Ibn Kathir (d. 774 AH) · Surah 5 · 120 verses
5:1يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
[وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ] [[زيادة من ر، أ.]]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضر، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبان، عَنْ لَيْث، عَنْ شَهر بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: إِنِّي لَآخِذَةٌ [[في د: "لآخذة يوما".]] بزِمَام العَضْباء ناقةِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر: "النبي".]] ﷺ، إِذْ نَزَلَتْ [[في د: "إذ أنزلت".]] عَلَيْهِ الْمَائِدَةُ كُلُّهَا، وَكَادَتْ مِنْ ثِقْلِهَا تَدُقّ عَضُد الناقةَ [[المسند (٦/٤٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق".]] .
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ [[في ر: "صباح".]] بنِ سُهَيْل، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّهَا؛ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسِير مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فنزلت عَلَيْهِ سُورَةُ الْمَائِدَةِ، فاندَقَّ عُنُق الرَّاحِلَةِ مِنْ ثِقْلِهَا [[ورواه ابن أبي شيبة في مسنده، والبغوي في معجمه، والبيهقي في دلائل النبوة كما في الدر المنثور (٣/٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي [[في ر: "الختلي"، وفي أ: "الجبلي".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٢/١٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه وقد يحسن حديثه".]] وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْب، عَنْ حُيَيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَالْفَتْحِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " [سُورَةُ النَّصْرِ: ١] .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ [[في ر: "بإسناده نحوه".]] نَحْوَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٦٣) والمستدرك (٢/٣١١) .]] .
وَقَالَ الْحَاكِمُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ [[في أ: "محمد".]] بْنُ نَصْرٍ قَالَ: قُرئ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْر قَالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لِي: يَا جُبَيْرُ، تَقْرَأُ الْمَائِدَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ [[في ر: "نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم".]] فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا من حرام فحرموه. ثم قال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، وَزَادَ: وَسَأَلْتُهَا [[في ر، أ: "فسألتها".]] عَنْ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتِ: الْقُرْآنُ. وَرَاوَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ [[المستدرك (٢/٣١١) والمسند (٦/١٨٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٣٨) .]] .
* *
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيْم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مِسْعَر، حَدَّثَنِي مَعْن وعَوْف -أَوْ: أَحَدِهِمَا-أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: اعْهَدْ إليَّ. فَقَالَ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارْعِها سَمْعَك، فَإِنَّهُ خَيْر يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَر يَنْهَى عَنْهُ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -دُحيم-حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افْعَلُوا، فَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سنَان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيد [[في أ: "محمد بن سنان".]] حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهُوَ فِي التَّوْرَاةِ: "يَا يها الْمَسَاكِينُ".
فَأَمَّا [[في ر: "فإنه".]] مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ الْبَغْدَادِيِّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ-عَنْ عِيسَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَة، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلَّا أَنَّ عَلِيًّا سَيِّدُهَا وَشَرِيفُهَا وَأَمِيرُهَا، وَمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ إِلَّا قَدْ عُوتِبَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يعاتبْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. فَهُوَ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِيسَى بْنُ رَاشِدٍ هَذَا مَجْهُولٌ، وَخَبَرُهُ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً-إِلَّا أَنَّهُ شِيعِيٌّ غالٍ، وَخَبَرُهُ فِي مِثْلِ هَذَا فِيهِ تُهمة فَلَا يُقْبَلُ. وَقَوْلُهُ: "وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا عُوتِبَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيًّا" إِنَّمَا يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْآيَةِ الْآمِرَةِ بِالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَر غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا عليٌّ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [[في ر، أ: "صدقة".]] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ: ١٣] وَفِي كَوْنِ هَذَا عِتَابًا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ كَانَ نَدْبًا لَا إِيجَابًا، ثُمَّ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَلَمْ يَرَ [[في أ: "فلم يصدر".]] مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافَهُ. وَقَوْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ: "إِنَّهُ لَمْ يُعَاتَبْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ" فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ الَّتِي فِيهَا الْمُعَاتَبَةُ عَلَى أَخْذِ الفِداء عَمَّت جَمِيعَ مَنْ أَشَارَ بِأَخْذِهِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا عُمر بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعُلِمَ بِهَذَا، وَبِمَا تَقَدَّمَ ضَعفُ هَذَا الْأَثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ [[بداية تفسير الآيات من المخطوطة د.]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْث، حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كُتب لِعَمْرِو بْنِ حَزْم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْران، وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، فِيهِ: هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فَكَتَبَ الْآيَاتِ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [[تفسير الطبري (٩/٤٥٤) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: هَذَا كتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا، الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْم، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقه أَهْلَهَا وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ. فَكَتَبَ [[في د: "كتب".]] لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عَهْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ" [[ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٤١٣) من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير به.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِالْعُقُودِ: الْعُهُودَ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ [[في د: "عليه".]] قَالَ: وَالْعُهُودُ مَا كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ [[في د، أ: "والعقود ما كانوا يتعاقدون".]] عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْفِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يَعْنِي بِالْعُهُودِ: يَعْنِي مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَد فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَلَا [[في د، ر، أ: "ولا".]] تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا، ثُمَّ شَدَّدَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ [[في د: "ما أحل الله وحرم"، وفي ر: "ما أحل وحرم".]] وَمَا أَخَذَ اللَّهُ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَالْكِتَابِ أَنْ يُوفُوا بِمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: هِيَ سِتَّةٌ: [[في ر، أ: "سنة".]] عَهْدُ اللَّهِ، وَعَقْدُ الْحِلْفِ، وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْيَمِينِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ خَمْسَةٌ مِنْهَا: حِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا خِيَارَ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْعَقْدِ وَثُبُوتِهِ، فَيَقْتَضِي نَفْيَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ. وَخَالَفَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُمْهُورُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيِّعان بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] وَفِي لفْظ لِلْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[اللفظ في صحيح البخاري برقم (٢١١٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ الْمُتَعَقِّبِ لِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ هَذَا مُنَافِيًا لِلُزُومِ الْعَقْدِ، بَلْ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ شَرْعًا، فَالْتِزَامُهُ مِنْ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾ هِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَنِينِ إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا ذُبِحَتْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مُجالد، عَنْ أَبِي الودَّاك جَبْرِ بْنِ نَوْف، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّاةَ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: "كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٢٧) وسنن الترمذي برقم (١٤٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٩٩) .]] .
[وَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَتَّاب بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَدَّاحُ الْمَكِّيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٢٨) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَيْتَةَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَنْعَامِ إِلَّا أَنَّهَا تَحْرُمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يَعْنِي: مِنْهَا. فَإِنَّهُ حَرَامٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، وتلاحقُه؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: إِلَّا مَا سَيُتْلَى [[في د: "يتلى".]] عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ بعضها في بعض الأحوال.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ [[في د، ر، أ: "بالأنعام".]] مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَنْعَامِ: مَا يَعُمُّ الْإِنْسِيَّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمَا يَعُمُّ الْوَحْشِيَّ كَالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ، فَاسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْسِيِّ مَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْوَحْشِيِّ الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ [أَحْلَلْنَا لَكُمُ الْأَنْعَامَ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ لِمَنِ الْتَزَمَ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ وَهُوَ حَرَامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أَيْ: أَبَحْنَا تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، أَيْ: كَمَا] [[زيادة من د.]] أَحْلَلْنَا [[في د: "حللنا".]] الْأَنْعَامَ لَكُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَحَرِّمُوا الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِهَذَا وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَالْهَدْيَ والبُدن مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: شَعَائِرُ اللَّهِ مَحَارِمُهُ [الَّتِي حَرَّمَهَا] [[زيادة من د.]] أَيْ: لَا تُحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ الَّتِي حَرَّمَهَا تَعَالَى؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِتَعْظِيمِهِ، وَتَرْكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْ تَعَاطِيهِ فِيهِ [[في د: "ما نهى الله عنه فيه".]] مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالْقِتَالِ وَتَأْكِيدَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا [فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ] ﴾ [[زيادة من د، أ.]] الْآيَةَ. [التَّوْبَةِ: ٣٦] .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدة، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَر الَّذِي بَيْنَ جُمادى وَشَعْبَانَ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ تَحْرِيمِهَا إِلَى آخِرِ وَقْتٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ [[في د: " وقال ابن أبي طلحة".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي: [[في د::أي".]] لَا تَسْتَحِلُّوا قِتَالًا فِيهِ. وَكَذَا قَالَ مُقَاتل بْنُ حَيَّان، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجزَريُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، [[في د: "الشهر الحرام".]] وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَشْهَرُ التَّسْيِيرِ الْأَرْبَعَةُ، [ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ] [[زيادة من ر.]] قَالُوا: فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَهْرًا حَرَامًا مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ [[في د: "وحكى ابن جرير".]] [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ قِتَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَغَيْرِهَا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لو قلد عنقه أو ذِرَاعَيْهِ [[في د: ذراعيه أو عنقه".]] بِلِحَاءِ [[في د، ر: "لحاء".]] جَمِيعِ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْقَتْلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ ذِمَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَانٍ [[تفسير الطبري (٩/٤٧٩) .]] وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحْثٌ آخَرُ، لَهُ مَوْضِعٌ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا.
[وَ] [[زيادة من د.]] قَوْلُهُ: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ يَعْنِي: لَا تَتْرُكُوا الْإِهْدَاءَ إِلَى الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ، وَلَا تَتْرُكُوا تَقْلِيدَهَا فِي أَعْنَاقِهَا لِتَتَمَيَّزَ بِهِ عَمَّا عَدَاهَا مِنَ الْأَنْعَامِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَجْتَنِبُهَا مَنْ يُرِيدُهَا بِسُوءٍ، وَتَبْعَثُ مَنْ يَرَاهَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، فَإِنَّ مَنْ دَعَا إِلَى هدْيٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا حَج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَاتَ بِذِي الحُلَيْفة، وَهُوَ وَادِي العَقيق، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، وَكُنَّ تِسْعًا، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَطيَّب وصلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَشْعَرَ هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَانَ هَدْيُهُ إِبِلًا كَثِيرَةً تنيفُ عَلَى السِّتِّينَ، مِنْ أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الْحَجُّ:٣٢] .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِعْظَامُهَا: اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٠٤) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٨) وسنن النسائي (٧/٢١٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٤٢) .]]
وَقَالَ مُقاتل بْنُ حَيَّان: ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ فَلَا تَسْتَحِلُّوا [[في د، ر، أ: "فلا تستحلوه".]] وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَوْطَانِهِمْ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ [[في ر: "أشهر الحرم".]] قلَّدوا أَنْفُسَهُمْ بالشَّعْر والوَبَر، وَتَقَلَّدَ مُشْرِكُو الْحَرَمِ مِنْ لَحاء شَجَرِ الْحَرَمِ، فَيَأْمَنُونَ بِهِ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُسِخَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَانِ: آيَةُ الْقَلَائِدِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٢] .
وَحَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَّانَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنِ ابْنِ عَوْن قَالَ: قُلْتُ لِلْحُسْنِ: نُسِخَ مِنَ الْمَائِدَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، فَيَأْمَنُونَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهِ. وَكَذَا قَالَ مُطرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: وَلَا تَسْتَحِلُّوا قِتَالَ الْقَاصِدِينَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَكَذَا مَنْ قَصَدَهُ طَالِبًا فَضْلَ اللَّهِ وَرَاغِبًا فِي رِضْوَانِهِ، فَلَا تَصُدُّوهُ وَلَا تَمْنَعُوهُ وَلَا تُهَيِّجُوهُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، ومُطَرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ [[في أ: "وعبيد الله".]] بن عُبَيد بن عُمير، والربيع بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: التِّجَارَةَ.
وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوَانَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يترضَّون اللَّهَ بِحَجِّهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ عِكْرِمة، والسُّدِّي، وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُطم [[في د: "الحطيم".]] بْنِ هِنْدٍ الْبَكْرِيِّ، كَانَ قَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْح الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَمَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَرَادَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَعْتَرِضُوا [[في أ: "يعترضوا عليه".]] فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ .
وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ، وَإِنْ أمَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ أَوِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ فِي حَقِّهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا مَنْ قَصَدَهُ بِالْإِلْحَادِ فِيهِ وَالشِّرْكِ عِنْدَهُ وَالْكُفْرِ بِهِ، فَهَذَا يُمْنَعُ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ تِسْعٍ -لَمَّا أمَّر الصِّدِّيقَ عَلَى الْحَجِيجِ-علِيّا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى سَبِيلِ النِّيَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ، وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيان [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٧٧) من حديث أبي بكر، رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي مَنْ تَوَجَّهَ قِبَل الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَعْرِضُوا لَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ [[في ر: " وما كان" وهو خطأ.]] لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٧] وَقَالَ [تَعَالَى] : [[زيادة من ر.]] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٨] فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخٌ، كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ تَقلَّد مِنَ الشَّجَرِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ شَعرٍ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ. وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمئِذٍ لَا يُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يُقَاتِلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ، فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا [[في د، ر: "اقتلوا"، وهو خطأ.]] الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] . .
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ يعني: إن تقلدوا قِلَادَةً مِنَ الْحَرَمِ فَأَمِّنُوهُ، قَالَ: وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تُعِيرُ مَنْ أَخَفَرَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ [[وهو حذيفة بن أنس الهذلي، والبيت في تفسير الطبري (٩/٤٧٠) .]] : ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إِذْ أَعْوَرَا لَكُمْ ... يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا [[في ر: "للحاء المضفرا".]]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أَيْ: إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ وَأَحْلَلْتُمْ مِنْهُ، فَقَدْ أَبَحْنَا لَكُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنَ الصَّيْدِ. وَهَذَا أَمُرٌ بَعْدَ الْحَظْرِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَثْبُتُ عَلَى السَّبْر: أَنَّهُ يُرَدُّ الْحُكْمُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا رَدَّهُ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبٌّ، أَوْ مُبَاحًا فَمُبَاحٌ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ، يُنْتَقَضُ عَلَيْهِ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ، وَالَّذِي يَنْتَظِمُ الْأَدِلَّةَ كُلَّهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ قَرَأَ: "أَنْ صَدُّوكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ "أَنْ" وَمَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، أَيْ: لَا يَحَمِّلَنَكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ قَدْ كَانُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا [فِي] [[زيادة من د.]] حُكْمِ اللَّهِ فِيكُمْ [[في د، أ: "فيهم".]] فَتَقْتَصُّوا مِنْهُمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، بَلِ احْكُمُوا بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ فِي كُلِّ أَحَدٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨] أَيْ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضِ أَقْوَامٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ، فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا عاملتَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ، وَالْعَدْلُ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ عُثْمَانَ [[في أ: "سهل بن عفان".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابُهُ حِينَ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، وَقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُنَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ، فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ: نَصُدُّ [[في ر، أ: "قصد"]] هَؤُلَاءِ كَمَا صَدَّنَا أَصْحَابُهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[وذكره الواحدي في أسباب النزول ولم يسنده]] .
وَالشَّنَآنُ هُوَ: الْبُغْضُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ شنَأته أَشْنَؤُهُ شَنَآنًا، بِالتَّحْرِيكِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، مِنْ جَمَزَ، وَدَرَجَ، وَرَفَلَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُسْقِطُ التَّحْرِيكَ فِي شَنَآنِ، فَيَقُولُ: شَنَّانِ. قَالَ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، والبيت في تفسير الطبري (٩/٤٨٧) .]] :
ومَا العيشُ إِلَّا مَا تُحبُّ وتَشْتَهي [[في د: "إلا ما يحب ويشتهي]] وَإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشنَّان وفَنَّدَا ...
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَهُوَ الْبَرُّ، وَتَرْكِ الْمُنْكِرَاتِ وَهُوَ التَّقْوَى، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التناصر على الباطل.
وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْإِثْمُ: تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وَالْعُدْوَانُ: مُجَاوَزَةُ مَا حَدَّ اللَّهُ فِي دِينِكُمْ، وَمُجَاوَزَةُ مَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي غَيْرِكُمْ [[تفسير الطبري (٩/٤٩٠)]] .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُه مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَحْجِزُهُ تَمْنَعُهُ [[في أ: "تمنعه من الظلم".]] فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْم بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح البخاري برقم (٢٤٤٣) .]] وَأَخْرَجَاهُ [[لم أهتد إليه من هذا الطريق في الصحيحين، ولعله خطأ، فقد راجعت تحفة الأشراف للمزي فلم أجده، وقد أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٤٤) من طريق حميد، عن أنس به.]] مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمَ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّاب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في د: "النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا".]] قَالَ: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" [[المسند (٥/٣٦٥) .]] .
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، [قَالَ الْأَعْمَشُ: هُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ] [[زيادة من ر، أ.]] أَنَّهُ قَالَ:"الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ [[في أ: "لا يخالط الناس".]] وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (٢/٣٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٠٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٢) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ فُضَيْل بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الإسناد [[مسند البزار برقم (١٥٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١/١٦٦) : "فيه عيسي بن المختار، تفرد عنه بكر بن عبد الرحمن".]] .
قُلْتُ: وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ: "مَنْ دَعَا إِلَى هَدْيٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ عَبَّاسُ بْنُ يُونُسَ: إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ نِمْرَان بْنَ مخُمر حَدَّثَهُ [[في ر، أ: "حدثه أن أوس بن شرحبيل أحدبني المجمع حدثه".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، فَقَدْ خَرَجَ من الإسلام" [[المعجم الكبير (١/١٩٧) وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم ضعيف.]] .
5:2يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
[وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ] [[زيادة من ر، أ.]]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضر، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبان، عَنْ لَيْث، عَنْ شَهر بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: إِنِّي لَآخِذَةٌ [[في د: "لآخذة يوما".]] بزِمَام العَضْباء ناقةِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر: "النبي".]] ﷺ، إِذْ نَزَلَتْ [[في د: "إذ أنزلت".]] عَلَيْهِ الْمَائِدَةُ كُلُّهَا، وَكَادَتْ مِنْ ثِقْلِهَا تَدُقّ عَضُد الناقةَ [[المسند (٦/٤٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق".]] .
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ [[في ر: "صباح".]] بنِ سُهَيْل، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّهَا؛ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسِير مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فنزلت عَلَيْهِ سُورَةُ الْمَائِدَةِ، فاندَقَّ عُنُق الرَّاحِلَةِ مِنْ ثِقْلِهَا [[ورواه ابن أبي شيبة في مسنده، والبغوي في معجمه، والبيهقي في دلائل النبوة كما في الدر المنثور (٣/٣) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي [[في ر: "الختلي"، وفي أ: "الجبلي".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٢/١٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه وقد يحسن حديثه".]] وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْب، عَنْ حُيَيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَالْفَتْحِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " [سُورَةُ النَّصْرِ: ١] .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ [[في ر: "بإسناده نحوه".]] نَحْوَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٦٣) والمستدرك (٢/٣١١) .]] .
وَقَالَ الْحَاكِمُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ [[في أ: "محمد".]] بْنُ نَصْرٍ قَالَ: قُرئ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْر قَالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لِي: يَا جُبَيْرُ، تَقْرَأُ الْمَائِدَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ [[في ر: "نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم".]] فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا من حرام فحرموه. ثم قال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، وَزَادَ: وَسَأَلْتُهَا [[في ر، أ: "فسألتها".]] عَنْ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتِ: الْقُرْآنُ. وَرَاوَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ [[المستدرك (٢/٣١١) والمسند (٦/١٨٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٣٨) .]] .
* *
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيْم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مِسْعَر، حَدَّثَنِي مَعْن وعَوْف -أَوْ: أَحَدِهِمَا-أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: اعْهَدْ إليَّ. فَقَالَ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارْعِها سَمْعَك، فَإِنَّهُ خَيْر يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَر يَنْهَى عَنْهُ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -دُحيم-حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افْعَلُوا، فَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سنَان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيد [[في أ: "محمد بن سنان".]] حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَة قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهُوَ فِي التَّوْرَاةِ: "يَا يها الْمَسَاكِينُ".
فَأَمَّا [[في ر: "فإنه".]] مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ الْبَغْدَادِيِّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ-عَنْ عِيسَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَة، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلَّا أَنَّ عَلِيًّا سَيِّدُهَا وَشَرِيفُهَا وَأَمِيرُهَا، وَمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ إِلَّا قَدْ عُوتِبَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يعاتبْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. فَهُوَ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِيسَى بْنُ رَاشِدٍ هَذَا مَجْهُولٌ، وَخَبَرُهُ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً-إِلَّا أَنَّهُ شِيعِيٌّ غالٍ، وَخَبَرُهُ فِي مِثْلِ هَذَا فِيهِ تُهمة فَلَا يُقْبَلُ. وَقَوْلُهُ: "وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا عُوتِبَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلِيًّا" إِنَّمَا يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْآيَةِ الْآمِرَةِ بِالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَر غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا عليٌّ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [[في ر، أ: "صدقة".]] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ [سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ: ١٣] وَفِي كَوْنِ هَذَا عِتَابًا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ كَانَ نَدْبًا لَا إِيجَابًا، ثُمَّ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَلَمْ يَرَ [[في أ: "فلم يصدر".]] مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافَهُ. وَقَوْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ: "إِنَّهُ لَمْ يُعَاتَبْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ" فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ الَّتِي فِيهَا الْمُعَاتَبَةُ عَلَى أَخْذِ الفِداء عَمَّت جَمِيعَ مَنْ أَشَارَ بِأَخْذِهِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا عُمر بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعُلِمَ بِهَذَا، وَبِمَا تَقَدَّمَ ضَعفُ هَذَا الْأَثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ [[بداية تفسير الآيات من المخطوطة د.]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْث، حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كُتب لِعَمْرِو بْنِ حَزْم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْران، وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، فِيهِ: هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فَكَتَبَ الْآيَاتِ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [[تفسير الطبري (٩/٤٥٤) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: هَذَا كتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا، الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْم، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقه أَهْلَهَا وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ. فَكَتَبَ [[في د: "كتب".]] لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عَهْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ" [[ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٤١٣) من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير به.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِالْعُقُودِ: الْعُهُودَ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ [[في د: "عليه".]] قَالَ: وَالْعُهُودُ مَا كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ [[في د، أ: "والعقود ما كانوا يتعاقدون".]] عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْفِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يَعْنِي بِالْعُهُودِ: يَعْنِي مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ وَمَا حَد فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، فَلَا [[في د، ر، أ: "ولا".]] تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا، ثُمَّ شَدَّدَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ [[في د: "ما أحل الله وحرم"، وفي ر: "ما أحل وحرم".]] وَمَا أَخَذَ اللَّهُ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَالْكِتَابِ أَنْ يُوفُوا بِمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: هِيَ سِتَّةٌ: [[في ر، أ: "سنة".]] عَهْدُ اللَّهِ، وَعَقْدُ الْحِلْفِ، وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْيَمِينِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ خَمْسَةٌ مِنْهَا: حِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا خِيَارَ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْعَقْدِ وَثُبُوتِهِ، فَيَقْتَضِي نَفْيَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ. وَخَالَفَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْجُمْهُورُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيِّعان بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] وَفِي لفْظ لِلْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[اللفظ في صحيح البخاري برقم (٢١١٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ الْمُتَعَقِّبِ لِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ هَذَا مُنَافِيًا لِلُزُومِ الْعَقْدِ، بَلْ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ شَرْعًا، فَالْتِزَامُهُ مِنْ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾ هِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَنِينِ إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا ذُبِحَتْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مُجالد، عَنْ أَبِي الودَّاك جَبْرِ بْنِ نَوْف، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّاةَ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: "كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٢٧) وسنن الترمذي برقم (١٤٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٩٩) .]] .
[وَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَتَّاب بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَدَّاحُ الْمَكِّيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٢٨) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَيْتَةَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَنْعَامِ إِلَّا أَنَّهَا تَحْرُمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يَعْنِي: مِنْهَا. فَإِنَّهُ حَرَامٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، وتلاحقُه؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: إِلَّا مَا سَيُتْلَى [[في د: "يتلى".]] عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ بعضها في بعض الأحوال.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ [[في د، ر، أ: "بالأنعام".]] مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَنْعَامِ: مَا يَعُمُّ الْإِنْسِيَّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمَا يَعُمُّ الْوَحْشِيَّ كَالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ، فَاسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْسِيِّ مَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْوَحْشِيِّ الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ [أَحْلَلْنَا لَكُمُ الْأَنْعَامَ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ لِمَنِ الْتَزَمَ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ وَهُوَ حَرَامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أَيْ: أَبَحْنَا تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، أَيْ: كَمَا] [[زيادة من د.]] أَحْلَلْنَا [[في د: "حللنا".]] الْأَنْعَامَ لَكُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَحَرِّمُوا الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِهَذَا وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَالْهَدْيَ والبُدن مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: شَعَائِرُ اللَّهِ مَحَارِمُهُ [الَّتِي حَرَّمَهَا] [[زيادة من د.]] أَيْ: لَا تُحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ الَّتِي حَرَّمَهَا تَعَالَى؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِتَعْظِيمِهِ، وَتَرْكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْ تَعَاطِيهِ فِيهِ [[في د: "ما نهى الله عنه فيه".]] مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالْقِتَالِ وَتَأْكِيدَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا [فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ] ﴾ [[زيادة من د، أ.]] الْآيَةَ. [التَّوْبَةِ: ٣٦] .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدة، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَر الَّذِي بَيْنَ جُمادى وَشَعْبَانَ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ تَحْرِيمِهَا إِلَى آخِرِ وَقْتٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ [[في د: " وقال ابن أبي طلحة".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي: [[في د::أي".]] لَا تَسْتَحِلُّوا قِتَالًا فِيهِ. وَكَذَا قَالَ مُقَاتل بْنُ حَيَّان، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجزَريُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، [[في د: "الشهر الحرام".]] وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَشْهَرُ التَّسْيِيرِ الْأَرْبَعَةُ، [ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ] [[زيادة من ر.]] قَالُوا: فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَهْرًا حَرَامًا مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ [[في د: "وحكى ابن جرير".]] [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ قِتَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَغَيْرِهَا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لو قلد عنقه أو ذِرَاعَيْهِ [[في د: ذراعيه أو عنقه".]] بِلِحَاءِ [[في د، ر: "لحاء".]] جَمِيعِ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْقَتْلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ ذِمَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَانٍ [[تفسير الطبري (٩/٤٧٩) .]] وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحْثٌ آخَرُ، لَهُ مَوْضِعٌ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا.
[وَ] [[زيادة من د.]] قَوْلُهُ: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ يَعْنِي: لَا تَتْرُكُوا الْإِهْدَاءَ إِلَى الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ، وَلَا تَتْرُكُوا تَقْلِيدَهَا فِي أَعْنَاقِهَا لِتَتَمَيَّزَ بِهِ عَمَّا عَدَاهَا مِنَ الْأَنْعَامِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَجْتَنِبُهَا مَنْ يُرِيدُهَا بِسُوءٍ، وَتَبْعَثُ مَنْ يَرَاهَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، فَإِنَّ مَنْ دَعَا إِلَى هدْيٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا حَج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَاتَ بِذِي الحُلَيْفة، وَهُوَ وَادِي العَقيق، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، وَكُنَّ تِسْعًا، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَطيَّب وصلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَشْعَرَ هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَانَ هَدْيُهُ إِبِلًا كَثِيرَةً تنيفُ عَلَى السِّتِّينَ، مِنْ أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الْحَجُّ:٣٢] .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِعْظَامُهَا: اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٠٤) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٨) وسنن النسائي (٧/٢١٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٤٢) .]]
وَقَالَ مُقاتل بْنُ حَيَّان: ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ فَلَا تَسْتَحِلُّوا [[في د، ر، أ: "فلا تستحلوه".]] وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَوْطَانِهِمْ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ [[في ر: "أشهر الحرم".]] قلَّدوا أَنْفُسَهُمْ بالشَّعْر والوَبَر، وَتَقَلَّدَ مُشْرِكُو الْحَرَمِ مِنْ لَحاء شَجَرِ الْحَرَمِ، فَيَأْمَنُونَ بِهِ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُسِخَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَانِ: آيَةُ الْقَلَائِدِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٢] .
وَحَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَّانَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنِ ابْنِ عَوْن قَالَ: قُلْتُ لِلْحُسْنِ: نُسِخَ مِنَ الْمَائِدَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، فَيَأْمَنُونَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهِ. وَكَذَا قَالَ مُطرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: وَلَا تَسْتَحِلُّوا قِتَالَ الْقَاصِدِينَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَكَذَا مَنْ قَصَدَهُ طَالِبًا فَضْلَ اللَّهِ وَرَاغِبًا فِي رِضْوَانِهِ، فَلَا تَصُدُّوهُ وَلَا تَمْنَعُوهُ وَلَا تُهَيِّجُوهُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، ومُطَرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ [[في أ: "وعبيد الله".]] بن عُبَيد بن عُمير، والربيع بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: التِّجَارَةَ.
وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوَانَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يترضَّون اللَّهَ بِحَجِّهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ عِكْرِمة، والسُّدِّي، وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُطم [[في د: "الحطيم".]] بْنِ هِنْدٍ الْبَكْرِيِّ، كَانَ قَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْح الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَمَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَرَادَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَعْتَرِضُوا [[في أ: "يعترضوا عليه".]] فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ .
وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ، وَإِنْ أمَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ أَوِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ فِي حَقِّهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا مَنْ قَصَدَهُ بِالْإِلْحَادِ فِيهِ وَالشِّرْكِ عِنْدَهُ وَالْكُفْرِ بِهِ، فَهَذَا يُمْنَعُ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ تِسْعٍ -لَمَّا أمَّر الصِّدِّيقَ عَلَى الْحَجِيجِ-علِيّا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى سَبِيلِ النِّيَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ، وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيان [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٧٧) من حديث أبي بكر، رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي مَنْ تَوَجَّهَ قِبَل الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَعْرِضُوا لَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ [[في ر: " وما كان" وهو خطأ.]] لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٧] وَقَالَ [تَعَالَى] : [[زيادة من ر.]] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٨] فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخٌ، كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ تَقلَّد مِنَ الشَّجَرِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ شَعرٍ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ. وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمئِذٍ لَا يُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يُقَاتِلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ، فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا [[في د، ر: "اقتلوا"، وهو خطأ.]] الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] . .
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ يعني: إن تقلدوا قِلَادَةً مِنَ الْحَرَمِ فَأَمِّنُوهُ، قَالَ: وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تُعِيرُ مَنْ أَخَفَرَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ [[وهو حذيفة بن أنس الهذلي، والبيت في تفسير الطبري (٩/٤٧٠) .]] : ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إِذْ أَعْوَرَا لَكُمْ ... يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا [[في ر: "للحاء المضفرا".]]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أَيْ: إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ وَأَحْلَلْتُمْ مِنْهُ، فَقَدْ أَبَحْنَا لَكُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنَ الصَّيْدِ. وَهَذَا أَمُرٌ بَعْدَ الْحَظْرِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَثْبُتُ عَلَى السَّبْر: أَنَّهُ يُرَدُّ الْحُكْمُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا رَدَّهُ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبٌّ، أَوْ مُبَاحًا فَمُبَاحٌ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ، يُنْتَقَضُ عَلَيْهِ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ، وَالَّذِي يَنْتَظِمُ الْأَدِلَّةَ كُلَّهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ قَرَأَ: "أَنْ صَدُّوكُمْ" بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ "أَنْ" وَمَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، أَيْ: لَا يَحَمِّلَنَكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ قَدْ كَانُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا [فِي] [[زيادة من د.]] حُكْمِ اللَّهِ فِيكُمْ [[في د، أ: "فيهم".]] فَتَقْتَصُّوا مِنْهُمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، بَلِ احْكُمُوا بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ فِي كُلِّ أَحَدٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨] أَيْ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضِ أَقْوَامٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ، فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا عاملتَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ، وَالْعَدْلُ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ عُثْمَانَ [[في أ: "سهل بن عفان".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابُهُ حِينَ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، وَقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُنَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ، فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ: نَصُدُّ [[في ر، أ: "قصد"]] هَؤُلَاءِ كَمَا صَدَّنَا أَصْحَابُهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[وذكره الواحدي في أسباب النزول ولم يسنده]] .
وَالشَّنَآنُ هُوَ: الْبُغْضُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ شنَأته أَشْنَؤُهُ شَنَآنًا، بِالتَّحْرِيكِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، مِنْ جَمَزَ، وَدَرَجَ، وَرَفَلَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُسْقِطُ التَّحْرِيكَ فِي شَنَآنِ، فَيَقُولُ: شَنَّانِ. قَالَ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، والبيت في تفسير الطبري (٩/٤٨٧) .]] :
ومَا العيشُ إِلَّا مَا تُحبُّ وتَشْتَهي [[في د: "إلا ما يحب ويشتهي]] وَإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشنَّان وفَنَّدَا ...
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَهُوَ الْبَرُّ، وَتَرْكِ الْمُنْكِرَاتِ وَهُوَ التَّقْوَى، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التناصر على الباطل.
وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْإِثْمُ: تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وَالْعُدْوَانُ: مُجَاوَزَةُ مَا حَدَّ اللَّهُ فِي دِينِكُمْ، وَمُجَاوَزَةُ مَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي غَيْرِكُمْ [[تفسير الطبري (٩/٤٩٠)]] .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُه مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَحْجِزُهُ تَمْنَعُهُ [[في أ: "تمنعه من الظلم".]] فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْم بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٣/٩٩) وصحيح البخاري برقم (٢٤٤٣) .]] وَأَخْرَجَاهُ [[لم أهتد إليه من هذا الطريق في الصحيحين، ولعله خطأ، فقد راجعت تحفة الأشراف للمزي فلم أجده، وقد أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٤٤) من طريق حميد، عن أنس به.]] مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمَ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّاب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في د: "النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا".]] قَالَ: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" [[المسند (٥/٣٦٥) .]] .
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، [قَالَ الْأَعْمَشُ: هُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ] [[زيادة من ر، أ.]] أَنَّهُ قَالَ:"الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ [[في أ: "لا يخالط الناس".]] وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (٢/٣٢) وسنن الترمذي برقم (٢٥٠٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٢) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ فُضَيْل بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الإسناد [[مسند البزار برقم (١٥٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١/١٦٦) : "فيه عيسي بن المختار، تفرد عنه بكر بن عبد الرحمن".]] .
قُلْتُ: وَلَهُ شَاهِدٌ [[في أ: "شواهد".]] فِي الصَّحِيحِ: "مَنْ دَعَا إِلَى هَدْيٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ عَبَّاسُ بْنُ يُونُسَ: إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ نِمْرَان بْنَ مخُمر حَدَّثَهُ [[في ر، أ: "حدثه أن أوس بن شرحبيل أحدبني المجمع حدثه".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، فَقَدْ خَرَجَ من الإسلام" [[المعجم الكبير (١/١٩٧) وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم ضعيف.]] .
5:3حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
يُخْبِرُ تَعَالَى عِبَادَهُ خَبَرًا مُتَضَمِّنًا النَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْمِيتَةِ وَهِيَ: مَا مَاتَ مِنَ الْحَيَوَانِ حَتْف أَنْفِهِ، مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا اصْطِيَادٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ الْمُحْتَقِنِ، فَهِيَ ضَارَّةٌ لِلدِّينِ وَلِلْبَدَنِ فَلِهَذَا حَرَّمَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَسْتَثْنِي مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكُ، فَإِنَّهُ حَلَالٌ سَوَاءٌ مَاتَ بِتَذْكِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ [[الموطأ (١/٢٢) ومسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٢/٢٣٧، ٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) "موارد" كلهم من طريق صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ -من آل بني الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره. وقد صحح هذا الحديث بن خزيمة والحاكم والبيهقي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".]] ".
وَهَكَذَا الْجَرَادُ، لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالدَّمُ﴾ يَعْنِي [بِهِ] [[زيادة من د، أ.]] الْمَسْفُوحَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ المذْحِجي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو-يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ-عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنه سئل عن الطُّحَالِ فَقَالَ: كُلُوهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ دَمٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حُرم عَلَيْكُمُ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ.
وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الدَّمِ السَّافِحِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[في د: "عن ابن عمر مرفوعا".]] "أحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ ودمان، فأما الميتتان فالحوت [[في د: "فالسمك".]] والجراد، وأما الدمان فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ [[مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٢/٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣١٤) وسنن الدارقطني (٤/٢٧١) والسنن الكبرى للبيهقي (١/٢٥٤) .]] وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِدْرِيسَ [[في د: "إسماعيل بن أبي أويس".]] عَنْ أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
قُلْتُ: وَثَلَاثَتُهُمْ ضُعَفَاءُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ أَصْلَحُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَحَدُ الْأَثْبَاتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِّيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا بَشير بْنُ سُرَيج، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -وَهُوَ صُدَيّ بْنُ عَجْلَانَ-قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمِي أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ جَاؤُوا بقَصْعَة مِنْ دَمٍ، فَاجْتَمَعُوا [[في ر: "واجتمعوا"]] عَلَيْهَا يَأْكُلُونَهَا، قَالُوا: هَلُمَّ يَا صُديّ، فَكُلْ. قَالَ: قُلْتُ: وَيَحْكَمُ! إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ مُحرِّم [[في د، ر، أ: "من يحرم".]] هَذَا عَلَيْكُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [وَلَحْمُ الْخِنزيرِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ، وَزَادَ بَعْدَ هَذَا السِّيَاقِ: قَالَ: فَجَعَلْتُ أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَأْبَوْنَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُمْ: وَيَحْكُمُ، اسْقُونِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنِّي شَدِيدُ الْعَطَشِ -قَالَ: وَعَلَيَّ عَبَاءَتِي-فَقَالُوا: لَا وَلَكِنْ نَدَعُكَ حَتَّى تَمُوتَ عَطَشًا. قَالَ: فَاغْتَمَمْتُ وَضَرَبْتُ [[في د: "وجثوت".]] بِرَأْسِي فِي الْعَبَاءِ، وَنِمْتُ عَلَى الرَّمْضَاءِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، قَالَ: فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي بقَدَح مِنْ زُجَاجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَفِيهِ شَرَابٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ [شَرَابًا] [[زيادة من ر، أ.]] أَلَذَّ مِنْهُ، فَأَمْكَنَنِي مِنْهَا فَشَرِبْتُهَا، فَحَيْثُ فَرَغْتُ مِنْ شَرَابِي اسْتَيْقَظْتُ، فَلَا وَاللَّهِ مَا عَطِشْتُ وَلَا عَرِيتُ بعد تيك الشربة. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٣٣٥) من طريق محمد بن أبي الشوارب به. قال الهيثمي في المجمع (٩/٣٨٧) : "فيه بشير بن سريج وهو ضعيف".]] وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُمْشاذ [[في ر، أ: "علي بن حماد".]] عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَيَّاشٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ [[في ر: "فذكر نحوه"، وهو في المستدرك (٣/٦٤٢) وفيه صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين وغيره.]] وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "بَعْدَ تِيكَ الشَّرْبَةِ": فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: أَتَاكُمْ رَجُلٌ مِنْ سَرَاةِ قَوْمِكُمْ، فَلَمْ تَمْجعَوه بِمَذْقَةٍ، فَأْتُونِي بِمَذْقَةٍ فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، إِنِ اللَّهَ [[في ر: "إن ربي".]] أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَأَرَيْتُهُمْ بَطْنِي فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَنْشَدَ الْأَعْشَى فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ: [[أنظر القصيدة في: السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٨٦) .]]
وإياكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تقربنَّها ... وَلَا تَأْخُذَنَّ عَظْمًا حَدِيدًا فَتَفْصِدَا ...
أَيْ: لَا تَفْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ [[في د: "كما فعل".]] الْجَاهِلِيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا جَاعَ أَخَذَ شَيْئًا مُحَدَّدًا مَنْ عَظْمٍ وَنَحْوِهِ، فَيفْصِد بِهِ بِعِيرَهَ أَوْ حَيَوَانًا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، فَيَجْمَعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الدَّمِ فَيَشْرَبُهُ؛ وَلِهَذَا حرَّم اللَّهُ الدَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ قَالَ الْأَعْشَى:
وَذَا النّصُب المنصوبَ لَا تَأتينّه ... وَلَا تَعْبُدِ الْأَصْنَامَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا ...
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ يَعْنِي: إِنْسِيَّهُ وَوَحْشِيَّهُ، وَاللَّحْمُ يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ حَتَّى الشَّحْمَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحَذْلُقِ الظَّاهِرِيَّةِ فِي جُمُودِهِمْ هَاهُنَا وَتَعَسُّفِهِمْ فِي الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] أَعَادُوا الضَّمِيرَ فِيمَا فَهِمُوهُ عَلَى الْخِنْزِيرِ، حَتَّى يَعُمَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَّا إِلَى الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّحْمَ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَجْزَاءِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَمِنَ الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الْخَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنردَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠) .]] فَإِذَا كَانَ هَذَا التَّنْفِيرُ لِمُجَرَّدِ اللَّمْسِ [[في ر: "تنفيرا بمجرد ملابسته باللمس".]] فَكَيْفَ يَكُونُ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ الْأَكِيدُ عَلَى أَكْلِهِ وَالتَّغَذِّي بِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شُمُول اللَّحْمِ لِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مِنَ الشَّحْمِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ". [[صحيح البخاري برقم (٢٢٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٨١) من حديث جابر، رضي الله عنه.]]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ قَالَ لِهِرَقْلَ ملك الروم: "نهانا عن الميتة والدم". [[لم أجد هذا اللفظ في صحيح البخاري في مواضع روايته لحديث هرقل.]] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: مَا ذُبِحَ فَذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ أَنْ تُذْبَحَ [[في ر: "يذبح".]] مَخْلُوقَاتُهُ عَلَى اسْمِهِ الْعَظِيمِ، فَمَتَى عُدِل بِهَا عَنْ ذَلِكَ وَذُكِرَ عَلَيْهَا اسْمُ غَيْرِهِ مِنْ صَنَمٍ أَوْ طَاغُوتٍ أَوْ وَثَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّهَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ، إِمَّا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجَاني، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْع، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ: نَزَلَ آدَمُ بِتَحْرِيمِ أَرْبَعٍ: الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْيَاءِ [[في ر: "أشياء".]] لَمْ تَحِلَّ قَطُّ، وَلَمْ تَزَلْ حَرَامًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَلَمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَتْ لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَزَلَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ آدَمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا سِوَى ذَلِكَ فَكَذَّبُوهُ وَعَصَوْهُ. وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْجَارُودَ بْنَ أَبِي سَبْرَة -قَالَ: هُوَ جَدِّي-قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي رَيَاح [[في ر: "رياح".]] يُقَالُ لَهُ: ابْنُ وَثَيِل، وَكَانَ شَاعِرًا، نَافَرَ-غَالِبًا-أَبَا الْفَرَزْدَقِ بِمَاءٍ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ، عَلَى أَنْ يَعْقِرَ هَذَا مِائَةً مِنْ إِبِلِهِ، وَهَذَا مِائَةً مِنْ إِبِلِهِ، إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ، فَلَمَّا وَرَدَتِ الْمَاءَ قَامَا إِلَيْهَا بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَا يَكْسفان عَرَاقيبها. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى الْحُمُرَاتِ وَالْبِغَالِ يُرِيدُونَ اللَّحْمَ -قَالَ: وعَليٌّ بِالْكُوفَةِ-قَالَ: فَخَرَجَ عَلِيٍّ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْضَاءِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا فَإِنَّمَا [[في د، ر: "فإنها".]] أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا [[في ر: "بن".]] حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدة، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ أَبِي رَيْحانة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُعاقرة الْأَعْرَابِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ -هُوَ غُنْدَر-أَوْقَفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٢٠) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمة يَقُولُ: [[في أ: "يقول: كان ابن عباس يقول".]] إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ [[في د: "المتبارزين".]] أَنْ يُؤْكَلَ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ. تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا. [[سنن أبي داود برقم (٣٧٥٤)]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وَهِيَ الَّتِي تَمُوتُ بِالْخَنْقِ إِمَّا قَصْدًا أَوِ اتِّفَاقًا، بِأَنْ تَتَخبل فِي وَثَاقَتِهَا [[في ر: "وثاقها".]] فَتَمُوتُ به، فهي حرام.
وَأَمَّا ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بالخَشَب حَتَّى تُوقَذَ بِهَا [[في ر: "توقذها".]] فَتَمُوتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَى حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا.
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْمِي بالمِعراض الصَّيْدَ فَأُصِيبُ. قَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فخَزَق فَكُلْه، وَإِنْ أَصَابَهُ بعَرْضِه فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلْهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٧٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٢٩) .]]
فَفَرَّقَ بَيْنَ مَا أَصَابَهُ بِالسَّهْمِ، أَوْ بِالْمِزْرَاقِ وَنَحْوِهِ بِحَدِّهِ فَأَحَلَّهُ، وَمَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَجَعَلَهُ وَقِيذًا فَلَمْ يُحِلَّهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ هَاهُنَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا صَدَمَ الجارحةُ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
أَحَدُهُمَا: [أَنَّهُ] [[زيادة من أ.]] لَا يَحِلُّ، كَمَا فِي السَّهْمِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَيِّتٌ بِغَيْرِ جُرْحٍ فَهُوَ وَقِيذٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِإِبَاحَةِ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْعُمُومِ. وَقَدْ قَرَّرْتُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلًا فَلْيُكْتَبْ هَاهُنَا. .
فَصْلٌ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، أَوْ صَدَمَهُ، هَلْ يَحِلُّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] وَكَذَا عُمُومَاتُ حَدِيثِ عَدي [[سيأتى حديث عدي بن حاتم بتمامه.]] بْنِ حَاتِمٍ. وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ الْأَصْحَابُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ [مِنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] كَالنَّوَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ: "يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ". ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْهُمَا، فَحَمَلَ ذَلِكَ الْأَصْحَابُ مِنْهُ فَأَطْلَقُوا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْثِهِ حِكَايَتَهُ لِلْقَوْلِ بِالْحِلِّ رَشَّحَهُ قَلِيلًا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا جَزَمَ بِهِ. وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ، أَعْنِي الْحِلَّ، نَقْلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فَحَكَاهُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جَدًّا، وَلَيْسَ يُوجَدُ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ المُزَني وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ أَبُو يوسف ومحمد عن [[في ر: "بن".]] أبي حنيفة، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رحمه الله".]] وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُ أَجْرَى عَنِ [[في ر، أ: "على".]] الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَأَمَسُّ بِالْأُصُولِ [[في ر، أ: " وأمشي عن الأصول".]] الشَّرْعِيَّةِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَهُ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ قَالَ: [[في ر: "فقال".]] "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ". الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَمَا سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] عَنِ الْبَتْعِ -وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ-فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٠١) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] أَفَيَقُولُ فَقِيهٌ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَخْصُوصٌ بِشَرَابِ الْعَسَلِ؟ وَهَكَذَا هَذَا كَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الذَّكَاةِ فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا عَامًّا يَشْمَلُ ذَاكَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا صَدَمَهُ الْكَلْبُ أَوْ غَمَّه بِثِقَلِهِ، لَيْسَ مِمَّا أَنْهَرَ دَمَهُ، فَلَا يَحِلُّ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنِ الْآلَةِ الَّتِي يُذكّى بِهَا، وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يذَكَّى؛ وَلِهَذَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، حَيْثُ قَالَ: "لَيْسَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظُّفُرُ فَمُدي الْحَبَشَةِ". وَالْمُسْتَثْنَى يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ هُوَ الْآلَةُ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا ذَكَرْتُمْ.
فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ أَيْضًا، حَيْثُ يَقُولُ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ". وَلَمْ يَقُلْ: "فَاذْبَحُوا بِهِ" فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمَانِ مَعًا، يُؤْخَذُ حُكْمُ الْآلَةِ الَّتِي يُذَكَّى بِهَا، وَحُكْمُ الْمُذَكَّى، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْهَارِ دَمِهِ بِآلَةٍ لَيْسَتْ سِنًّا وَلَا ظُفُرًا. هَذَا مَسْلَكٌ.
وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي: طَرِيقَةُ المُزَني، وَهِيَ أَنَّ السَّهْمَ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِأَنَّهُ إِنْ قَتَلَ بعَرْضِه فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ خَزَق فَكُل. وَالْكَلْبُ جَاءَ مُطْلَقًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَيَّدَ هُنَاكَ مِنَ الخَزْق؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْمُوجَبِ، وَهُوَ الصَّيْدُ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ هُنَا وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ، كَمَا وَجَبَ حَمْلُ مُطْلَقِ الْإِعْتَاقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْإِيمَانِ فِي الْقَتْلِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى. وَهَذَا يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى مَنْ يَسْلَمُ لَهُ أَصْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ قَاطِبَةً، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ جَوَابٍ عَنْ هَذَا. وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ بِثِقَلِهِ، فَلَمْ يَحِلَّ قِيَاسًا عَلَى مَا قَتَلَهُ السَّهْمُ بعَرْضه [[في ر، أ: "بثقله".]] وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آلَةٌ لِلصَّيْدِ، وَقَدْ مَاتَ بِثِقْلِهِ فِيهِمَا. وَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ حَسَنٌ أَيْضًا.
مَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] عَامٌّ فِيمَا قَتَلْنَ بجرح أو غَيْرِهِ، لَكِنَّ هَذَا الْمَقْتُولَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا لَا يَخْلُو: [[في ر: "لا تخلو"]] إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَطِيحًا أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوْ مُنْخَنِقًا أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ [حُكْمِ] [[زيادة من ر، أ.]] هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تِلْكَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّارِعَ قَدِ اعْتَبَرَ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ حَالَةَ الصَّيْدِ، حَيْثُ يَقُولُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: "وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ [[في ر، أ: "بعرض".]] فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلْهُ". وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَلَ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنِ الْوَقِيذَ مُعْتَبَرٌ حَالَةَ الصَّيْدِ، وَالنَّطِيحَ لَيْسَ مُعْتَبِرًا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِحِلِّ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ لَا قَائِلَ بِهِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ مَخْصُوصَةً بِمَا صِدْنَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ لَفْظِهَا الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَأْكُولِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ الْمَحْفُوظِ. .
الْمَسْلَكُ الْآخَرُ: أَنَّ هَذَا الصَّيْدَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدِ احْتَقَنَ فِيهِ الدِّمَاءُ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الرُّطُوبَاتِ، فَلَا تَحِلُّ قِيَاسًا عَلَى الْمِيتَةِ.
الْمَسْلَكُ الْآخَرُ: أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى آخِرِهَا، مَحْكَمَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ آيَةُ التَّحْلِيلِ مُحْكَمَةٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ] ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] [[زيادة من أ.]] فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ أَصْلًا وَتَكُونُ السُّنَّةُ جَاءَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ قِصَّةُ السَّهْمِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ حُكْمَ مَا دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَزَفه المِعْرَاض فَيَكُونُ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَمَا دَخَلَ فِي حُكْمِ تِلْكَ الْآيَةِ، آيَةِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَا إِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضٍ فَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، فَيَكُونُ أَحَدَ أَفْرَادِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا سَوَاءً، إِنْ كَانَ قَدْ جَرَحَهُ الْكَلْبُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ آيَةِ التَّحْلِيلِ. وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ بَلْ صَدَمَهُ أَوْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ فَهُوَ نَطِيحٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ فَلَا يَكُونُ حَلَالًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا فَصَّل فِي حُكْمِ الْكَلْبِ، فَقَالَ مَا ذَكَرْتُمْ: إِنْ جَرَحَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَهُوَ حَرَامٌ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَلْبِ أَنْ يَقْتُلَ بِظُفُرِهِ أَوْ نَابِهِ أَوْ بِهِمَا مَعًا، وَأَمَّا اصْطِدَامُهُ هُوَ وَالصَّيْدُ فَنَادِرٌ، وَكَذَا قَتْلُهُ إِيَّاهُ بِثِقْلِهِ، فَلَمْ يُحْتَجَّ إِلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ، أَوْ لِظُهُورِ حُكْمِهِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ. وَأَمَّا السَّهْمُ وَالْمِعْرَاضُ فَتَارَةً يُخْطِئُ لِسُوءِ رَمْيِ رَامِيهِ أَوْ لِلْهَوَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ خَطَؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ إِصَابَتِهِ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ كُلًّا مِنْ حُكْمَيْهِ مُفَصِّلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْكَلْبُ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مِنَ الصَّيْدِ، ذَكَرَ حُكْمَ مَا إِذَا أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ فَقَالَ: "إِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" وَهَذَا صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ آيَةِ التَّحْلِيلِ عِنْدَ كَثِيرِينَ [[في ر: "عند كثير من العلماء".]] فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، والشعبي، والنخَعي. وإليه ذهب أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، حَتَّى قَالَ سَعْدٌ، وَسَلْمَانُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ: يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا بِضْعَةٌ. وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ، وَأَوْمَأَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى قَوْلَيْنِ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ". [[سنن أبي داود برقم (٢٨٥٢) .]]
وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار الكَلاعِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى-هُوَ اللَّاحُونِيُّ-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ -هُوَ الطَّاحِيُّ-عَنْ أَبِي إِيَاسٍ -وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا [[تفسير الطبري (٩/٥٦٥) وفي إسناده مرفوعا محمد بن دينار الأزدي ضعيف]] وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَدَّمُوا حَدِيثَ "عَديّ" عَلَى ذَلِكَ، وَرَامُوا تَضْعِيفَ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ بَعْدَ مَا انْتَظَرَ صَاحَبَهُ وَطَالَ عَلَيْهِ الْفَصْلُ وَلَمْ يَجِئْ، فَأَكَلَ مِنْهُ لِجُوعِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لَا يَخْشَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْجَوَارِحُ مِنَ الطَّيْرِ [[في ر، أ: "من الطيور".]] فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْكِلَابِ، فَيَحْرُمُ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَحْرُمُ عِنْدَ الْآخَرِينَ. وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ الطُّيُورُ وَالْجَوَارِحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهَا كَمَا يُعَلَّمُ الْكَلْبُ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُعَلَّمُ إِلَّا بِأَكْلِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْبِ لَا فِي الطَّيْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي "الْإِفْصَاحِ": إِذَا قُلْنَا: يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، فَفِي تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الطَّيْرُ وَجْهَانِ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا التَّفْرِيعَ وَالتَّرْتِيبَ، لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي تَقَعُ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ فَتَمُوتُ بِذَلِكَ، فَلَا تَحِلُّ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَسْقُطُ مِنْ جَبَلٍ. وَقَالَ قتادة: هي التي تتردى في بئر.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الَّتِي تَقَعُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ تَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ.
وَأَمَّا ﴿النَّطِيحَةُ﴾ فَهِيَ الَّتِي مَاتَتْ بِسَبَبِ نَطْحَ غَيْرِهَا لَهَا، فَهِيَ حَرَامٌ، وَإِنْ جَرَحَهَا الْقَرْنُ وَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا.
وَالنَّطِيحَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعُولَةٍ، أَيْ: مَنْطُوحَةٍ. وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ هَذِهِ البِنْيَة فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِدُونِ تَاءِ التَّأْنِيثِ، فَيَقُولُونَ: كَفٌّ خَضِيبٌ، وعينٌ كَحِيلٌ، وَلَا يَقُولُونَ: كَفُّ خَضِيبَةٍ، وَلَا عَيْنُ كَحِيلَةٍ: وَأَمَّا هَذِهِ فَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيهَا تَاءَ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: طَرِيقَةٌ طَوِيلَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أُتِيَ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ فِيهَا لِتَدُلَّ عَلَى التَّأْنِيثِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، بِخِلَافِ: عَيْنٍ كَحِيلٍ، وَكَفٍّ خَضِيبٍ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أَيْ: مَا عَدَا عَلَيْهَا أَسَدٌ، أَوْ فَهْدٌ، أَوْ نَمِرٌ، أَوْ ذِئْبٌ، أَوْ كَلْبٌ، فَأَكَلَ بَعْضَهَا فَمَاتَتْ بِذَلِكَ، فَهِيَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَالَ مِنْهَا الدِّمَاءُ وَلَوْ مِنْ مَذْبَحِهَا، فَلَا تَحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ مَا أَفْضَلَ السَّبُعُ مِنَ الشَّاةِ أَوِ الْبَعِيرِ أَوِ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عَائِدٌ عَلَى مَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ عَلَيْهِ، مِمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ مَوْتِهِ فَأَمْكَنَ تَدَارَكُهُ بِذَكَاةٍ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يَقُولُ: إِلَّا مَا ذَبَحْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَفِيهِ رُوحٌ، فَكُلُوهُ، فَهُوَ ذَكِيٌّ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا حَفْص بْنُ غِيَاثٍ [[في د: "حفص بن عياش".]] حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي قال: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قَالَ: إِنْ مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا، أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا فكُلْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هَشِيمٌ وَعَبَّادٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ، وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا.
وَهَكَذَا رُوي عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وعُبَيد بْنِ عُمير، وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ الْمُذَكَّاةَ مَتَى تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحَيَاةِ فِيهَا بَعْدَ الذَّبْحِ، فَهِيَ حَلَالٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ [[في أ: "يقول".]] أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سُئل مَالِكٌ عَنِ الشَّاةِ الَّتِي يَخْرِقُ جوفَها السَّبُعُ حَتَّى تَخْرُجَ أَمْعَاؤُهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تُذَكِّي أَيَّ شَيْءٍ يُذَكَّى مِنْهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الضَّبُعِ يَعْدُو عَلَى الْكَبْشِ، فَيَدُقُّ ظَهْرَهُ أَتُرَى أَنْ يذكى قبل أن يَمُوتَ، فَيُؤْكَلُ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] إِنْ كَانَ قَدْ بَلَّغَ السُّحْرة، فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ أَطْرَافَهُ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. قِيلَ لَهُ: وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْرَهُ؟ فَقَالَ: [[في ر: "قال".]] لَا يُعْجِبُنِي، هَذَا لَا يَعِيشُ مِنْهُ. قِيلَ لَهُ: فَالذِّئْبُ يَعْدُو عَلَى الشَّاةِ فَيَشُقُّ بَطْنَهَا وَلَا يَشُقُّ الْأَمْعَاءَ؟ فَقَالَ: إِذَا شَقَّ بَطْنَهَا فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَلَ.
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ عَامٌّ فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي بَلَغَ الْحَيَوَانُ فِيهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يَعِيشُ بَعْدَهَا، فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُخَصَّصٍ [[في أ: "مخصوص".]] لِلْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج أَنَّهُ قَالَ: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَب؟ فَقَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السنُّ والظَّفُر، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". [[صحيح البخاري برقم (٢٥٠٧) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٨) .]]
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] [[زيادة من د، ر.]] مَرْفُوعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ [[في ر، أ: "وقال".]] "أَلَا إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ". [[سنن الدارقطني (٤/٢٨٣) من طريق سعيد بن سلام، عن عبد الله بن بديل، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبي هريرة، رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بديل بن ورقاء على أورق يصيح في فجاج منى: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ألا ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق". وسعيد بن سلام ضعيف قال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وروي موقوفا على عمر بن الخطاب. رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٧٨) من طريق يحيى بن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ فُرَافِصَةَ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عُمَرَ به.]]
وَفِي [[في ر: "فأما"، وفي أ: "وأما"]] الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْعَشْرَاءِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا مِنَ اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ؟ فَقَالَ: "لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخْذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ.
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ [[المسند (٤/٣٣٤) وسنن أبي داود برقم (٢٨٢٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٨١) وسنن النسائي (٧/٢٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٨٤) .]] وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا [لَمْ] [[زيادة من ر.]] يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْج [[في أ: "وابن جرير".]] كَانَتِ النُّصُبُ حِجَارَةً حَوْلَ الْكَعْبَةِ، قَالَ [[في ر: "وقال".]] ابْنُ جُرَيْجٍ: وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، كَانَ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَنْضَحُونَ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا إِلَى الْبَيْتِ بِدِمَاءِ تِلْكَ الذَّبَائِحِ، وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ وَيَضَعُونَهُ عَلَى النُّصُبِ.
وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ الَّتِي فُعِلَتْ عِنْدَ النُّصُبِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ يُذْكَرُ [[في أ: "ولو كان قد ذكر".]] عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ فِي الذَّبْحِ عِنْدَ النُّصُبِ مِنَ الشِّرْكِ [[في أ: "من التبرك".]] الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ مَا أهل به لغير الله.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أَيْ: حَرُمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ: وَاحِدُهَا: زُلَم، وَقَدْ تَفْتَحُ الزَّايُ، فَيُقَالُ: زَلم، وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَتَعَاطَوْنَ ذَلِكَ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قِدَاحٍ ثَلَاثَةٍ، عَلَى أَحَدِهَا مَكْتُوبٌ: "أَفْعَلُ" وَعَلَى الْآخَرِ: "لَا تَفْعَلْ" وَالثَّالِثُ "غُفْل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى الْوَاحِدِ: "أَمَرَنِي رَبِّي" وَعَلَى الْآخَرِ: "نَهَانِي رَبِّي". وَالثَّالِثُ غُفْلٌ [[في د، ر: "عطل".]] لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِذَا أَجَالَهَا فَطَلَعَ السَّهْمُ الْآمِرُ فَعَلَهُ، أَوِ النَّاهِي تَرَكَهُ، وَإِنْ طَلَعَ الْفَارِغُ أَعَادَ [الِاسْتِقْسَامَ.] [[زيادة من ر، أ.]]
وَالِاسْتِقْسَامُ: مَأْخُوذٌ مِنْ طَلَبِ القَسم مِنْ هَذِهِ الْأَزْلَامِ. هَكَذَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قَالَ: وَالْأَزْلَامُ: قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، ومُقَاتِل بْنِ حَيَّان.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْقِدَاحُ، كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا الْأُمُورَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: أَنَّ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ صَنَمٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ: هُبَل، وَكَانَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، مَنْصُوبٌ عَلَى بِئْرٍ فِيهَا، تُوضَعُ الْهَدَايَا وَأَمْوَالُ الْكَعْبَةِ فِيهِ، كَانَ عِنْدَهُ سَبْعَةُ أَزْلَامٍ مَكْتُوبٌ فِيهَا مَا يَتَحَاكَمُونَ فِيهِ، مِمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، فَمَا خَرَجَ لَهُمْ مِنْهَا رَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ مُصَوَّرَيْنِ فِيهَا، وَفِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ: "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا أَبَدًا." [[صحيح البخاري برقم (٤٢٨٨) .]]
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم لَمَّا خَرَجَ فِي طَلَبِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُمَا ذَاهِبَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرَيْنِ، قَالَ: فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ هَلْ أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهَ: لَا تَضُرَّهُمْ [[في أ: "لا يضرهم".]] قَالَ: فَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ وَأَتْبَعْتُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَقْسَمَ بِهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، كُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الَّذِي يَكْرَهُ: لَا تَضُرَّهُمْ [[في أ: "لا تكبر".]] وَكَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ سُرَاقَةُ لَمْ يُسلِمْ إِذْ ذَاكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٠٦) .]]
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَقَبةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ رَجاء بْنِ حَيْوَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَنْ يَلِج الدَّرَجَاتِ مَنْ تَكَهَّن أَوِ اسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ طَائِرًا". [[ورواه الطبراني في مسند الشاميين برقم (٢١٠٤) وتمام الرازي في الفوائد برقم (١٤٤٤) من طريق يحيى بن داود، عن إبراهيم بن يزيد به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/٢١٣) : "رجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا".]]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قَالَ: هِيَ سِهَامُ الْعَرَبِ، وَكِعَابُ فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.
وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْأَزْلَامِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْقِمَارِ، فِيهِ نَظَرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الِاسْتِخَارَةِ تَارَةً، وَفِي الْقِمَارِ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [وَتَعَالَى] [[زيادة من أ.]] قَدْ فرَّق بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْقِمَارِ وَهُوَ الْمَيْسِرُ، فَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ] مُنْتَهُونَ﴾ [[زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله".]] [الْآيَتَانِ:٩٠، ٩١] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أَيْ: تَعَاطِيهِ فِسْقٌ وَغَيٌّ وَضَلَالٌ وَجَهَالَةٌ وَشِرْكٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَرَدَّدُوا فِي أُمُورِهِمْ أَنْ يَسْتَخِيرُوهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ يَسْأَلُوهُ الخيَرَة فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا [[في د: "يعلمنا دعاء".]] الِاسْتِخَارَةَ [[في د: "الاستخارة في الأمور".]] كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْتَخِيركَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأسألُكَ مِنْ فَضْلك الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِر وَلَا أقْدِر، وتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَم، وَأَنْتَ عَلام الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنَّ كنتَ تَعْلَمُ [[في د: "تعلم أن".]] هَذَا الْأَمْرَ -وَيُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ-خَيْرًا لِي فِي دِينِي ومَعاشي وعاقِبة أَمْرِي، فاقدُرْهُ لِي ويَسِّره لِي [[في أ: "ثم".]] وَبَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كنتَ تَعْلَمْهُ شَرًّا لِي [[في د: "تعلم أنه شر".]] فِي دِينِي ومَعاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاصْرِفْهُ عنِّي، واقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّني بِهِ". لَفْظُ أَحْمَدَ. [[المسند (٣/٣٤٤) وصحيح البخاري برقم (١١٦٢) وسنن أبي داود برقم (١٥٣٨) وسنن الترمذي برقم (٤٨٠) وسنن النسائي (٦/٨٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٨٣) .]]
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الْمُوَالِي.
قَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: يَئِسُوا أَنْ يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ..
وَكَذَا رُوي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، والسّدِّي ومُقاتِل بْنِ حَيَّان. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرِدُ [[في ر: "يورد"]] الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّون فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ بالتَّحْرِيش [[في د: "التحريش".]] بَيْنَهُمْ".
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَنَّهُمْ يَئِسُوا مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَا تَمَيَّزَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصْبِرُوا وَيَثْبُتُوا فِي مُخَالَفَةِ الْكُفَّارِ، وَلَا يَخَافُوا أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، فَقَالَ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ فِي مُخَالَفَتِكُمْ إِيَّاهُمْ وَاخْشَوْنِي، أَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَأُبِيدَهُمْ وَأُظْفِرْكُمْ بِهِمْ، وَأَشِفِ صُدُورَكُمْ مِنْهُمْ، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْف، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [[في د: "كلمة" وهي قراءة.]] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَمَّا أَكْمَلَ [[في د: "فلما كمل".]] الدِّينَ لَهُمْ تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ [[في د: "تمت عليهم النعمة"]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ أَيْ: فَارْضَوْهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ [[في د: "الذي أحبه الله ورضيه".]] وَبَعَثَ بِهِ أَفْضَلَ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، وَأَنْزَلَ بِهِ أَشْرَفَ كُتُبِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمُ الْإِيمَانَ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَةٍ أَبَدًا، وَقَدْ أَتَمَّهُ اللَّهُ فَلَا يَنْقُصُهُ أَبَدًا، وَقَدْ رَضِيَهُ اللَّهُ فَلَا يَسْخَطُه أَبَدًا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ عَرَفَة، فَلَمْ يُنَزَّلْ بَعْدَهَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَاتَ. قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيس: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْحَجَّةَ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذْ تَجلَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَلَمْ تُطِقِ الرَّاحِلَةُ مِنْ ثِقَلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَبَرَكَتْ فَأَتَيْتُهُ فَسَجَّيْتُ عَلَيْهِ بُرْدا [[في أ: "برداء"]] كَانَ عَلَيَّ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في ر: "ابن جرير".]] وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِأَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا.
رَوَاهُمَا [[في د: "رواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْل، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَذَلِكَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، بَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا يُبْكِيكَ؟ " قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَا إذْ أُكْمِلَ [[في ر: "إذ كمل".]] فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إِلَّا نَقُصَ. فَقَالَ: "صَدَقْتَ". [[تفسير الطبري (٩/٥١٩) .]]
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ الثَّابِتُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى للغُرَبَاء". [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبرقم (١٤٦) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْس، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً فِي كِتَابِكُمْ، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ قَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فَقَالَ [[في أ: "قال".]] عُمَرُ: وَاللَّهِ إني لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَزَلَتْ عَشية عَرَفَة فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، بِهِ [[المسند (١/٢٨) وصحيح البخاري برقم (٤٥) وصحيح مسلم برقم (٣٠١٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٣) وسنن النسائي (٥/٢٥١) .]] وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً، لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذَنَاهَا [[في أ: "لاتخذنا بها"]] عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ حِينَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أُنْزِلَتْ: يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَنَا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ -قَالَ سُفْيَانُ: وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْآيَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٠٦) .]]
وَشَكَّ سُفْيَانُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِنْ كَانَ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ تَوَرُّعٌ، حَيْثُ شَكَّ هَلْ أَخْبَرَهُ شَيْخُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ شَكًّا فِي كَوْنِ الْوُقُوفِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَهَذَا مَا إِخَالُهُ يَصْدُرُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَلَا مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرْنَا رَجاء بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرْنَا عِبَادَةُ بْنُ نُسَيّ، أَخْبَرْنَا أَمِيرُنَا إِسْحَاقُ -قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ خَرَشة-عَنْ قَبِيصة -يَعْنِي ابْنَ ذُؤيب-قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: لَوْ أَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ، لَنَظَرُوا الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ، فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ آيَةٍ يَا كَعْبُ؟ فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] فِيهِ، نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا قَبيصة، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارٍ-هُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ-أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ فَقَالَ يَهُودِيٌّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ وَيَوْمَ جُمُعَةٍ. [[تفسير الطبري (٩/٥٢٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الحُمَّاني، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلْمان، عَنْ أَبِي عُمَرَ البَزّار، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ عَشِيَّةَ عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُوني، حَدَّثَنَا هِشَامُ [[في ر: "هاشم".]] بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا بن عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَنْتَزِعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ وَجِيهٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ يَوْمَ عَرَفَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى الْمَوْقِفِ. [[في أ: "يوم".]]
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهيعَة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَش بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلِدَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، [وَنُبِّئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ] [[زيادة من أ.]] وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَأُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَرَفْعُ الذِّكْرِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَثَرٌ غَرِيبٌ [[تفسير الطبري (٩/٥٣٠) .]] وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَش الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَوَضَعَ [[في أ: "ورفع".]] الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ [[المسند (١/٢٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (١/١٩٦) : "فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح".]] فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّاسِ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّاسِ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مسِيره إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَارُونَ العَيْدي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهَا أُنْزَلِتْ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غَدِير خُم [[في ر: "غديرهم"]] حِينَ قَالَ لَعَلِيٍّ: "مَنْ كنتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ". ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[وفي إسناده أبو هارون العبدي شيعي متروك، لكن تابعه عطية العوفي رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٧) "مجمع البحرين"، وحديث أبي هريرة رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٧٣٨) "مجمع البحرين". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: "ليس في الصحاح لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته فنقل عنه البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي". وقد جمع طرق هذا الحديث الشيخ ناصر الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٥٠) .]] وَفِيهِ: أَنَّهُ الْيَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْنِي مَرْجِعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] مِنْ حجة الوداع.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا وَلَا هَذَا، بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَوَّلُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وسَمُرَة بْنُ جُنْدَبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَرْسَلَهُ [عَامِرٌ] [[زيادة من أ.]] الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةُ، وشَهْر بْنُ حَوْشَب، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، رَحِمَهُ [[في أ: "رحمهم".]] اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى [[في أ: "الله".]] لِضَرُورَةٍ أَلْجَأَتْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَهُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَاجَةَ عَبْدِهِ الْمُضْطَرِّ، وَافْتِقَارَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ وَيَغْفِرُ لَهُ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ ابْنِ حبَّان، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصته [[في د: "رخصه".]] كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيته" [[المسند (٢/١٠٨) وصحيح ابن حبان برقم (٥٤٥) "موارد" وقال الهيثمي في المجمع (٣/١٦٢) : "رجاله رجال الصحيح".]] لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ [[في د: "لفظ أحمد".]] مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَة اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ جِبَالِ عَرَفَةَ". [[المسند (٢/٧١) .]]
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: قَدْ يَكُونُ تَنَاوَلُ الْمَيْتَةِ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَافَ عَلَى مُهْجَتِهِ [[في د: "نفسه"، وفي أ: "مهجة"]] التَّلَفَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَ [قَدْ] [[زيادة من ر.]] يَكُونُ مُبَاحًا بِحَسْبِ الْأَحْوَالِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَق، أَوْ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ، أَوْ يَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ؟ عَلَى أَقْوَالٍ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، أَوْ صَيْدًا [[في ر: "وصيدًا".]] وَهُوَ مُحْرِمٌ: هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ، أَوْ ذَلِكَ الصَّيْدَ وَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، أَوْ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَيْسَ مِنْ شِرْطِ جَوَازِ تَنَاوَلِ الْمَيْتَةِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ طَعَامًا، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ [[في ر: "الأعوام".]] وَغَيْرِهِمْ، بَلْ مَتَى اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا [[في أ: "يصيبنا".]] بِهَا الْمَخْمَصَةُ، فَمَتَى تَحِلُّ [[في د: "فما يحل"، وفي أ: "فمتى يحل".]] لَنَا بِهَا الْمَيْتَةُ؟ فَقَالَ: "إِذَا لَمْ تَصْطَبِحوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَجتفئوا [[في أ: "تحتفنوا".]] بقْلا فَشَأْنُكُمْ بِهَا ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهِ [[المسند (٥/٢١٨) وتفسير الطبري (٩/٥٣٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٥) من طريق الأوزاعي به وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع".]] لَكِنْ رواه بعضهم عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، بِهِ [[رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/٢٨٤) من طريق الأوزاعي به.]] وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانٍ، عَنْ مَرْثَدٍ -أَوْ أَبِي مَرْثَدٍ-عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، بِهِ [[رواهما الطبراني في المعجم الكبير (٣/٢٨٤) من طريق الأوزاعي به]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ حَسَّانٍ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سُمِّيَ لَهُ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هَنَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانٍ، مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٩/٥٤٢) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ عَوْن قَالَ: وَجَدْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ كِتَابَ سَمُرة، فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ: "ويُجزى من الأضرار غَبُوق أَوْ صُبُوحٌ ".
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ الخَصيب بْنِ زَيْدٍ التَّمِيمِيِّ [[في أ: "يزيد التيمي".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: [إِلَى] [[زيادة من ر، أ.]] مَتَى يَحِلُّ [لِي] [[زيادة من أ.]] الْحَرَامُ؟ قَالَ: فَقَالَ: "إِلَى مَتَى يَرْوى أَهْلُكَ مِنَ اللَّبَنِ، أَوْ تَجِيءُ مِيرَتُهم ".
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ جَدِّهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَدَّتِهِ [[في أ: "عمن حدثه".]] ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ فِي الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي أَحَلَّ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَحِلُّ لَكَ الطَّيِّبَاتُ، وتَحْرُم عَلَيْكَ الْخَبَائِثُ [[في ر، أ: "يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث".]] إِلَّا أَنْ تَفْتَقِر إِلَى طَعَامٍ لَا يَحِلُّ لَكَ، فَتَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ". فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَا فَقْرِي الَّذِي يُحِلُّ لِي؟ وَمَا غِنَايَ الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا كُنْتَ تَرْجُو نِتَاجًا، فَتَبْلُغُ بلُحُوم مَاشِيَتِكَ إِلَى نِتَاجِكَ، أَوْ كُنْتَ تَرْجُو غِنًى، تَطْلُبُهُ، فَتَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَطْعِمْ أَهْلَكَ مَا بَدَا لَكَ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ". فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا غِنَايَ الَّذِي أَدَعُهُ إِذَا وَجَدَتُهُ؟ فَقَالَ [النَّبِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] ﷺ: "إِذَا أَرُوِيَتْ أَهْلُكَ غَبُوقا مِنَ اللَّيْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ طَعَامٍ، وَأَمَّا مَالُكَ فَإِنَّهُ مَيْسُورٌ كُلُّهُ، لَيْسَ فِيهِ حَرَامٌ". [[تفسير الطبري (٩/٥٤٠) .]]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا": يَعْنِي بِهِ: الْغَدَاءَ، "وَمَا لَمْ [[في أ: "ولم".]] تَغْتَبِقُوا": يَعْنِي بِهِ: الْعَشَاءَ، "أَوْ تَخْتَفِئُوا [[في أ: "تحتفنوا".]] بَقْلًا [[في د: "ليلا".]] فَشَأْنُكُمْ بِهَا" [أَيْ] [[زيادة من ر.]] فَكُلُوا مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُرْوَى هَذَا الْحَرْفُ -يَعْنِي قَوْلَهُ: "أَوْ تَخْتَفِئُوا [[في أ: "تحتفؤوا".]] [بَقْلًا] [[زيادة من أ.]] عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: "تَخْتَفِئُوا" بِالْهَمْزَةِ، "وَتَحْتَفِيُوا" بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ، "وَتَحْتَفُوا" بِتَشْدِيدِ [الْفَاءِ] [[زيادة من ر، أ.]] وَتَحْتَفُوا" بِالْحَاءِ وَبِالتَّخْفِيفِ، وَيُحْتَمَلُ الْهَمْزُ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّفْسِيرِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا عُقْبَة بْنُ وَهْب بْنِ عُقْبَةَ الْعَامِرِيُّ [[في أ: "وهب بن عقبة بن وهب العامري".]] سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ الْفَجِيعِ الْعَامِرِيِّ؛ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمِيتَةِ؟ قَالَ: "مَا طَعَامُكُمْ؟ " قُلْنَا: نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَسَّرَه لِي عُقْبَةُ: قَدَحُ غُدوة، وَقَدَحُ عَشيَّة [[في أ: "عشوة".]] قَالَ: "ذَاكَ وَأَبِي الجُوعُ". وَأُحِلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةُ عَلَى هَذِهِ [[في د، ر، أ: "هذا".]] الْحَالِ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٨١٧) .]] وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَبِحُونَ وَيَغْتَبِقُونَ شَيْئًا لَا يَكْفِيهِمْ، فَأَحلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ لِتَمَامِ كِفَايَتِهِمْ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْأَكْلِ مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الشِّبَعِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِسَدِّ الرَّمَق، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة، أَنْ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ، وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّت، فَإِنْ وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا، فَوَجَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَمَرِضَتْ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا، فَأَبَى، فَنَفَقَتْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقدد شَحْمَها وَلَحْمَهَا فَنَأْكُلَهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيك؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَكُلُوهَا". قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ [[في د: "فأخبر".]] الْخَبَرَ، فَقَالَ: هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا؟ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ.
