38

لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:39

ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:40

وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ -وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ-عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ -وَهُمُ الْأَبْرَارُ-كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ؟ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ [[في أ: "وكيف حالهم".]] ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وقسَامة بْنُ زُهَير، والسَّفر بْنُ نُسَير، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَة، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ المُوَقَر بِالثَّمَرِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٍ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ المُوقَر الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [[في أ: "وحدثنا عبد الله".]] بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ [[في م، أ: "بن العباس".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ؛ قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ: السِّدر، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ، خَضَد اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّق الثمرةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ [[في أ: "عن مائتي".]] وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٦) من طريق الربيع، عن بشر بن بكر عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال: كان أصحاب رسول الله فذكر مثله، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عُتْبة بن عبد السلمي قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا؟ يَعْنِي: الطَّلْحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٩) ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٤٩٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/١٠٣) عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن يحيى بن حمزة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ : الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ العضَاه، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] : بَشَّرَهَا دَليلها وَقَالَا ... غَدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبَالا ... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَيْ: مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجّ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. وَقَالَ السُّدّي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ : مَصْفُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: هَذَا الْحَرْفُ فِي ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، وعِكْرِمَة، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، وقَتَادَةَ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ -وَزَادَ فَقَالَ: أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -يبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا فُلَيح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان [[في هـ: "محمد بن شيبان" والمثبت من م، أ، وصحيح البخاري.]] ، عَنْ فُلَيح بِهِ [[المسند (٢/٤٨٢) وصحيح البخاري برقم (٣٢٥٢) .]] ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٨٧٧) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه أحمد في المسند (٢/٤٦٩) .]] ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٢٦) .]] ، وَعَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة [بِهِ] [[زيادة من م.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ" [[المسند (٢/٤٤٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان عن محمد بن عمرو به مثله.]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ زِيَادٍ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّة أَوْ جَذَعة، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ [[في م: "بأعلى" وفي أ: "بأصل".]] تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرَمًا، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيع [[صحيح البخاري برقم (٣٢٥١) .]] ، وهكذا رواه أبو داود الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَر الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَر، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ المُضَمَّر السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٧، ٢٨٢٨) .]] . فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَين قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ -يَعْنِي: الضَّبِّيَّ-فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أتكَذّب أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلَكِنِّي أكذِّبك أَنْتَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . قُلْتُ: فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الفُرَات القَزَّاز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٢٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدي، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا، قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ. قَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا. قَالَ: فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا. هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَويّ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] يَمَانٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحسن في قوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظلها مائة سنة لا يقطعها. وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٥) .]] . وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ شَجَر لَا يَحْمِلُ، يُستظَلُّ بِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْجَنَّةُ سَجْسَج، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرَّعْدِ:٣٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ:٤١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: [يَعْنِي] [[زيادة من م، أ.]] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ [[في م، أ: "على".]] تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ١٥] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] أَيْ: يُشْبِهُ الشكلُ الشكلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غيرُ الطَّعْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: "فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قلالَ هَجَرَ" [[صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه.]] . وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُسِفَت الشَّمْسُ، فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ [[في أ: "تكفكفت".]] . قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا" [[صحيح البخاري برقم (١٠٥٢) وصحيح مسلم برقم (٩٠٧) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في م، أ: "حدثنا أبو".]] عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صنعتَ اليومَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَتْ علَيَّ الْجَنَّةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَة والنُّضْرَة، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ، فحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ" [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٥ من سورة الرعد.]] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نَحْوَهُ [[تقدم الحديث في الموضع السابق.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البَكَالي: أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ [[في م: "فقال".]] الْأَعْرَابِيُّ: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى" فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَ: أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قَالَ: "لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أتيتَ الشَّامَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الجَوزة، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا". قَالَ: مَا عِظَمُ أَصْلِهَا؟ قَالَ: "لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذعَة مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا". قَالَ: فِيهَا عِنَبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ؟ قَالَ: "مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَلَا يَفْتُرُ". قَالَ: فَمَا عظَم الحَبَّة؟ قَالَ: "هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ، فَقَالَ: اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "نَعَمْ وعامَّة عَشِيرَتِكَ" [[المسند (٤/١٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ: لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عودٌ وَلَا شوكٌ وَلَا بُعدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَيْ: عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رِشْدِِين بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: "ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٠) ووقع فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه" ليس فيه: "حسن" وكذا وقع في تحفة الأشراف.]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدرجتين كما بين السماء والأرض. هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ رِشْدِينَ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٦) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فَذَكَرَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيم بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وَهْبٍ، بِهِ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، فَذَكَرَهُ [[المسند (٣/٧٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبر، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي: كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ-عَنِ الْحَسَنِ:: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يضاجَعن فِيهَا، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١، ٣٢] يَعْنِي: الشَّمْسَ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ:٢٢، ٢٣] . فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أَيْ: أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ [[في أ: "ماكن عجاف".]] رُمْصًا، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْن أَبْكَارًا عُرُبًا، أَيْ: مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عُرُبًا﴾ أَيْ: غَنِجات. قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيدة الرَّبَذِي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قَالَ: "نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غريب، وموسى ويزيد ضعيفا [[في أ: "ضعيفان".]] [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٦) وتفسير الطبري (٢٧/١٠٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ-حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يَعْنِي: "الثيب والأبكار اللاتي كُنَّ في الدنيا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٤٠) وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٩) من طريق شيبان به، وجابر بن يزيد ضعيف.]] . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيد: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ". قَالَ: فَوَلَّت تَبْكِي، قَالَ: "أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [[الشمائل المحمدية للترمذي برقم (٢٣٠) .]] . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] ، قَالَ: "حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْر الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٣] ، [[في أ: "كأنهن" وهو خطأ.]] قَالَ: "صَفَاؤُهُنَّ صفاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ، الَّذِي لَمْ تَمَسّه الْأَيْدِي". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرَّحْمَنِ:٧٠] . قَالَ: "خَيّراتُ الْأَخْلَاقِ، حِسان الْوُجُوهِ". قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٩] ، قَالَ: "رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ، وَهُوَ: الغِرْقئُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ . قَالَ: "هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: "بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهَا تُخَيَّر فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ [[في أ: "يا أم سليم".]] ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [[المعجم الكبير (٢٣/٣٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٩) : "فيه إسماعيل بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".]] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ [[حديث الصور مضى عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ مَنْ وَلَدِ [[في م: "من ابن".]] آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ -يَعْنِي: وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ-فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُه، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلها إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنيَّة، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا، فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً [[في م: "واحدة بعد واحدة".]] ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج، عَنِ ابْنِ حُجَيرة [[في أ: "عن ابن حجرة".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَنَطأ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعتْ مُطهَّرة بِكْرًا" [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٣٣) "موارد" وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٩٣) من طريق ابن وهب به، ودراج متكلم فيه.]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدن أَبْكَارًا" [[المعجم الصغير (١/٩١) وفيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْران، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ [[مسند الطيالسي برقم (٢٠١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٦) .]] . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ" [[المعجم الصغير (٢/١٢،١٣) .]] . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ، هِيَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العُرُب: الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجس، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كثير، وعطية، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: هِيَ الملِقَةُ لِزَوْجِهَا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الغَنِجة. وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: هِيَ الشَّكلة. وَقَالَ صَالِحُ [[في أ: "أبو صالح".]] بْنُ حَيَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَة فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ [[في م: "والمفتوجة".]] بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حُسْنُ التَّبَعل. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: العُرُب: حَسِنَاتُ الْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: "كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي: لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من م.]] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَا الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ [[في م، أ: "قال: قلن".]] نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نبِيد، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وكُنَّا لَهُ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[سنن لبترمذي برقم (٢٥٦٤) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو [[في هـ: "ابن" والصواب ما أثبتناه من م، أ.]] يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمة، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ [[في م: "ليتغنين".]] فِي الْجَنَّةِ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرات حِسان، خُبِّئنا لأزواج كرام" [[ذكره الحافظ بن حجر في المطالب العالية (٤/٤٠٢) وعزاه لأبي يعلى، ونقل المحقق قول البصيري: "ورواه أبو يعلى وفيه راو لم يسم". ورواه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة برقم (٢٥٤) : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.]] . قُلْتُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بدُحَيْم، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْك، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابنٍ لَأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٣٢) من طريق دحيم به، ورواه البيهقي في البعث برقم (٤٢٠) من طريق ابن عبد الحكم، وابن أبي داود في البعث برقم (٧٥) عن كثير بن عبيد كلاهما عن ابن أبي فديك به نحوه، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٨٧) "مجمع البحرين" من طريق الحسن بن داود عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذئب، عن عون بن الخطاب عن أنس به نحوه. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٢٢٦) : "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده مقارب، ورواه البيهقي عن ابن لأنس لم يسمه عن أنس" وأشار البخاري إلى اختلاف فيه في التاريخ الكبير (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوِ: ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ: زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فَتَقْدِيرُهُ: أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . رُوِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّاراني -رَحِمَهُ اللَّهُ-قَالَ: صليتُ لَيْلَةً، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو، وَكَانَ البردُ شَدِيدًا، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ! قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: فِي أَسْنَانِهِمْ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرّيّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الألُوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ-عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردا مُردًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُمْ عَلَى خَلْق آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) والمعجم الأوسط برقم (٤٨٩٤) "مجمع البحرين".]] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غريب [[سنن الترمذي برقم (٢٥٤٥) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثه عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدون بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٥٦٢) ورواه من طريق ابن وهب وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٥٩) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا روَّاد بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْن يُوسُفَ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُون" [[صفة الجنة لابن أبي الدنيا برقم (٢١٥) .]] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث [[في أ: "يدخل".]] أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثلاثٍ وَثَلَاثِينَ، جُردًا مُردًا مُكَحَّلِينَ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ" [[البعث لابن أبي داود برقم (٦٤) وانظر كلام المحقق الفاضل في سماع هارون بن رئاب عن أنس.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ بَشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -قَالَ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ-قَالَ: أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "عُرضت عليَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ -وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٨]-قَالَ: حَتَّى مرَّ عليَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قلتُ: رَبِّي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ [[في م: "ومن تبعه".]] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ [[في م، أ: "الضراب".]] . قَالَ: "فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ". قَالَ: "قَالَ: أَرَضِيتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: "قَدْ رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ. قَالَ: أَرَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ، رَبِّ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ: وَأَنْشَأَ عُكَّاشة بْنُ مُحْصَن مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ بَدْريًّا-قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". قَالَ: أَنْشَأَ [[في م: "ثم أنشأ".]] رَجُلٌ آخَرُ، قال: يا نبي الله، ادع الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ -فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي-أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا [[في م: "ولا تكونوا".]] مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ [[في أ: "الضراب".]] ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تأشَّبوا حَوْلَهُ" [[في م: "حوالهم".]] . ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: فَقُلْنَا بَيْنَنَا: مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟ فَقُلْنَا: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا. قَالَ: فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٠٩) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي" [[تفسير الطبري (٢٧/١١٠) ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٨٧) من طريق محمد بن كثير، عن سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش به، وقال ابن عدي: "أبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".]] .
56:41

وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:42

فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:43

وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:44

لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:45

إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:46

وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:47

وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:48

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:49

قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:50

لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:51

ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:52

لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:53

فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:54

فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:55

فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:56

هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ

لَمَّا [[في م: "ولما".]] ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُمْ فِيهِ أَصْحَابُ الشِّمَالِ؟ ثُمَّ فَسَّر ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وَهُوَ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وَهُوَ: الْمَاءُ الْحَارُّ. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظِلُّ الدُّخَانِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَأَبُو صَالِحٍ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٤] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وَهُوَ الدُّخَّانُ الْأَسْوَدُ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ طَيِّبَ الْهُبُوبِ وَلَا حَسَن الْمَنْظَرِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَا كَرِيمِ الْمَنْظَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَرَابٍ لَيْسَ بِعَذْبٍ فَلَيْسَ بِكَرِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْعَرَبُ تَتْبَعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي النَّفْيِ، فَيَقُولُونَ: "هَذَا الطَّعَامُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَلَا كَرِيمٍ، هَذَا اللَّحْمُ لَيْسَ بِسَمِينٍ وَلَا كَرِيمٍ، وَهَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ وَلَا كَرِيمَةٍ". ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أَيْ: كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ مُقْبِلِينَ عَلَى لَذَّاتِ أَنْفُسِهِمْ، لَا يَلْوُونَ عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أَيْ: يُصَمِّمون وَلَا يَنْوُونَ تَوْبَةً ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَجَعْلُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الشِّرْكُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ﴾ ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مُكَذِّبِينَ بِهِ مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيُجْمَعُونَ إِلَى عَرَصات الْقِيَامَةِ، لَا نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٣-١٠٥] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أَيْ: هُوَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ مُحَدَّد، لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ ويُسَجَرون حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْ شَجَرِ الزَّقُّومِ، حتى يملؤوا مِنْهَا بُطُونَهُمْ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وَهِيَ الْإِبِلُ الْعِطَاشُ، وَاحِدُهَا أَهْيَمُ، وَالْأُنْثَى هَيْمَاءُ، وَيُقَالُ: هَائِمٌ وَهَائِمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ: الهِيم: الْإِبِلُ الْعِطَاشُ الظِّمَاءُ. وَعَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ: الْهِيمُ: الْإِبِلُ الْمِرَاضُ، تَمص الْمَاءَ مَصًّا وَلَا تَرْوَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهِيمُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَلَا تَرْوَى أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لَا يَرْوُونَ مِنَ الْحَمِيمِ أَبَدًا. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ شُرْبَ الْهِيمِ عَبَّة وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَفَّسَ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ ضِيَافَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٠٧] أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً.
56:57

نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:58

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:59

ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:60

نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:61

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:62

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُقررًا لِلْمَعَادِ [[في أ: "للعباد".]] ، وَرَدًّا عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦] ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: نَحْنُ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِقَادِرٍ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ! ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَامِ وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا، أَمِ اللَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أَيْ: صَرَّفْنَاهُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أَيْ: وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَيْ: نُغَيِّرُ خُلُقَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، فَهَلَّا تَتَذَكَّرُونَ وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذِهِ النَّشْأَةِ -وَهِيَ البَداءة-قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْإِعَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٧] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧-٧٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ [القيامة: ٣٦-٤٠] .
56:63

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:64

ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّـٰرِعُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:65

لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:66

إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:67

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:68

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:69

ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:70

لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:71

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:72

ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:73

نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:74

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ

يَقُولُ: ﴿. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ؟ وَهُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِثَارَتُهَا وَالْبَذْرُ فِيهَا، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أَيْ: تُنْبِتُونَهُ فِي الْأَرْضِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نُقِرُّه قَرَارَهُ وَنُنْبِتُهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقُولَنَّ: زرعتُ، وَلَكِنْ قُلْ: حرثتُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُسْلِمٍ، الْجَمِيعُ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١١٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/١٣٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين به نحوه وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٨/٢٣) وأشار البيهقي إلى ضعفه فقال بعد أن ذكره من قول مجاهد: "وقد روى فيه حديث مرفوع غير قوي".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَقُولُوا: زَرَعْنَا وَلَكِنْ قُولُوا: حَرَثْنَا. وَرُوِيَ عَنْ حُجْر المدَرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَأَمْثَالَهَا يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَبِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أَيْ: نَحْنُ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا وَرَحْمَتِنَا، وَأَبْقَيْنَاهُ لَكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، أَيْ: لَأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْصَادِهِ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَةِ، تُنَوِّعُونَ كَلَامَكُمْ، فَتَقُولُونَ تَارَةً: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أَيْ: لَمُلْقَون. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: إِنَّا لَمُولَعٌ بِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُعَذَّبُونَ. وَتَارَةً تَقُولُونَ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مُلْقَوْنَ لِلشَّرِّ، أَيْ: بَلْ نَحْنُ مُحَارَفون، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ لَنَا مال، ولا ينتج لنا ربح. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَيْ: مَجْدُودُونَ، يَعْنِي: لَا حَظَّ لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ : تَعْجَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعِكُمْ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُصِيبُوا فِي مَالِهِمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٧/١١٥) .]] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تُلَاوِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تَنْدَمُونَ. وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ، أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ [[في أ: "قال السدي".]] : تَفَكَّهَ مِنَ الْأَضْدَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى تَنَعَّمْتُ، وَتَفَكَّهْتُ بِمَعْنَى حَزِنْتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. ﴿. أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ﴾ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أَيْ: زُعاقًا مُرًّا لَا يَصْلُحُ لِشُرْبٍ وَلَا زَرْعٍ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: فَهَلَّا تَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ عَذْبًا زُلَالًا! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠، ١١] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا فُضَيل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا" [[وهذا مرسل وعزاه الهندي في كنز العمال (٧/١١١) إلى أبي نعيم في الحلية.]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أَيْ: تَقْدَحُونَ مِنَ الزِّنَادِ وَتَسْتَخْرِجُونَهَا [[في م: "وتستخرجون".]] مِنْ أَصْلِهَا. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ أَيْ: بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ جَعَلْنَاهَا مُودَعَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَلِلْعَرَبِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ، وَالْأُخْرَى: العَفَار، إِذَا أُخِذَ مِنْهُمَا غُصْنَانِ أَخْضَرَانِ فحُك أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، تَنَاثَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا شَرَرُ النَّارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيْ تُذَكّر النارَ الْكُبْرَى. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا قَوْمِ، نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ! قَالَ: "قَدْ ضُربت بِالْمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ -أَوْ: مَرَّتَيْنِ-حَتَّى يَسْتَنْفِعَ بها بنو آدم ويدنوا منها" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٧/١١٧) .]] . وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَضُرِبَتْ بِالْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةً لِأَحَدٍ" [[المسند (٢/٢٤٤) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةٌ فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .]] . وَفِي لَفْظٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْن بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي السُّهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتُدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ [دُخَانِ] [[زيادة من المعجم الأوسط للطبراني.]] نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٤٣) "مجمع البحرين".]] . قَالَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ [[في م، أ: "وقد رواه أبو".]] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ: مَعْنَى ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسَافِرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: "أَقْوَتِ الدَّارُ إِذَا رَحَلَ أَهْلُهَا". وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيُّ والقَوَاء: الْقَفْرُ الْخَالِي الْبَعِيدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْمُقْوِي هُنَا الجائع. وقال ليث ابن أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، لِكُلٍّ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا النَّارُ. وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ الْمُسْتَمْتِعِينَ، النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَكَذَا ذُكِرَ عن عكرمة. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ الْكُلُّ [[في م، أ: "الجميع".]] مُحْتَاجُونَ لِلطَّبْخِ وَالِاصْطِلَاءِ وَالْإِضَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَوْدَعَهَا فِي الْأَحْجَارِ، وَخَالِصِ الْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْمُسَافِرُ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ فِي مَتَاعِهِ وَبَيْنَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ أَخْرَجَ زَنْدَهُ وَأَوْرَى، وَأَوْقَدَ نَارَهُ فَأَطْبَخَ بِهَا وَاصْطَلَى، وَاشْتَوَى وَاسْتَأْنَسَ بِهَا، وَانْتَفَعَ بِهَا سَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ. فَلِهَذَا أُفْرِدَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِدَاش حَبَّان بْنِ زَيد الشَّرعَبي الشَّامي، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَرَن، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: النَّارِ وَالْكَلَأِ وَالْمَاءِ" [[المسند (٥/٣٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٤٧٧) .]] . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ هَذَا وَزِيَادَةُ: "وَثَمَنُهُ حَرَامٌ" [[سنن ابن ماجه برقم (٢٤٧٢) .]] . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاش بْنِ حَوْشب" وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَضَادَّةَ الْمَاءَ الْعَذْبَ الزُّلَالَ الْبَارِدَ، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا كَالْبِحَارِ الْمُغْرِقَةِ. وَخَلَقَ النَّارَ الْمُحْرِقَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَ هَذِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ فِي مَعَاشِ دُنْيَاهُمْ، وَزَاجِرًا لَهُمْ فِي الْمَعَادِ.
56:75