تَفَرَّدَ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٢٨١٧) .]] وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجوز الْأَكْلَ وَالشِّبَعَ، وَالتَّزَوُّدُ مِنْهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ﴾ أَيْ: [غَيْرَ] [[زيادة من ر.]] مُتَعَاطٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُ وَسَكَتَ عَنِ الْآخَرِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْآيَةَ: ١٧٣] .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَتَرَخَّصُ بِشَيْءٍ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تَنَالُ [[في أ: "لأن الترخص لا ينال".]] بِالْمَعَاصِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
5:4يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْخَبَائِثِ الضَّارَّةِ لِمُتَنَاوِلِهَا، إِمَّا فِي بَدَنِه، أَوْ فِي دِينِهِ، أَوْ فِيهِمَا، وَاسْتَثْنَى مَا اسْتَثْنَاهُ فِي حَالَةِ [[في ر، أ: "في حال".]] الضَّرُورَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٩] قَالَ بَعْدَهَا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كَمَا [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أَنَّهُ ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الْآيَةَ: ١٥٧] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، وَزَيْدِ بْنِ المهَلْهِل الطَّائِيَّيْنِ [[في أ: "الطائي".]] سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ، فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ قَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: الذَّبَائِحَ الْحَلَالَ الطَّيِّبَةَ لَهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلُ: [بْنُ حَيَّانَ] [[زيادة من د، أ.]] [فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ] [[زيادة من أ.]] فَالطَّيِّبَاتُ مَا أُحِلَّ لَهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يُصِيبُوهُ [[في أ: "أن تصيبوه"]] وَهُوَ الْحَلَالُ مِنَ الرِّزْقِ. وَقَدْ سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ شُرْبِ الْبَوْلِ لِلتَّدَاوِي فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٢٨١٧) .]] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ بَيْعِ الطِّينِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ. فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أَيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الذَّبَائِحُ الَّتِي ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الرِّزْقِ، وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا اصْطَدْتُمُوهُ [[في د: " ما صدتموه".]] بِالْجَوَارِحِ، وَهِيَ مِنَ الْكِلَابِ وَالْفُهُودِ وَالصُّقُورِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ وَهُنَّ [[في د: "وهي".]] الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ [[في أ: "المعلمين".]] وَالْبَازِي، وَكُلُّ طَيْرٍ يُعَلَّمُ لِلصَّيْدِ [[في د، أ: "يعلم الصيد".]] وَالْجَوَارِحُ: يَعْنِي الْكِلَابَ الضَّوَارِي وَالْفُهُودَ وَالصُّقُورَ وَأَشْبَاهَهَا.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ خَيْثَمَة، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَكْحُولٍ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: الْبَازُ وَالصَّقْرُ مِنَ الْجَوَارِحِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مَثَلُهُ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ صَيْدَ الطَّيْرِ كُلِّهِ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ والسُّدِّي، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا مَا صَادَ مِنَ الطَّيْرِ البُزاة وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّيْرِ، فَمَا أدركتَ فَهُوَ لَكَ، وَإِلَّا فَلَا تَطْعَمْهُ.
قُلْتُ: وَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ صَيْدَ الطُّيُورِ كَصَيْدِ الْكِلَابِ [[في د: "كالصيد بالكلاب".]] ؛ لِأَنَّهَا تَكْلَبُ الصَّيْدَ بِمَخَالِبِهَا [[في ر: "بمخاليبها".]] كَمَا تَكْلُبُهُ الْكِلَابُ، فَلَا فَرْقَ. وَهَذَا [[في د: "وهو".]] مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ هَنَّادٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مَجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: "مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ". [[تفسير الطبري (٩/٥٥٠) .]] وَاسْتَثْنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِمَّا يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْطَع الصلاةَ الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ" فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ [[في أ: "الأصفر".]] ؟ فَقَالَ: "الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" [[صحيح مسلم برقم (٥١٠) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ، اقْتُلُوا [[في أ: "وقالوا".]] مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدٍ بَهِيم". [[صحيح مسلم برقم (١٥٧٣) وسنن أبي داود برقم (٧٤) وسنن النسائي (١/١٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٥) .]]
وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي يُصْطَادُ بِهِنَّ: جَوَارِحَ، مِنَ الْجُرْحِ، وَهُوَ: الْكَسْبُ. كَمَا تَقُولُ [[في أ: "يقول".]] الْعَرَبُ: فُلَانٌ جَرح أَهْلَهُ خَيْرًا، أَيْ: كَسَبَهُمْ خَيْرًا. وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ لَا جَارِحَ لَهُ، أَيْ: لَا كَاسِبَ لَهُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٠] أَيْ: مَا كَسَبْتُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَلْمَى أَمِّ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَقُتِلَتْ، فَجَاءَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ [[في د: "أمر".]] بِقَتْلِهَا؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ وسَمَّى، فَأَمْسَكَ عَلَيْهِ، فَلْيَأْكُلْ مَا لَمْ يَأْكُلْ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَأْذِنَ [[في ر: "يستأذن عليه".]] عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: قَدْ أَذِنَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْتُلَ كُلَّ كَلْبٍ بِالْمَدِينَةِ، فَقَتَلْتُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى امْرَأَةٍ عِنْدَهَا كَلْبٌ يَنْبَحُ عَلَيْهَا، فَتَرَكْتُهُ رَحْمَةً لَهَا، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ فَأَمَرَنِي، فَرَجَعَتْ إِلَى الْكَلْبِ فَقَتَلْتُهُ، فَجَاءُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أبَان بْنِ صَالِحٍ، بِهِ. وَقَالَ: صَحِيحٌ ولم يخرجاه. [[ورواه الطبري في تفسيره (٩/٥٤٥) من طريق زيد بن الحباب به، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٣٢٦) من طريق موسى بن عبيدة به. قال الهيثمي في المجمع (٤/٤٢) : "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف". قلت: وقد توبع: تابعه محمد بن إسحاق. رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٣٥) ، والحاكم في المستدرك (٢/٣١١) من طريق معلى بن منصور، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق به مختصرا.]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عِكْرَمة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا [[في أ: "بعث أبي" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] رَافِعٍ فِي قَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى بَلَغَ العَوالي فَدَخَلَ [[في د: "فجاء".]] عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمةَ، وعُوَيْم بْنُ سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: مَاذَا أُحِلَّ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من د.]]
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ [[تفسير الطبري (٩/٥٤٦) والمستدرك (٢/٣١١) .]] وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيّ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّهُ فِي قَتْلِ الْكِلَابِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ ﴿الْجَوَارِحِ﴾ أَيْ: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ فِي حَالِ كَوْنِهِنَّ مكلَّبات لِلصَّيْدِ، وَذَلِكَ أَنَّ تَقْتَنِصَهُ [[في د: "تصيد".]] [الْجَوَارِحُ] [[زيادة من ر.]] بِمَخَالِبِهَا أَوْ أَظْفَارِهَا [[في أ: "وأظفارها".]] فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ-عَلَى أَنَّ الْجَارِحَةَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ بِمِخْلَابِهِ وَظُفُرِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَهُ اسْتَرْسَلَ، وَإِذَا أَشْلَاهُ اسْتَشْلَى [[أشلاه استشلى: أي دعاه إليه.]] وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ أُمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَجِيءَ إِلَيْهِ وَلَا يُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَمَتَى كَانَ [[في أ: "كانت".]] الْجَارِحَةُ مُعَلَّمًا وَأَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إِرْسَالِهِ حَلَّ الصَّيْدُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ المعلَّمة وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ. فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المعلَّم وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ [[في أ: "أمسكن".]] عَلَيْكَ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ [[في ر: "كلب ما".]] لَيْسَ مِنْهَا، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ". قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بالمِعْرَاض الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزق [[في أ: "فخرق"]] فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بعَرْض فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْهُ". وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ أخْذ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ". وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ." [[صحيح البخاري برقم (٥٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٢٩) .]] فَهَذَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ [[في ر، أ: "الجمهور".]] وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ. وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنهم قالوا: لا يحرم مطلقا.
ذِكْرُ الْآثَارِ بِذَلِكَ:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ شُعْبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: كُلْ وَإِنْ أَكَلَ ثُلْثَيْهِ [[في ر: "ثلثه".]] -يَعْنِي الصَّيْدَ-إِذَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ. وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، وَعُمَرُ [[في أ: "وعمرو".]] بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ. وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ [[في ر: "عن".]] مُوسَى، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيّ [[في أ: "عن حميد عن ابن عبد الله المزني".]] وَالْقَاسِمِ؛ أَنَّ [[في أ: "بن".]] سَلْمَانَ قَالَ: إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ ثُلْثَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَة بْنُ بُكَيْر [[في أ: "بكر".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْم [[في أ: "هشيم".]] الدُّؤَلِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الصَّيْدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْكَلْبُ، فَقَالَ: كُلْ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا حِذْيَة [[في ر: "جذية".]] -يَعْنِي: [إِلَّا] [[زيادة من ر.]] بِضْعَةٌ.
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُلْ وَإِنْ أَكَلَ ثُلْثَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَوْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَكَلَ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ ثُلْثَيْهِ وَبَقِيَ ثُلْثُهُ فَكُلْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِر قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا [[في د: "بن".]] عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ عُمَرَ-عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ [[في أ: "اسم الله عليه".]] فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ.
وَكَذَا رَوَاهُ عَبِيدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنُ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ نَافِعٍ.
فَهَذِهِ الْآثَارُ ثَابِتَةٌ عَنْ سَلْمَانَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مَرْفُوعًا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار الكُلاعِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى اللَّاحُونِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ -هُوَ الطَّاحِيُّ-عَنْ أَبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة، عَنْ سعيد بن المسيَّب، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ، وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ ".
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَسَعِيدٌ غَيْرُ معلوم له سماع من سلمان، وَالثِّقَاتُ يَرْوُونَهُ مِنْ كَلَامِ سَلْمَانَ غَيْرَ مَرْفُوعٍ. [[تفسير الطبري (٩/٥٦٥، ٥٦٦) .]]
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهال الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا -يُقَالُ لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةَ-قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبة، فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ كَانَ لَكَ كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ". فَقَالَ: ذَكِيًّا وَغَيْرَ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنِي فِي قَوْسِي. فَقَالَ: "كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ" قَالَ: ذَكِيًّا وَغَيْرَ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: "وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَصِلْ، أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِ سَهْمِكَ". قَالَ: أَفْتِنِي فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ إِذَا اضُّطُرِرْنَا إِلَيْهَا. قَالَ: "اغْسِلْهَا وَكُلْ فِيهَا". [[في أ: "منها".]] .
هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٥٧) .]] وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ بُسْر بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ر: "يوسف بن سيف"، وفي أ: "يونس بن سيف".]] عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ" [[سنن أبي داود برقم (٢٨٥٢) ولم أجده في سنن النسائي.]]
وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ جَيِّدَانِ، وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنْ سِماك بْنِ حَرْب، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا كَانَ مِنْ كَلْبٍ ضَارٍّ أَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ". قُلْتُ: وَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: "نَعَمْ".
وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدي مَثَلَهُ. [[ورواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٧٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٢٩) من طريق زكريا بن أبي زائدة، به.]]
فَهَذِهِ آثَارٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ. وَقَدِ احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُحَرِّمِ الصَّيْدَ بِأَكْلِ الْكَلْبِ وَمَا أَشْبَهَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ عَمَّنْ حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَقَدْ تَوَسَّطَ آخَرُونَ فَقَالُوا: إِنْ أَكَلَ عَقِبَ مَا أَمْسَكَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ. وَلِلْعِلَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" وَأَمَّا إِنْ أُمْسَكَهُ ثُمَّ انْتَظَرَ صَاحِبَهُ فَطَالَ عَلَيْهِ وَجَاعَ [[في أ: "فجاع".]] فَأَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ لِجُوعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ. وَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيّ، وَهَذَا تَفْرِيقٌ حَسَنٌ، وَجَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وَقَدْ تَمَنَّى الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيني فِي كِتَابِهِ "النِّهَايَةِ" أَنْ لَوْ فَصَّلَ مُفَصِّلٌ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ أُمْنِيَّتَهُ، وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَالتَّفْرِيقِ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ، وَقَالَ آخَرُونَ قَوْلًا رَابِعًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَكْلِ الْكَلْبِ فَيَحْرُمُ لِحَدِيثِ عَدِيّ، وَبَيْنَ أَكْلِ الصُّقُورِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ إِلَّا بِالْأَكْلِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ [[في ر، أ: "بن".]] إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الطَّيْرِ: إِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ فَكُلْ، فَإِنَّ الْكَلْبَ إِذَا ضَرَّبْتَهُ لَمْ يَعُدْ، وَإِنْ تَعَلّم الطَّيْرُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ يَضْرِبُ، فَإِذَا أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ وَنَتَفَ الرِّيشَ فَكُلْ. [[تفسير الطبري (٩/٥٥٧) .]]
وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَالشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَدْ يُحْتَجُّ لِهَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: "يَحِلُّ لَكُمْ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" ثُمَّ قَالَ: "مَا أَرْسَلْتَ مِنْ كَلْبٍ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلَ، مَا لَمْ يَأْكُلْ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ خَالَطَتْ كِلَابُنَا كِلَابًا غَيْرَهَا؟ قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ كَلْبَكَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ". قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَرْمِي، فَمَا يَحِلُّ لَنَا؟ قَالَ: "مَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وخزَقَتْ فَكُلْ ".
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ لَهُمْ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْكَلْبِ أَلَّا يَأْكُلَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الْبُزَاةِ، فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَكَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: عِنْدَ الْإِرْسَالِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ [[في أ: "المكلب".]] وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ"؛ وَلِهَذَا اشْتَرَطَ مَنِ اشْتَرَطَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَلٍ] [[زيادة من ر، أ.]] -فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ [[في أ: "عند".]] -التَّسْمِيَةَ -عِنْدَ إِرْسَالِ الْكَلْبِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ [[في أ: "عند".]] الْجُمْهُورِ، أَنَّ [[في أ: "وأن".]] الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ، كَمَا قَالَ [[في أ: "قاله".]] السُّدِّي وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَقُولُ: إِذَا أَرْسَلْتَ جَارِحَكَ فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَإِنْ نَسِيتَ فَلَا حَرَجَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّم رَبِيبه عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: "سَمّ اللَّهَ، وكُل بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". [[صحيح البخاري برقم (٥٣٧٦) وصحيح مسلم برقم (٢٠٢٢) .]] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا -حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ-بلُحْمانٍ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا [[في ر، أ: "عليه".]] أَمْ لَا؟ فَقَالَ: "سَمّوا اللَّهَ أَنْتُمْ وكلوا." [[صحيح البخاري برقم (٥٥٠٧) .]] حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ بُدَيل، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيد بْنِ عُمَير، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كان يَأْكُلُ الطَّعَامَ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ [[في ر: "أما لو أنه".]] كَانَ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ لَكَفَاكُمْ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ أَوَّلَهُ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ [[في أ: "باسم الله على".]] أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، بِهِ [[المسند (٦/١٤٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣٢٦٤) .]] وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبيد الله".]] بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَعَائِشَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثَ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرْنَا هِشَامٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتَوائي-عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ -يُقَالُ لَهَا: أُمُّ كُلْثُومٍ-حَدَّثَتْهُ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ جَائِعٌ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ لَكَفَاكُمْ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ".
[وَ] [[زيادة من ر.]] رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٦٥) ، (٦/٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٧) وسنن الترمذي برقم (١٨٥٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠١١٢) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ [[في أ: "صبيح"]] حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ، وَصَحِبْتُهُ إِلَى وَاسِطٍ، فَكَانَ يُسَمِّي فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ [[في أ: "الطعام".]] وَفِي آخِرِ لُقْمَةٍ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ تُسَمِّي فِي أَوَّلِ مَا تَأْكُلُ، أَرَأَيْتَ [[في أ: "أفرأيت".]] قَوْلَكَ فِي آخِرِ مَا تَأْكُلُ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ؟ فَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ جَدِّي أُمِّيَّةَ بْنَ مُخَشَّى [[في ر: "خالد بن أمية بن مخشى".]] -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ، وَالنَّبِيُّ يَنْظُرُ، فَلَمْ يُسَمِّ، حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ طَعَامِهِ لُقْمَةٌ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ حَتَّى سَمّى، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي بَطْنِهِ حَتَّى قَاءَهُ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ [[في أ: "صبيح".]] الرَّاسِبِيِّ أَبِي بِشْرٍ الْبَصْرِيِّ [[المسند (٤/٣٣٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠١١٣) .]] وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِين وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. [[في أ: "لا يقوم به حجة.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَة، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ صُهَيْبٍ -مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ-عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] عَلَى طَعَامٍ، لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] فَيَضَعُ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَامًا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ، كَأَنَّمَا تُدفع، فَذَهَبَتْ تَضَعُ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدفع، فَذَهَبَ يَضَعُ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من و، أ.]] بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يُذْكِرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ [[في أ: "فيستحل".]] بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، وَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهِمَا [[في أ: "بيديهما".]] يَعْنِي الشَّيْطَانَ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ. [[المسند (٥/٣٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٠١٧) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ [[صحيح مسلم برقم (٢٠١٨) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٧٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٨٧) .]] مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ [[في أ: "فذكر اسم الله".]] عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيت لَكُمْ وَلَا عَشَاء، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ [[في أ: "ولم".]] يُذْكَرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ [[في أ: "أدركتكم".]] الْمَبِيتَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ [[في أ: "أدركتكم".]] الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ". لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ وَحْشِيّ بْنِ حَرْب بْنِ وَحْشِي بْنِ حَرْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا نَأْكُلُ وَمَا نَشْبَعُ؟ قَالَ: "فَلَعَلَّكُمْ [[في أ: "فعلكم".]] تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ، اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. [[المسند (٣/٥٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٧٦٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٨٦) .]]
5:5ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْخَبَائِثِ، وَمَا أَحَلَّهُ لَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، قَالَ بَعْدَهُ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾
ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالْحَسَنُ، ومَكْحول، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنُ حيَّان: يَعْنِي ذَبَائِحَهُمْ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ، وَإِنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ تَعَالَى مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ قَوْلِهِمْ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل قَالَ: دُلِّي بِجِرَابٍ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَاحْتَضَنْتُهُ [[في أ: "فاحتبسته".]] وَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ مِنْ هَذَا أَحَدًا، والتفتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ يَتَبَسَّمُ. [[صحيح البخاري برقم (٣١٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٧٢) .]]
فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تناولُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِمْ أَكْلَ [[في أ: "كل".]] مَا يَعْتَقِدُ الْيَهُودُ تَحْرِيمَهُ [[في أ: "وتحريمه".]] مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، كَالشُّحُومِ وَنَحْوِهَا مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ. فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يُجَوِّزُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمُ [[في ر: "عليه".]] الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ شَحْمًا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، كَشَحْمِ الظَّهْرِ وَالْحَوَايَا وَنَحْوِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْوَدُ مِنْهُ فِي الدَّلَالَةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ أَهْدَوْا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ مَصْليَّة، وَقَدْ سَمّوا ذِرَاعَهَا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَتَنَاوَلَهُ فنَهَشَ مِنْهُ نَهْشةً، فَأَخْبَرَهُ الذِّرَاعُ أَنَّهُ مَسْمُومٌ، فلَفَظَه وَأَثَّرَ ذَلِكَ السُّمُّ فِي ثَنَايَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي أبْهَرِه، وَأَكَلَ مَعَهُ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرور؛ فَمَاتَ، فَقَتَلَ الْيَهُودِيَّةَ الَّتِي سَمَّتْهَا، وَكَانَ اسْمُهَا زَيْنَبَ، فَقُتِلَتْ بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ. [[ورواه أبو داود في سننه برقم (٤٥١٢) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَكْلِهَا وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ هَلْ نَزَعُوا مِنْهَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِنْ شَحْمِهَا أَمْ لَا.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سنَخَة، يَعْنِي: ودَكا زَنِخًا [[رواه أحمد في مسنده (٣/٢١١) من حديث أنس، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُرِئَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَد، أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢١] ثُمَّ نَسَخَهَا الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَرَحِمَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَنَسَخَهَا بِذَلِكَ، وَأَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَكْحُولٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَتِهِ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ إباحةُ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ وَقَرَابِينِهِمْ، وَهُمْ متعبدون بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُبِحْ ذَبَائِحَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ، بَلْ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ فِيمَا يَأْكُلُونَهُ مِنَ اللَّحْمِ عَلَى ذَكَاةٍ، بَلْ يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمَنْ شَاكَلَهُمْ مِنَ السَّامِرَةِ وَالصَّابِئَةِ، وَمَنْ تَمَسّك بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ وَشِيثَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَارَى الْعَرَبِ كَبَنِي تَغْلِب وتَنُوخ وبَهْرَاء وجُذام ولَخْم وعَاملة وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ [[في ر، أ: "بن".]] مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدة قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ؛ لِأَنَّهُمْ [[في ر، أ: "فإنهم".]] إِنَّمَا يَتَمَسَّكُونَ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ؛ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ تَبَعًا وَإِلْحَاقًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ [[في أ "فإنه".]] لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْكَلْبِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ عَنْهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَبُو ثَوْرٍ كَاسْمِهِ! يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ حَدِيثٍ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سُنوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ"، [[رواه مالك في الموطأ (١/٢٧٨) ومن طريقة الشافعي في السنن (١١٨٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/١٨٩) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أَشْهَدُ لَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ومحمد بن علي لم يسمع من عمر، فهو منقطع.]] وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجوس هَجَر [[صحيح البخاري برقم (٣١٥٦) .]] وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ -مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ-عَلَى أَنَّ طَعَامَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ [[في أ: "الأوثان".]] لَا يَحِلُّ [[في د: "طعام غير أهل الكتاب لا يحل".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أَيْ: وَيَحِلُّ لَكُمْ أَنَّ تُطْعِمُوهُمْ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا إِخْبَارًا عَنِ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْأَكْلِ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: وَلَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ كَمَا أَكَلْتُمْ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُكَافَأَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُجَازَاةِ، كَمَا أَلْبَسَ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَهُ لِعَبْدِ الله بن أبيّ بن سَلُولَ حِينَ مَاتَ وَدَفَنَهُ فِيهِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ كَسَا الْعَبَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثَوْبَهُ، فَجَازَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِذَلِكَ، فَأَمَّا [[في أ: "وأما".]] الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" [[رواه أبو دواد في السنن برقم (٤٨٣٢) وابن ماجة في السنن برقم (٢٣٩٥) من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: وَأَحِلُّ لَكُمْ نِكَاحُ الْحَرَائِرِ الْعَفَائِفِ مِنَ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَذِكْرُ هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ فَقِيلَ: [[في د: "قيل"، وفي أ: "قلت".]] أَرَادَ بِالْمُحَصَّنَاتِ: الْحَرَائِرُ دُونَ الْإِمَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَإِنَّمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُحْصَنَاتُ: الْحَرَائِرُ، فَيُحْتَمَلُ [[في أ: "يحتمل".]] أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا حَكَاهُ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحُرَّةِ الْعَفِيفَةَ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ. وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُ الْجُمْهُورِ هَاهُنَا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ ذِمِّيَّةً وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ عَفِيفَةٍ، فَيُفْسِدُ حَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَتَحَصَّلُ زَوْجُهَا عَلَى مَا قِيلَ [[في د: "كما قيل".]] فِي الْمَثَلِ: "حَشفَا [[في ر، د: "حثف".]] وسَوء كَيْلَةٍ". [[في أ: "كلية"، وهو خطأ.]] [[الحشف: أردأ التمر، وانظر: مجمع الأمثال للميداني (١/٢٠٧) .]] وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ: الْعَفِيفَاتُ عَنِ الزِّنَا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥] .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْعُلَمَاءُ فِي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هَلْ يَعُمُّ كُلَّ كِتَابِيَّةٍ عَفِيفَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً؟ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُحْصَنَةَ بِالْعَفِيفَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هَاهُنَا الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: الذِّمِّيَّاتُ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] [[زيادة من ر، أ. وفي هـ: "الآية".]]
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَيَقُولُ: لَا أَعْلَمَ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ رَبَّهَا عِيسَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ -يَعْنِي المُزَنِيّ-حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَمِيع، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قَالَ: فَحَجَزَ النَّاسُ عَنْهُنَّ حَتَّى نَزَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَنَكَحَ النَّاسُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَدْ تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ نِسَاءِ النَّصَارَى وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا، أَخْذًا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَجَعَلُوا [[في أ: "وجعلوا".]] هَذِهِ مُخَصَّصَةً لِلْآيَةِ الَّتِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [الْآيَةَ: ٢٢١] إِنْ قِيلَ بِدُخُولِ الْكِتَابِيَّاتِ فِي عُمُومِهَا، وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا [[في ر، أ: "وبيننا".]] ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ يُفْصَل فِي ذِكْرِهِمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ١] وَكَقَوْلِهِ [[في ر: "ولقوله".]] ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أَيْ: [[في أ: "يعني".]] مُهُورَهُنَّ، أَيْ: كَمَا هُنَّ مُحْصَنَاتٌ عَفَائِفُ، فَابْذُلُوا لَهُنَّ الْمُهُورَ [[في أ: "مهورهن".]] عَنْ طِيبِ نَفْسٍ. وَقَدْ أَفْتَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَكَحَ امْرَأَةً فَزَنَتْ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وتَرُدّ عَلَيْهِ مَا بَذَلَ لَهَا مِنَ الْمَهْرِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمْ..
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فَكَمَا شَرَطَ الْإِحْصَانَ فِي النِّسَاءِ -وَهِيَ الْعِفَّةُ-عَنِ الزِّنَا كَذَلِكَ شَرَطَهَا فِي الرِّجَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَيْضًا مُحْصَنًا عَفِيفًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وَهُمُ: الزُّنَاةُ الَّذِينَ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَرُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَمَّنْ جَاءَهُمْ، ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أَيْ: ذَوِي الْعَشِيقَاتِ الَّذِينَ [[في ر، أ: "اللاتي".]] لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَعَهُنَّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ سَوَاءٌ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ البَغي حَتَّى تَتُوبَ، وَمَا دَامَتْ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهَا مِنْ رَجُلٍ عَفِيفٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ عَقْدُ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ عَلَى عَفِيفَةٍ حَتَّى يَتُوبَ وَيُقْلِعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الزِّنَا؛ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَلِلْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ." [[رواه أبو داود في سننه برقم (٢٠٥٢) من طريق عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هريرة به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أَدَعَ أَحَدًا أَصَابَ فَاحِشَةً فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُحْصَنَةً. فَقَالَ لَهُ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا تَابَ. [[تفسير الطبري (٩/٥٨٤) .]]
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَقْصًى [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
5:6يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
قَالَ كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ: قَوْلُهُ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ مَعْنَاهُ وَأَنْتُمْ مُحْدِثون.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَكِلَاهُمَا قَرِيبٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَالْآيَةُ آمِرَةٌ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ هُوَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، وَفِي حَقِّ الْمُتَطَهِّرِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَانَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدة [[في أ: "يزيد".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: "إِنِّي عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ [[المسند (٥/٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧) وسنن أبي داود برقم (١٧٢) وسنن الترمذي برقم (٦١) وسنن النسائي (١/٨٦) وسنن ابن ماجة برقم (٥١٠) .]] وَوَقَعَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار -بَدَلَ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ-كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُريدة [[في أ: "يزيد".]] بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرْنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْبَكَّائِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ المُبَشِّر قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا بَالَ أَوْ أَحْدَثَ، تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِفَضْلِ طَهُوره الْخُفَّيْنِ. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، شَيْءٌ [[في أ: "أشيء".]] تَصْنَعُهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: بَلْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ يَصْنَعُهُ، فَأَنَا أَصْنَعُهُ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] يَصْنَعُ. [[في أ: "يصنعه".]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ تَوْبة، عَنْ زِيَادٍ الْبَكَّائِيِّ، بِهِ [[تفسير الطبري (١٠/١١) وسنن ابن ماجة برقم (٥١١) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٠٢) : "هذا إسناد ضعيف، الفضل بن مبشر ضعفه الجمهور، وهو في البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أنس بن مالك".]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ [[في ر: "أبي".]] إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّان الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّن هُوَ؟ قَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضِع عَنْهُ الْوُضُوءَ، إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ. [[المسند (٥/٢٢٥) .]]
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْف [[في أ: "عون".]] الحِمْصِيّ، عن أحمد بن خالد الذهني، عن محمد بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [[في ر، أ: "عبيد الله".]] بْنِ عُمَرَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨) .]] ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ [[في أ. "فهو ثقة فهو".]] إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ وَالسَّمَاعِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّان، فَزَالَ مَحْذُورُ التَّدْلِيسِ. لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: رَوَاهُ سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ وَعَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّان، بِهِ، وَاللَّهُ [[في ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ. وَفِي فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَى إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا أزْهَر، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ ابْنِ سِيرين: أَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى [[في ر: "مثنى".]] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، سَمِعْتُ مَسْعُودَ بْنَ عَلِيِّ الشَّيْبَانِيَّ، سَمِعْتُ عِكْرِمة يَقُولُ: كَانَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْب بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرْنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ فِي الرّحْبة، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ [[في أ: "ثم قال".]] هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدث.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْم [[في أ: "هشام".]] عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ عَلِيًّا اكماز [[في هـ: "أدار"، والمثبت من ر، أ.]] مِنْ حُبٍّ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا فِيهِ تَجَوُّزٌ [[في ر، أ: "تجاوز".]] فَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ". وَهَذِهِ طُرُقٌ جَيِّدَةٌ عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَوْءًا فِيهِ تَجَوّز، خَفِيفًا، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٣) .]] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ الْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ..
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ اعْتِدَاءٌ. فَهُوَ غَرِيبٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَ فَهُوَ مُعْتَدٍ، وَأَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ اسْتِحْبَابًا فَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قَالَ: قُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] فَأَنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَمْرو بْنِ عَامِرٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٣٢) وصحيح البخاري برقم (٢١٤) وسنن أبي داود برقم (١٧١) وسنن الترمذي برقم (٦٠) وسنن النسائي (١/٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُرَيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ -هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ-عَنْ أَبِي غُطَيف، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْر كُتِبَ [[في أ: "كتبت".]] لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ".
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ قِصَّةٌ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١، ٢٢) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ [[سنن أبي داود برقم (٦٢) وسنن الترمذي برقم (٥٩) وسنن ابن ماجة برقم (٥١٢) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] كَانَ إِذَا أَحْدَثَ امْتَنَعَ مِنَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا حَتَّى يَتَوَضَّأَ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ [[في أ: "شيبان".]] عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَة بْنِ الفَغَواء، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَاقَ الْبَوْلَ نُكَلِّمُهُ فَلَا يُكَلِّمُنَا، وَنُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الرُّخْصَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، به [[تفسير الطبري (١٠/٢٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٦) من طريق أبي كريب به. وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٧٦) : "فيه جابر الجعفي وهو ضعيف".]] نحوه. وهو حديث غريب جِدًّا، وَجَابِرُ هَذَا هُوَ ابْنُ يَزِيدَ [[في ر، أ: "ابن زيد".]] الْجُعْفِيُّ، ضَعَّفُوهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيكة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُدِّم إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بوَضُوء فَقَالَ: "إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيع وَالنَّسَائِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٣٧٦٠) وسنن الترمذي برقم (١٨٤٧) وسنن النسائي (١/٨٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَى الْخَلَاءَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: "لِمَ؟ أَأُصْلِي [[في أ: "لم أصل".]] فَأَتَوَضَّأُ؟ ". [[صحيح مسلم برقم (٣٧٤) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قَدِ اسْتَدَلَّ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ: "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لَهَا"، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: "إِذَا رَأَيْتَ الْأَمِيرَ فَقُمْ" أَيْ: لَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ: "الْأَعْمَالُ [[في أ: "إنما الأعمال".]] بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". [[صحيح البخاري برقم (١) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) .]] وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وُضُوئِهِ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ [[في أ: "طريق".]] جَيِّدَةٍ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ". [[روي من حديث أبي هريرة: رواه أبو داود في السنن برقم (١٠١) ، وروي من حديث أبي سعيد الخدري: رواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٩٧) ، وروي من حديث سهل بن سعد: رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٠) .]]
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ كَفَّيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ [[في أ: "إدخالهما الماء".]] وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِه، فَلَا يُدخل يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّ أحدَكم لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". [[صحيح البخاري برقم (١٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨) .]]
وحَدُّ الْوَجْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ -وَلَا اعْتِبَارَ بالصَّلع وَلَا بالغَمَم-إِلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقْنِ طُولًا وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا، وفي النزعتين [[في ر، أ: "النزعتان" وهو خطأ.]] والتحذيف خلاف، هل هما مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الْوَجْهِ، وَفِي الْمُسْتَرْسِلِ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ. وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُغَطِّيًا لِحْيَتَهُ، فَقَالَ: "اكْشِفْهَا، فَإِنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ" [[المسند (١/١٤٩) وسنن الترمذي برقم (٣١) وسنن ابن ماجة (٤٣٠) وقال الإمام أحمد: "أحسن شيء في تخليل اللحية حديث شقيق عن عثمان".]] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مِنَ الْوَجْهِ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ فِي الْغُلَامِ إِذَا نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ: طَلَعَ وَجْهُهُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يُخَلِّلَ لِحْيَتَهُ إِذَا كَانَتْ كَثَّة، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَة، عَنْ أَبِي وَائِلٍ [[في ر، أ: "عن شقيق بن سلمة".]] قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ-قَالَ: وَخَلَّلَ اللِّحْيَةَ ثَلَاثًا حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[سنن أبي داود برقم (١٤٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَة الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المَلِيح، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ زَوْرَانَ [[في ر: "زروان"، وفي أ: "وردان".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، يُخَلِّلُ [[في أ: "فخلل".]] بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: "هَكَذَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[١- روي عن طريق عمر بن ذؤيب عن ثابت عن أنس: رواه العقيلي في الضعفاء (٣/١٥٧) .
٢- روي من طريق الحسن البصري عن أنس: رواه الدارقطني في السنن (١/١٠٦) .
٣-روي من طريق الزهري عن أنس.
٤- وروي من طريق موسى بن أبي عائشة عن أنس: رواهما الحاكم في المستدرك (١/١٤٩) .]] وَقَدْ رُوي هَذَا [[في أ: "هذا الوجه".]] مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ عَنْ عَمَّارٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَرُوِّينَا فِي الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ. [[السنن الكبرى للبيهقي (١/٥٤) أما حديث عمار: فيرويه سفيان بن عيينة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حسان بن بلال عنه، أخرجه الترمذي في السنن برقم (٣٠) .
وأما حديث عائشة: فيرويه موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد عنها، أخرجه أحمد في المسند (٦/٢٣٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٣٥) : "رجاله موثقون". وأما حديث أم سلمة: فيرويه خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع عنهما، أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/٣٩) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ تَمَضْمَضَ [[في أ: "مضمض".]] وَاسْتَنْشَقَ، فَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ: هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ؟ أَوْ مُسْتَحَبَّانِ فِيهِمَا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ؟ لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمة، عَنْ رَفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرْقِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صِلَاتِهِ: "تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ" [[سنن أبي داود برقم (٨٦١) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢) وسنن النسائي (٢/٢٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٦٠) وصحيح ابن خزيمة برقم (٥٤٥) .]] أَوْ يَجِبَانِ فِي الْغَسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؟ أَوْ يجب الِاسْتِنْشَاقُ دُونَ الْمَضْمَضَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" [[صحيح البخاري برقم (١٦١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧) .]] وَفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي مَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ" [[في أ: "ثم لينثره".]] وَالِانْتِثَارُ: هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، يَعْنِي أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ. ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسْلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي يَتَوَضَّأُ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَنْصُورِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ، بِهِ [[المسند (١/٢٦٨) وصحيح البخاري برقم (١٤٠) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أَيْ: مَعَ الْمَرَافِقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢]
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في أ: "بن".]] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. وَلَكِنِ الْقَاسِمُ هَذَا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَجَدُّهُ ضَعِيفٌ [[سنن الدارقطني (١/٨٣) وسنن البيهقي الكبرى (١/٥٦) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/٢٩٣) : "ضعيف".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ لِيَغْسِلَهُ مَعَ ذِرَاعَيْهِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ نُعَيم المُجْمِر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْن يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلين مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّته فَلْيَفْعَلْ". [[صحيح البخاري برقم (١٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٤٦) .]]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ خَلَف بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ خَلِيلِي [[في أ: "خليلي رسول الله".]] ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ الحِلْية مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٦) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ "الْبَاءِ" هَلْ هِيَ لِلْإِلْصَاقِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ لِلتَّبْعِيضِ؟ وَفِيهِ نَظَرٌ، عَلَى قَوْلَيْنِ. وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ قَالَ: هَذَا مُجْمَلٌ فَلْيُرْجَعْ [[في أ: "فيرجع".]] فِي بَيَانِهِ إِلَى السُّنَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ -وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِوُضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ [[في أ "تمضمض".]] وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غسل يديه مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [[صحيح البخاري برقم (١٨٥، ١٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥) .]]
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ وَضَوْءِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "وضوء النبي".]] ﷺ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، فِي صِفَةِ وَضَوْءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ. [[حديث علي رواه أبو دواد في سننه برقم (١١١) وكذا حديث المقدام برقم (١٢١) وحديث معاوية برقم (١٢٤) .]]
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ تَكْمِيلِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ مَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَهُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحٍ، لَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بحدٍّ، بَلْ لَوْ مَسَحَ بَعْضَ شَعْرِهِ مِنْ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ.
وَاحْتَجَّ الْفَرِيقَانِ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: "هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ " فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ [[في ر: "منكبه".]] فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ ... وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٤) .]]