۞فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:76

وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:77

إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:78

فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:79

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:80

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:81

أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:82

وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ

قَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ يَسْتَفْتِحُ بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "لَا" هَاهُنَا زَائِدَةٌ، وَتَقْدِيرُهُ: أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر. وَيَكُونُ جَوَابُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ "لَا" زَائِدَةً لَا مَعْنًى لَهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ مُقْسَمًا بِهِ عَلَى مَنْفِيٍّ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ" وَهَكَذَا هَاهُنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: "لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كِهَانَةٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ: أُقْسِمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، فَقَالَ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي: نُجُومَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا [[في أ: "متفرقا".]] فِي السِّنِينَ بَعْدُ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرة الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فنجَّمَته السَّفرة عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نُجُومِ الْقُرْآنِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة، وَمُجَاهِدٌ، والسُّدِّيّ، وَأَبُو حَزْرَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فِي السَّمَاءِ، وَيُقَالُ: مَطَالِعُهَا وَمَشَارِقُهَا. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: مَوَاقِعُهَا: مَنَازِلُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ انْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْأَنْوَاءَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مُطِروا، قَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: وَإِنَّ هَذَا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ [[في أ: "لو علمتم".]] عَظَمَتَهُ لَعَظَّمْتُمُ الْمُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَكِتَابٌ عَظِيمٌ. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أَيْ: مُعَظَّمٌ فِي كِتَابٍ مُعَظَّمٍ مَحْفُوظٍ مُوَقَّرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى [[في م، أ: "موسى ابن إسماعيل".]] ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمٍ -هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ [لَا يَمَسُّهُ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [[زيادة من م.]] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. وَكَذَا قَالَ أَنَسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ، وَالْمُنَافِقُ الرَّجِسُ. وَقَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: زَعَمت كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] . وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفُ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ [[صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠) .]] . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزم: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ [[الموطأ (١/١٩٩) .]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي صَحِيفَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ" [[المراسيل برقم (٢٥٧) .]] . وَهَذِهِ وِجَادةٌ جَيِّدَةٌ. قَدْ قَرَأَهَا الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي [[في أ: "لا ينبغي".]] الْأَخْذُ بِهِ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ [[سنن الدارقطني (١/١٢، ١٢٢) .]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ [اللَّهِ] [[زيادة من أ.]] رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ كِهَانَةٌ، أَوْ شِعر، بَلْ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْية فِيهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ نَافِعٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ مُكَذِّبُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَزْرَة، والسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: تُرِيدُونَ أَنْ تُمَالِئُوهُمْ فِيهِ وَتَرْكَنُوا إِلَيْهِمْ. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ بِمَعْنَى شُكْرِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، أَيْ: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَرَآهَا: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ [[في أ: "بشكركم".]] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنوءةَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الأعلى، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يَقُولُ: "شُكْرَكُمْ ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا، بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[المسند (١/١٠٨) .]] . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُخَوَّل [[في أ: "عن محمد".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّهْدِيِّ -وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْر، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ إِسْرَائِيلَ، بِهِ مَرْفُوعًا [[تفسير الطبري (٢٧/١١٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ-بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَرْفَعْهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا مُطِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كيْسَان، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنّي أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صلاة الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (١/١٩٢) وصحيح البخاري برقم (٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (٧١) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٦) وسنن النسائي (٣/١٦٤) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وعَمْرو بْنُ سَوّاد، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا". تَفَرَّد بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٧٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُصْبِحُ القومَ بِالنِّعْمَةِ أَوْ يُمسيهم بِهَا فَيُصْبِحُ بِهَا قَوْمٌ كَافِرِينَ يَقُولُونَ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ-: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: وَنَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي هُرَيرة، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا اسْتَسْقَى الْتَفَتَ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا. قَالَ: فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِروا [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَهَذَا مَحمول عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ الْعَادَةَ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ يُؤَثِّرُ بِنَفْسِهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنِ اعْتِقَادِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فَاطِرٍ:٢] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ -أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرِهِ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا -وَمُطِرُوا-يَقُولُ: مُطِرنا بِبَعْضِ عَشَانين الْأَسَدِ. فَقَالَ: "كَذَبْتَ! بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الصِّرَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَزْدِيُّ [[في أ: "الأودي".]] ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مُطِر قَوْمٌ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ قَوْمٌ بِهَا كَافِرِينَ" [[في أ: "كافرون" وهو خطأ.]] . ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يَقُولُ قَائِلٌ: مُطِرنا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٠) .]] . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "لَوْ قُحِطَ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مُطِرُوا لَقَالُوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ المِجْدَح" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٠٦) "موارد" من طريق عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد بلفظ: "لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدح".]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ: قَوْلُهُمْ فِي الْأَنْوَاءِ: مُطِرنا بِنَوْءِ كَذَا، وَبِنَوْءِ كَذَا، يَقُولُ: قُولُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رِزْقُهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْحَسَنُ فَكَانَ يَقُولُ: بِئْسَ مَا أَخَذَ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا التَّكْذِيبَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا: وَتَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَبْلَهُ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
56:83

فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أَيِ: الرُّوحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كَمَا قَالَ: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٦، ٣٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: إِلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَا يُكابده مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بِمَلَائِكَتِنَا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١، ٦٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ : مَعْنَاهُ: فَهَلَّا تَرجعُون هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَكَانِهَا الْأَوَّلِ [[في م: "الأولى".]] ، وَمَقَرِّهَا فِي الْجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُحَاسَبِينَ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّيّ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالْحَسَنُ البَصْرِي: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّكُمْ تُدانون وَتُبْعَثُونَ وَتُجْزَوْنَ، فَرُدُّوا هَذِهِ النَّفْسَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُوقِنِينَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: غَيْرَ مُعَذَّبِينَ مَقْهُورِينَ.
56:84

وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أَيِ: الرُّوحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كَمَا قَالَ: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٦، ٣٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: إِلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَا يُكابده مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بِمَلَائِكَتِنَا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١، ٦٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ : مَعْنَاهُ: فَهَلَّا تَرجعُون هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَكَانِهَا الْأَوَّلِ [[في م: "الأولى".]] ، وَمَقَرِّهَا فِي الْجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُحَاسَبِينَ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّيّ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالْحَسَنُ البَصْرِي: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّكُمْ تُدانون وَتُبْعَثُونَ وَتُجْزَوْنَ، فَرُدُّوا هَذِهِ النَّفْسَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُوقِنِينَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: غَيْرَ مُعَذَّبِينَ مَقْهُورِينَ.
56:85

وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أَيِ: الرُّوحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كَمَا قَالَ: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٦، ٣٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: إِلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَا يُكابده مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بِمَلَائِكَتِنَا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١، ٦٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ : مَعْنَاهُ: فَهَلَّا تَرجعُون هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَكَانِهَا الْأَوَّلِ [[في م: "الأولى".]] ، وَمَقَرِّهَا فِي الْجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُحَاسَبِينَ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّيّ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالْحَسَنُ البَصْرِي: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّكُمْ تُدانون وَتُبْعَثُونَ وَتُجْزَوْنَ، فَرُدُّوا هَذِهِ النَّفْسَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُوقِنِينَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: غَيْرَ مُعَذَّبِينَ مَقْهُورِينَ.
56:86

فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أَيِ: الرُّوحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كَمَا قَالَ: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٦، ٣٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: إِلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَا يُكابده مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بِمَلَائِكَتِنَا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١، ٦٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ : مَعْنَاهُ: فَهَلَّا تَرجعُون هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَكَانِهَا الْأَوَّلِ [[في م: "الأولى".]] ، وَمَقَرِّهَا فِي الْجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُحَاسَبِينَ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّيّ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالْحَسَنُ البَصْرِي: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّكُمْ تُدانون وَتُبْعَثُونَ وَتُجْزَوْنَ، فَرُدُّوا هَذِهِ النَّفْسَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُوقِنِينَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: غَيْرَ مُعَذَّبِينَ مَقْهُورِينَ.
56:87

تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أَيِ: الرُّوحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كَمَا قَالَ: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٦، ٣٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: إِلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَا يُكابده مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: بِمَلَائِكَتِنَا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهُمْ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦١، ٦٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ : مَعْنَاهُ: فَهَلَّا تَرجعُون هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَكَانِهَا الْأَوَّلِ [[في م: "الأولى".]] ، وَمَقَرِّهَا فِي الْجَسَدِ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُحَاسَبِينَ. ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّيّ، وَأَبِي حَزْرَة، مِثْلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالْحَسَنُ البَصْرِي: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّكُمْ تُدانون وَتُبْعَثُونَ وَتُجْزَوْنَ، فَرُدُّوا هَذِهِ النَّفْسَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُوقِنِينَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران: غَيْرَ مُعَذَّبِينَ مَقْهُورِينَ.
56:88