فَقَالَ لَهُمْ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ لِأَنَّهُ كَمَّلَ مَسْحَ بَقِيَّةِ الرَّأْسِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْمَوْقِعِ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ، فَهَذَا [[في أ: "وهذا".]] أَوْلَى، وَلَيْسَ لَكُمْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ أَوْ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَكْمِيلٍ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ ثَلَاثًا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ إِنَّمَا [[في أ: "وإنما".]] يُسْتَحَبُّ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْران بْنِ أَبَانٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ [[في أ: "تمضمض".]] وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا مِثْلَ ذَلِكَ [[في أ: "ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين".]] ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحدِّث فِيْهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ بِهِ نَحْوَ هَذَا [[صحيح البخاري برقم (١٥٩) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦) .]] وُفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَة، عَنْ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً [[سنن أبي داود برقم (١٠٨) .]] وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ.
وَاحْتَجَّ مَنِ اسْتَحَبَّ تَكْرَارَ مَسْحِ الرَّأْسِ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَان، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمْرَانُ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. [[في أ: "يتوضأ".]] فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، قَالَ فِيهِ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ توضأ هَكَذَا وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٠٧) .]] ثُمَّ قَالَ: وَأَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ الرَّأْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قُرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكَرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَرَأَهَا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يَقُولُ: رَجَعَتْ إِلَى الْغَسْلِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعُرْوَة، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالضِّحَاكِ، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنِ حَيَّانَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، كَمَا قَالَهُ السَّلَفُ، وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ [[في أ: "الترتيب في الوضوء".]] كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطِ التَّرْتِيبَ، بَلْ لَوْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهَهُ أَجَزْأَهُ ذَلِكَ؛ لَأَنَّ الْآيَةَ أَمَرَتْ بِغَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، وَ"الْوَاوُ" لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقَدْ سَلَكَ الْجُمْهُورُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْبَحْثِ طُرُقًا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ ابْتِدَاءً عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّرْتِيبِ، وَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِوُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ أَوَّلًا ثُمَّ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَعْدَهُ، بَلِ الْقَائِلُ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ التَّرْتِيبَ، كَمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي الْآيَةِ. وَالْآخَرُ يَقُولُ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ مُطْلَقًا، وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ ابْتِدَاءً، فَوَجَبَ [[في أ: "فيجب".]] التَّرْتِيبُ فِيمَا بَعْدَهُ بِالْإِجْمَاعِ، حَيْثُ لَا فَارِقَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنْ "الْوَاوَ" لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ هِيَ دَالَّةٌ -كَمَا هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ النُّحَاةِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ. ثُمَّ نَقُولُ [[في أ: "يقول".]] -بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ كَوْنِهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الترتيب اللغوي-: هي دَالَّةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ شَرْعًا فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُرَتَّبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ [[فِي أ: "أن رسول الله".]] ﷺ لَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ، خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٨] ثُمَّ قَالَ: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: "ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ". وَهَذَا لَفْظُ أَمْرٍ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ شَرْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ الصِّفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَقَطَعَ النَّظِيرَ عَنِ النَّظِيرِ، وَأَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِرَادَةِ التَّرْتِيبِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ" [[رواه أبو داود في سننه برقم (١٣٥) مِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده، لكن سياقه مغاير لهذا السياق. وهذا السياق رواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٩) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] قَالُوا: فَلَا يَخْلُو [[في أ: "ولا يخلو".]] إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَضَّأْ مُرَتِّبًا فَيَجِبُ التَّرْتِيبُ، أَوْ يَكُونَ تَوَضَّأْ غَيْرَ مُرَتِّبٍ فَيَجِبُ عَدَمُ التَّرْتِيبِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ، فَوَجَبَ مَا ذَكَرَهُ. [[في أ: "ما ذكرناه".]]
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى، وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [[وأرجلِكم]] بِالْخَفْضِ. فَقَدِ احْتَجَّ بِهَا الشِّيعَةُ فِي قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ. وَقَدْ رُوي عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ مَا يُوهِمُ الْقَوْلَ بِالْمَسْحِ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْد قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ لِأَنَسٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَنا بِالْأَهْوَازِ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَذَكَرَ الطَّهُورَ فَقَالَ: اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ مِنْ خَبَثِهِ مِنْ قَدَمَيْهِ، فَاغْسِلُوا بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا عَرَاقيبهما [[في أ: "عراقيبها".]] فَقَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهما [[في أ: "بلها".]] إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ [[في ر: "عن الحسن".]] قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ، وَالسُّنَّةُ الْغَسْلُ [[في أ: "بالغسل".]] وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْس الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكرِمة، عَنِ ابن عباس قَالَ: الْوُضُوءُ غَسْلتَان وَمَسْحَتَانِ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٨) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (٥٥) من طريق ابن جريج به.]]
وَكَذَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر المِنْقَريّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالَ: هُوَ الْمَسْحُ. ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "معمر".]] وَعَلْقَمَةَ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، [وَ] [[زيادة من ر.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ-وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٍ -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ-نَحْوُهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ يَمْسَحُ عَلَى رِجْلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ يَقُولُهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ. ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَلَّا تَرَى أَنَّ "التَّيَمُّمَ" أنْ يَمْسَحَ مَا كَانَ غَسْلًا وَيُلْغِيَ [[في أ: "ويكفي".]] مَا كَانَ مَسْحًا؟
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ، قُلْتُ لِعَامِرٍ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ؟ فَقَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ.
فَهَذِهِ آثَارٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْحِ هُوَ الْغَسْلُ الْخَفِيفُ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ [[في أ: "الثانية".]] فِي وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَإِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ بِالْخَفْضِ إِمَّا عَلَى الْمُجَاوَرَةِ وَتَنَاسُبِ الْكَلَامِ، كَمَا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: "جُحْرُ ضَب خربٍ"، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢١] وَهَذَا سَائِغٌ ذَائِعٌ، فِي لُغَةِ الْعَرَبِ شَائِعٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَسْحِ الْقَدَمَيْنِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا الْخُفَّانِ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ دَالَّةٌ عَلَى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْغَسْلُ الْخَفِيفُ، كَمَا وَرَدَتْ [[في أ: "ورد".]] بِهِ السُّنَّةُ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْوَاجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَرْضًا، لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ [[في ر: "وللأحاديث".]] الَّتِي سَنُورِدُهَا.
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرْنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمَوَيْهِ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَة، سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَة يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَة الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً وَاحِدَةً، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ [[في ر: "فشرب منه".]] فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وإن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] [[زيادة من ر، أ.]] صَنَعَ مَا صنعتُ. وَقَالَ: "هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ آدَمَ، بِبَعْضِ مَعْنَاهُ. [[السنن الكبرى (١/٧٥) وصحيح البخاري برقم (٥٦١٦)]]
وَمَنْ أَوْجَبَ [[في ر: "أحب".]] مِنَ الشِّيعَةِ مَسْحَهُمَا كَمَا يَمْسَحُ الْخُفَّ، فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ. وكذا من جوز مسحهما وَجَوَّزَ غَسْلَهُمَا فَقَدْ أَخْطَأَ أَيْضًا، وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ أَوْجَبَ غَسْلَهُمَا لِلْأَحَادِيثِ، وَأَوْجَبَ مَسْحَهُمَا لِلْآيَةِ، فَلَمْ يُحَقِّقْ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ كَلَامَهُ فِي تَفْسِيرِهِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ دَلْك الرِّجْلَيْنِ مِنْ دُونِ سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُمَا يَلِيَانِ الْأَرْضَ وَالطِّينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ [[في أ: "فالواجب".]] دَلْكَهما لِيَذْهَبَ مَا عَلَيْهِمَا، وَلَكِنَّهُ عَبَّر عَنِ الدَّلْكِ بِالْمَسْحِ، فَاعْتَقَدَ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ أَنَّهُ أَرَادَ وُجُوبَ الْجَمْعِ بَيْنَ [[في أ: "من".]] غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِهِمَا، فَحَكَاهُ مَنْ حَكَاهُ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يَسْتَشْكِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَعْذُورٌ [[في أ: "مقدور".]] فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرجلُ مَا ذكرتهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ تَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ أَيْضًا فَإِذَا هُوَ يُحَاوِلُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خَفْضًا عَلَى الْمَسْحِ وَهُوَ الدَّلْكُ [[في أ: "كذلك".]] وَنَصْبًا عَلَى الْغَسْلِ، فَأَوْجَبَهُمَا أَخْذًا بِالْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَمِيرَيِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ [[في ر: "الوجه".]] فِي وُضُوئِهِ، إِمَّا مَرَّةً، وَإِمَّا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِمْ.
وَفِي حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا وُضُوء لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّف عَنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فأدرَكَنا وَقَدْ أرْهَقَتْنَا الصلاةُ، صلاةُ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "أسبِغوا الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". [[صحيح البخاري برقم (٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤١) .]]
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[صحيح البخاري رقم (١٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٤٢) .]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٠) .]]
وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ حَيْوة بْنِ شُرَيْح، عَنْ عُقْبة بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ [[في أ: "صرد".]] أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "وَيْلٌ للأعْقَاب وبُطون الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ [[السنن الكبرى (١/٧٠) والمستدرك (١/١٦٢) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (١٦٣) من طريق الليث به.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شعبة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي كَرْبٍ -أَوْ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي كَرْبٍ [[في أ: "سمع ابن أبي كريب".]] -قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ [[في ر: "جبل".]] -يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ". [[المسند (٣/٣٦٩) .]]
وَحَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي كَرْبٍ [[في أ: "كريب".]] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي رِجْل رَجُل مِنَّا مثْل الدِّرْهَمِ لَمْ يَغْسِلْهُ، فَقَالَ: "وَيْلٌ للعَقِبِ مِنَ النَّارِ".
وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عَنِ الأحْوص [[في ر، أ: "عن أبي الأحوص".]] عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٣/٣٩٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٥٤) وقال البوصيري في الزوائد (١/١٨٢) : "هذا إسناد رجاله ثقات".]] وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي كَرْبٍ [[في أ: "كريب".]] عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا [[في أ: "حدثني".]] عَلِيُّ [[في ر: "عفان".]] بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ، لَمْ يُصِبْ أعْقابهم الماءُ، فَقَالَ: "وَيْلٌ للعَراقِيبِ مِنَ النَّارِ". [[تفسير الطبري (١٠/٧١)]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبة، عَنْ يَحْيَى [[في ر: "محمد"، وفي أ: "عون".]] بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقيب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٤٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٤٠) : "فيه أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيفه".]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُطَرَّح بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ [[في أ: "أن".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". قَالَ: فَمَا بَقِيَ فِي الْمَسْجِدِ شَرِيف وَلَا وَضِيع، إِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ يُقلب عُرْقوبيه يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا". [[تفسير الطبري (١٠/٧٣) وفي إسناده مطرح بن يزيد ضعيف.]]
وَحَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -أَوْ عَنْ أَخِي أَبِي أُمَامَةَ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ [[في ر: "يصلون".]] وَفِي عَقِب أَحَدِهِمْ -أَوْ: كَعْبِ أَحَدِهِمْ-مِثْلُ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ -أَوْ: مَوْضِعِ الظُّفُرِ-لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ، فَقَالَ: "وَيْلٌ للأعقاب من النَّارِ". قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا رَأَى فِي عَقِبِهِ شَيْئًا لَمْ يُصِبْهُ [[في أ: "يمسه".]] الْمَاءُ أَعَادَ وُضُوءَهُ". [[تفسير الطبري (١٠/٧٤) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٣٤٧) من طريق ليث بن أبي سليم به. وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٤٠) : "مدار طرقه كلها على ليث بن أبي سليم وقد اختلط".]]
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ظَاهِرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْض الرِّجْلَيْنِ مَسْحهما، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمَا لَمَا توَعّد عَلَى تَرْكِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرِّجْلِ، بَلْ يَجْرِي [[في ر: "يجزئ".]] فِيهِ مَا يَجْرِي [[في ر: "يجزئ".]] فِي مَسْحِ الْخُفِّ، وَهَكَذَا وَجْهُ [[في أ: "وهكذا هذه وجه".]] الدَّلَالَةِ عَلَى الشِّيعَةِ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ [[في أ: "قدميه".]] فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٣) .]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ [[في أ: "الصنعاني".]] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَوَضَّأَ، وَتَرَكَ عَلَى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ حَرْمَلَة بْنِ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْب بِهِ [[السنن الكبرى (١/٧٠) وسنن أبي داود برقم (١٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٦٦٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: [وَ] [[زيادة من أ.]] لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَعْرُوفٍ، لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ.
وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ [[في أ: "موسى بن المعلى نبأنا".]] أَخْبَرْنَا يُونُسُ وَحُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ... بِمَعْنَى حَدِيثِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا بَقيةُ، حَدَّثَنِي بَحِير [[في أ: "مخبر".]] بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَة قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ [[المسند (٣/٤٢٤) وسنن أبي داود: برقم (١٧٥) .
تنبيه: وقع في المسند وسنن أبي داود: "عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ".]] وَزَادَ: "وَالصَّلَاةَ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي حَدِيثِ حُمْران، عَنْ عُثْمَانَ، فِي صِفَةِ وَضَوْءِ النَّبِيِّ [[فِي أ: "رسول الله".]] ﷺ: أنه خلل بين أصابعه. وروى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيط بْنِ صَبرةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ: فَقَالَ: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وخَلِّل بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا". [[سنن أبي داود برقم (١٤٢) وسنن الترمذي برقم (٧٨٨) وسنن النسائي (١/٦٦) وسنن ابن ماجة برقم (٤٤٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي [[في أ: "المقبري".]] حَدَّثَنَا عِكْرِمة بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ [[في أ: "حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قالا".]] قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ [[في أ: "عنبسة".]] قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَقْرَبُ وُضُوءُهُ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَنْتَثِرُ [[في أ: "ويستنثر".]] إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ فَمِهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الْمَاءِ حِينَ يَنْتَثِرُ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ [[في ر: "أمر".]] اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَنَامِلِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا قَدَمَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرُو، انْظُرْ مَا تَقُولُ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَيُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ كُلَّهُ فِي مَقَامِهِ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْسة [[في أ: "عنبسة".]] يَا أَبَا أُمَامَةَ، لَقَدْ كَبُرَتْ سنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رسوله".]] ﷺ [وَ] [[زيادة من أ.]] لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، لَقَدْ سَمِعْتُهُ [مِنْهُ] [[زيادة من أ.]] سَبْعَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. [[المسند (٤/١١٢) .]]
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِيهِ: "ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَأْمُرُ بِالْغَسْلِ.
وَهَكَذَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: اغْسِلُوا الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أُمِرْتُمْ.
وَمِنْ هَاهُنَا يَتَّضِحُ لَكَ الْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَش عَلَى قَدَمَيْهِ الْمَاءَ وَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ فَدَلَّكَهُمَا. إِنَّمَا أَرَادَ غَسْلًا خَفِيفًا وَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا مَانِعَ مِنْ إِيجَادِ الْغَسْلِ والرِجل فِي نَعْلِهَا، وَلَكِنْ فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُتَعَمِّقِينَ وَالْمُتَنَطِّعِينَ مِنَ الْمُوَسْوِسِينَ. وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَتِهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَاطةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ [[تفسير الطبري (١٠/٧٥) .]] وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِأَنَّ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظَ رَوَوْهُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان.
وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَة، حَدَّثَنِي يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّد وَعَبَّادِ بْنِ مُوسَى كِلَاهُمَا، عَنْ هُشَيْم، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى سُبَاطة قَوْمٌ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ [[في أ: "فتوضأ".]] وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ [[المسند (٤/٨) وسنن أبي داود برقم (١٦٠) وتفسير الطبري (١٠/٧٦) .]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ كَذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْدِثٍ؛ إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ فَرَائِضُ اللَّهِ وَسُنَنُ رَسُولِهِ مُتَنَافِيَةً مُتَعَارِضَةً، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ الْأَمْرُ بِعُمُومِ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ بِالنَّقْلِ [[في ر: "بالفعل".]] الْمُسْتَفِيضِ الْقَاطِعِ عُذْر مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ وَبَلَغَهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ آمِرًا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ -كَمَا فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ، وَكَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَمْلِ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ عَلَيْهَا-تَوَهَّمَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِرُخْصَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ، ثُمَّ الثَّابِتُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوهُ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلاثة، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الجَزَري، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: أَنَا أَسْلَمْتُ بَعْدَ نُزُولِ [[في أ: "بعدما أنزلت".]] الْمَائِدَةِ، وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ بَعْدَمَا أَسْلَمْتُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٤/٣٦٣)]]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. لَفْظُ مُسْلِمٍ. [[صحيح البخاري برقم (٣٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢٧٢) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشْرُوعِيَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَوْلًا مِنْهُ وَفِعْلًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ"، وَمَا [[في أ: "مع ما".]] يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ، مِنْ تَأْقِيتِ الْمَسْحِ أَوْ عَدَمِهِ أَوِ التَّفْصِيلِ فِيهِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ خَالَفَتِ الرَّوَافِضُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِجَهْلٍ وَضَلَالٍ، مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَهُمْ يَسْتَبِيحُونَهَا. وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، مَعَ مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَفْقِ ما دلت عليه الآية الْكَرِيمَةُ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَهَكَذَا خَالَفُوا الْأَئِمَّةَ وَالسَّلَفَ فِي الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْقَدَمَيْنِ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمَا فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَعِنْدَهُمْ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ. قَالَ [[في أ: "وقال".]] الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي الْوُضُوءِ هُمَا النَّاتِئَانِ، وَهُمَا مُجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ. هَذَا لَفْظُهُ. فَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، [أَنَّ] [[زيادة من أ.]] فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ، وَكَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ [[في أ: "حديث".]] حُمْران عَنْ عُثْمَانَ؛ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِيِّ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ -ثَلَاثًا-وَاللَّهِ لتقيمُن صُفُوفَكُمْ أَوْ ليخالفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ". قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِق كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ، وَرُكْبَتِهِ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ، ومَنْكبِه بِمَنْكِبِهِ. لَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ. [[سنن أبي داود برقم (٦٦٢) وصحيح ابن خزيمة برقم (١٦٠) .]]
فَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْزَقَ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ إِلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي السَّاقِ، حَتَّى يُحَاذِيَ كَعْبَ الْآخَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ أَنَّهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِل السَّاقِ وَالْقَدَمِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرْنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ -يَعْنِي الْجَابِرَ-قَالَ: نَظَرْتُ فِي قَتْلَى أَصْحَابِ زَيْدٍ، فَوَجَدْتُ الْكَعْبَ فَوْقَ ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ عُوقِبَ بِهَا الشِّيعَةُ بَعْدَ قَتْلِهِمْ، تَنْكِيلًا بِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ كُلُّ ذَلِكَ قَدْ تقدَّم الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ النِّسَاءِ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَتِهِ؛ لِئَلَّا يَطُولَ الْكَلَامُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ هُنَاكَ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى هَاهُنَا حَدِيثًا خَاصًّا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلَ، فثَنَى رَأْسَهُ فِي حِجْري رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فلَكَزَني لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْت النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، فَبى الموتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتَمَسَ الْمَاءَ فَلَمْ يوجَد، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ أسَيْد بْنُ الحُضَير لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، ما أنتم إلا بركة لهم. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٠٨) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: فَلِهَذَا سَهَّلَ عَلَيْكُمْ ويسَّر وَلَمْ يعسِّر، بَلْ أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْمَرَضِ، وَعِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ، وَجَعَلَهُ فِي حَقٍّ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ الْكَبِيِر".
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمَه عَلَيْكُمْ فِيمَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّسْهِيلِ وَالسَّمَاحَةِ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْحَثِّ عَلَى الدُّعَاءِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، بِأَنْ يَجْعَلَ فَاعِلَهُ مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ الدَّاخِلِينَ فِي امْتِثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتي فَرَوَّحتها بعَشِيّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءه، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبلا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ". قَالَ: قُلْتُ: مَا أَجُودُ هَذِهِ! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ مِنْهَا. فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغَ -أَوْ: فَيُسْبِغُ-الْوُضُوءَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ". لَفْظُ مُسْلِمٍ. [[المسند (٤/١٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢٣٤) وسنن أبي داود برقم (١٦٩) وسنن النسائي (١/٩٥) .]]
وَقَالَ مَالِكٌ: عَنْ سُهَيل [[في أ: "سهل".]] بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا توَضّأ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ -أَوِ: الْمُؤْمِنُ-فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ-فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بِطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قطْر الْمَاءِ-فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قطْر الْمَاءِ-حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ. [[الموطأ (١/٣٢) وصحيح مسلم برقم (٢٤٤) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ -أَوْ: ذِرَاعَيْهِ-إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْهُمَا، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأَسِهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ". [[تفسير الطبري (١٠/٨٧) .]]
هَذَا لَفْظُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَوْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَإِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتْ [[في أ: "خرت".]] خَطَايَاهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ [[في أ: "خرت".]] خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَإِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ خَرَجَتْ [[في أ: "خرت".]] خَطَايَاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ، وَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ [[في أ: "خرت".]] خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ". قَالَ شُعْبَةُ: وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحَ الرَّأْسِ. وَهَذَا إسناد صحيح. [[المسند (٤/٣٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١/٢٢٤) : "رجاله رجال الصحيح".]] وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شَمِر بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، خَرَجَتْ ذُنُوبُهُ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ". [[تفسير الطبري (١٠/٨٦) ورواه أحمد في مسنده (٥/٢٥٢) من طريق شمر بن عطية به.]]
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ مَمْطُورٍ، عَنِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الطَّهور شَطْر الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ [[في أ: " وسبحان الله والله أكبر".]] تَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهان، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّة لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمعتِقهَا، أَوْ مُوبِقُهَا". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٣) .]]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ سِمَاك بْنِ حَرْب، عَنْ مُصْعب بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُول، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٤) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا المَلِيح الهُذَلي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً مِنْ غَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُول".
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. [[مسند الطيالسي برقم (١٥٣) وسنن أبي داود برقم (٥٩) وسنن النسائي (١/٨٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧١) .]]
5:7وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
يَقُولُ تَعَالَى مُذكرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نعمتَه عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مُبَايَعَتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِهِ وَإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُولِهِ مِنْهُ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا عِنْدَ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا قَالُوا: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٨] وَقِيلَ: هَذَا تِذْكَارٌ لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ فِي مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالِانْقِيَادِ لِشَرْعِهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ تِذْكَارٌ بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنَ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] قَالَهُ مُجَاهِدٌ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والسُّدِّي. وَاخْتَارَهُ [[في ر، أ: "واختيار".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ وَتَحْرِيضٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ التَّقْوَى فِي كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَتَخَالَجُ فِي الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْخَوَاطِرِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِأَجْلِ النَّاسِ وَالسُّمْعَةِ، وَكُونُوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْعَدْلِ لَا بِالْجَوْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نَحْلا فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ: "أُكَلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي [[في أ: "بينكم".]] أَوْلَادِكُمْ". وَقَالَ: "إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر". قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٢٥٨٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلْنَكُمْ بُغْض قَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَعْمِلُوا الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَحَدٍ، صَدِيقًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: عَدْلُكم أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى مِنْ تَرْكِهِ. وَدَلَّ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَكَقَوْلِ [[في ر: "ولقول".]] بَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٦)]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ أَفْعَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وَهُوَ: الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَنَالُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ، بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ أعمالهم، وهو تعالى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْلِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَالْكُلُّ مِنْهُ وَلَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَحِكْمَتِهِ وحُكْمه الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ، بَلْ هُوَ الحَكَمُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [[في ر: "الحليم".]] الْقَدِيرُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ [[في أ: "أن رسول الله".]] ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وتَفَرّق النَّاسُ فِي العضَاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فَأَخَذَهُ فسلَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"! قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُ"! قَالَ: فَشَام الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ -وَقَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، وَتَأَوَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقِصَّةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ -وَهُوَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ-ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ. [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٩) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُمْ [[في ر: "يقتلوه".]] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ فَلَمْ يَأْتُوهُ [[في ر: "فأتوه".]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدروا بِمُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابِهِ فِي دَارِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار، وَمُجَاهِدٌ وعكْرِمَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضير، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رأس النبي".]] ﷺ الرحَى، لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي [[في ر: "على".]] ديَةِ العامرييْن، وَوَكَّلُوا عَمْرَو بْنَ جَحَّاش بْنِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَأَمَرُوهُ إِنْ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الْجِدَارِ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَنْ يُلْقِيَ تِلْكَ الرَّحَى مِنْ فَوْقِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا تَمَالَؤُوا [[في ر: "تمالوا".]] عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْدُوَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى أَنْزَلَهُمْ فَأَجْلَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَعَصَمَهُ.
5:8يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُذكرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نعمتَه عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مُبَايَعَتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِهِ وَإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُولِهِ مِنْهُ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا عِنْدَ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا قَالُوا: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٨] وَقِيلَ: هَذَا تِذْكَارٌ لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ فِي مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالِانْقِيَادِ لِشَرْعِهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ تِذْكَارٌ بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنَ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] قَالَهُ مُجَاهِدٌ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والسُّدِّي. وَاخْتَارَهُ [[في ر، أ: "واختيار".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ وَتَحْرِيضٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ التَّقْوَى فِي كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَتَخَالَجُ فِي الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْخَوَاطِرِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِأَجْلِ النَّاسِ وَالسُّمْعَةِ، وَكُونُوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْعَدْلِ لَا بِالْجَوْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نَحْلا فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ: "أُكَلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي [[في أ: "بينكم".]] أَوْلَادِكُمْ". وَقَالَ: "إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر". قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٢٥٨٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلْنَكُمْ بُغْض قَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَعْمِلُوا الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَحَدٍ، صَدِيقًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: عَدْلُكم أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى مِنْ تَرْكِهِ. وَدَلَّ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَكَقَوْلِ [[في ر: "ولقول".]] بَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٦)]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ أَفْعَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وَهُوَ: الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَنَالُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ، بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ أعمالهم، وهو تعالى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْلِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَالْكُلُّ مِنْهُ وَلَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَحِكْمَتِهِ وحُكْمه الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ، بَلْ هُوَ الحَكَمُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [[في ر: "الحليم".]] الْقَدِيرُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ [[في أ: "أن رسول الله".]] ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وتَفَرّق النَّاسُ فِي العضَاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فَأَخَذَهُ فسلَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"! قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُ"! قَالَ: فَشَام الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ -وَقَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، وَتَأَوَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقِصَّةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ -وَهُوَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ-ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ. [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٩) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُمْ [[في ر: "يقتلوه".]] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ فَلَمْ يَأْتُوهُ [[في ر: "فأتوه".]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدروا بِمُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابِهِ فِي دَارِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار، وَمُجَاهِدٌ وعكْرِمَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضير، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رأس النبي".]] ﷺ الرحَى، لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي [[في ر: "على".]] ديَةِ العامرييْن، وَوَكَّلُوا عَمْرَو بْنَ جَحَّاش بْنِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَأَمَرُوهُ إِنْ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الْجِدَارِ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَنْ يُلْقِيَ تِلْكَ الرَّحَى مِنْ فَوْقِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا تَمَالَؤُوا [[في ر: "تمالوا".]] عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْدُوَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى أَنْزَلَهُمْ فَأَجْلَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَعَصَمَهُ.
5:9وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى مُذكرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نعمتَه عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مُبَايَعَتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِهِ وَإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُولِهِ مِنْهُ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا عِنْدَ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا قَالُوا: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٨] وَقِيلَ: هَذَا تِذْكَارٌ لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ فِي مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالِانْقِيَادِ لِشَرْعِهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ تِذْكَارٌ بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنَ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] قَالَهُ مُجَاهِدٌ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والسُّدِّي. وَاخْتَارَهُ [[في ر، أ: "واختيار".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ وَتَحْرِيضٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ التَّقْوَى فِي كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَتَخَالَجُ فِي الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْخَوَاطِرِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِأَجْلِ النَّاسِ وَالسُّمْعَةِ، وَكُونُوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْعَدْلِ لَا بِالْجَوْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نَحْلا فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ: "أُكَلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي [[في أ: "بينكم".]] أَوْلَادِكُمْ". وَقَالَ: "إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر". قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٢٥٨٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلْنَكُمْ بُغْض قَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَعْمِلُوا الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَحَدٍ، صَدِيقًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: عَدْلُكم أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى مِنْ تَرْكِهِ. وَدَلَّ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَكَقَوْلِ [[في ر: "ولقول".]] بَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٦)]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ أَفْعَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وَهُوَ: الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَنَالُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ، بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ أعمالهم، وهو تعالى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْلِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَالْكُلُّ مِنْهُ وَلَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَحِكْمَتِهِ وحُكْمه الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ، بَلْ هُوَ الحَكَمُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [[في ر: "الحليم".]] الْقَدِيرُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ [[في أ: "أن رسول الله".]] ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وتَفَرّق النَّاسُ فِي العضَاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فَأَخَذَهُ فسلَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"! قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُ"! قَالَ: فَشَام الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ -وَقَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، وَتَأَوَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقِصَّةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ -وَهُوَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ-ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ. [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٩) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُمْ [[في ر: "يقتلوه".]] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ فَلَمْ يَأْتُوهُ [[في ر: "فأتوه".]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدروا بِمُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابِهِ فِي دَارِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار، وَمُجَاهِدٌ وعكْرِمَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضير، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رأس النبي".]] ﷺ الرحَى، لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي [[في ر: "على".]] ديَةِ العامرييْن، وَوَكَّلُوا عَمْرَو بْنَ جَحَّاش بْنِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَأَمَرُوهُ إِنْ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الْجِدَارِ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَنْ يُلْقِيَ تِلْكَ الرَّحَى مِنْ فَوْقِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا تَمَالَؤُوا [[في ر: "تمالوا".]] عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْدُوَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى أَنْزَلَهُمْ فَأَجْلَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَعَصَمَهُ.
5:10وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ
يَقُولُ تَعَالَى مُذكرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نعمتَه عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مُبَايَعَتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِهِ وَإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُولِهِ مِنْهُ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا عِنْدَ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا قَالُوا: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٨] وَقِيلَ: هَذَا تِذْكَارٌ لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ فِي مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالِانْقِيَادِ لِشَرْعِهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ تِذْكَارٌ بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنَ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] قَالَهُ مُجَاهِدٌ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والسُّدِّي. وَاخْتَارَهُ [[في ر، أ: "واختيار".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ وَتَحْرِيضٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ التَّقْوَى فِي كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَتَخَالَجُ فِي الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْخَوَاطِرِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِأَجْلِ النَّاسِ وَالسُّمْعَةِ، وَكُونُوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْعَدْلِ لَا بِالْجَوْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نَحْلا فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ: "أُكَلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي [[في أ: "بينكم".]] أَوْلَادِكُمْ". وَقَالَ: "إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر". قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٢٥٨٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلْنَكُمْ بُغْض قَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَعْمِلُوا الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَحَدٍ، صَدِيقًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: عَدْلُكم أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى مِنْ تَرْكِهِ. وَدَلَّ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَكَقَوْلِ [[في ر: "ولقول".]] بَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٦)]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ أَفْعَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وَهُوَ: الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَنَالُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ، بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ أعمالهم، وهو تعالى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْلِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَالْكُلُّ مِنْهُ وَلَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَحِكْمَتِهِ وحُكْمه الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ، بَلْ هُوَ الحَكَمُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [[في ر: "الحليم".]] الْقَدِيرُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ [[في أ: "أن رسول الله".]] ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وتَفَرّق النَّاسُ فِي العضَاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فَأَخَذَهُ فسلَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"! قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُ"! قَالَ: فَشَام الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ -وَقَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، وَتَأَوَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقِصَّةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ -وَهُوَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ-ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ. [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٩) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُمْ [[في ر: "يقتلوه".]] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ فَلَمْ يَأْتُوهُ [[في ر: "فأتوه".]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدروا بِمُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابِهِ فِي دَارِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار، وَمُجَاهِدٌ وعكْرِمَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضير، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رأس النبي".]] ﷺ الرحَى، لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي [[في ر: "على".]] ديَةِ العامرييْن، وَوَكَّلُوا عَمْرَو بْنَ جَحَّاش بْنِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَأَمَرُوهُ إِنْ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الْجِدَارِ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَنْ يُلْقِيَ تِلْكَ الرَّحَى مِنْ فَوْقِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا تَمَالَؤُوا [[في ر: "تمالوا".]] عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْدُوَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى أَنْزَلَهُمْ فَأَجْلَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَعَصَمَهُ.
5:11يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُذكرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نعمتَه عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مُبَايَعَتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِهِ وَإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُولِهِ مِنْهُ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا عِنْدَ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا قَالُوا: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٨] وَقِيلَ: هَذَا تِذْكَارٌ لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ فِي مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالِانْقِيَادِ لِشَرْعِهِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ تِذْكَارٌ بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنَ الْعَهْدِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] قَالَهُ مُجَاهِدٌ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والسُّدِّي. وَاخْتَارَهُ [[في ر، أ: "واختيار".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ وَتَحْرِيضٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ التَّقْوَى فِي كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَتَخَالَجُ فِي الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْخَوَاطِرِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِأَجْلِ النَّاسِ وَالسُّمْعَةِ، وَكُونُوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْعَدْلِ لَا بِالْجَوْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نَحْلا فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجَاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ: "أُكَلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي [[في أ: "بينكم".]] أَوْلَادِكُمْ". وَقَالَ: "إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر". قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. [[صحيح البخاري برقم (٢٥٨٦) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلْنَكُمْ بُغْض قَوْمٍ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَعْمِلُوا الْعَدْلَ فِي كُلِّ أَحَدٍ، صَدِيقًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: عَدْلُكم أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى مِنْ تَرْكِهِ. وَدَلَّ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٨]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَكَقَوْلِ [[في ر: "ولقول".]] بَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ لِعُمَرَ: أَنْتَ أفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٩٦)]]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ أَفْعَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وَهُوَ: الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَنَالُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ، بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ أعمالهم، وهو تعالى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْلِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَالْكُلُّ مِنْهُ وَلَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَحِكْمَتِهِ وحُكْمه الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ، بَلْ هُوَ الحَكَمُ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ [[في ر: "الحليم".]] الْقَدِيرُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ [[في أ: "أن رسول الله".]] ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وتَفَرّق النَّاسُ فِي العضَاه يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فَأَخَذَهُ فسلَّه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ"! قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُ"! قَالَ: فَشَام الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ -وَقَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، وَتَأَوَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقِصَّةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ -وَهُوَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ-ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ. [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٢) ورواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٩) من طريق عبد الرزاق به.]]
وَقَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ طَعَامًا لِيَقْتُلُوهُمْ [[في ر: "يقتلوه".]] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعَامُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ فَلَمْ يَأْتُوهُ [[في ر: "فأتوه".]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَغْدروا بِمُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابِهِ فِي دَارِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار، وَمُجَاهِدٌ وعكْرِمَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي النَّضير، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "رأس النبي".]] ﷺ الرحَى، لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي [[في ر: "على".]] ديَةِ العامرييْن، وَوَكَّلُوا عَمْرَو بْنَ جَحَّاش بْنِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَأَمَرُوهُ إِنْ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الْجِدَارِ وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ أَنْ يُلْقِيَ تِلْكَ الرَّحَى مِنْ فَوْقِهِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا تَمَالَؤُوا [[في ر: "تمالوا".]] عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْدُوَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى أَنْزَلَهُمْ فَأَجْلَاهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَعَصَمَهُ.
5:12۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
لَمَّا أَمَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ، الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدْلِ، وَذَكَّرَهُمْ نعَمَه عَلَيْهِمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فِيمَا هَدَاهُمْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، شَرْعٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ كَيْفَ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا نَقَضُوا عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ لَعْنًا مِنْهُ لَهُمْ، وَطَرْدًا عَنْ بَابِهِ وَجَنَابِهِ، وَحِجَابًا لِقُلُوبِهِمْ [[في ر": "لعيوبهم".]] عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يَعْنِي: عُرَفاء عَلَى قَبَائِلِهِمْ بِالْمُبَايَعَةِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُقِيمَ النُّقَبَاءَ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ مِنْ سِبْطِ رُوبَيْلَ: "شَامُونُ بْنُ زَكَورَ [[في ر: "زكون".]] ، وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ: "شَافَاطُ بْنُ حُرّي"، وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا: "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، وَمِنْ سِبْطِ أَبِينَ: "فِيخَائِيلُ بْنُ يُوسُفَ"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ، وَهُوَ سَبْطُ أَفْرَايْمَ: "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ: "فَلَطْمَى بْنُ رَفَوْنَ"، وَمِنْ سِبْطِ زَبْلُونَ [[في ر: "زايكون"، وفي أ: "زيالون".]] جَدِّي بْنِ سَوْدَى"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ مَنْشَا بْنُ يُوسُفَ: "جَدِيُّ بْنُ سَوْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ: "حَمْلَائِيلُ بْنُ جُمَلٍ"، وَمِنْ سِبْطِ أَسِيرٍ: "سَاطُورُ بْنُ مُلْكِيلَ"، وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي [[في ر: "ثقال".]] نَحَّى بْنُ وَفْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ: "جَوْلَايِلُ بْنُ مَيْكِي". [[في ر: "مليدن".]] وَقَدْ رَأَيْتُ فِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ التَّوْرَاةِ تَعْدَادَ النُّقَبَاءِ عَلَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَسْمَاءً مُخَالِفَةً لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِيهَا: فَعَلَى بَنِي رُوبِيلَ: "الصَّوْنِيُّ بْنُ سَادُونَ"، وَعَلَى بَنِي شَمْعُونَ: "شَمْوَالُ بْنُ صَورْشكي"، وعلى بني يهوذا: "يحشون بن عمبيا ذاب [[في ر: "عمينا ذاب".]] وَعَلَى بَنِي يسَاخرَ: "شَالُ بْنُ صَاعُونَ"، وَعَلَى بَنِي زبلونَ: "اليابُ بْنُ حالوبَ [[في ر: "جالوت".]] ، وَعَلَى بَنِي يُوسُفَ إِفْرَايِمُ: "منشا [[في ر: "ومنشا".]] بْنُ عمنهودَ"، وَعَلَى بَنِي مَنَشا: "حمليائيلُ بْنُ يرصونَ"، وَعَلَى بَنِي بِنْيَامِينَ: "أبيدنُ بْنُ جَدْعُونَ"، وَعَلَى بَنِي دَانٍ: "جَعَيْذَرُ بْنُ عميشذي"، وَعَلَى بَنِي أَسِيرٍ: "نَحَايِلُ بْنُ عَجْرَانَ"، وَعَلَى بَنِي حَازَ: "السَّيْفُ بْنُ دَعْوَايِيلَ"، وَعَلَى بَنِي نَفْتَالِي: "أَجْزَعُ بْنُ عَمْينَانَ".
وَهَكَذَا لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، كَانَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ: أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَة، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ -وَيُقَالُ بَدَلُهُ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارة، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان [[في أ: "عجلان".]] وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرور، وَعِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادة، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو بْنِ حَرَامٍ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرو بْنِ خُنَيس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي شِعْرٍ لَهُ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤٣) .]]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَرْفَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَاقَدَةَ عَنْ قَوْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ قدمتُ الْعِرَاقَ قَبْلَكَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (١/٣٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٠) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".]] وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ [[في أ: "عن".]] حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرة قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٢) .]] وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا [[في ر: "صالح".]] يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ [[في ر: "تتاليهم".]] وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ، بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَق، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَبَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذِكْرِهِ: أَنَّهُ يُواطئُ اسمُه اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عدْلا وقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرا وظُلْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ "سَامرّاء". فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ، وَتَوَهُّم الْخَيَالَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ [الِاثْنَيْ عَشَرَ] [[زيادة من ر، أ.]] الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ مِنَ الرَّوَافِضِ، لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ. وَفِي التَّوْرَاةِ الْبِشَارَةُ بِإِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ مِنْ صُلْبِه اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرة، وَبَعْضِ الْجَهَلَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ [[في ر: "يسلم".]] مِنَ الْيَهُودِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِمْ بَعْضُ الشِّيعَةِ يُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ، فَيَتَشَيَّعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَهْلًا وسَفَها، لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ مَنْ لَقَّنَهُمْ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَيْ: بِحِفْظِي وكَلاءتي وَنَصْرِي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أَيْ: صَدَقْتُمُوهُمْ فِيمَا يَجِيئُونَكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: نَصَرْتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وَهُوَ: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ ﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَيْ: ذُنُوبَكُمْ أَمْحُوهَا وَأَسْتُرُهَا، وَلَا أُؤَاخِذُكُمْ بِهَا ﴿وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: أَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَحْذُورَ، وَأُحَصِّلُ لَكُمُ الْمَقْصُودَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمِيثَاقَ بَعْدَ عَقْده وَتَوْكِيدِهِ وشدَه، وَجَحَدَهُ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْحَقَّ، وَعَدَلَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِمْ مِيثَاقَهُ وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ، فَقَالَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أَيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الميثاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَعَنَّاهُمْ، أَيْ أَبْعَدْنَاهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَطَرَدْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أَيْ: فَلَا يَتَّعِظُونَ [[في أ: "فلا تنتفع".]] بِمَوْعِظَةٍ لِغِلَظِهَا وَقَسَاوَتِهَا، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: فَسَدَتْ [[في ر: "وفسدت".]] فُهومهم، وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ رَغْبَةً عَنْهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ وَوَظَائِفَ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ الْعَمَلَ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا الْعَمَلَ فَصَارُوا إِلَى حَالَةٍ رَدِيئَةٍ، فَلَا قُلُوبَ سَلِيمَةٌ، وَلَا فِطَرَ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَا أَعْمَالَ قَوِيمَةٌ.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مَكْرُهُمْ وغَدْرهم لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَمَالُؤَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالنَّبِيِّ، ﷺ.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السلف: ما عاملت من عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُمْ تَأْلِيفٌ وَجَمْعٌ عَلَى الْحَقِّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ: الصَّفْحَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] [التَّوْبَةِ: ٢٩]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أَيْ: وَمِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ نَصَارَى يُتَابِعُونَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَاقْتِفَاءِ آثَارِهِ، وَالْإِيمَانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، أَيْ: فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ، خَالَفُوا الْمَوَاثِيقَ وَنَقَضُوا الْعُهُودَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: فَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالتَّبَاغُضَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ إِلَى [[في أ: "إلى يوم القيامة وهو".]] قِيَامِ السَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ طَوَائِفُ النَّصَارَى عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ لَا يَزَالُونَ مُتَبَاغِضِينَ مُتَعَادِينَ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ فَكُلُّ فِرْقَةٍ تُحَرم الْأُخْرَى وَلَا تَدَعُهَا تَلجُ مَعْبَدَهَا، فَالْمَلَكِيَّةُ تُكَفِّرُ الْيَعْقُوبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الْآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ النُّسْطُورِيَّةُ وَالْأَرْيُوسِيَّةُ، كُلُّ طَائِفَةٍ تُكَفِّرُ [[في أ: "تلعن".]] الْأُخْرَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِلنَّصَارَى عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، مِنْ جَعْلِهِمْ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفوًا أَحَدٌ.
5:13فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
لَمَّا أَمَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ، الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدْلِ، وَذَكَّرَهُمْ نعَمَه عَلَيْهِمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فِيمَا هَدَاهُمْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، شَرْعٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ كَيْفَ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا نَقَضُوا عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ لَعْنًا مِنْهُ لَهُمْ، وَطَرْدًا عَنْ بَابِهِ وَجَنَابِهِ، وَحِجَابًا لِقُلُوبِهِمْ [[في ر": "لعيوبهم".]] عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يَعْنِي: عُرَفاء عَلَى قَبَائِلِهِمْ بِالْمُبَايَعَةِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُقِيمَ النُّقَبَاءَ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ مِنْ سِبْطِ رُوبَيْلَ: "شَامُونُ بْنُ زَكَورَ [[في ر: "زكون".]] ، وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ: "شَافَاطُ بْنُ حُرّي"، وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا: "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، وَمِنْ سِبْطِ أَبِينَ: "فِيخَائِيلُ بْنُ يُوسُفَ"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ، وَهُوَ سَبْطُ أَفْرَايْمَ: "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ: "فَلَطْمَى بْنُ رَفَوْنَ"، وَمِنْ سِبْطِ زَبْلُونَ [[في ر: "زايكون"، وفي أ: "زيالون".]] جَدِّي بْنِ سَوْدَى"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ مَنْشَا بْنُ يُوسُفَ: "جَدِيُّ بْنُ سَوْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ: "حَمْلَائِيلُ بْنُ جُمَلٍ"، وَمِنْ سِبْطِ أَسِيرٍ: "سَاطُورُ بْنُ مُلْكِيلَ"، وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي [[في ر: "ثقال".]] نَحَّى بْنُ وَفْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ: "جَوْلَايِلُ بْنُ مَيْكِي". [[في ر: "مليدن".]] وَقَدْ رَأَيْتُ فِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ التَّوْرَاةِ تَعْدَادَ النُّقَبَاءِ عَلَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَسْمَاءً مُخَالِفَةً لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِيهَا: فَعَلَى بَنِي رُوبِيلَ: "الصَّوْنِيُّ بْنُ سَادُونَ"، وَعَلَى بَنِي شَمْعُونَ: "شَمْوَالُ بْنُ صَورْشكي"، وعلى بني يهوذا: "يحشون بن عمبيا ذاب [[في ر: "عمينا ذاب".]] وَعَلَى بَنِي يسَاخرَ: "شَالُ بْنُ صَاعُونَ"، وَعَلَى بَنِي زبلونَ: "اليابُ بْنُ حالوبَ [[في ر: "جالوت".]] ، وَعَلَى بَنِي يُوسُفَ إِفْرَايِمُ: "منشا [[في ر: "ومنشا".]] بْنُ عمنهودَ"، وَعَلَى بَنِي مَنَشا: "حمليائيلُ بْنُ يرصونَ"، وَعَلَى بَنِي بِنْيَامِينَ: "أبيدنُ بْنُ جَدْعُونَ"، وَعَلَى بَنِي دَانٍ: "جَعَيْذَرُ بْنُ عميشذي"، وَعَلَى بَنِي أَسِيرٍ: "نَحَايِلُ بْنُ عَجْرَانَ"، وَعَلَى بَنِي حَازَ: "السَّيْفُ بْنُ دَعْوَايِيلَ"، وَعَلَى بَنِي نَفْتَالِي: "أَجْزَعُ بْنُ عَمْينَانَ".
وَهَكَذَا لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، كَانَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ: أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَة، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ -وَيُقَالُ بَدَلُهُ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارة، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان [[في أ: "عجلان".]] وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرور، وَعِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادة، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو بْنِ حَرَامٍ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرو بْنِ خُنَيس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي شِعْرٍ لَهُ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤٣) .]]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَرْفَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَاقَدَةَ عَنْ قَوْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ قدمتُ الْعِرَاقَ قَبْلَكَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (١/٣٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٠) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".]] وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ [[في أ: "عن".]] حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرة قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٢) .]] وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا [[في ر: "صالح".]] يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ [[في ر: "تتاليهم".]] وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ، بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَق، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَبَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذِكْرِهِ: أَنَّهُ يُواطئُ اسمُه اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عدْلا وقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرا وظُلْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ "سَامرّاء". فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ، وَتَوَهُّم الْخَيَالَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ [الِاثْنَيْ عَشَرَ] [[زيادة من ر، أ.]] الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ مِنَ الرَّوَافِضِ، لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ. وَفِي التَّوْرَاةِ الْبِشَارَةُ بِإِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ مِنْ صُلْبِه اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرة، وَبَعْضِ الْجَهَلَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ [[في ر: "يسلم".]] مِنَ الْيَهُودِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِمْ بَعْضُ الشِّيعَةِ يُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ، فَيَتَشَيَّعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَهْلًا وسَفَها، لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ مَنْ لَقَّنَهُمْ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَيْ: بِحِفْظِي وكَلاءتي وَنَصْرِي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أَيْ: صَدَقْتُمُوهُمْ فِيمَا يَجِيئُونَكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: نَصَرْتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وَهُوَ: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ ﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَيْ: ذُنُوبَكُمْ أَمْحُوهَا وَأَسْتُرُهَا، وَلَا أُؤَاخِذُكُمْ بِهَا ﴿وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: أَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَحْذُورَ، وَأُحَصِّلُ لَكُمُ الْمَقْصُودَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمِيثَاقَ بَعْدَ عَقْده وَتَوْكِيدِهِ وشدَه، وَجَحَدَهُ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْحَقَّ، وَعَدَلَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِمْ مِيثَاقَهُ وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ، فَقَالَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أَيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الميثاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَعَنَّاهُمْ، أَيْ أَبْعَدْنَاهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَطَرَدْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أَيْ: فَلَا يَتَّعِظُونَ [[في أ: "فلا تنتفع".]] بِمَوْعِظَةٍ لِغِلَظِهَا وَقَسَاوَتِهَا، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: فَسَدَتْ [[في ر: "وفسدت".]] فُهومهم، وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ رَغْبَةً عَنْهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ وَوَظَائِفَ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ الْعَمَلَ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا الْعَمَلَ فَصَارُوا إِلَى حَالَةٍ رَدِيئَةٍ، فَلَا قُلُوبَ سَلِيمَةٌ، وَلَا فِطَرَ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَا أَعْمَالَ قَوِيمَةٌ.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مَكْرُهُمْ وغَدْرهم لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَمَالُؤَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالنَّبِيِّ، ﷺ.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السلف: ما عاملت من عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُمْ تَأْلِيفٌ وَجَمْعٌ عَلَى الْحَقِّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ: الصَّفْحَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] [التَّوْبَةِ: ٢٩]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أَيْ: وَمِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ نَصَارَى يُتَابِعُونَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَاقْتِفَاءِ آثَارِهِ، وَالْإِيمَانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، أَيْ: فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ، خَالَفُوا الْمَوَاثِيقَ وَنَقَضُوا الْعُهُودَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: فَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالتَّبَاغُضَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ إِلَى [[في أ: "إلى يوم القيامة وهو".]] قِيَامِ السَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ طَوَائِفُ النَّصَارَى عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ لَا يَزَالُونَ مُتَبَاغِضِينَ مُتَعَادِينَ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ فَكُلُّ فِرْقَةٍ تُحَرم الْأُخْرَى وَلَا تَدَعُهَا تَلجُ مَعْبَدَهَا، فَالْمَلَكِيَّةُ تُكَفِّرُ الْيَعْقُوبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الْآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ النُّسْطُورِيَّةُ وَالْأَرْيُوسِيَّةُ، كُلُّ طَائِفَةٍ تُكَفِّرُ [[في أ: "تلعن".]] الْأُخْرَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِلنَّصَارَى عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، مِنْ جَعْلِهِمْ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفوًا أَحَدٌ.
5:14وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ
لَمَّا أَمَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ، الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدْلِ، وَذَكَّرَهُمْ نعَمَه عَلَيْهِمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فِيمَا هَدَاهُمْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، شَرْعٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ كَيْفَ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا نَقَضُوا عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ لَعْنًا مِنْهُ لَهُمْ، وَطَرْدًا عَنْ بَابِهِ وَجَنَابِهِ، وَحِجَابًا لِقُلُوبِهِمْ [[في ر": "لعيوبهم".]] عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يَعْنِي: عُرَفاء عَلَى قَبَائِلِهِمْ بِالْمُبَايَعَةِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُقِيمَ النُّقَبَاءَ، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ مِنْ سِبْطِ رُوبَيْلَ: "شَامُونُ بْنُ زَكَورَ [[في ر: "زكون".]] ، وَمِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ: "شَافَاطُ بْنُ حُرّي"، وَمِنْ سِبْطِ يَهُوذَا: "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، وَمِنْ سِبْطِ أَبِينَ: "فِيخَائِيلُ بْنُ يُوسُفَ"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ، وَهُوَ سَبْطُ أَفْرَايْمَ: "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَمِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ: "فَلَطْمَى بْنُ رَفَوْنَ"، وَمِنْ سِبْطِ زَبْلُونَ [[في ر: "زايكون"، وفي أ: "زيالون".]] جَدِّي بْنِ سَوْدَى"، وَمِنْ سِبْطِ يُوسُفَ وَهُوَ مَنْشَا بْنُ يُوسُفَ: "جَدِيُّ بْنُ سَوْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ دَانٍ: "حَمْلَائِيلُ بْنُ جُمَلٍ"، وَمِنْ سِبْطِ أَسِيرٍ: "سَاطُورُ بْنُ مُلْكِيلَ"، وَمِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي [[في ر: "ثقال".]] نَحَّى بْنُ وَفْسَى"، وَمِنْ سِبْطِ جَادٍ: "جَوْلَايِلُ بْنُ مَيْكِي". [[في ر: "مليدن".]] وَقَدْ رَأَيْتُ فِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ التَّوْرَاةِ تَعْدَادَ النُّقَبَاءِ عَلَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَسْمَاءً مُخَالِفَةً لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِيهَا: فَعَلَى بَنِي رُوبِيلَ: "الصَّوْنِيُّ بْنُ سَادُونَ"، وَعَلَى بَنِي شَمْعُونَ: "شَمْوَالُ بْنُ صَورْشكي"، وعلى بني يهوذا: "يحشون بن عمبيا ذاب [[في ر: "عمينا ذاب".]] وَعَلَى بَنِي يسَاخرَ: "شَالُ بْنُ صَاعُونَ"، وَعَلَى بَنِي زبلونَ: "اليابُ بْنُ حالوبَ [[في ر: "جالوت".]] ، وَعَلَى بَنِي يُوسُفَ إِفْرَايِمُ: "منشا [[في ر: "ومنشا".]] بْنُ عمنهودَ"، وَعَلَى بَنِي مَنَشا: "حمليائيلُ بْنُ يرصونَ"، وَعَلَى بَنِي بِنْيَامِينَ: "أبيدنُ بْنُ جَدْعُونَ"، وَعَلَى بَنِي دَانٍ: "جَعَيْذَرُ بْنُ عميشذي"، وَعَلَى بَنِي أَسِيرٍ: "نَحَايِلُ بْنُ عَجْرَانَ"، وَعَلَى بَنِي حَازَ: "السَّيْفُ بْنُ دَعْوَايِيلَ"، وَعَلَى بَنِي نَفْتَالِي: "أَجْزَعُ بْنُ عَمْينَانَ".
وَهَكَذَا لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، كَانَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ: أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَة، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ -وَيُقَالُ بَدَلُهُ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارة، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان [[في أ: "عجلان".]] وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرور، وَعِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادة، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو بْنِ حَرَامٍ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرو بْنِ خُنَيس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي شِعْرٍ لَهُ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤٣) .]]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَرْفَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَاقَدَةَ عَنْ قَوْمِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجالد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ قدمتُ الْعِرَاقَ قَبْلَكَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (١/٣٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٠) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات".]] وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ [[في أ: "عن".]] حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرة قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ".
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٢) .]] وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً صَالِحًا [[في ر: "صالح".]] يُقِيمُ الْحَقَّ وَيَعْدِلُ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ [[في ر: "تتاليهم".]] وَتَتَابُعُ أَيَّامِهِمْ، بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى نَسَق، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا شَكٍّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَبَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذِكْرِهِ: أَنَّهُ يُواطئُ اسمُه اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عدْلا وقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرا وظُلْمًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ "سَامرّاء". فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ مِنْ هَوَسِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ، وَتَوَهُّم الْخَيَالَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةَ [الِاثْنَيْ عَشَرَ] [[زيادة من ر، أ.]] الَّذِينَ يَعْتَقِدُ فِيهِمُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ مِنَ الرَّوَافِضِ، لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ. وَفِي التَّوْرَاةِ الْبِشَارَةُ بِإِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقِيمُ مِنْ صُلْبِه اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرة، وَبَعْضِ الْجَهَلَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ [[في ر: "يسلم".]] مِنَ الْيَهُودِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِمْ بَعْضُ الشِّيعَةِ يُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمُ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ، فَيَتَشَيَّعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَهْلًا وسَفَها، لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ مَنْ لَقَّنَهُمْ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَيْ: بِحِفْظِي وكَلاءتي وَنَصْرِي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أَيْ: صَدَقْتُمُوهُمْ فِيمَا يَجِيئُونَكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: نَصَرْتُمُوهُمْ وَآزَرْتُمُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وَهُوَ: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ ﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَيْ: ذُنُوبَكُمْ أَمْحُوهَا وَأَسْتُرُهَا، وَلَا أُؤَاخِذُكُمْ بِهَا ﴿وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: أَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَحْذُورَ، وَأُحَصِّلُ لَكُمُ الْمَقْصُودَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمِيثَاقَ بَعْدَ عَقْده وَتَوْكِيدِهِ وشدَه، وَجَحَدَهُ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْحَقَّ، وَعَدَلَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِمْ مِيثَاقَهُ وَنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ، فَقَالَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أَيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الميثاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَعَنَّاهُمْ، أَيْ أَبْعَدْنَاهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَطَرَدْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أَيْ: فَلَا يَتَّعِظُونَ [[في أ: "فلا تنتفع".]] بِمَوْعِظَةٍ لِغِلَظِهَا وَقَسَاوَتِهَا، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أَيْ: فَسَدَتْ [[في ر: "وفسدت".]] فُهومهم، وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ رَغْبَةً عَنْهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: تَرَكُوا عُرَى دِينِهِمْ وَوَظَائِفَ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْبَلُ الْعَمَلَ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا الْعَمَلَ فَصَارُوا إِلَى حَالَةٍ رَدِيئَةٍ، فَلَا قُلُوبَ سَلِيمَةٌ، وَلَا فِطَرَ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَا أَعْمَالَ قَوِيمَةٌ.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مَكْرُهُمْ وغَدْرهم لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَمَالُؤَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالنَّبِيِّ، ﷺ.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السلف: ما عاملت من عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُمْ تَأْلِيفٌ وَجَمْعٌ عَلَى الْحَقِّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ: الصَّفْحَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر [وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] [التَّوْبَةِ: ٢٩]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أَيْ: وَمِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ نَصَارَى يُتَابِعُونَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَاقْتِفَاءِ آثَارِهِ، وَالْإِيمَانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، أَيْ: فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ، خَالَفُوا الْمَوَاثِيقَ وَنَقَضُوا الْعُهُودَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: فَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالتَّبَاغُضَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ إِلَى [[في أ: "إلى يوم القيامة وهو".]] قِيَامِ السَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ طَوَائِفُ النَّصَارَى عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ لَا يَزَالُونَ مُتَبَاغِضِينَ مُتَعَادِينَ، يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ فَكُلُّ فِرْقَةٍ تُحَرم الْأُخْرَى وَلَا تَدَعُهَا تَلجُ مَعْبَدَهَا، فَالْمَلَكِيَّةُ تُكَفِّرُ الْيَعْقُوبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الْآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ النُّسْطُورِيَّةُ وَالْأَرْيُوسِيَّةُ، كُلُّ طَائِفَةٍ تُكَفِّرُ [[في أ: "تلعن".]] الْأُخْرَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِلنَّصَارَى عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، مِنْ جَعْلِهِمْ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفوًا أَحَدٌ.
5:15يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، أُمِّيِّهِمْ وَكَتَابِيِّهِمْ، وَأَنَّهُ بَعَثَهُ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: يُبَيِّنُ مَا بَدَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ وَأَوَّلُوهُ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ فِيهِ، وَيَسْكُتُ [[في أ: "وسكت".]] عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا غَيَّرُوهُ وَلَا فَائِدَةَ فِي بَيَانِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فَكَانَ الرَّجْمُ مِمَّا أَخْفَوْهُ. [[في أ: "مما أخفوا".]]
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٤/٣٥٩) .]]
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أَيْ: طُرُقَ النَّجَاةِ وَالسَّلَامَةِ وَمَنَاهِجَ الِاسْتِقَامَةِ ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ [[في أ: بإذن ربهم" وهو خطأ.]] وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الْمَهَالِكِ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ أَبْيَنَ الْمَسَالِكِ فَيَصْرِفُ [[في ر، أ: "فصرف".]] عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ، وَيُحَصِّلُ لَهُمْ أَنْجَبَ الْأُمُورِ، وَيَنْفِي عَنْهُمُ الضَّلَالَةَ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى أَقْوَمِ حَالَةٍ.
5:16يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، أُمِّيِّهِمْ وَكَتَابِيِّهِمْ، وَأَنَّهُ بَعَثَهُ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: يُبَيِّنُ مَا بَدَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ وَأَوَّلُوهُ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ فِيهِ، وَيَسْكُتُ [[في أ: "وسكت".]] عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا غَيَّرُوهُ وَلَا فَائِدَةَ فِي بَيَانِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فَكَانَ الرَّجْمُ مِمَّا أَخْفَوْهُ. [[في أ: "مما أخفوا".]]
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٤/٣٥٩) .]]
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أَيْ: طُرُقَ النَّجَاةِ وَالسَّلَامَةِ وَمَنَاهِجَ الِاسْتِقَامَةِ ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ [[في أ: بإذن ربهم" وهو خطأ.]] وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الْمَهَالِكِ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ أَبْيَنَ الْمَسَالِكِ فَيَصْرِفُ [[في ر، أ: "فصرف".]] عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ، وَيُحَصِّلُ لَهُمْ أَنْجَبَ الْأُمُورِ، وَيَنْفِي عَنْهُمُ الضَّلَالَةَ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى أَقْوَمِ حَالَةٍ.
5:17لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَحَاكِمًا بِكُفْرِ النَّصَارَى فِي ادِّعَائِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ -وَهُوَ عبدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خلقه-أنه هو اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَكَوْنِهَا تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أَيْ: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُ [[في أ: "يمنعه منه".]] ؟ أَوْ مَنْ [[في أ: "ومن".]] ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ذَلِكَ؟
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: جميعُ الْمَوْجُودَاتِ ملكهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، لَا يُسأل عَمَّا يَفْعَلُ، لِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعَدْلِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أَيْ: نَحْنُ مُنْتَسِبُونَ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَهُمْ بَنُوهُ وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةٌ، وَهُوَ يُحِبُّنَا. وَنَقَلُوا عَنْ كِتَابِهِمْ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] قَالَ لِعَبْدِهِ إِسْرَائِيلَ: "أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي". فَحَمَلُوا هَذَا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وحَرّفوه. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ عُقَلَائِهِمْ، وَقَالُوا: هَذَا يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّشْرِيفِ وَالْإِكْرَامِ، كَمَا نَقَلَ النَّصَارَى عَنْ كِتَابِهِمْ أَنْ عِيسَى قَالَ لَهُمْ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، يَعْنِي: رَبِّي وَرَبِّكِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبُنُوَّةِ مَا ادَّعَوْهَا فِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ [[في ر، أ: "من ذلك".]] مَعَزَّتَهُمْ لَدَيْهِ وحظْوتهم عِنْدَهُ، وَلِهَذَا قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَدَّعُونَ أَبْنَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ، فَلِمَ أعَد [[في أ: أعددت".]] لَكُمْ نَارَ جَهَنَّمَ عَلَى كُفْرِكُمْ وَكَذِبِكُمْ وَافْتِرَائِكُمْ؟. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ: أَيْنَ تَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَلَا الصُّوفِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَبِيٍّ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوْطَأ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنَيِ ابْنِي! وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَهَا فِي النَّارِ. قَالَ: فَخفَّضَهُم النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا وَاللَّهِ مَا يُلْقِي حَبِيبَهُ فِي النَّارِ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[المسند (٣/١٠٤) .]]
[وَقَوْلُهُ] [[زيادة من أ.]] ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أَيْ: لَكُمْ أُسْوَةٌ أَمْثَالُكُمْ مَنْ بَنِيَ آدَمَ، وَهُوَ تَعَالَى هُوَ الْحَاكِمُ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ إِلَيْهِ، فَيَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ [[في أ: "عتمان بن صا".]] وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَاسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ [[في أ: "فكلمهم."]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تُخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ! نَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَيَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أَمَّا قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلى إسرائيل أن وَلَدَكَ [[في أ: "ولدي".]] -بِكْرَكَ مِنَ الْوَلَدِ-فَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ [[كذا في جميع النسخ، ونص الطبري: "أن ولدا من ولدك أدخلهم النار" (٦/١٠٦) .]] فَيَكُونُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى تُطَهِّرَهُمْ وَتَأْكُلَ خَطَايَاهُمْ، ثُمَّ يُنَادِ مُنَادٍ [[في أ: "منادي".]] أَنْ أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ. فَأَخْرَجُوهُمْ [[في ر: "فأخرجهم".]] فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٤]
5:18وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَحَاكِمًا بِكُفْرِ النَّصَارَى فِي ادِّعَائِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ -وَهُوَ عبدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خلقه-أنه هو اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَكَوْنِهَا تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أَيْ: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُ [[في أ: "يمنعه منه".]] ؟ أَوْ مَنْ [[في أ: "ومن".]] ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ذَلِكَ؟
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: جميعُ الْمَوْجُودَاتِ ملكهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، لَا يُسأل عَمَّا يَفْعَلُ، لِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعَدْلِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أَيْ: نَحْنُ مُنْتَسِبُونَ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَهُمْ بَنُوهُ وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةٌ، وَهُوَ يُحِبُّنَا. وَنَقَلُوا عَنْ كِتَابِهِمْ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] قَالَ لِعَبْدِهِ إِسْرَائِيلَ: "أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي". فَحَمَلُوا هَذَا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وحَرّفوه. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ عُقَلَائِهِمْ، وَقَالُوا: هَذَا يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّشْرِيفِ وَالْإِكْرَامِ، كَمَا نَقَلَ النَّصَارَى عَنْ كِتَابِهِمْ أَنْ عِيسَى قَالَ لَهُمْ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، يَعْنِي: رَبِّي وَرَبِّكِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبُنُوَّةِ مَا ادَّعَوْهَا فِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ [[في ر، أ: "من ذلك".]] مَعَزَّتَهُمْ لَدَيْهِ وحظْوتهم عِنْدَهُ، وَلِهَذَا قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَدَّعُونَ أَبْنَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ، فَلِمَ أعَد [[في أ: أعددت".]] لَكُمْ نَارَ جَهَنَّمَ عَلَى كُفْرِكُمْ وَكَذِبِكُمْ وَافْتِرَائِكُمْ؟. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ: أَيْنَ تَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَلَا الصُّوفِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَبِيٍّ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوْطَأ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنَيِ ابْنِي! وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَهَا فِي النَّارِ. قَالَ: فَخفَّضَهُم النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا وَاللَّهِ مَا يُلْقِي حَبِيبَهُ فِي النَّارِ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[المسند (٣/١٠٤) .]]
[وَقَوْلُهُ] [[زيادة من أ.]] ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أَيْ: لَكُمْ أُسْوَةٌ أَمْثَالُكُمْ مَنْ بَنِيَ آدَمَ، وَهُوَ تَعَالَى هُوَ الْحَاكِمُ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: هُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ إِلَيْهِ، فَيَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ [[في أ: "عتمان بن صا".]] وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَاسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ [[في أ: "فكلمهم."]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تُخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ! نَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَيَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أَمَّا قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلى إسرائيل أن وَلَدَكَ [[في أ: "ولدي".]] -بِكْرَكَ مِنَ الْوَلَدِ-فَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ [[كذا في جميع النسخ، ونص الطبري: "أن ولدا من ولدك أدخلهم النار" (٦/١٠٦) .]] فَيَكُونُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى تُطَهِّرَهُمْ وَتَأْكُلَ خَطَايَاهُمْ، ثُمَّ يُنَادِ مُنَادٍ [[في أ: "منادي".]] أَنْ أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ. فَأَخْرَجُوهُمْ [[في ر: "فأخرجهم".]] فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٤]
5:19يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: إِنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا [[في ر: "محمد".]] خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، الَّذِي لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَلَا رَسُولَ بَلْ هُوَ الْمُعَقِّبُ لِجَمِيعِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أَيْ: بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ مَا بَيْنَ إِرْسَالِهِ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ، كَمْ هِيَ؟ فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْديّ وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-: كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةً. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَعَنْ قَتَادَةَ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ: الضَّحَّاكُ: أَرْبَعُمِائَةٍ [[في أ: "أربعمائة سنة".]] وَبِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[تاريخ دمشق لابن عساكر (١٤/٣٠ القسم المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/٨٦) .]] عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ومنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعُمِائَةٍ وَثَلَاثٌ [[في أ: "ثلاثة".]] وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْقَائِلَ الْأَوَّلَ أَرَادَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، وَالْآخَرَ أَرَادَ قَمَرِيَّةً، وَبَيْنَ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَبَيْنَ الْقَمَرِيَّةِ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِ [[في أ: "ثلاثة".]] سِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الْكَهْفِ: ٢٥] أَيْ: قَمَرِيَّةً، لِتَكْمِيلِ الثَّلَاثِمِائَةِ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَعْلُومَةً لِأَهْلِ [[في ر، أ: "عند أهل".]] الْكِتَابِ. وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، آخَرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِنْ بَنِيَ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ [[في ر، أ: "أنا".]] أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ [[في ر: "لم يكن بيني وبينه نبي".]] [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٢) .]] هَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ، كَمَا حَكَاهُ الْقُضَاعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرسل، وطُمُوس من السبل، وتَغَير الْأَدْيَانِ، وَكَثْرَةِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالصُّلْبَانِ، فَكَانَتِ النِّعْمَةُ بِهِ أَتَمَّ النِّعَمَ، وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمْرَ عَمَم، فَإِنَّ الْفَسَادَ كَانَ قَدْ عَمَّ [[في ر: "عمم".]] جَمِيعَ الْبِلَادِ، وَالطُّغْيَانَ وَالْجَهْلَ قَدْ ظَهَرَ فِي سَائِرِ الْعِبَادِ، إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِبَقَايَا مِنْ دَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، مِنْ بَعْضِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَعِبَادِ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَّرَّف، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار المُجَاشِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "وَإِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أعلِّمكم مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمني فِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْته عِبَادِي حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاء كلَّهم، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فأضَلَّتْهُم [[في أ: "فاحتالتهم".]] عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وأمرَتْهم أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [[في ر، أ: "إلا بقايا من بني إسرائيل أهل الكتاب".]] وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا ويَقْظان، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، إِذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزة، فَقَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِك، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ فَسَنُنفق عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جُنْدًا نَبْعَثُ خَمْسَةَ أَمْثَالِهِ [[في أ: "أمثالهم".]] وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتصدِّق مُوَفَّقٌ [[في أ: "موقن".]] وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ عَفِيف فَقِيرٌ [[في أ: "فقير ذو عيال".]] مُتَصَدِّقٌ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ [[في أ: "رض".]] لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبْعًا أَوْ تُبعاء -شَكَّ يَحْيَى-لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِح وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ"، وَذَكَرَ الْبَخِيلَ [[في ر، أ: "البخل".]] أَوِ الْكَذِبَ، "والشِّنْظير: الْفَاحِشُ". [[المسند (٤/١٦٢) .]]
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِيرِ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ [[في ر، أ: "شعبة".]] عَنْ قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُطَرِّفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: أَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُطَرِّفٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، عَنْهُ. ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَار، فَذَكَرَهُ. وَ [كَذَا] [[زيادة من ر، أ.]] رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ غُنْدَر، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ. [[المسند (٤/١٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٧١) .]]
وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: "وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ". وَكَانَ [[في ر، أ: "فكان"]] الدِّينُ قَدِ التبس على أهل الْأَرْضِ كُلِّهِمْ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهَدَى الْخَلَائِقَ، وَأَخْرَجَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَتَرَكَهُمْ عَلَى المحَجَّة الْبَيْضَاءِ، وَالشَّرِيعَةِ الغرَّاء؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ أَيْ: لِئَلَّا تَحْتَجُّوا وَتَقُولُوا [[في ر، أ: "يحتجوا ويقولوا".]] -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَهُمْ وَغَيَّرُوهُ-مَا جَاءَنَا مِنْ رَسُولٍ يُبَشِّرُ بِالْخَيْرِ وَيُنْذِرُ مِنَ الشَّرِّ، فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ: إِنِّي قَادِرٌ عَلَى عِقَابِ مَنْ عَصَانِي، وَثَوَابِ مَنْ أَطَاعَنِي.
5:20وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:21يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:22قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:23قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:24قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:25قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:26قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا ذَكَّرَ بِهِ قَوْمَهُ نعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، فِي جَمْعِهِ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمُ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ: كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ قَامَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، مِنْ لَدُنْ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] كَانُوا، لَا يَزَالُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَ نِقْمَتَهُ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَنْسُوبِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: الْخَادِمُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَرْأَةُ وَالْخَادِمُ ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ ظَهرانيهِم يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "على شرطهما".]] وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[الحاكم في المستدرك (٢/٣١١، ٣١٢) .]]
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ الزَّوْجَةُ [[في د: "المرأة".]] وَالْخَادِمُ وَالدَّارُ [[في ر، أ: "المرأة".]] سُمِّيَ مَلِكًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَنْبَأَنَا أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا [[في ر: "ألست"، وفي د: "أنا من الفقراء".]] مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ [[في أ: "فقال".]] فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦٣) .]]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَلِ الْمُلْكُ إِلَّا مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ؟
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ.
وَقَالَ ابْنُ شَوْذَب: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ وَخَادِمٌ، وَاسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَلِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ.
وَقَالَ السُّدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قَالَ: يُمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الهَيْثَم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَدَابَّةٌ وَامْرَأَةٌ، كُتِب مَلِكًا". [[وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَة أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمٍ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ بَيْتٌ وَخَادِمٌ فَهُوَ مَلِكٌ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٦١) .]] وَقَالَ مالك: بيت وخادم وزوجة.
وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روي".]] فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافى [[في: "معافا".]] فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِربه، عِنْدَهُ قُوت يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزت لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٤٦) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، فَكَأَنَّهُمْ [[في أ: "فإنهم".]] كَانُوا أَشْرَفَ [[في ر:"أشراف".]] النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ، مِنَ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى لَمَّا قَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨-١٤٠]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَكْمَلُ شَرِيعَةً، وَأَقْوَمُ مِنْهَاجًا، وَأَكْرَمُ نَبِيًّا، وَأَعْظَمُ مُلْكًا، وَأَغْزَرُ أَرْزَاقًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَأَوْسَعُ مَمْلَكَةً، وَأَدُومُ عِزًّا، قَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، وفي أ: "تعالى".]] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا وَكَرَمِهَا، عِنْدَ اللَّهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مِنْ [[في أ: "في".]] سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ مَنَّ مُوسَى لِقَوْمِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا كَانَ تَعَالَى نَزَّلَهُ [[في أ: "ينزله".]] عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وتَظلَّلهم [[في أ: "ويظللهم".]] مِنَ الْغَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ تَعَالَى يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَاللَّهُ [[في أ: "والله".]] أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيضِ، مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِبَنِي [[في ر: "بني".]] إِسْرَائِيلَ عَلَى الْجِهَادِ وَالدُّخُولِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَانِ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، لَمَّا ارْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْلُهُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ أَيَّامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا مَعَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْعَمَالِقَةِ الْجَبَّارِينَ، قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُوسَى، عليه السلام، بالدخول إِلَيْهَا، وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وبَشَّرهم بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفْرِ عَلَيْهِمْ، فَنَكَلُوا وعَصوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيهِ وَالتَّمَادِي فِي سَيْرِهِمْ حَائِرِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى مَقْصِدٍ، مُدّة أَرْبَعِينَ سَنَةً، عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أَيِ: الْمُطَهَّرَةَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قَالَ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ أَرِيحَا. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَرِيحَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ [[في أ: "المقصودة".]] بِالْفَتْحِ، وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، حِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ، [اللَّهُمَّ] [[زيادة من ر، أ.]] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَرِيحَا أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَهُ -السَّدِّيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ-لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي طَرَفِ الغَوْر شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيِ: الَّتِي وَعَدَكُمُوهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَبِيكُمْ إِسْرَائِيلَ: أَنَّهُ وِرَاثَةُ [[في أ: "ورثه".]] مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أَيْ: وَلَا تَنْكِلُوا عَنِ الْجِهَادِ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [[في ر: "وإنا لن ندخلها ما داموا فيها" وهو خطأ.]] أَيِ: اعْتَذَرُوا بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ -الَّتِي أَمَرْتَنَا بِدُخُولِهَا وَقِتَالِ أَهْلِهَا-قَوْمًا جَبَّارِينَ، أَيْ: ذَوِي خلَقٍ هَائِلَةٍ، وَقُوًى شَدِيدَةٍ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ وَلَا مُصَاولتهم، وَلَا يُمْكِنُنَا الدُّخُولُ إِلَيْهَا مَا دَامُوا فِيهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا دَخَلْنَاهَا [[في أ: "منها فإنا داخلون".]] وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [[في ر: "أبو سعد".]] قَالَ عِكْرَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ. قَالَ: فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ -وَهِيَ أَرِيحَا-فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. قَالَ: فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتِهِمْ وجُثَثهم [[في د، ر، أ: "وجسمهم.".]] وعِظَمِهم، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمَارَ مَنْ حَائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَارَ. وَيَنْظُرُ [[في ر، أ: "فنظر".]] إِلَى آثَارِهِمْ، فَتَتَبَّعَهُمْ [[في أ: "فتبعهم".]] فَكُلَّمَا [[في ر: "فلما".]] أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، حتى التقت الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَذَهَبَ [[في ر: "فذهب"، وفي أ: "ثم ذهب".]] إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْنَنَا وَأَمْرَنَا، فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَظَرٌ. [[تفسير الطبري (١٠/١٧٣) .]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى وَقَوْمُهُ، بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا [[في أ: "نقيبا".]] -وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ [[في أ: "ذكرهم".]] اللَّهُ، فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَى فِي قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى، بَعَثَنَا نَأْتِيهِ [[في ر: "نأتيهم".]] بِخَبَرِكُمْ. فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، فَقَالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتِهِمْ [[في ر: "قدروا قدر فاكهتكم".]] فَلَمَّا أَتَوْهُمْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ عَصًا، فَذَرَعَ [[في أ: "وذرع".]] فِيهَا بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي كَمْ ذَرَعَ، ثُمَّ قَاسَ بِهَا فِي الْأَرْضِ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسًا [[في أ: "خمسة".]] وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا طُولُ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا أَخْبَارًا مِنْ وَضْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي عَظَمَةِ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، بِنْتِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلْثُ ذِرَاعٍ، تَحْرِيرُ الْحِسَابِ! وَهَذَا شَيْءٌ يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في د، أ: "الصحيحين".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ [[في ر: "تنقص".]] حَتَّى الْآنَ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
ثُمَّ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ كَانَ وَلَدَ زِنْية، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى رُكْبَتِهِ [[في ر، أ: "ركبتيه".]] وَهَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [[في ر: "فأنجيناه ومن معه أجمعين" وهو خطأ.]] [الشُّعَرَاءِ: ١١٩-١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: [قَال] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣] وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ، فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ، وَهُوَ كَافِرٌ وَوَلَدُ زِنْيَةٍ؟! هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ. ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: "عَوْجُ بْنُ عُنُقٍ" نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ: فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّضَهُمْ رَجُلَانِ لِلَّهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ أَمْرَ اللَّهِ وَيَخْشَى عِقَابَهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أَيْ: مِمَّنْ لَهُمْ [[في ر: "لهما".]] مَهَابَةٌ وَمَوْضِعٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا"، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، والسُّدِّي، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَا ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: مَتَى تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرَهُ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَظَفَّرَكُمْ بِهِمْ، وَدَخَلْتُمُ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَكُمْ. فَلَمْ يَنْفَعْ ذَاكَ فِيهِمْ شَيْئًا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ وَهَذَا نُكُولٌ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَمُخَالَفَةٌ لِرَسُولِهِمْ [[في ر: "لرسوله".]] وَتَخَلُّفٌ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "مقابلة".]] الْأَعْدَاءِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَكَلُوا عَلَى الْجِهَادِ وَعَزَمُوا عَلَى الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ، سَجَدَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قُدام مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِعْظَامًا لِمَا هَمُّوا بِهِ، وشَق "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" وَ "كَالِبُ بْنُ يُوفِنَا" ثِيَابَهُمَا وَلَامَا قَوْمَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَجَمُوهُمَا. وَجَرَى أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا أَجَابَ بِهِ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضوان الله عليهم أجمعين".]] يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي قِتَالِ النَّفِيرِ، الَّذِينَ جَاءُوا لِمَنْعِ العِير الَّذِي كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا فَاتَ اقْتِنَاصُ الْعِيرِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمُ النَّفِيرُ، وَهَمَّ فِي جَمْعٍ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ، فِي العُدة [[في أ:" العدد".]] والبَيْض واليَلب، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَحْسَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ". وَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا لِيَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُمْهُورَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] كَأَنَّكَ تُعرض بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي [[في ر: "والذي".]] بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعرضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضْتَه لخُضناه مَعَكَ، وَمَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَه أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ [[في أ: "ما يقر".]] بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونَشَّطه [[في ر، أ: "وبسطه".]] ذَلِكَ. [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٦١٥) .]]