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:89

فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:90

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:91

فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:92

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:93

فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:94

وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:95

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .
56:96

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ

هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَحْوَالُ النَّاسِ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [[في أ: "المقربين العلية".]] ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ دُونَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، الْجَاهِلِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وَهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضَ الْمُبَاحَاتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أَيْ: فَلَهُمْ رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، وَتُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَقُولُ: "أَيَّتُهَا الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ [[في م، أ: "علي بن أبي طلحة".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الرَّوْحَ: الِاسْتِرَاحَةُ. وَقَالَ أَبُو حَزْرَة: الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَالسُّدِّيُّ: الرَّوْحُ: الْفَرَحُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ : جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ [[في أ: "فروح وريحان".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ : وَرِزْقٌ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُقَرَّبًا حَصَلَ لَهُ جميعُ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّاحَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالرِّزْقِ الْحَسَنِ، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى يُؤْتَى بِغُصْنٍ مِنْ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ، فَيُقْبَضَ رُوحُهُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَمُوتُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَعْلَمَ: أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] أَهْلِ النَّارِ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاحْتِضَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] ، [[زيادة من م.]] ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَاهُنَا لَكَانَ حَسَنًا! وَمِنْ جُمْلَتِهَا حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: انْطَلِقْ إِلَى فُلَانٍ [[في م، أ: "إلى وليي".]] فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَرَّبْتُهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، ائْتِنِي بِهِ فَلَأُرِيحَنَّهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ وحَنُوط مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعَهُمْ ضَبَائر الرَّيْحَانِ، أَصِلُ الرَّيْحَانَةِ وَاحِدٌ وَفِي رَأْسِهَا عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا رِيحٌ سِوَى رِيحِ صَاحِبِهِ، وَمَعَهُمُ الْحَرِيرُ الْأَبْيَضُ فِيهِ الْمِسْكُ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [[انظر: تفسير سورة إبراهيم الآية: ٢٧.]] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ [[في م: "فقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ بُدَيل بْنِ مَيْسَرَةَ [[في أ: "بن قيس".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَعْوَرُ-بِهِ [[المسند (٦/٦٤) وسنن أبي داود برقم (٣٩٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٩٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٦٦) .]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ فقرؤوا: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ دُرَّةَ بِنْتَ مُعَاذٍ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مُتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَكُونُ النَسمُ [[في م، أ: "النسمة".]] طَيْرًا يَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" [[المسند (٦/٤٢٤) .]] . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمَعْنَى "يَعْلُقُ": يَأْكُلُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمة الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" [[المسند (٣/٤٥٥) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ عَظِيمٌ، وَمَتْنٌ قَوِيمٌ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ [[في م: "في رياض الجنة".]] حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ" [[تقدم الحديث عند تفسير الآية: ١٦٩ من سورة آل عمران، وانظر تخريجه هناك.]] الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى: رَأَيْتُ شَيْخًا [[في أ: "شخصا".]] أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَتْبَعُ جِنَازَةً، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". قَالَ: فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ: "مَا يُبكيكم؟ " فَقَالُوا: إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا حُضِر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ، فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ] ﴾ [[زيادة من م.]] فَإِذَا بُشِّر بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ الله، والله للقاءه أَكْرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[المسند (٤/٢٥٩) .]] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٨٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ: تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: سَلَامٌ لَكَ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَنْتَ إِلَى سَلَامَةٍ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَلِمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وسَلَّمت عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ عِكْرِمَة تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠-٣٢] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسلم لَكَ، أَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأُلْغِيَتْ "إِنَّ" [[في م: "من".]] وَهُوَ: مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدق مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: سَقْيًا لَكَ مِنَ الرِّجَالِ، إِنْ رَفَعْتَ "السَّلَامَ" فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٥) "فتح".]] . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تفسير الطبري (٢٧/١٢٣) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُحْتَضَرُ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، ﴿فَنزلٌ﴾ أَيْ: فَضِيَافَةٌ ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَهُوَ الْمُذَابُ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أَيْ: وَتَقْرِيرٌ لَهُ فِي النَّارِ الَّتِي تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ" وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الْأَعْلَى:١] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٢٨٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (٨٨٧) .]] . وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٤) .]] ، وَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[سنن الترمذي برقم (٣٤٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٣) لكن النسائي رواه من طريق حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير خلافا للترمذي، فإنه لم يذكر في هذه الرواية حجاج الصواف فليتنبه.]] ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزبير. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمارة بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن فضيل، بإسناده، مثله [[صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) وسنن الترمذي برقم (٣٤٦٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٦٦) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٦) .]] .