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: إذًا لَا نَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَتْ [[في أ: "كما قال".]] بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ ضَرَبْت أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْك الغمَاد لَاتَّبَعْنَاكَ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عُبَيْدَةَ [[في أ: "عبدة".]] بْنِ حُمَيْدٍ، الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عن أبي يعلى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مَعْمَر [[في أ: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهِ. [[المسند (٣/١٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١) ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/٤٠٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في أ: "الحكم"، والمثبت من الجرح.]] بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاسِخٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَلَا تُقَاتِلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا [[في أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ. [[ورواه أحمد في مسنده (٤/١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب به.]]
وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَ [[في ر: "أجاد".]] يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأحْمَسِي، عَنْ طَارِقٍ -هُوَ ابْنُ شِهَابٍ-: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذهب أنت وربك فقاتلا إِنَّا مَعَكُمَا [[في ر، أ: "معكم".]] مُقَاتِلُونَ.
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن مخارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ. فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ، وَسَرَّهُ [[في ر، أ: "وسر".]] بِذَلِكَ. [[المسند (١/٣٨٩) .]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ "فِي الْمُغَازِي" وَفِي "التَّفْسِيرِ" مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُخَارِقٍ، بِهِ. وَلَفْظُهُ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بِدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ [[في أ: "ولكنا".]] [نَقُولُ] [[زيادة من أ.]] امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سَرَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الحُدَيبية، حِينَ صَدّ الْمُشْرِكُونَ الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه عِنْدَ الْبَيْتِ". فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَمَا [[في ر، أ: "إنا".]] وَاللَّهِ لَا نَكُونُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَابَعُوا [[في ر، أ: "تبايعوا".]] عَلَى ذَلِكَ. [[تفسير الطبري (١٠/١٨٦) .]]
وَهَذَا. إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَوْمَئِذٍ كَمَا قَالَهُ يَوْمَ بَدْر.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: لَمَّا نَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْقِتَالِ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ دَاعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُجِيبُ إِلَى مَا دعوتَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَا وَأَخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: افْرُقِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[يقول الأستاذ محمود شاكر حفظه الله: "لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (١٠/١٨٨) .]]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَه وبَيْني ... أَشَدَّ مَا فَرقْت بَيْن اثْنَيْنِ ...
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ نكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ دُخُولِهَا قَدْرًا مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ يَسِيرُونَ دَائِمًا لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، وَفِيهِ كَانَتْ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَخَوَارِقُ كَثِيرَةٌ، مِنْ تَظْلِيلِهِمْ بالغَمام وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ، وَمِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ الْجَارِي مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ تُحْمَلُ [[في ر: "تحتمل".]] مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا ضَرَبَهَا مُوسَى بِعَصَاهُ انْفَجَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ [[في ر، أ: "اثنا عشر".]] عَيْنًا تَجْرِي لِكُلِّ شِعْبٍ عَيْنٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ، وَشُرِعَتْ لَهُمُ الْأَحْكَامُ، وَعُمِلَتْ قُبَّةُ الْعَهْدِ، وَيُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ الزَّمَانِ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ [[في ر، أ: "يزيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا [[في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه.]] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَتَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ "الْفُتُونِ"، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ سِنِينَ مَاتَ مُوسَى الْكِلِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ فِيهِمْ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبِيًّا خَلِيفَةً عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمَاتَ أَكْثَرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى "يُوشِعَ" وَ "كَالِبَ"، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ مَنْصُوبٌ بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ فلما انقضت الْمُدَّةُ خَرَجَ بِهِمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَبِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي، فَقَصَدَ [[في أ: "يقصد".]] بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا، فَكَانَ فَتْحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا تَضَيَّفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وخَشي دُخُولَ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَالَ [[في أ: "فقال".]] "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عليَّ"، فَحَبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى فَتَحَهَا، وَأَمَرَ اللَّهُ "يُوشَعَ بْنَ نُونٍ" أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ يَدْخُلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَنْ يَدْخُلُوا بَابَهَا سُجّدا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ، أَيْ: حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا، فَبَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَدَخَلُوا [[في أ: "ودخلوا".]] يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّة فِي شَعْرة، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ قَالَ: فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ وَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً نَاهَضَهُمْ "يُوشَعُ بْنُ نُونٍ"، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، وَهُوَ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "الْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" فهَمُّوا بِافْتِتَاحِهَا، وَدَنَتِ [[في أ: "وقربت".]] الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إِنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أَنْ يَسْبُتُوا، فَنَادَى الشَّمْسَ: "إِنِّي مَأْمُورٌ وَإِنَّكِ مَأْمُورَةٌ" فَوَقَفَتْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى النَّارِ فَلَمْ تَأْتِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَدَعَا رُءُوسَ الْأَسْبَاطِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعَهُمْ، وَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ، فَقَالَ: الْغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأَخْرَجَهُ فَأَخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهَا عَيْنَانِ مِنْ يَاقُوتٍ، وَأَسْنَانٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ الْقُرْبَانِ، فَأَتَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا.
وَهَذَا السِّيَاقُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ هُوَ الْعَامِلُ فِي "أَرْبَعِينَ سَنَةً"، وَأَنَّهُمْ مَكَثوا لَا يُدْخِلُونَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ تَائِهُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يَهْتَدُونَ لِمَقْصِدٍ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَتَحَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ [[في ر: "وأن".]] عَوْجَ بْنَ عُنُقٍ" قَتَلَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ التِّيهِ لِمَا رَهِبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ التِّيهِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ "بِلْعَامَ بْنَ بَاعُورَا" أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَعْدَ التِّيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ التِّيهِ لَا يَخَافُونَ مِنْ مُوسَى وَقَوْمِهِ هَذَا اسْتِدْلَالُهُ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ "عَوْجٍ" فَقَتْلَهُ، فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً. [[في أ: "سنين".]]
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشّار، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْف البِكالي قَالَ: كَانَ سَرِيرُ "عَوْجٍ" ثَمَانِمِائَةِ [[في ر، أ: "ثلثمائة".]] ذِرَاعٍ، وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَ "عَوْجًا" فَأَصَابَ كَعْبَهُ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَكَانَ جسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ. [[حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي.]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تَسْلِيَةً لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَتَأَسَّفْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَمَهْمَا [[في أ: "فيما".]] حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ، بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ تَقْرِيعَ الْيَهُودِ وَبَيَانَ فَضَائِحِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَنُكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا [[في ر:"في الذي".]] أَمَرَهُمْ [[في أ: "أمرهما".]] بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، فَضَعُفَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُصَابَرَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُجَالَدَتِهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلِيمَهُ وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِمْ، هَذَا وَقَدْ شَاهَدُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِعَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْغَرَقِ لَهُ وَلِجُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لتَقَرَّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قَدَمٍ، ثُمَّ يَنْكِلُونَ عَنْ مُقَاتَلَةِ [[في أ: "معاملة".]] أَهْلِ بَلَدٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لَا تُوَازِي عُشْرَ الْمِعْشَارِ فِي عِدَّةِ أَهْلِهَا وعُدَدهم، فَظَهَرَتْ [[في ر: "وظهرت".]] قَبَائِحُ صَنِيعِهِمْ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَافْتَضَحُوا فَضِيحَةً لَا يُغَطِّيهَا اللَّيْلُ، وَلَا يَسْتُرُهَا الذَّيْلُ، هَذَا وَهُمْ فِي [[في أ: "من".]] جَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي غَيِّهم يَتَرَدَّدُونَ، وَهُمُ البُغَضَاء إِلَى اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٨] فَقَبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَهُمُ الَّتِي مَسَخَ مِنْهَا الْخَنَازِيرَ وَالْقُرُودَ، وَأَلْزَمَهُمْ لَعْنَةً تَصْحَبُهُمْ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، وَيَقْضِي لَهُمْ فِيهَا بِتَأْبِيدِ الْخُلُودِ، وَقَدْ فَعَلَ وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ [[في أ: "في".]] جَمِيعِ الْوُجُودِ.
5:27۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ فِي خَبَرِ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ لِصُلْبِهِ -فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ-وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ كَيْفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ بَغْيًا عَلَيْهِ وَحَسَدًا لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وتَقَبّل الْقُرْبَانِ الَّذِي أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَازَ الْمَقْتُولُ بِوَضْعِ الْآثَامِ وَالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَخَابَ الْقَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْحَسَدَةِ، إِخْوَانِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ-خَبَرَ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ، وَلَا وَهْم وَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْكَهْفِ:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤]
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يُولَد لَهُ فِي كُلِّ بَطْنِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَميمةً، وَأُخْتُ قَابِيلَ وَضِيئَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، فَمَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقَرَّبَا فَتُقُبِّل مِنْ هَابِيلَ وَلَمْ يتَقَبَّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قَالَ السُّدي -فِيمَا ذَكَرَ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلُ وَهَابِيلُ [[في ر: "هابيل وقابيل".]] وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى [[في أ: "إلى".]] مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ [[في ر، أ: "بمكة".]] فَأْتِهِ. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْجِبَالِ، فَأَبَتْ. فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَربا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي. فَلَمَّا قَربا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذعَة سِمْنَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حَزْمَة سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من المتقين. رواه ابن جرير. [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ خُثَيْم قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْأمها، وَأُمِرَ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ [[في ر: "طريق ذكر وامرأة".]] وَامْرَأَةٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ، وَوُلِدَ لَهُ أُخْرَى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي. قَالَ: لَا أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مَنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فَقَرَّبَا قُرْبَانَهُمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْين أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الْحَرْثِ بصَبرة مِنْ طَعَامٍ، فَقَبِلَ [[في أ: "فتقبل".]] اللَّهُ الْكَبْشَ فَخَزَنَهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ [[في أ: "عليه السلام."]] إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]] قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ وَالْآخِرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَإِنَّهُمَا [[في ر: "وإنما".]] أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وأسمنَها وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ أشَرَّ حَرْثِهِ الْكَوْدَنِ والزُّوان غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ [يَدَهُ] [[زيادة من د.]] إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَم، وَكَانَ أنْتج لَهُ حَمَل فِي غَنَمِهِ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ. فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَبِلَهُ [[في: أ: "فتقبله".]] اللَّهُ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فَدى بِهِ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِهَابِيلَ وَقَابِيلَ: إِنَّ رَبِّي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقَرِّب الْقُرْبَانَ، فَقَرِّبَا قُرْبَانًا حَتَّى تَقَر عَيْنِي إِذَا تُقُبّل قُرْبَانُكُمَا، فَقَرَّبَا. وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَقَرَّبَ أكُولة غَنَمِهِ، خَيْر مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ مَشَاقَّةً [[في أ: "مشاقد".]] مِنْ زَرْعِهِ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مَعَهُمَا، وَمَعَهُمَا قُرْبَانُهُمَا، فَصَعِدَا الْجَبَلَ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا، ثُمَّ جَلَسُوا ثَلَاثَتُهُمْ: آدَمُ وَهُمَا، يَنْظُرَانِ إِلَى الْقُرْبَانِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَارًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ فَوْقَهُمَا دَنَا مِنْهَا عُنُقٌ، فَاحْتَمَلَ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَانْصَرَفُوا. وَعَلِمَ آدَمُ أَنَّ قَابِيلَ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ رُدَّ عَلَيْكَ قُرْبَانُكَ. فَقَالَ قَابِيلُ: أحببتَه فصليتَ عَلَى قُرْبَانِهِ وَدَعَوْتَ لَهُ فتُقُبل قُرْبَانُهُ، وَرُدَّ عليَّ قرباني. وقال قابيل لهابيل: لأقتلنك فَأَسْتَرِيحُ مِنْكَ، دَعَا لَكَ أَبُوكَ فَصَلَّى عَلَى قُرْبَانِكَ، فَتُقُبِّلَ مِنْكَ. وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] يَتَوَاعَدُهُ بِالْقَتْلِ، إِلَى أَنِ احْتَبَسَ هَابِيلَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فِي غَنَمِهِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ؟ [قَالَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: وبَعثتني لَهُ رَاعِيًا؟ لَا أَدْرِي. فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] آدَمُ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ. انْطَلِقْ فَاطْلُبْ أَخَاكَ. فَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: اللَّيْلَةَ أَقْتُلُهُ. وَأَخَذَ مَعَهُ حَدِيدَةً فَاسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، فَقَالَ: يَا هَابِيلُ، تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ هَابِيلُ: قربتُ أَطْيَبَ مَالِي، وقربتَ أَنْتَ أَخْبَثَ مَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ [[في أ: "لا يتقبل".]] إِلَّا الطَّيِّبَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ قَابِيلُ فَرَفَعَ الْحَدِيدَةَ وَضَرَبَهُ [[في أ: "فضربه".]] بِهَا، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ؟ كَيْفَ يَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ؟ فَقَتَلَهُ فَطَرَحَهُ فِي جَوْبة [[في أ: "حفرة".]] مِنَ الْأَرْضِ، وَحَثَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ التُّرَابِ. [[قال الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (٤/١٢٤) : "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، ثم قد ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين، وقد أعرضنا عن ذلك، وأبقينا شيئا منها هو أجودها إسنادا، على سبيل المثال لا على سبيل الرواية الصحيحة المنقولة" ثم ذكر الرواية عن ابن عباس كما ستأتي.]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَيْنًا [[في أ: "قابيل".]] أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوأمة هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَيْنٍ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى ذَلِكَ قَيْنٌ وَكَرِهَ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ [[في ر: "ولاد".]] الْأَرْضِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي -وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَيْنٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَضَنّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ [[في ر، أ: "والله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ-فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى قَابِيلُ [[في ر، أ: "قين".]] أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، قَرِّبْ [[في أ: "فقرب".]] قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا تُقُبِّل [[في أ: "فأيكما قبل الله".]] قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَ قَيْنٌ عَلَى بَذْر الْأَرْضِ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَيْنٌ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ -وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً-فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ، فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَيْنٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَل [[في أ: "تقبل".]] الْقُرْبَانُ إِذَا [[في ر: "وإذا".]] قَبِلَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ. فَبَيْنَا [[في ر: "فبينما".]] ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ [[في أ: "ورضيه".]] اللَّهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَتَأْكُلَهُ [[في أ: "فأكلته".]] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَت النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا، وَكَانَ الْآخَرُ حَرّاثا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنِمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرّبت قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْكَ وَرُدّ عليَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ وإليَّ وأنت خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَهَذَا الْأَثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ كَانَ لَا عَنْ سَبَبٍ وَلَا عَنْ تَدَارُئٍ فِي امْرَأَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مَنْ تَقُدُّمِ ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا غَضَبُ عَلَيْهِ وَحَسَدُهُ لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ دُونَهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الشَّاةَ هُوَ هَابِيلُ، وَأَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الطَّعَامَ هُوَ قَابِيلُ، وَأَنَّهُ تُقُبل مِنْ هَابِيلَ شَاتُهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ قَابِيلَ. كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي قَرَّبَ الزَّرْعَ قَابِيلُ، وَهُوَ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهُ، وَهَذَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ جَيِّدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى [[في ر: "ومنه".]] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنِي صَفْوان بْنُ [[في أ: "أبوا".]] عَمْرٍو، عَنْ تَمِيم، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ الْمَقْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الرَّازِيَّ-عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ -يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ-فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَف مِنَ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في أ: "عنهم".]] وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ لَهُ أَخُوهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ لِتَقْوَاهُ حِينَ تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَنْبٍ مِنْهُ إِلَيْهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أَيْ: [[في أ: "إني".]] لَا أُقَابِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ الْفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي الْخَطِيئَةِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا تُرِيدُ أَنَّ تَصْنَعَ، بَلْ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعد"، وفي أ: "بشر بن سعيد".]] ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي". قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إليَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة بْنِ سَعِيدٍ [[المسند (١/١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤) .]] وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَباب بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي بَكْرَة [[في أ: "وأبي بكر".]] وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وخَرَشَة. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الرَّجُلُ هُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "المفضل بن عباس عن ابن عباس".]] عَنْ بُكَيْر، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعيد".]] عَنْ حُسَيْنِ [[في ر: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُنْ كَابْنِ آدَم" وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سنن أبي داود برقم (٤٢٥٧) .]]
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتَياني: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْحوم، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "تَعَفَّفْ" قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ موتٌ شَدِيدٌ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اصْبِرْ". قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فِيهِمْ [[في ر: "منهم".]] قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: "إذًا تُشَارِكُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يُرَوِّعَكَ [[في ر، أ: "يردعك".]] شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرْفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى [[في ر، أ: "كي".]] يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦) .]] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ المُشَعَّث [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [[في أ: "عن أبي إسحاق".]] بِنَحْوِهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٢٦١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٥٨) .]]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعَّثُ [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَة بْنُ عُقْبَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيّ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةِ حُذَيفة، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا يَقُولُ فِي نَاسٍ: مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَقْصَى بَيْتٍ فِي دَارِي، فلألجنَّه، فَلَئِنْ دَخَلَ [[في ر: "فإن على".]] عَليّ فُلَانٌ لَأَقُولُنَّ: هَا [[في أ: "لأقرأها".]] بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَأَكُونُ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي ذَلِكَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي، فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا، وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافُهُ. يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قَالَ: بِقَتْلِكَ إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قَالَ: بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مثْله، وَرَوَى شِبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَهَّمُ [[في أ: "توهم".]] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ: مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عتبة [[في أ: "عنبسة".]] بن سعيد، عن هشام بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَتْلُ الصَّبْر لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ".
وَهَذَا بِهَذَا لَا يَصِحُّ [[مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".]] وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنِ الْمَقْتُولِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ ذُنُوبَهُ، فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْقَاتِلِ فَلَا. وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ يُطَالِبُ الْقَاتِلَ فِي العَرَصات فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، فَإِنْ نَفِدَتْ [[في د: "فنيت".]] وَلَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ فطُرِحَت [[في أ: "فيطرح".]] عَلَى الْقَاتِلِ، فَرُبَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى الْمَقْتُولِ خَطِيئَةٌ إِلَّا وُضِعَتْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ كُلِّهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشَدَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ [[في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال".]] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ -وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ [[في ر، أ: "يعني".]] قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَتُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ الصَّوَابُ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ [[في أ: "وعليه".]] وَإِذَا كَانَ هَذَا [[في ر: "ذلك".]] حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ [[في أ: "يكون".]] آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَذَا الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ أَرَادَ هَابِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَخِيهِ قَابِيلَ إِثْمُ قَتْلِهِ، وَإِثْمُ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؟ وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[في أ: "بما هو حاصله".]] أَنَّ هَابِيلَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ أَخَاهُ إِنْ قَاتَلَهُ، بَلْ يَكُفُّ يَدَهُ عَنْهُ، طَالِبًا -إنْ وَقَعَ قَتْلٌ-أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ لَا مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَضَمِّنٌ مَوْعِظَةً لَهُ لَوِ اتَّعَظَ، وَزَجْرًا لَهُ لَوِ انْزَجَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَتَحَمَّلُ إِثْمِي وَإِثْمَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَوَّفَهُ النَّارَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فَحَسُنَتْ [[في أ: "فحسنت له".]] وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ وَهَذَا الزَّجْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخْرَةً، فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ فمات، فَتَرَكَهُ بالعَرَاء. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ خَنْقًا وَعَضًّا، كَمَا تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] السِّبَاعُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في هـ: "ابن جريج".]] لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَعَلَ [[في أ: "فجعل".]] يَلْوِي عُنُقَهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ دَابَّةً وَوَضَعَ [[في ر، أ: "فوضع".]] رَأْسَهَا عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى قَتَلَهَا، وَابْنُ آدَمَ يَنْظُرُ، فَفَعَلَ بِأَخِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ بِرَأْسِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ، وَجَعَلَ يَغْمِزُ رَأْسَهُ وَعِظَامَهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاطْرَحْهَا عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، فشَدَخ رَأْسَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى حَوَّاءَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، إِنَّ قَابِيلَ قَتَلَ هَابِيلَ. فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ. أَيُّ [[في ر، أ: "وأي".]] شَيْءٍ يَكُونُ الْقَتْلُ؟ قَالَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ. قَالَتْ: ذَلِكَ الْمَوْتُ. قَالَ: فَهُوَ الْمَوْتُ. فَجَعَلَتْ تَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا آدَمُ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَرَجَعَ [[في أ: "ثم رجع".]] إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ. فَقَالَ: عَلَيْكِ الصَّيْحَةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ، وَأَنَا وَبَنِيَّ مِنْهَا بُرَآءُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيُّ خسارة أعظم من هذه؟ . وقد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [[في أ: "يعقوب".]] ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُقتَل نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٣٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٦٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ: عُلّقت إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ -قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّا لِنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْقَى أَهْلِ النَّارِ [[في أ: "إن أشقى الناس".]] رَجُلًا ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا سُفِك دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَل أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَرٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١٩) .]]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ والشيطان كِفْل منه.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الصَّحَابَةِ: لَمَّا مَاتَ الْغُلَامُ تَرَكَهُ بالعَرَاء، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: جَاءَ غُرَابٌ إِلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ، فبَحَث عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى عَاتِقِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابين، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فَدَفَنَ أَخَاهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ مَيِّتًا، لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ يَحْمِلُهُ، وَيَضَعُهُ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى الْغُرَابَ يَدْفِنُ الْغُرَابَ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: لَمَّا قَتَلَهُ سُقِط فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي [[في أ: "من".]] بَنِي آدَمَ وَأَوَّلَ مَيِّتٍ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ: وَزَعَمَ [[في ر، أ: "ويزعم".]] أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ قَيْنًا لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، قَالَ لَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: يَا قَيْنُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: قَالَ: مَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ لَيُنَادِيَنِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآنَ أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ [[في ر: "فتلقت".]] دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَاهُ اللَّهُ بِنَدَامَةٍ بَعْدَ خُسْرَانٍ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَيْنَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْل مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ". وَهَذَا ظَاهِرٌ جَليّ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عن الحسن -هو البصري-قال: كان الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القُربان فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُربا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا [[في أ: "منها".]] [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٣) وتفسير الطبري (١٠/٣٢٠) .]]
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ".
وَكَذَا أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٠)]]
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. أَيْ: أَضْحَكَكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِياث [[في أ: "عتاب".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهمْداني قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، بَكَاهُ آدَمُ فَقَالَ:
تَغيَّرت الْبِلَادُ ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبر قَبيح ...
تغيَّر كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه الْمَلِيحُ ...
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كالميْت [[في ر: "بالميت".]] الذَّبِيحِ
وجَاء بشرةٍ قَدْ كَانَ مِنْها [[في أ: "منه".]] عَلى خَوف فجاء بها يَصيح [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٩، ٢١٠) .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه القيم: "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" (ص١٨٣) : "وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال" وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر.
وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هو إلا ذكر وقرآن مبين) .
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: "من قال: آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا"، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء".]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَابِيلَ عُوجل بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدُ [[في ر: "ابن مجاهد".]] بْنُ جَبْر أَنَّهُ عُلِّقَتْ سَاقُهُ بِفَخِذِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ عُقُوبَةً لَهُ وَتَنْكِيلًا بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ [[في هـ: "أن"، والمثبت من أ.]] النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجَّل اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". [[رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِ قَابِيلَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون.
5:28لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ فِي خَبَرِ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ لِصُلْبِهِ -فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ-وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ كَيْفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ بَغْيًا عَلَيْهِ وَحَسَدًا لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وتَقَبّل الْقُرْبَانِ الَّذِي أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَازَ الْمَقْتُولُ بِوَضْعِ الْآثَامِ وَالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَخَابَ الْقَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْحَسَدَةِ، إِخْوَانِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ-خَبَرَ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ، وَلَا وَهْم وَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْكَهْفِ:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤]
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يُولَد لَهُ فِي كُلِّ بَطْنِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَميمةً، وَأُخْتُ قَابِيلَ وَضِيئَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، فَمَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقَرَّبَا فَتُقُبِّل مِنْ هَابِيلَ وَلَمْ يتَقَبَّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قَالَ السُّدي -فِيمَا ذَكَرَ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلُ وَهَابِيلُ [[في ر: "هابيل وقابيل".]] وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى [[في أ: "إلى".]] مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ [[في ر، أ: "بمكة".]] فَأْتِهِ. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْجِبَالِ، فَأَبَتْ. فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَربا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي. فَلَمَّا قَربا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذعَة سِمْنَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حَزْمَة سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من المتقين. رواه ابن جرير. [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ خُثَيْم قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْأمها، وَأُمِرَ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ [[في ر: "طريق ذكر وامرأة".]] وَامْرَأَةٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ، وَوُلِدَ لَهُ أُخْرَى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي. قَالَ: لَا أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مَنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فَقَرَّبَا قُرْبَانَهُمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْين أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الْحَرْثِ بصَبرة مِنْ طَعَامٍ، فَقَبِلَ [[في أ: "فتقبل".]] اللَّهُ الْكَبْشَ فَخَزَنَهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ [[في أ: "عليه السلام."]] إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]] قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ وَالْآخِرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَإِنَّهُمَا [[في ر: "وإنما".]] أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وأسمنَها وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ أشَرَّ حَرْثِهِ الْكَوْدَنِ والزُّوان غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ [يَدَهُ] [[زيادة من د.]] إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَم، وَكَانَ أنْتج لَهُ حَمَل فِي غَنَمِهِ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ. فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَبِلَهُ [[في: أ: "فتقبله".]] اللَّهُ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فَدى بِهِ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِهَابِيلَ وَقَابِيلَ: إِنَّ رَبِّي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقَرِّب الْقُرْبَانَ، فَقَرِّبَا قُرْبَانًا حَتَّى تَقَر عَيْنِي إِذَا تُقُبّل قُرْبَانُكُمَا، فَقَرَّبَا. وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَقَرَّبَ أكُولة غَنَمِهِ، خَيْر مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ مَشَاقَّةً [[في أ: "مشاقد".]] مِنْ زَرْعِهِ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مَعَهُمَا، وَمَعَهُمَا قُرْبَانُهُمَا، فَصَعِدَا الْجَبَلَ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا، ثُمَّ جَلَسُوا ثَلَاثَتُهُمْ: آدَمُ وَهُمَا، يَنْظُرَانِ إِلَى الْقُرْبَانِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَارًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ فَوْقَهُمَا دَنَا مِنْهَا عُنُقٌ، فَاحْتَمَلَ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَانْصَرَفُوا. وَعَلِمَ آدَمُ أَنَّ قَابِيلَ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ رُدَّ عَلَيْكَ قُرْبَانُكَ. فَقَالَ قَابِيلُ: أحببتَه فصليتَ عَلَى قُرْبَانِهِ وَدَعَوْتَ لَهُ فتُقُبل قُرْبَانُهُ، وَرُدَّ عليَّ قرباني. وقال قابيل لهابيل: لأقتلنك فَأَسْتَرِيحُ مِنْكَ، دَعَا لَكَ أَبُوكَ فَصَلَّى عَلَى قُرْبَانِكَ، فَتُقُبِّلَ مِنْكَ. وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] يَتَوَاعَدُهُ بِالْقَتْلِ، إِلَى أَنِ احْتَبَسَ هَابِيلَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فِي غَنَمِهِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ؟ [قَالَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: وبَعثتني لَهُ رَاعِيًا؟ لَا أَدْرِي. فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] آدَمُ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ. انْطَلِقْ فَاطْلُبْ أَخَاكَ. فَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: اللَّيْلَةَ أَقْتُلُهُ. وَأَخَذَ مَعَهُ حَدِيدَةً فَاسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، فَقَالَ: يَا هَابِيلُ، تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ هَابِيلُ: قربتُ أَطْيَبَ مَالِي، وقربتَ أَنْتَ أَخْبَثَ مَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ [[في أ: "لا يتقبل".]] إِلَّا الطَّيِّبَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ قَابِيلُ فَرَفَعَ الْحَدِيدَةَ وَضَرَبَهُ [[في أ: "فضربه".]] بِهَا، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ؟ كَيْفَ يَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ؟ فَقَتَلَهُ فَطَرَحَهُ فِي جَوْبة [[في أ: "حفرة".]] مِنَ الْأَرْضِ، وَحَثَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ التُّرَابِ. [[قال الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (٤/١٢٤) : "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، ثم قد ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين، وقد أعرضنا عن ذلك، وأبقينا شيئا منها هو أجودها إسنادا، على سبيل المثال لا على سبيل الرواية الصحيحة المنقولة" ثم ذكر الرواية عن ابن عباس كما ستأتي.]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَيْنًا [[في أ: "قابيل".]] أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوأمة هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَيْنٍ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى ذَلِكَ قَيْنٌ وَكَرِهَ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ [[في ر: "ولاد".]] الْأَرْضِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي -وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَيْنٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَضَنّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ [[في ر، أ: "والله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ-فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى قَابِيلُ [[في ر، أ: "قين".]] أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، قَرِّبْ [[في أ: "فقرب".]] قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا تُقُبِّل [[في أ: "فأيكما قبل الله".]] قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَ قَيْنٌ عَلَى بَذْر الْأَرْضِ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَيْنٌ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ -وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً-فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ، فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَيْنٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَل [[في أ: "تقبل".]] الْقُرْبَانُ إِذَا [[في ر: "وإذا".]] قَبِلَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ. فَبَيْنَا [[في ر: "فبينما".]] ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ [[في أ: "ورضيه".]] اللَّهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَتَأْكُلَهُ [[في أ: "فأكلته".]] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَت النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا، وَكَانَ الْآخَرُ حَرّاثا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنِمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرّبت قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْكَ وَرُدّ عليَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ وإليَّ وأنت خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَهَذَا الْأَثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ كَانَ لَا عَنْ سَبَبٍ وَلَا عَنْ تَدَارُئٍ فِي امْرَأَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مَنْ تَقُدُّمِ ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا غَضَبُ عَلَيْهِ وَحَسَدُهُ لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ دُونَهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الشَّاةَ هُوَ هَابِيلُ، وَأَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الطَّعَامَ هُوَ قَابِيلُ، وَأَنَّهُ تُقُبل مِنْ هَابِيلَ شَاتُهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ قَابِيلَ. كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي قَرَّبَ الزَّرْعَ قَابِيلُ، وَهُوَ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهُ، وَهَذَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ جَيِّدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى [[في ر: "ومنه".]] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنِي صَفْوان بْنُ [[في أ: "أبوا".]] عَمْرٍو، عَنْ تَمِيم، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ الْمَقْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الرَّازِيَّ-عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ -يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ-فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَف مِنَ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في أ: "عنهم".]] وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ لَهُ أَخُوهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ لِتَقْوَاهُ حِينَ تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَنْبٍ مِنْهُ إِلَيْهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أَيْ: [[في أ: "إني".]] لَا أُقَابِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ الْفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي الْخَطِيئَةِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا تُرِيدُ أَنَّ تَصْنَعَ، بَلْ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعد"، وفي أ: "بشر بن سعيد".]] ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي". قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إليَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة بْنِ سَعِيدٍ [[المسند (١/١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤) .]] وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَباب بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي بَكْرَة [[في أ: "وأبي بكر".]] وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وخَرَشَة. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الرَّجُلُ هُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "المفضل بن عباس عن ابن عباس".]] عَنْ بُكَيْر، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعيد".]] عَنْ حُسَيْنِ [[في ر: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُنْ كَابْنِ آدَم" وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سنن أبي داود برقم (٤٢٥٧) .]]
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتَياني: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْحوم، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "تَعَفَّفْ" قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ موتٌ شَدِيدٌ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اصْبِرْ". قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فِيهِمْ [[في ر: "منهم".]] قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: "إذًا تُشَارِكُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يُرَوِّعَكَ [[في ر، أ: "يردعك".]] شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرْفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى [[في ر، أ: "كي".]] يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦) .]] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ المُشَعَّث [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [[في أ: "عن أبي إسحاق".]] بِنَحْوِهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٢٦١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٥٨) .]]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعَّثُ [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَة بْنُ عُقْبَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيّ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةِ حُذَيفة، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا يَقُولُ فِي نَاسٍ: مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَقْصَى بَيْتٍ فِي دَارِي، فلألجنَّه، فَلَئِنْ دَخَلَ [[في ر: "فإن على".]] عَليّ فُلَانٌ لَأَقُولُنَّ: هَا [[في أ: "لأقرأها".]] بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَأَكُونُ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي ذَلِكَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي، فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا، وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافُهُ. يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قَالَ: بِقَتْلِكَ إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قَالَ: بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مثْله، وَرَوَى شِبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَهَّمُ [[في أ: "توهم".]] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ: مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عتبة [[في أ: "عنبسة".]] بن سعيد، عن هشام بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَتْلُ الصَّبْر لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ".
وَهَذَا بِهَذَا لَا يَصِحُّ [[مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".]] وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنِ الْمَقْتُولِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ ذُنُوبَهُ، فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْقَاتِلِ فَلَا. وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ يُطَالِبُ الْقَاتِلَ فِي العَرَصات فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، فَإِنْ نَفِدَتْ [[في د: "فنيت".]] وَلَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ فطُرِحَت [[في أ: "فيطرح".]] عَلَى الْقَاتِلِ، فَرُبَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى الْمَقْتُولِ خَطِيئَةٌ إِلَّا وُضِعَتْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ كُلِّهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشَدَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ [[في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال".]] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ -وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ [[في ر، أ: "يعني".]] قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَتُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ الصَّوَابُ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ [[في أ: "وعليه".]] وَإِذَا كَانَ هَذَا [[في ر: "ذلك".]] حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ [[في أ: "يكون".]] آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَذَا الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ أَرَادَ هَابِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَخِيهِ قَابِيلَ إِثْمُ قَتْلِهِ، وَإِثْمُ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؟ وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[في أ: "بما هو حاصله".]] أَنَّ هَابِيلَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ أَخَاهُ إِنْ قَاتَلَهُ، بَلْ يَكُفُّ يَدَهُ عَنْهُ، طَالِبًا -إنْ وَقَعَ قَتْلٌ-أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ لَا مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَضَمِّنٌ مَوْعِظَةً لَهُ لَوِ اتَّعَظَ، وَزَجْرًا لَهُ لَوِ انْزَجَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَتَحَمَّلُ إِثْمِي وَإِثْمَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَوَّفَهُ النَّارَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فَحَسُنَتْ [[في أ: "فحسنت له".]] وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ وَهَذَا الزَّجْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخْرَةً، فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ فمات، فَتَرَكَهُ بالعَرَاء. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ خَنْقًا وَعَضًّا، كَمَا تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] السِّبَاعُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في هـ: "ابن جريج".]] لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَعَلَ [[في أ: "فجعل".]] يَلْوِي عُنُقَهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ دَابَّةً وَوَضَعَ [[في ر، أ: "فوضع".]] رَأْسَهَا عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى قَتَلَهَا، وَابْنُ آدَمَ يَنْظُرُ، فَفَعَلَ بِأَخِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ بِرَأْسِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ، وَجَعَلَ يَغْمِزُ رَأْسَهُ وَعِظَامَهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاطْرَحْهَا عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، فشَدَخ رَأْسَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى حَوَّاءَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، إِنَّ قَابِيلَ قَتَلَ هَابِيلَ. فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ. أَيُّ [[في ر، أ: "وأي".]] شَيْءٍ يَكُونُ الْقَتْلُ؟ قَالَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ. قَالَتْ: ذَلِكَ الْمَوْتُ. قَالَ: فَهُوَ الْمَوْتُ. فَجَعَلَتْ تَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا آدَمُ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَرَجَعَ [[في أ: "ثم رجع".]] إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ. فَقَالَ: عَلَيْكِ الصَّيْحَةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ، وَأَنَا وَبَنِيَّ مِنْهَا بُرَآءُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيُّ خسارة أعظم من هذه؟ . وقد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [[في أ: "يعقوب".]] ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُقتَل نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٣٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٦٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ: عُلّقت إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ -قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّا لِنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْقَى أَهْلِ النَّارِ [[في أ: "إن أشقى الناس".]] رَجُلًا ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا سُفِك دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَل أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَرٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١٩) .]]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ والشيطان كِفْل منه.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الصَّحَابَةِ: لَمَّا مَاتَ الْغُلَامُ تَرَكَهُ بالعَرَاء، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: جَاءَ غُرَابٌ إِلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ، فبَحَث عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى عَاتِقِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابين، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فَدَفَنَ أَخَاهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ مَيِّتًا، لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ يَحْمِلُهُ، وَيَضَعُهُ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى الْغُرَابَ يَدْفِنُ الْغُرَابَ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: لَمَّا قَتَلَهُ سُقِط فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي [[في أ: "من".]] بَنِي آدَمَ وَأَوَّلَ مَيِّتٍ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ: وَزَعَمَ [[في ر، أ: "ويزعم".]] أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ قَيْنًا لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، قَالَ لَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: يَا قَيْنُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: قَالَ: مَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ لَيُنَادِيَنِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآنَ أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ [[في ر: "فتلقت".]] دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَاهُ اللَّهُ بِنَدَامَةٍ بَعْدَ خُسْرَانٍ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَيْنَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْل مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ". وَهَذَا ظَاهِرٌ جَليّ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عن الحسن -هو البصري-قال: كان الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القُربان فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُربا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا [[في أ: "منها".]] [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٣) وتفسير الطبري (١٠/٣٢٠) .]]
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ".
وَكَذَا أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٠)]]
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. أَيْ: أَضْحَكَكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِياث [[في أ: "عتاب".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهمْداني قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، بَكَاهُ آدَمُ فَقَالَ:
تَغيَّرت الْبِلَادُ ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبر قَبيح ...
تغيَّر كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه الْمَلِيحُ ...
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كالميْت [[في ر: "بالميت".]] الذَّبِيحِ
وجَاء بشرةٍ قَدْ كَانَ مِنْها [[في أ: "منه".]] عَلى خَوف فجاء بها يَصيح [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٩، ٢١٠) .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه القيم: "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" (ص١٨٣) : "وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال" وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر.
وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هو إلا ذكر وقرآن مبين) .
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: "من قال: آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا"، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء".]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَابِيلَ عُوجل بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدُ [[في ر: "ابن مجاهد".]] بْنُ جَبْر أَنَّهُ عُلِّقَتْ سَاقُهُ بِفَخِذِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ عُقُوبَةً لَهُ وَتَنْكِيلًا بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ [[في هـ: "أن"، والمثبت من أ.]] النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجَّل اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". [[رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِ قَابِيلَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون.
5:29إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَـٰٓؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ فِي خَبَرِ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ لِصُلْبِهِ -فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ-وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ كَيْفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ بَغْيًا عَلَيْهِ وَحَسَدًا لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وتَقَبّل الْقُرْبَانِ الَّذِي أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَازَ الْمَقْتُولُ بِوَضْعِ الْآثَامِ وَالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَخَابَ الْقَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْحَسَدَةِ، إِخْوَانِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ-خَبَرَ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ، وَلَا وَهْم وَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْكَهْفِ:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤]
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يُولَد لَهُ فِي كُلِّ بَطْنِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَميمةً، وَأُخْتُ قَابِيلَ وَضِيئَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، فَمَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقَرَّبَا فَتُقُبِّل مِنْ هَابِيلَ وَلَمْ يتَقَبَّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قَالَ السُّدي -فِيمَا ذَكَرَ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلُ وَهَابِيلُ [[في ر: "هابيل وقابيل".]] وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى [[في أ: "إلى".]] مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ [[في ر، أ: "بمكة".]] فَأْتِهِ. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْجِبَالِ، فَأَبَتْ. فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَربا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي. فَلَمَّا قَربا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذعَة سِمْنَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حَزْمَة سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من المتقين. رواه ابن جرير. [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ خُثَيْم قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْأمها، وَأُمِرَ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ [[في ر: "طريق ذكر وامرأة".]] وَامْرَأَةٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ، وَوُلِدَ لَهُ أُخْرَى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي. قَالَ: لَا أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مَنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فَقَرَّبَا قُرْبَانَهُمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْين أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الْحَرْثِ بصَبرة مِنْ طَعَامٍ، فَقَبِلَ [[في أ: "فتقبل".]] اللَّهُ الْكَبْشَ فَخَزَنَهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ [[في أ: "عليه السلام."]] إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]] قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ وَالْآخِرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَإِنَّهُمَا [[في ر: "وإنما".]] أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وأسمنَها وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ أشَرَّ حَرْثِهِ الْكَوْدَنِ والزُّوان غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ [يَدَهُ] [[زيادة من د.]] إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَم، وَكَانَ أنْتج لَهُ حَمَل فِي غَنَمِهِ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ. فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَبِلَهُ [[في: أ: "فتقبله".]] اللَّهُ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فَدى بِهِ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِهَابِيلَ وَقَابِيلَ: إِنَّ رَبِّي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقَرِّب الْقُرْبَانَ، فَقَرِّبَا قُرْبَانًا حَتَّى تَقَر عَيْنِي إِذَا تُقُبّل قُرْبَانُكُمَا، فَقَرَّبَا. وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَقَرَّبَ أكُولة غَنَمِهِ، خَيْر مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ مَشَاقَّةً [[في أ: "مشاقد".]] مِنْ زَرْعِهِ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مَعَهُمَا، وَمَعَهُمَا قُرْبَانُهُمَا، فَصَعِدَا الْجَبَلَ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا، ثُمَّ جَلَسُوا ثَلَاثَتُهُمْ: آدَمُ وَهُمَا، يَنْظُرَانِ إِلَى الْقُرْبَانِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَارًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ فَوْقَهُمَا دَنَا مِنْهَا عُنُقٌ، فَاحْتَمَلَ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَانْصَرَفُوا. وَعَلِمَ آدَمُ أَنَّ قَابِيلَ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ رُدَّ عَلَيْكَ قُرْبَانُكَ. فَقَالَ قَابِيلُ: أحببتَه فصليتَ عَلَى قُرْبَانِهِ وَدَعَوْتَ لَهُ فتُقُبل قُرْبَانُهُ، وَرُدَّ عليَّ قرباني. وقال قابيل لهابيل: لأقتلنك فَأَسْتَرِيحُ مِنْكَ، دَعَا لَكَ أَبُوكَ فَصَلَّى عَلَى قُرْبَانِكَ، فَتُقُبِّلَ مِنْكَ. وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] يَتَوَاعَدُهُ بِالْقَتْلِ، إِلَى أَنِ احْتَبَسَ هَابِيلَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فِي غَنَمِهِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ؟ [قَالَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: وبَعثتني لَهُ رَاعِيًا؟ لَا أَدْرِي. فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] آدَمُ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ. انْطَلِقْ فَاطْلُبْ أَخَاكَ. فَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: اللَّيْلَةَ أَقْتُلُهُ. وَأَخَذَ مَعَهُ حَدِيدَةً فَاسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، فَقَالَ: يَا هَابِيلُ، تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ هَابِيلُ: قربتُ أَطْيَبَ مَالِي، وقربتَ أَنْتَ أَخْبَثَ مَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ [[في أ: "لا يتقبل".]] إِلَّا الطَّيِّبَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ قَابِيلُ فَرَفَعَ الْحَدِيدَةَ وَضَرَبَهُ [[في أ: "فضربه".]] بِهَا، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ؟ كَيْفَ يَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ؟ فَقَتَلَهُ فَطَرَحَهُ فِي جَوْبة [[في أ: "حفرة".]] مِنَ الْأَرْضِ، وَحَثَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ التُّرَابِ. [[قال الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (٤/١٢٤) : "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، ثم قد ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين، وقد أعرضنا عن ذلك، وأبقينا شيئا منها هو أجودها إسنادا، على سبيل المثال لا على سبيل الرواية الصحيحة المنقولة" ثم ذكر الرواية عن ابن عباس كما ستأتي.]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَيْنًا [[في أ: "قابيل".]] أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوأمة هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَيْنٍ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى ذَلِكَ قَيْنٌ وَكَرِهَ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ [[في ر: "ولاد".]] الْأَرْضِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي -وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَيْنٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَضَنّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ [[في ر، أ: "والله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ-فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى قَابِيلُ [[في ر، أ: "قين".]] أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، قَرِّبْ [[في أ: "فقرب".]] قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا تُقُبِّل [[في أ: "فأيكما قبل الله".]] قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَ قَيْنٌ عَلَى بَذْر الْأَرْضِ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَيْنٌ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ -وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً-فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ، فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَيْنٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَل [[في أ: "تقبل".]] الْقُرْبَانُ إِذَا [[في ر: "وإذا".]] قَبِلَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ. فَبَيْنَا [[في ر: "فبينما".]] ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ [[في أ: "ورضيه".]] اللَّهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَتَأْكُلَهُ [[في أ: "فأكلته".]] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَت النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا، وَكَانَ الْآخَرُ حَرّاثا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنِمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرّبت قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْكَ وَرُدّ عليَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ وإليَّ وأنت خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَهَذَا الْأَثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ كَانَ لَا عَنْ سَبَبٍ وَلَا عَنْ تَدَارُئٍ فِي امْرَأَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مَنْ تَقُدُّمِ ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا غَضَبُ عَلَيْهِ وَحَسَدُهُ لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ دُونَهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الشَّاةَ هُوَ هَابِيلُ، وَأَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الطَّعَامَ هُوَ قَابِيلُ، وَأَنَّهُ تُقُبل مِنْ هَابِيلَ شَاتُهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ قَابِيلَ. كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي قَرَّبَ الزَّرْعَ قَابِيلُ، وَهُوَ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهُ، وَهَذَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ جَيِّدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى [[في ر: "ومنه".]] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنِي صَفْوان بْنُ [[في أ: "أبوا".]] عَمْرٍو، عَنْ تَمِيم، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ الْمَقْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الرَّازِيَّ-عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ -يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ-فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَف مِنَ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في أ: "عنهم".]] وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ لَهُ أَخُوهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ لِتَقْوَاهُ حِينَ تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَنْبٍ مِنْهُ إِلَيْهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أَيْ: [[في أ: "إني".]] لَا أُقَابِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ الْفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي الْخَطِيئَةِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا تُرِيدُ أَنَّ تَصْنَعَ، بَلْ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعد"، وفي أ: "بشر بن سعيد".]] ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي". قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إليَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة بْنِ سَعِيدٍ [[المسند (١/١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤) .]] وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَباب بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي بَكْرَة [[في أ: "وأبي بكر".]] وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وخَرَشَة. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الرَّجُلُ هُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "المفضل بن عباس عن ابن عباس".]] عَنْ بُكَيْر، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعيد".]] عَنْ حُسَيْنِ [[في ر: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُنْ كَابْنِ آدَم" وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سنن أبي داود برقم (٤٢٥٧) .]]
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتَياني: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْحوم، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "تَعَفَّفْ" قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ موتٌ شَدِيدٌ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اصْبِرْ". قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فِيهِمْ [[في ر: "منهم".]] قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: "إذًا تُشَارِكُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يُرَوِّعَكَ [[في ر، أ: "يردعك".]] شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرْفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى [[في ر، أ: "كي".]] يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦) .]] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ المُشَعَّث [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [[في أ: "عن أبي إسحاق".]] بِنَحْوِهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٢٦١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٥٨) .]]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعَّثُ [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَة بْنُ عُقْبَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيّ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةِ حُذَيفة، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا يَقُولُ فِي نَاسٍ: مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَقْصَى بَيْتٍ فِي دَارِي، فلألجنَّه، فَلَئِنْ دَخَلَ [[في ر: "فإن على".]] عَليّ فُلَانٌ لَأَقُولُنَّ: هَا [[في أ: "لأقرأها".]] بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَأَكُونُ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي ذَلِكَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي، فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا، وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافُهُ. يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قَالَ: بِقَتْلِكَ إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قَالَ: بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مثْله، وَرَوَى شِبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَهَّمُ [[في أ: "توهم".]] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ: مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عتبة [[في أ: "عنبسة".]] بن سعيد، عن هشام بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَتْلُ الصَّبْر لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ".
وَهَذَا بِهَذَا لَا يَصِحُّ [[مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".]] وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنِ الْمَقْتُولِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ ذُنُوبَهُ، فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْقَاتِلِ فَلَا. وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ يُطَالِبُ الْقَاتِلَ فِي العَرَصات فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، فَإِنْ نَفِدَتْ [[في د: "فنيت".]] وَلَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ فطُرِحَت [[في أ: "فيطرح".]] عَلَى الْقَاتِلِ، فَرُبَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى الْمَقْتُولِ خَطِيئَةٌ إِلَّا وُضِعَتْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ كُلِّهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشَدَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ [[في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال".]] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ -وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ [[في ر، أ: "يعني".]] قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَتُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ الصَّوَابُ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ [[في أ: "وعليه".]] وَإِذَا كَانَ هَذَا [[في ر: "ذلك".]] حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ [[في أ: "يكون".]] آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَذَا الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ أَرَادَ هَابِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَخِيهِ قَابِيلَ إِثْمُ قَتْلِهِ، وَإِثْمُ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؟ وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[في أ: "بما هو حاصله".]] أَنَّ هَابِيلَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ أَخَاهُ إِنْ قَاتَلَهُ، بَلْ يَكُفُّ يَدَهُ عَنْهُ، طَالِبًا -إنْ وَقَعَ قَتْلٌ-أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ لَا مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَضَمِّنٌ مَوْعِظَةً لَهُ لَوِ اتَّعَظَ، وَزَجْرًا لَهُ لَوِ انْزَجَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَتَحَمَّلُ إِثْمِي وَإِثْمَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَوَّفَهُ النَّارَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فَحَسُنَتْ [[في أ: "فحسنت له".]] وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ وَهَذَا الزَّجْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخْرَةً، فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ فمات، فَتَرَكَهُ بالعَرَاء. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ خَنْقًا وَعَضًّا، كَمَا تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] السِّبَاعُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في هـ: "ابن جريج".]] لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَعَلَ [[في أ: "فجعل".]] يَلْوِي عُنُقَهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ دَابَّةً وَوَضَعَ [[في ر، أ: "فوضع".]] رَأْسَهَا عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى قَتَلَهَا، وَابْنُ آدَمَ يَنْظُرُ، فَفَعَلَ بِأَخِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ بِرَأْسِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ، وَجَعَلَ يَغْمِزُ رَأْسَهُ وَعِظَامَهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاطْرَحْهَا عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، فشَدَخ رَأْسَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى حَوَّاءَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، إِنَّ قَابِيلَ قَتَلَ هَابِيلَ. فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ. أَيُّ [[في ر، أ: "وأي".]] شَيْءٍ يَكُونُ الْقَتْلُ؟ قَالَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ. قَالَتْ: ذَلِكَ الْمَوْتُ. قَالَ: فَهُوَ الْمَوْتُ. فَجَعَلَتْ تَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا آدَمُ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَرَجَعَ [[في أ: "ثم رجع".]] إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ. فَقَالَ: عَلَيْكِ الصَّيْحَةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ، وَأَنَا وَبَنِيَّ مِنْهَا بُرَآءُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيُّ خسارة أعظم من هذه؟ . وقد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [[في أ: "يعقوب".]] ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُقتَل نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٣٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٦٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ: عُلّقت إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ -قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّا لِنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْقَى أَهْلِ النَّارِ [[في أ: "إن أشقى الناس".]] رَجُلًا ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا سُفِك دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَل أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَرٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١٩) .]]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ والشيطان كِفْل منه.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الصَّحَابَةِ: لَمَّا مَاتَ الْغُلَامُ تَرَكَهُ بالعَرَاء، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: جَاءَ غُرَابٌ إِلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ، فبَحَث عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى عَاتِقِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابين، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فَدَفَنَ أَخَاهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ مَيِّتًا، لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ يَحْمِلُهُ، وَيَضَعُهُ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى الْغُرَابَ يَدْفِنُ الْغُرَابَ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: لَمَّا قَتَلَهُ سُقِط فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي [[في أ: "من".]] بَنِي آدَمَ وَأَوَّلَ مَيِّتٍ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ: وَزَعَمَ [[في ر، أ: "ويزعم".]] أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ قَيْنًا لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، قَالَ لَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: يَا قَيْنُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: قَالَ: مَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ لَيُنَادِيَنِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآنَ أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ [[في ر: "فتلقت".]] دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَاهُ اللَّهُ بِنَدَامَةٍ بَعْدَ خُسْرَانٍ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَيْنَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْل مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ". وَهَذَا ظَاهِرٌ جَليّ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عن الحسن -هو البصري-قال: كان الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القُربان فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُربا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا [[في أ: "منها".]] [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٣) وتفسير الطبري (١٠/٣٢٠) .]]
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ".
وَكَذَا أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٠)]]
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. أَيْ: أَضْحَكَكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِياث [[في أ: "عتاب".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهمْداني قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، بَكَاهُ آدَمُ فَقَالَ:
تَغيَّرت الْبِلَادُ ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبر قَبيح ...
تغيَّر كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه الْمَلِيحُ ...
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كالميْت [[في ر: "بالميت".]] الذَّبِيحِ
وجَاء بشرةٍ قَدْ كَانَ مِنْها [[في أ: "منه".]] عَلى خَوف فجاء بها يَصيح [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٩، ٢١٠) .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه القيم: "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" (ص١٨٣) : "وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال" وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر.
وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هو إلا ذكر وقرآن مبين) .
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: "من قال: آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا"، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء".]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَابِيلَ عُوجل بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدُ [[في ر: "ابن مجاهد".]] بْنُ جَبْر أَنَّهُ عُلِّقَتْ سَاقُهُ بِفَخِذِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ عُقُوبَةً لَهُ وَتَنْكِيلًا بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ [[في هـ: "أن"، والمثبت من أ.]] النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجَّل اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". [[رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِ قَابِيلَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون.
5:30فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ فِي خَبَرِ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ لِصُلْبِهِ -فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ-وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ كَيْفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ بَغْيًا عَلَيْهِ وَحَسَدًا لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وتَقَبّل الْقُرْبَانِ الَّذِي أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَازَ الْمَقْتُولُ بِوَضْعِ الْآثَامِ وَالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَخَابَ الْقَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْحَسَدَةِ، إِخْوَانِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ-خَبَرَ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ، وَلَا وَهْم وَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْكَهْفِ:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤]
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يُولَد لَهُ فِي كُلِّ بَطْنِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَميمةً، وَأُخْتُ قَابِيلَ وَضِيئَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، فَمَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقَرَّبَا فَتُقُبِّل مِنْ هَابِيلَ وَلَمْ يتَقَبَّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قَالَ السُّدي -فِيمَا ذَكَرَ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلُ وَهَابِيلُ [[في ر: "هابيل وقابيل".]] وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى [[في أ: "إلى".]] مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ [[في ر، أ: "بمكة".]] فَأْتِهِ. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْجِبَالِ، فَأَبَتْ. فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَربا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي. فَلَمَّا قَربا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذعَة سِمْنَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حَزْمَة سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من المتقين. رواه ابن جرير. [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ خُثَيْم قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْأمها، وَأُمِرَ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ [[في ر: "طريق ذكر وامرأة".]] وَامْرَأَةٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ، وَوُلِدَ لَهُ أُخْرَى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي. قَالَ: لَا أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مَنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فَقَرَّبَا قُرْبَانَهُمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْين أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الْحَرْثِ بصَبرة مِنْ طَعَامٍ، فَقَبِلَ [[في أ: "فتقبل".]] اللَّهُ الْكَبْشَ فَخَزَنَهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ [[في أ: "عليه السلام."]] إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]] قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ وَالْآخِرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَإِنَّهُمَا [[في ر: "وإنما".]] أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وأسمنَها وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ أشَرَّ حَرْثِهِ الْكَوْدَنِ والزُّوان غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ [يَدَهُ] [[زيادة من د.]] إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَم، وَكَانَ أنْتج لَهُ حَمَل فِي غَنَمِهِ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ. فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَبِلَهُ [[في: أ: "فتقبله".]] اللَّهُ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فَدى بِهِ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِهَابِيلَ وَقَابِيلَ: إِنَّ رَبِّي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقَرِّب الْقُرْبَانَ، فَقَرِّبَا قُرْبَانًا حَتَّى تَقَر عَيْنِي إِذَا تُقُبّل قُرْبَانُكُمَا، فَقَرَّبَا. وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَقَرَّبَ أكُولة غَنَمِهِ، خَيْر مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ مَشَاقَّةً [[في أ: "مشاقد".]] مِنْ زَرْعِهِ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مَعَهُمَا، وَمَعَهُمَا قُرْبَانُهُمَا، فَصَعِدَا الْجَبَلَ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا، ثُمَّ جَلَسُوا ثَلَاثَتُهُمْ: آدَمُ وَهُمَا، يَنْظُرَانِ إِلَى الْقُرْبَانِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَارًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ فَوْقَهُمَا دَنَا مِنْهَا عُنُقٌ، فَاحْتَمَلَ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَانْصَرَفُوا. وَعَلِمَ آدَمُ أَنَّ قَابِيلَ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ رُدَّ عَلَيْكَ قُرْبَانُكَ. فَقَالَ قَابِيلُ: أحببتَه فصليتَ عَلَى قُرْبَانِهِ وَدَعَوْتَ لَهُ فتُقُبل قُرْبَانُهُ، وَرُدَّ عليَّ قرباني. وقال قابيل لهابيل: لأقتلنك فَأَسْتَرِيحُ مِنْكَ، دَعَا لَكَ أَبُوكَ فَصَلَّى عَلَى قُرْبَانِكَ، فَتُقُبِّلَ مِنْكَ. وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] يَتَوَاعَدُهُ بِالْقَتْلِ، إِلَى أَنِ احْتَبَسَ هَابِيلَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فِي غَنَمِهِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ؟ [قَالَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: وبَعثتني لَهُ رَاعِيًا؟ لَا أَدْرِي. فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] آدَمُ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ. انْطَلِقْ فَاطْلُبْ أَخَاكَ. فَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: اللَّيْلَةَ أَقْتُلُهُ. وَأَخَذَ مَعَهُ حَدِيدَةً فَاسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، فَقَالَ: يَا هَابِيلُ، تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ هَابِيلُ: قربتُ أَطْيَبَ مَالِي، وقربتَ أَنْتَ أَخْبَثَ مَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ [[في أ: "لا يتقبل".]] إِلَّا الطَّيِّبَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ قَابِيلُ فَرَفَعَ الْحَدِيدَةَ وَضَرَبَهُ [[في أ: "فضربه".]] بِهَا، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ؟ كَيْفَ يَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ؟ فَقَتَلَهُ فَطَرَحَهُ فِي جَوْبة [[في أ: "حفرة".]] مِنَ الْأَرْضِ، وَحَثَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ التُّرَابِ. [[قال الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (٤/١٢٤) : "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، ثم قد ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين، وقد أعرضنا عن ذلك، وأبقينا شيئا منها هو أجودها إسنادا، على سبيل المثال لا على سبيل الرواية الصحيحة المنقولة" ثم ذكر الرواية عن ابن عباس كما ستأتي.]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَيْنًا [[في أ: "قابيل".]] أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوأمة هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَيْنٍ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى ذَلِكَ قَيْنٌ وَكَرِهَ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ [[في ر: "ولاد".]] الْأَرْضِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي -وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَيْنٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَضَنّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ [[في ر، أ: "والله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ-فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى قَابِيلُ [[في ر، أ: "قين".]] أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، قَرِّبْ [[في أ: "فقرب".]] قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا تُقُبِّل [[في أ: "فأيكما قبل الله".]] قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَ قَيْنٌ عَلَى بَذْر الْأَرْضِ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَيْنٌ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ -وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً-فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ، فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَيْنٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَل [[في أ: "تقبل".]] الْقُرْبَانُ إِذَا [[في ر: "وإذا".]] قَبِلَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ. فَبَيْنَا [[في ر: "فبينما".]] ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ [[في أ: "ورضيه".]] اللَّهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَتَأْكُلَهُ [[في أ: "فأكلته".]] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَت النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا، وَكَانَ الْآخَرُ حَرّاثا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنِمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرّبت قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْكَ وَرُدّ عليَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ وإليَّ وأنت خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَهَذَا الْأَثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ كَانَ لَا عَنْ سَبَبٍ وَلَا عَنْ تَدَارُئٍ فِي امْرَأَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مَنْ تَقُدُّمِ ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا غَضَبُ عَلَيْهِ وَحَسَدُهُ لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ دُونَهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الشَّاةَ هُوَ هَابِيلُ، وَأَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الطَّعَامَ هُوَ قَابِيلُ، وَأَنَّهُ تُقُبل مِنْ هَابِيلَ شَاتُهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ قَابِيلَ. كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي قَرَّبَ الزَّرْعَ قَابِيلُ، وَهُوَ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهُ، وَهَذَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ جَيِّدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى [[في ر: "ومنه".]] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنِي صَفْوان بْنُ [[في أ: "أبوا".]] عَمْرٍو، عَنْ تَمِيم، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ الْمَقْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الرَّازِيَّ-عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ -يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ-فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَف مِنَ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في أ: "عنهم".]] وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ لَهُ أَخُوهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ لِتَقْوَاهُ حِينَ تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَنْبٍ مِنْهُ إِلَيْهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أَيْ: [[في أ: "إني".]] لَا أُقَابِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ الْفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي الْخَطِيئَةِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا تُرِيدُ أَنَّ تَصْنَعَ، بَلْ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعد"، وفي أ: "بشر بن سعيد".]] ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي". قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إليَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة بْنِ سَعِيدٍ [[المسند (١/١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤) .]] وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَباب بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي بَكْرَة [[في أ: "وأبي بكر".]] وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وخَرَشَة. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الرَّجُلُ هُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "المفضل بن عباس عن ابن عباس".]] عَنْ بُكَيْر، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعيد".]] عَنْ حُسَيْنِ [[في ر: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُنْ كَابْنِ آدَم" وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سنن أبي داود برقم (٤٢٥٧) .]]
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتَياني: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْحوم، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "تَعَفَّفْ" قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ موتٌ شَدِيدٌ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اصْبِرْ". قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فِيهِمْ [[في ر: "منهم".]] قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: "إذًا تُشَارِكُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يُرَوِّعَكَ [[في ر، أ: "يردعك".]] شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرْفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى [[في ر، أ: "كي".]] يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦) .]] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ المُشَعَّث [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [[في أ: "عن أبي إسحاق".]] بِنَحْوِهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٢٦١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٥٨) .]]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعَّثُ [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَة بْنُ عُقْبَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيّ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةِ حُذَيفة، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا يَقُولُ فِي نَاسٍ: مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَقْصَى بَيْتٍ فِي دَارِي، فلألجنَّه، فَلَئِنْ دَخَلَ [[في ر: "فإن على".]] عَليّ فُلَانٌ لَأَقُولُنَّ: هَا [[في أ: "لأقرأها".]] بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَأَكُونُ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي ذَلِكَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي، فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا، وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافُهُ. يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قَالَ: بِقَتْلِكَ إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قَالَ: بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مثْله، وَرَوَى شِبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَهَّمُ [[في أ: "توهم".]] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ: مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عتبة [[في أ: "عنبسة".]] بن سعيد، عن هشام بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَتْلُ الصَّبْر لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ".
وَهَذَا بِهَذَا لَا يَصِحُّ [[مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".]] وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنِ الْمَقْتُولِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ ذُنُوبَهُ، فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْقَاتِلِ فَلَا. وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ يُطَالِبُ الْقَاتِلَ فِي العَرَصات فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، فَإِنْ نَفِدَتْ [[في د: "فنيت".]] وَلَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ فطُرِحَت [[في أ: "فيطرح".]] عَلَى الْقَاتِلِ، فَرُبَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى الْمَقْتُولِ خَطِيئَةٌ إِلَّا وُضِعَتْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ كُلِّهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشَدَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ [[في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال".]] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ -وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ [[في ر، أ: "يعني".]] قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَتُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ الصَّوَابُ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ [[في أ: "وعليه".]] وَإِذَا كَانَ هَذَا [[في ر: "ذلك".]] حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ [[في أ: "يكون".]] آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَذَا الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ أَرَادَ هَابِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَخِيهِ قَابِيلَ إِثْمُ قَتْلِهِ، وَإِثْمُ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؟ وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[في أ: "بما هو حاصله".]] أَنَّ هَابِيلَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ أَخَاهُ إِنْ قَاتَلَهُ، بَلْ يَكُفُّ يَدَهُ عَنْهُ، طَالِبًا -إنْ وَقَعَ قَتْلٌ-أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ لَا مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَضَمِّنٌ مَوْعِظَةً لَهُ لَوِ اتَّعَظَ، وَزَجْرًا لَهُ لَوِ انْزَجَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَتَحَمَّلُ إِثْمِي وَإِثْمَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَوَّفَهُ النَّارَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فَحَسُنَتْ [[في أ: "فحسنت له".]] وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ وَهَذَا الزَّجْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخْرَةً، فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ فمات، فَتَرَكَهُ بالعَرَاء. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ خَنْقًا وَعَضًّا، كَمَا تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] السِّبَاعُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في هـ: "ابن جريج".]] لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَعَلَ [[في أ: "فجعل".]] يَلْوِي عُنُقَهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ دَابَّةً وَوَضَعَ [[في ر، أ: "فوضع".]] رَأْسَهَا عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى قَتَلَهَا، وَابْنُ آدَمَ يَنْظُرُ، فَفَعَلَ بِأَخِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ بِرَأْسِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ، وَجَعَلَ يَغْمِزُ رَأْسَهُ وَعِظَامَهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاطْرَحْهَا عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، فشَدَخ رَأْسَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى حَوَّاءَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، إِنَّ قَابِيلَ قَتَلَ هَابِيلَ. فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ. أَيُّ [[في ر، أ: "وأي".]] شَيْءٍ يَكُونُ الْقَتْلُ؟ قَالَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ. قَالَتْ: ذَلِكَ الْمَوْتُ. قَالَ: فَهُوَ الْمَوْتُ. فَجَعَلَتْ تَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا آدَمُ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَرَجَعَ [[في أ: "ثم رجع".]] إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ. فَقَالَ: عَلَيْكِ الصَّيْحَةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ، وَأَنَا وَبَنِيَّ مِنْهَا بُرَآءُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيُّ خسارة أعظم من هذه؟ . وقد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [[في أ: "يعقوب".]] ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُقتَل نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٣٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٦٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ: عُلّقت إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ -قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّا لِنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْقَى أَهْلِ النَّارِ [[في أ: "إن أشقى الناس".]] رَجُلًا ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا سُفِك دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَل أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَرٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١٩) .]]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ والشيطان كِفْل منه.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الصَّحَابَةِ: لَمَّا مَاتَ الْغُلَامُ تَرَكَهُ بالعَرَاء، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: جَاءَ غُرَابٌ إِلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ، فبَحَث عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى عَاتِقِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابين، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فَدَفَنَ أَخَاهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ مَيِّتًا، لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ يَحْمِلُهُ، وَيَضَعُهُ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى الْغُرَابَ يَدْفِنُ الْغُرَابَ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: لَمَّا قَتَلَهُ سُقِط فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي [[في أ: "من".]] بَنِي آدَمَ وَأَوَّلَ مَيِّتٍ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ: وَزَعَمَ [[في ر، أ: "ويزعم".]] أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ قَيْنًا لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، قَالَ لَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: يَا قَيْنُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: قَالَ: مَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ لَيُنَادِيَنِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآنَ أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ [[في ر: "فتلقت".]] دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَاهُ اللَّهُ بِنَدَامَةٍ بَعْدَ خُسْرَانٍ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَيْنَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْل مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ". وَهَذَا ظَاهِرٌ جَليّ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عن الحسن -هو البصري-قال: كان الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القُربان فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُربا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا [[في أ: "منها".]] [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٣) وتفسير الطبري (١٠/٣٢٠) .]]
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ".
وَكَذَا أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٠)]]
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. أَيْ: أَضْحَكَكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِياث [[في أ: "عتاب".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهمْداني قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، بَكَاهُ آدَمُ فَقَالَ:
تَغيَّرت الْبِلَادُ ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبر قَبيح ...
تغيَّر كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه الْمَلِيحُ ...
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كالميْت [[في ر: "بالميت".]] الذَّبِيحِ
وجَاء بشرةٍ قَدْ كَانَ مِنْها [[في أ: "منه".]] عَلى خَوف فجاء بها يَصيح [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٩، ٢١٠) .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه القيم: "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" (ص١٨٣) : "وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال" وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر.
وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هو إلا ذكر وقرآن مبين) .
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: "من قال: آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا"، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء".]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَابِيلَ عُوجل بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدُ [[في ر: "ابن مجاهد".]] بْنُ جَبْر أَنَّهُ عُلِّقَتْ سَاقُهُ بِفَخِذِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ عُقُوبَةً لَهُ وَتَنْكِيلًا بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ [[في هـ: "أن"، والمثبت من أ.]] النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجَّل اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". [[رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِ قَابِيلَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون.
5:31فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ فِي خَبَرِ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ لِصُلْبِهِ -فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ-وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ كَيْفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ بَغْيًا عَلَيْهِ وَحَسَدًا لَهُ، فِيمَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وتَقَبّل الْقُرْبَانِ الَّذِي أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَازَ الْمَقْتُولُ بِوَضْعِ الْآثَامِ وَالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَخَابَ الْقَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: وَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْحَسَدَةِ، إِخْوَانِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ-خَبَرَ ابْنَيْ [[في ر: "بني".]] آدَمَ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَمْرِ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ، وَلَا وَهْم وَلَا تَبْدِيلَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْكَهْفِ:١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤]
وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يُولَد لَهُ فِي كُلِّ بَطْنِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَميمةً، وَأُخْتُ قَابِيلَ وَضِيئَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، فَمَنْ تُقُبِّلَ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقَرَّبَا فَتُقُبِّل مِنْ هَابِيلَ وَلَمْ يتَقَبَّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قَالَ السُّدي -فِيمَا ذَكَرَ-عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلُ وَهَابِيلُ [[في ر: "هابيل وقابيل".]] وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى [[في أ: "إلى".]] مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ [[في ر، أ: "بمكة".]] فَأْتِهِ. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ. وَقَالَ لِلْجِبَالِ، فَأَبَتْ. فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَربا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي. فَلَمَّا قَربا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذعَة سِمْنَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حَزْمَة سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من المتقين. رواه ابن جرير. [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ خُثَيْم قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْأمها، وَأُمِرَ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ [[في ر: "طريق ذكر وامرأة".]] وَامْرَأَةٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ، وَوُلِدَ لَهُ أُخْرَى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحُكَ أُخْتِي. قَالَ: لَا أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مَنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فَقَرَّبَا قُرْبَانَهُمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْين أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الْحَرْثِ بصَبرة مِنْ طَعَامٍ، فَقَبِلَ [[في أ: "فتقبل".]] اللَّهُ الْكَبْشَ فَخَزَنَهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ [[في أ: "عليه السلام."]] إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في أ: "عمر".]] قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ وَالْآخِرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَإِنَّهُمَا [[في ر: "وإنما".]] أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وأسمنَها وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ أشَرَّ حَرْثِهِ الْكَوْدَنِ والزُّوان غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنْعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ [يَدَهُ] [[زيادة من د.]] إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدَنِيُّ الْقَاصُّ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ، كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَم، وَكَانَ أنْتج لَهُ حَمَل فِي غَنَمِهِ، فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ. فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ قَرَّبَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَبِلَهُ [[في: أ: "فتقبله".]] اللَّهُ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فَدى بِهِ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِهَابِيلَ وَقَابِيلَ: إِنَّ رَبِّي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقَرِّب الْقُرْبَانَ، فَقَرِّبَا قُرْبَانًا حَتَّى تَقَر عَيْنِي إِذَا تُقُبّل قُرْبَانُكُمَا، فَقَرَّبَا. وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَقَرَّبَ أكُولة غَنَمِهِ، خَيْر مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ مَشَاقَّةً [[في أ: "مشاقد".]] مِنْ زَرْعِهِ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مَعَهُمَا، وَمَعَهُمَا قُرْبَانُهُمَا، فَصَعِدَا الْجَبَلَ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا، ثُمَّ جَلَسُوا ثَلَاثَتُهُمْ: آدَمُ وَهُمَا، يَنْظُرَانِ إِلَى الْقُرْبَانِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَارًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ فَوْقَهُمَا دَنَا مِنْهَا عُنُقٌ، فَاحْتَمَلَ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَانْصَرَفُوا. وَعَلِمَ آدَمُ أَنَّ قَابِيلَ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ رُدَّ عَلَيْكَ قُرْبَانُكَ. فَقَالَ قَابِيلُ: أحببتَه فصليتَ عَلَى قُرْبَانِهِ وَدَعَوْتَ لَهُ فتُقُبل قُرْبَانُهُ، وَرُدَّ عليَّ قرباني. وقال قابيل لهابيل: لأقتلنك فَأَسْتَرِيحُ مِنْكَ، دَعَا لَكَ أَبُوكَ فَصَلَّى عَلَى قُرْبَانِكَ، فَتُقُبِّلَ مِنْكَ. وَكَانَ [[في أ: "فكان".]] يَتَوَاعَدُهُ بِالْقَتْلِ، إِلَى أَنِ احْتَبَسَ هَابِيلَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فِي غَنَمِهِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا قَابِيلُ، أَيْنَ أَخُوكَ؟ [قَالَ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: وبَعثتني لَهُ رَاعِيًا؟ لَا أَدْرِي. فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] آدَمُ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ. انْطَلِقْ فَاطْلُبْ أَخَاكَ. فَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ: اللَّيْلَةَ أَقْتُلُهُ. وَأَخَذَ مَعَهُ حَدِيدَةً فَاسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، فَقَالَ: يَا هَابِيلُ، تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ هَابِيلُ: قربتُ أَطْيَبَ مَالِي، وقربتَ أَنْتَ أَخْبَثَ مَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ [[في أ: "لا يتقبل".]] إِلَّا الطَّيِّبَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ قَابِيلُ فَرَفَعَ الْحَدِيدَةَ وَضَرَبَهُ [[في أ: "فضربه".]] بِهَا، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا قَابِيلُ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ؟ كَيْفَ يَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ؟ فَقَتَلَهُ فَطَرَحَهُ فِي جَوْبة [[في أ: "حفرة".]] مِنَ الْأَرْضِ، وَحَثَى عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ التُّرَابِ. [[قال الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (٤/١٢٤) : "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح، ثم قد ساق الحافظ المؤلف هنا آثارا كثيرة في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين، وقد أعرضنا عن ذلك، وأبقينا شيئا منها هو أجودها إسنادا، على سبيل المثال لا على سبيل الرواية الصحيحة المنقولة" ثم ذكر الرواية عن ابن عباس كما ستأتي.]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَيْنًا [[في أ: "قابيل".]] أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوأمة هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَيْنٍ، فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى ذَلِكَ قَيْنٌ وَكَرِهَ، تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ، وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ، وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ [[في ر: "ولاد".]] الْأَرْضِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي -وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَيْنٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَضَنّ بِهَا عَنْ أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ [[في ر، أ: "والله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ-فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى قَابِيلُ [[في ر، أ: "قين".]] أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، قَرِّبْ [[في أ: "فقرب".]] قُرْبَانًا، وَيُقَرِّبْ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا، فَأَيُّكُمَا تُقُبِّل [[في أ: "فأيكما قبل الله".]] قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَ قَيْنٌ عَلَى بَذْر الْأَرْضِ، وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ، فَقَرَّبَ قَيْنٌ قَمْحًا، وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ -وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً-فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ، فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَيْنٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقْبَل [[في أ: "تقبل".]] الْقُرْبَانُ إِذَا [[في ر: "وإذا".]] قَبِلَهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ. فَبَيْنَا [[في ر: "فبينما".]] ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالَا لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ [[في أ: "ورضيه".]] اللَّهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَتَأْكُلَهُ [[في أ: "فأكلته".]] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَت النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا، وَكَانَ الْآخَرُ حَرّاثا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنِمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرّبت قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْكَ وَرُدّ عليَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْكَ وإليَّ وأنت خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَهَذَا الْأَثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ كَانَ لَا عَنْ سَبَبٍ وَلَا عَنْ تَدَارُئٍ فِي امْرَأَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مَنْ تَقُدُّمِ ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا غَضَبُ عَلَيْهِ وَحَسَدُهُ لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ دُونَهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الشَّاةَ هُوَ هَابِيلُ، وَأَنَّ الَّذِي قَرَّبَ الطَّعَامَ هُوَ قَابِيلُ، وَأَنَّهُ تُقُبل مِنْ هَابِيلَ شَاتُهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ قَابِيلَ. كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي قَرَّبَ الزَّرْعَ قَابِيلُ، وَهُوَ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهُ، وَهَذَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ جَيِّدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى [[في ر: "ومنه".]] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زِبْرِيقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنِي صَفْوان بْنُ [[في أ: "أبوا".]] عَمْرٍو، عَنْ تَمِيم، يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ الْمَقْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الرَّازِيَّ-عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ -يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ-فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَف مِنَ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ [[في أ: "عنهم".]] وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ لَهُ أَخُوهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ لِتَقْوَاهُ حِينَ تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَنْبٍ مِنْهُ إِلَيْهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ أَيْ: [[في أ: "إني".]] لَا أُقَابِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ الْفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي الْخَطِيئَةِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا تُرِيدُ أَنَّ تَصْنَعَ، بَلْ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". [[صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعد"، وفي أ: "بشر بن سعيد".]] ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي". قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إليَّ لِيَقْتُلَنِي قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَة بْنِ سَعِيدٍ [[المسند (١/١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤) .]] وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَباب بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي بَكْرَة [[في أ: "وأبي بكر".]] وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وخَرَشَة. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الرَّجُلُ هُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْجَعِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "المفضل بن عباس عن ابن عباس".]] عَنْ بُكَيْر، عَنْ بُسْر بْنِ سَعِيدٍ [[في ر: "بشر بن سعيد".]] عَنْ حُسَيْنِ [[في ر: "سعيد".]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُنْ كَابْنِ آدَم" وَتَلَا يَزِيدُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سنن أبي داود برقم (٤٢٥٧) .]]
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتَياني: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ لَعُثْمان بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْحوم، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "تَعَفَّفْ" قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ موتٌ شَدِيدٌ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اصْبِرْ". قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ". قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ". قَالَ: فَإِنْ لَمْ أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فِيهِمْ [[في ر: "منهم".]] قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: "إذًا تُشَارِكُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يُرَوِّعَكَ [[في ر، أ: "يردعك".]] شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرْفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى [[في ر، أ: "كي".]] يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦) .]] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنِ المُشَعَّث [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [[في أ: "عن أبي إسحاق".]] بِنَحْوِهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٢٦١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٩٥٨) .]]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعَّثُ [[في ر: "الشعث"، وفي أ: "المشعب".]] فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَة بْنُ عُقْبَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيّ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةِ حُذَيفة، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا يَقُولُ فِي نَاسٍ: مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَقْصَى بَيْتٍ فِي دَارِي، فلألجنَّه، فَلَئِنْ دَخَلَ [[في ر: "فإن على".]] عَليّ فُلَانٌ لَأَقُولُنَّ: هَا [[في أ: "لأقرأها".]] بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَأَكُونُ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي ذَلِكَ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي، فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا، وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ. وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافُهُ. يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ قَالَ: بِقَتْلِكَ إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قَالَ: بِمَا كَانَ مِنْكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مثْله، وَرَوَى شِبْل عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ يَتَوَهَّمُ [[في أ: "توهم".]] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَا أَصْلَ لَهُ: مَا تَرَكَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذَنْبٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدِيثًا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عتبة [[في أ: "عنبسة".]] بن سعيد، عن هشام بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَتْلُ الصَّبْر لَا يَمُرُّ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ".
وَهَذَا بِهَذَا لَا يَصِحُّ [[مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".]] وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنِ الْمَقْتُولِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ ذُنُوبَهُ، فَأَمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْقَاتِلِ فَلَا. وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقُ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ يُطَالِبُ الْقَاتِلَ فِي العَرَصات فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، فَإِنْ نَفِدَتْ [[في د: "فنيت".]] وَلَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ فطُرِحَت [[في أ: "فيطرح".]] عَلَى الْقَاتِلِ، فَرُبَّمَا لَا يَبْقَى عَلَى الْمَقْتُولِ خَطِيئَةٌ إِلَّا وُضِعَتْ عَلَى الْقَاتِلِ. وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ كُلِّهَا، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَشَدَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ [[في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال".]] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَأْوِيلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ -وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ [[في ر، أ: "يعني".]] قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَتُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ الصَّوَابُ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ [[في أ: "وعليه".]] وَإِذَا كَانَ هَذَا [[في ر: "ذلك".]] حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ [[في أ: "يكون".]] آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَذَا الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ.
هَذَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا حَاصِلُهُ: كَيْفَ أَرَادَ هَابِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَخِيهِ قَابِيلَ إِثْمُ قَتْلِهِ، وَإِثْمُ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؟ وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[في أ: "بما هو حاصله".]] أَنَّ هَابِيلَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ أَخَاهُ إِنْ قَاتَلَهُ، بَلْ يَكُفُّ يَدَهُ عَنْهُ، طَالِبًا -إنْ وَقَعَ قَتْلٌ-أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ لَا مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَضَمِّنٌ مَوْعِظَةً لَهُ لَوِ اتَّعَظَ، وَزَجْرًا لَهُ لَوِ انْزَجَرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَتَحَمَّلُ إِثْمِي وَإِثْمَكَ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَوَّفَهُ النَّارَ فَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فَحَسُنَتْ [[في أ: "فحسنت له".]] وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ وَهَذَا الزَّجْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلَامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخْرَةً، فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ فمات، فَتَرَكَهُ بالعَرَاء. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ خَنْقًا وَعَضًّا، كَمَا تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] السِّبَاعُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في هـ: "ابن جريج".]] لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ جَعَلَ [[في أ: "فجعل".]] يَلْوِي عُنُقَهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ دَابَّةً وَوَضَعَ [[في ر، أ: "فوضع".]] رَأْسَهَا عَلَى حَجَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهَا حَتَّى قَتَلَهَا، وَابْنُ آدَمَ يَنْظُرُ، فَفَعَلَ بِأَخِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ بِرَأْسِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ، وَجَعَلَ يَغْمِزُ رَأْسَهُ وَعِظَامَهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَجَاءَهُ [[في أ: "فجاء".]] إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاطْرَحْهَا عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، فشَدَخ رَأْسَهُ. ثُمَّ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى حَوَّاءَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، إِنَّ قَابِيلَ قَتَلَ هَابِيلَ. فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ. أَيُّ [[في ر، أ: "وأي".]] شَيْءٍ يَكُونُ الْقَتْلُ؟ قَالَ: لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ. قَالَتْ: ذَلِكَ الْمَوْتُ. قَالَ: فَهُوَ الْمَوْتُ. فَجَعَلَتْ تَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا آدَمُ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ، فَرَجَعَ [[في أ: "ثم رجع".]] إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ. فَقَالَ: عَلَيْكِ الصَّيْحَةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ، وَأَنَا وَبَنِيَّ مِنْهَا بُرَآءُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَيُّ خسارة أعظم من هذه؟ . وقد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [[في أ: "يعقوب".]] ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تُقتَل نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٣٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٦٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ: عُلّقت إِحْدَى رِجْلَيِ الْقَاتِلِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ فِي الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ دَارَ، عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ -قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّا لِنَجِدُ ابْنَ آدَمَ الْقَاتِلَ يُقَاسِمُ أَهْلَ النَّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذَابِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْقَى أَهْلِ النَّارِ [[في أ: "إن أشقى الناس".]] رَجُلًا ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا سُفِك دَمٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ قَتَل أَخَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا لَحِقَ بِهِ مِنْهُ شَرٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ. [[تفسير الطبري (١٠/٢١٩) .]]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا مِنْ مَقْتُولٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ والشيطان كِفْل منه.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الصَّحَابَةِ: لَمَّا مَاتَ الْغُلَامُ تَرَكَهُ بالعَرَاء، وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: جَاءَ غُرَابٌ إِلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ، فبَحَث عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى عَاتِقِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابين، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فَدَفَنَ أَخَاهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ مَيِّتًا، لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ يَحْمِلُهُ، وَيَضَعُهُ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى الْغُرَابَ يَدْفِنُ الْغُرَابَ، فَقَالَ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: لَمَّا قَتَلَهُ سُقِط فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي [[في أ: "من".]] بَنِي آدَمَ وَأَوَّلَ مَيِّتٍ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ: وَزَعَمَ [[في ر، أ: "ويزعم".]] أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ قَيْنًا لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، قَالَ لَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: يَا قَيْنُ، أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: قَالَ: مَا أَدْرِي، مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رَقِيبًا. فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّ صَوْتَ دَمِ أَخِيكَ لَيُنَادِيَنِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآنَ أَنْتَ مَلْعُونٌ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ [[في ر: "فتلقت".]] دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ، فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ حَرْثَهَا حَتَّى تَكُونَ فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْضِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَاهُ اللَّهُ بِنَدَامَةٍ بَعْدَ خُسْرَانٍ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَيْنَ ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْل مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ". وَهَذَا ظَاهِرٌ جَليّ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا سَهْل بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عن الحسن -هو البصري-قال: كان الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ، اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُونَا ابْنِي آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القُربان فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُربا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا [[في أ: "منها".]] [[تفسير عبد الرزاق (١/١٨٣) وتفسير الطبري (١٠/٣٢٠) .]]
وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمْ وَدَعُوا الشَّرَّ".
وَكَذَا أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٠)]]
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. أَيْ: أَضْحَكَكَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِياث [[في أ: "عتاب".]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهمْداني قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، بَكَاهُ آدَمُ فَقَالَ:
تَغيَّرت الْبِلَادُ ومَنْ عَلَيها ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبر قَبيح ...
تغيَّر كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وقلَّ بَشَاشَة الوجْه الْمَلِيحُ ...
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أبَا هَابيل قَدْ قُتلا جَميعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كالميْت [[في ر: "بالميت".]] الذَّبِيحِ
وجَاء بشرةٍ قَدْ كَانَ مِنْها [[في أ: "منه".]] عَلى خَوف فجاء بها يَصيح [[تفسير الطبري (١٠/٢٠٩، ٢١٠) .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه القيم: "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" (ص١٨٣) : "وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: "ميزان الاعتدال" وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر.
وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هو إلا ذكر وقرآن مبين) .
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: "من قال: آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرًا عربيًا"، وذكر بعض علماء العربية: أن في ذلك لحنًا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء".]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَابِيلَ عُوجل بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدُ [[في ر: "ابن مجاهد".]] بْنُ جَبْر أَنَّهُ عُلِّقَتْ سَاقُهُ بِفَخِذِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ عُقُوبَةً لَهُ وَتَنْكِيلًا بِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ [[في هـ: "أن"، والمثبت من أ.]] النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ] [[زيادة من ر.]] قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجَّل اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخر لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ". [[رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِ قَابِيلَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون.
5:32مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ قَتْل ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ: شَرَعْنَا لَهُمْ وَأَعْلَمْنَاهُمْ ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَاسْتَحَلَّ قَتْلَهَا بِلَا سَبَبٍ وَلَا جِنَايَةَ، فَكَأَنَّمَا قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: حَرَّمَ قَتَلَهَا وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأَنْصُرَكَ وَقَدْ طَابَ الضَّرْبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] النَّاسَ جَمِيعًا وَإِيَّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ فَإِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ رَجُلًا وَاحِدًا فَكَأَنَّمَا قَتَلْتَ النَّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرِفْ مَأْذُونًا لَكَ، مَأْجُورًا غَيْرَ مَأْزُورٍ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ وَلَمْ أُقَاتِلْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وَإِحْيَاؤُهَا: أَلَّا يَقْتُلَ نَفْسًا حَرّمها اللَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، يَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ حَرّم قَتْلَهَا إِلَّا بحق، حَيِي الناس منه [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]]
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: كَفَّ عَنْ قَتْلِهَا.
وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً حَرَّمَهَا اللَّهُ، فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنِ اسْتَحَلَّ دمَ مُسْلِم فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا، وَمَنْ حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا حَرَّمَ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا.
هَذَا قَوْلٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ عِكْرمة وَالْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ] [[زيادة من أ.]] مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْل، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدّ عَلَى عَضد نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدل، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ فَلَهُ النَّارُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في أ: "وقال ابن جرير".]] عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا، جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: مَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَصَّاصُ، فَلَا [[في ر: "ولا".]] فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: عَفَا عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ -فِي رِوَايَةٍ-: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: أَنْجَاهَا مِنْ غَرق أَوْ حَرق أَوْ هَلكة.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هَذَا تَعْظِيمٌ لِتَعَاطِي الْقَتْلِ -قَالَ قَتَادَةُ: عَظُم وَاللَّهِ وِزْرُهَا، وَعَظُمَ وَاللَّهِ أَجْرُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الرِّبْعِي قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: هَذِهِ الْآيَةُ لَنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَالَ: إِي وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَا جُعِلَ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: وِزْرًا. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: أَجْرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا حُيَي [[في ر: "يحيى".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي عَلَى شَيْءٍ أَعِيشُ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا حَمْزَةُ، نَفْسٌ تُحْيِيهَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ نَفْسٌ تُمِيتُهَا؟ " قَالَ: بَلْ نَفْسٌ أُحْيِيهَا: قَالَ: "عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ". [[في ر: "عليك نفسك".]] [[المسند (٢/١٧٥)]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وَهَذَا تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى ارْتِكَابِهِمُ الْمَحَارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهَا، كَمَا كَانَتْ بَنُو قُرَيْظَة والنَّضير وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقاع مِمَّنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الْحُرُوبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ إِذَا وَضَعَتِ الْحُرُوبُ أَوْزَارَهَا فَدَوْا مَنْ أَسَرُوهُ، وَوَدَوْا مَنْ قَتَلُوهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ [[في أ: "تردون".]] إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٤، ٨٥] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. الْمُحَارِبَةُ: هِيَ الْمُضَادَّةُ وَالْمُخَالِفَةُ، وَهِيَ صَادِقَةٌ [[في ر: "صابرة".]] عَلَى الْكُفْرِ، وَعَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ، وَكَذَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ يُطْلَقُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الشَّرِّ، حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥] .
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا [[في أ: "قال".]] [قَالَ تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مَنْ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَتْ تُحْرِزُ هَذِهِ الْآيَةُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْحَدِّ، إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ [[في ر: "ألحق".]] بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ [[في ر: "فيمن".]] تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يمنعه ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فخيَّر اللَّهُ رَسُولَهُ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ تُقْطَعَ [[في ر: "يقطع".]] أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري (٢٣٣) وانظر أطرافه هناك، وصحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]] مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلابة -وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الجَرْمي الْبَصْرِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْل ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ [[في أ: "المدينة".]] وسَقَمت أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَلَّا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ " فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا [[في ر: "فنصحوا".]] فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وسُمرت [[في ر: "وسملت".]] أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا.
لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَة"، وَفِي لَفْظٍ: "وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة فَجَعَلُوا يَسْتَسْقُون [[في أ: "فيستقون".]] فَلَا يُسْقَون. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "وَلَمْ يَحْسمْهم". وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْم، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيب وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَعِنْدَهُ: "وَارْتَدُّوا". وَقَدْ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: "مِنْ عُكْلٍ وعُرَينة". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نفرٌ مِنْ عُرَينة، فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ المُومُ -وَهُوَ البرْسام-ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا فَأَرْسَلَهُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصّ [[في ر: "يقص".]] أَثَرَهُمْ. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]]
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ البنَاني وحُمَيْد الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَينة قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فاجْتَوَوْها، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فصَحُّوا فَارْتَدُّوا [[في أ: "وارتدوا".]] عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَرَ [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدُمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٦٧) وسنن الترمذي برقم (٧٢) وسنن النسائي (٧/٩٧) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا ندمتُ عَلَى حَدِيثٍ مَا نَدِمْتُ عَلَى حَدِيثٍ سَأَلَنِي عَنْهُ الْحَجَّاجُ قَالَ [[في أ: "فقال".]] أَخْبِرْنِي عَنْ أَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُرَيْنة، مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَشَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا مِنْ [[في ر: "في".]] بُطُونِهِمْ، وَقَدِ اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وضَخُمت بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ وَانْخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوا [[في أ: "عمدوا".]] عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وسَمَر [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا. فَكَانَ الْحَجَّاجُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَطَعَ أَيْدِيَ قَوْمٍ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا لِحال [[في أ: "بحال".]] ذَوْدٍ [مِنَ الْإِبِلِ] [[زيادة من أ.]] وَكَانَ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ-حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْل، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، وَلِمَ يَحْسِمْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ يتَلقَّمون الْحِجَارَةَ بِالْحَرَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَسَنِ الزُّجَاجَ-حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ -يَعْنِي الْبَقَّالَ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَهْطٌ مِنْ عُرَينة أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِهِمْ جَهْد، مُصْفرّة أَلْوَانُهُمْ، عَظِيمَةٌ بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِالْإِبِلِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَصَفَتْ أَلْوَانُهُمْ وَخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ، وَسَمِنُوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبهم، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وسَمَرَ أَعْيُنَ بَعْضِهِمْ، وَقَطَعَ أَيْدِي بَعْضِهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة [[في أ: "يجيلة".]] قَالَ أَنَسٌ: فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ.
وقال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن الحارث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في أ: "عن أبي عبد الله بن عمر".]] -أَوْ: عَمْرٍو، شَكَّ يُونُسُ-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ -يَعْنِي بِقِصَّةِ العرَنيين-وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارِبَةِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، وَفِيهِ: "عَنِ ابْنِ عُمَرَ" مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٩) وسنن أبي داود برقم (٤٣٦٩) وسنن النسائي (٧/١٠٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قومٌ مِنْ عُرَيْنَة حُفَاة مَضْرُورِينَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رعَاء اللِّقَاحِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِمْ، قَالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْمَاءَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "النَّارُ"! حَتَّى هَلَكُوا. قَالَ: وَكَرِهَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، سَمْل الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]] وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ، وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَهُوَ [[في ر، أ: "وإنه".]] جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ [[قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (١٠/٢٤٨) :
"وهذا الخبر ضعيف جدًا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفد عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي العام الذي توفي فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد ٢/١/٦٧) ، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.
وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة "جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره (٣/١٣٩) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذِيُّ، وَهُوَ ضعيف. وفي إسناده فَائِدَةٌ: وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ. وَهُوَ جرير ابن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أن هذه السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قوله: "فكره الله سمل الأعين" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بهم قصاصا، والله أعلم".
والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة له، فإن أمير هذه السرية، كان ولا شك، كرز بن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.]] وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَكَرِهَ اللَّهُ سَمْلَ الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَملوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بِهِمْ قَصَاصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ بَنِي فَزَارة قَدْ مَاتُوا هَزْلًا. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى لِقَاحِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهَا حَتَّى صَحُّوا، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى لَقَاحِهِ فَسَرَقُوهَا، فطُلِبوا، فَأْتِي بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَر أَعْيُنَهُمْ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَمْر الْأَعْيُنِ بعدُ.
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُسْتَرِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ [[في ر، أ: "بن".]] عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ: "يَسار" فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُحسن الصَّلَاةَ فَأَعْتَقَهُ، وَبَعَثَهُ [[في أ: "فبعثه".]] فِي لِقَاحٍ لَهُ بالحَرَّة، فَكَانَ بِهَا، قَالَ: فَأَظْهَرَ قَوْمٌ الْإِسْلَامَ مَنْ عُرَينة، وَجَاءُوا وَهُمْ مَرْضَى مَوْعُوكُونَ قَدْ عَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، قَالَ: فَبَعَثَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى "يَسَارٍ" فَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ حَتَّى انْطَوَتْ بُطُونُهُمْ، ثُمَّ عَدَوْا عَلَى "يَسَارٍ" فَذَبَحُوهُ، وَجَعَلُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَطْرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي آثَارِهِمْ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمِيرُهُمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الفِهْري، فَلَحِقَهُمْ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٦) من طريق الحسين التستري به. قال الهيثمي في المجمع (٦/٢٤٩) : "فيه موسى بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف".]]
وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مردُويه بِتَطْرِيقِ [[في أ: "بطرق".]] هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَثَابَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ -وسُئِلَ عَنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ-فَقَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبير عَنِ الْمُحَارِبِينَ فَقَالَ: كَانَ أُنَاسٌ [[في ر: "ناس".]] أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالوا: نُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَايَعُوهُ، وَهُمْ كذَبَة، وَلَيْسَ الْإِسْلَامُ يُرِيدُونَ. ثُمَّ قَالُوا: إِنَّا نَجْتوي الْمَدِينَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هَذِهِ اللِّقَاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ، فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا" قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَصَرَخَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: قَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا [[في أ: "وساقوا".]] النَّعَمَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فنُودي فِي النَّاسِ: أَنْ "يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي". قَالَ: فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ، فَرَجَعَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَكَانَ نفْيهم: أَنْ نَفَوْهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأَرْضَهُمْ، وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، وَصَلَبَ، وَقَطَعَ، وسَمَر الْأَعْيُنَ. قَالَ: فَمَا مَثَّل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قبلُ وَلَا بعدُ. قَالَ: وَنَهَى عَنِ المُثْلة، قَالَ: "وَلَا تُمَثِّلُوا [[في ر: "وقال لا تمثلوا بشيء".]] بِشَيْءٍ" قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ ما قتلهم.
قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَمِنْهُمْ عُرينة نَاسٌ مِنْ بَجيلة. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٧)]]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ العُرَنيين: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُحْكَمٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهَا عِتَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٤٣] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُثْلة. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ صَاحَبَهُ مُطَالِبٌ [[في أ: "ثم قائله يطالب".]] بِبَيَانِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَنِ الْمَنْسُوخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ قِصَّتَهُمْ مُتَأَخِّرَةٌ، وَفِي [[في ر: "في".]] رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِقِصَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا [[في أ: "تأخيرها".]] فَإِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يُسْمِلِ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فبيَّن حُكْمَ الْمُحَارِبِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ [[في أ: "إنما".]] سمَلَ -وَفِي رِوَايَةٍ: سَمَرَ-أَعْيُنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ذَاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ مَا كَانَ مِنْ سَمْل النَّبِيِّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وتَركه [[في أ: "وترك".]] حَسْمهم حَتَّى مَاتُوا، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَاتَبَةً فِي ذَلِكَ، وعلَّمه [[في أ: "وعلمهم".]] عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ، وَلَمْ يُسْمِلْ بِعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرٍو -يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ-فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ [[في أ: "تكون".]] نَزَلَتْ مُعَاتَبَةً، وَقَالَ: بَلْ كَانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأَعْيَانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ.
ثُمَّ قَدِ احْتَجَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَهَابِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُحَارَبَةَ [[في أ: "أن حكم المحاربة".]] فِي الْأَمْصَارِ وَفِي السُّبْلَانِ عَلَى السَّوَاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ -فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بَيْتًا فَيَقْتُلُهُ، وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ-: إِنَّ هَذَا مُحَارِبَةٌ، وَدَمُهُ إِلَى السُّلْطَانِ لَا [إِلَى] [[زيادة من ر.]] وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِنْفَاذِ الْقَتْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ إِلَّا فِي الطُّرُقَاتِ، فَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ إِذَا اسْتَغَاثَ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ وَيُعِينُهُ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ: قَالَ [[في ر، أ: "فقال".]] [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس فِي [قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ] [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ [قَالَ] [[زيادة من ر، أ.]] مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي قبَّة الْإِسْلَامِ، وَأَخَافُ السَّبِيلَ، ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ، فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ صُلَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالضَّحَّاكُ. وَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ ظَاهِرَ "أَوْ" لِلتَّخْيِيرِ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] وَقَوْلُهُ فِي كَفَّارَةِ التَّرَفُّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] وَكَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿إِطْعَامُ [[في ر، أ: "فإطعام" وهو خطأ.]] عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى-عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: إِذَا قَتَلوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتلوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتلوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطعت أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَعَطَاءٍ الخُراساني، نَحْوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُصْلَب حَيًّا ويُتْرَك حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْعِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ بِقَتْلِهِ بِرُمْحٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يُقْتَلُ أَوَّلًا ثُمَّ يُصْلَبُ تَنْكِيلًا وَتَشْدِيدًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟ وَهَلْ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْزِلُ، أَوْ يُتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ؟ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ خِلَافٌ مُحَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ -إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ-فَقَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ] [[زيادة من أ.]] يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ. قَالَ أَنَسٌ: فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ، وَرِجْلَهُ بِإِخَافَتِهِ، وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ، فَاصْلُبْهُ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: [[في أ: "عز وجل".]] ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فيقام عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ يَهْرُبُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ [[في ر: "عن".]] أَنَسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ [[في ر: "بلد".]] إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ يُخْرِجُهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَنْفِيهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ-مِنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: يُنْفَى مِنْ جُنْد إِلَى جُنْدٍ سِنِينَ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِنَّهُ يُنْفَى وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا السِّجْنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا: أَنْ يُخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيُسْجَنَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَمِنْ صَلْبِهِمْ، وَقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلَافٍ، وَنَفْيِهِمْ -خزْي لَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا قَدْ يَتَأَيَّدُ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلَّا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا: وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَه [[في ر: "يغتب"، وفي أ: "تغتب".]] بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فأمْرُه إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٩) .]]
وَعَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ".
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، قَالَ: وَرَفْعُهُ صَحِيحٌ. [[المسند (١/٩٩) وسنن الترمذي برقم (٢٦٢٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٠٤) والعلل للدارقطني (٣/١٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وَذِلَّةٌ وَعُقُوبَةٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكُوا -فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْجَزَاءِ الَّذِي جَازَيْتُهُمْ [[في أ: "جازاهم".]] بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعُقُوبَةِ الَّتِي عَاقَبَتْهُمْ [[في أ: "عاقبهم".]] بِهَا فيها [[في ر، أ: "في الدنيا".]] - ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أُمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ الْمُسْلِمُونَ فَإِذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمُ انْحِتَامُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَهَلْ يَسْقُطُ قَطْعُ الْيَدِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ، فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَكَلَّمُوا عَلِيًّا، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ. فَأَتَى سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ فَخَلْفَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ أَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ: فَإِنَّهُ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ، بِهِ. وَزَادَ: فَقَالَ حَارِثَةُ [[في ر، أ: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ:
أَلَا أبلغَن [[في أ: "بلغا".]] هَمْدان إمَّا لقيتَها ... عَلى النَّأي لَا يَسْلمْ عَدو يعيبُها ...
لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدان تَتَّقِي الْـ ... إلَه ويَقْضي بِالْكِتَابِ خَطيبُها [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٠) .]]
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ السُّدِّي -وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مَراد إِلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَمَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْمُرَادِيُّ، وَإِنِّي كُنْتُ حَارَبْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَيْتُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنِّي تُبْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدر عليَّ. فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنَّهُ كَانَ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنَّهُ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فَسَبِيلُ مِنْ صِدْقٍ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا تُدْرِكْهُ ذُنُوبُهُ، فَأَقَامَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذُنُوبِهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عِنْدَنَا: أَنَّ عَلِيًّا الْأَسَدِيَّ حَارَبَ وَأَخَافَ [[في ر: "وخاف".]] السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ، فَطَلَبَهُ الْأَئِمَّةُ وَالْعَامَّةُ، فَامْتَنَعَ وَلَمْ يُقْدر عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ تَائِبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَعِدْ قِرَاءَتَهَا. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا. حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ السَّحَرِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ قَعَدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غِمَارِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَسَفَرُوا عَرَفَهُ النَّاسُ، فَقَامُوا [[في أ: "وقاموا".]] إليه، فقال: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ جِئْتُ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ -وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ [[في ر: "في إمرته على المدينة".]] فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ-فَقَالَ: هَذَا عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] جَاءَ تَائِبًا، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلَا قَتْلَ. قَالَ: فتُرك مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] تَائِبًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْبَحْرِ، فَلَقُوا الرُّومَ، فَقَرَّبُوا سَفِينَتَهُ إِلَى سَفِينَةٍ مِنْ سُفُنِهِمْ [[في أ: "سفينتهم".]] فَاقْتَحَمَ عَلَى الرُّومِ فِي سَفِينَتِهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى شِقِّهَا الْآخَرِ، فَمَالَتْ بِهِ وبهم، فغرقوا جميعًا. [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٤) .]]
5:33إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ قَتْل ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ: شَرَعْنَا لَهُمْ وَأَعْلَمْنَاهُمْ ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَاسْتَحَلَّ قَتْلَهَا بِلَا سَبَبٍ وَلَا جِنَايَةَ، فَكَأَنَّمَا قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: حَرَّمَ قَتَلَهَا وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأَنْصُرَكَ وَقَدْ طَابَ الضَّرْبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] النَّاسَ جَمِيعًا وَإِيَّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ فَإِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ رَجُلًا وَاحِدًا فَكَأَنَّمَا قَتَلْتَ النَّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرِفْ مَأْذُونًا لَكَ، مَأْجُورًا غَيْرَ مَأْزُورٍ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ وَلَمْ أُقَاتِلْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وَإِحْيَاؤُهَا: أَلَّا يَقْتُلَ نَفْسًا حَرّمها اللَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، يَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ حَرّم قَتْلَهَا إِلَّا بحق، حَيِي الناس منه [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]]
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: كَفَّ عَنْ قَتْلِهَا.
وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً حَرَّمَهَا اللَّهُ، فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنِ اسْتَحَلَّ دمَ مُسْلِم فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا، وَمَنْ حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا حَرَّمَ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا.
هَذَا قَوْلٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ عِكْرمة وَالْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ] [[زيادة من أ.]] مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْل، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدّ عَلَى عَضد نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدل، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ فَلَهُ النَّارُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في أ: "وقال ابن جرير".]] عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا، جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: مَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَصَّاصُ، فَلَا [[في ر: "ولا".]] فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: عَفَا عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ -فِي رِوَايَةٍ-: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: أَنْجَاهَا مِنْ غَرق أَوْ حَرق أَوْ هَلكة.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هَذَا تَعْظِيمٌ لِتَعَاطِي الْقَتْلِ -قَالَ قَتَادَةُ: عَظُم وَاللَّهِ وِزْرُهَا، وَعَظُمَ وَاللَّهِ أَجْرُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الرِّبْعِي قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: هَذِهِ الْآيَةُ لَنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَالَ: إِي وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَا جُعِلَ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: وِزْرًا. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: أَجْرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا حُيَي [[في ر: "يحيى".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي عَلَى شَيْءٍ أَعِيشُ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا حَمْزَةُ، نَفْسٌ تُحْيِيهَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ نَفْسٌ تُمِيتُهَا؟ " قَالَ: بَلْ نَفْسٌ أُحْيِيهَا: قَالَ: "عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ". [[في ر: "عليك نفسك".]] [[المسند (٢/١٧٥)]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وَهَذَا تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى ارْتِكَابِهِمُ الْمَحَارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهَا، كَمَا كَانَتْ بَنُو قُرَيْظَة والنَّضير وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقاع مِمَّنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الْحُرُوبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ إِذَا وَضَعَتِ الْحُرُوبُ أَوْزَارَهَا فَدَوْا مَنْ أَسَرُوهُ، وَوَدَوْا مَنْ قَتَلُوهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ [[في أ: "تردون".]] إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٤، ٨٥] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. الْمُحَارِبَةُ: هِيَ الْمُضَادَّةُ وَالْمُخَالِفَةُ، وَهِيَ صَادِقَةٌ [[في ر: "صابرة".]] عَلَى الْكُفْرِ، وَعَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ، وَكَذَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ يُطْلَقُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الشَّرِّ، حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥] .
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا [[في أ: "قال".]] [قَالَ تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مَنْ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَتْ تُحْرِزُ هَذِهِ الْآيَةُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْحَدِّ، إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ [[في ر: "ألحق".]] بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ [[في ر: "فيمن".]] تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يمنعه ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فخيَّر اللَّهُ رَسُولَهُ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ تُقْطَعَ [[في ر: "يقطع".]] أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري (٢٣٣) وانظر أطرافه هناك، وصحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]] مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلابة -وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الجَرْمي الْبَصْرِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْل ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ [[في أ: "المدينة".]] وسَقَمت أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَلَّا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ " فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا [[في ر: "فنصحوا".]] فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وسُمرت [[في ر: "وسملت".]] أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا.
لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَة"، وَفِي لَفْظٍ: "وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة فَجَعَلُوا يَسْتَسْقُون [[في أ: "فيستقون".]] فَلَا يُسْقَون. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "وَلَمْ يَحْسمْهم". وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْم، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيب وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَعِنْدَهُ: "وَارْتَدُّوا". وَقَدْ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: "مِنْ عُكْلٍ وعُرَينة". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نفرٌ مِنْ عُرَينة، فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ المُومُ -وَهُوَ البرْسام-ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا فَأَرْسَلَهُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصّ [[في ر: "يقص".]] أَثَرَهُمْ. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]]
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ البنَاني وحُمَيْد الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَينة قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فاجْتَوَوْها، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فصَحُّوا فَارْتَدُّوا [[في أ: "وارتدوا".]] عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَرَ [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدُمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٦٧) وسنن الترمذي برقم (٧٢) وسنن النسائي (٧/٩٧) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا ندمتُ عَلَى حَدِيثٍ مَا نَدِمْتُ عَلَى حَدِيثٍ سَأَلَنِي عَنْهُ الْحَجَّاجُ قَالَ [[في أ: "فقال".]] أَخْبِرْنِي عَنْ أَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُرَيْنة، مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَشَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا مِنْ [[في ر: "في".]] بُطُونِهِمْ، وَقَدِ اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وضَخُمت بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ وَانْخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوا [[في أ: "عمدوا".]] عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وسَمَر [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا. فَكَانَ الْحَجَّاجُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَطَعَ أَيْدِيَ قَوْمٍ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا لِحال [[في أ: "بحال".]] ذَوْدٍ [مِنَ الْإِبِلِ] [[زيادة من أ.]] وَكَانَ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ-حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْل، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، وَلِمَ يَحْسِمْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ يتَلقَّمون الْحِجَارَةَ بِالْحَرَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَسَنِ الزُّجَاجَ-حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ -يَعْنِي الْبَقَّالَ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَهْطٌ مِنْ عُرَينة أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِهِمْ جَهْد، مُصْفرّة أَلْوَانُهُمْ، عَظِيمَةٌ بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِالْإِبِلِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَصَفَتْ أَلْوَانُهُمْ وَخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ، وَسَمِنُوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبهم، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وسَمَرَ أَعْيُنَ بَعْضِهِمْ، وَقَطَعَ أَيْدِي بَعْضِهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة [[في أ: "يجيلة".]] قَالَ أَنَسٌ: فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ.
وقال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن الحارث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في أ: "عن أبي عبد الله بن عمر".]] -أَوْ: عَمْرٍو، شَكَّ يُونُسُ-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ -يَعْنِي بِقِصَّةِ العرَنيين-وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارِبَةِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، وَفِيهِ: "عَنِ ابْنِ عُمَرَ" مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٩) وسنن أبي داود برقم (٤٣٦٩) وسنن النسائي (٧/١٠٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قومٌ مِنْ عُرَيْنَة حُفَاة مَضْرُورِينَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رعَاء اللِّقَاحِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِمْ، قَالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْمَاءَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "النَّارُ"! حَتَّى هَلَكُوا. قَالَ: وَكَرِهَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، سَمْل الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]] وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ، وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَهُوَ [[في ر، أ: "وإنه".]] جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ [[قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (١٠/٢٤٨) :
"وهذا الخبر ضعيف جدًا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفد عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي العام الذي توفي فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد ٢/١/٦٧) ، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.
وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة "جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره (٣/١٣٩) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذِيُّ، وَهُوَ ضعيف. وفي إسناده فَائِدَةٌ: وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ. وَهُوَ جرير ابن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أن هذه السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قوله: "فكره الله سمل الأعين" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بهم قصاصا، والله أعلم".
والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة له، فإن أمير هذه السرية، كان ولا شك، كرز بن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.]] وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَكَرِهَ اللَّهُ سَمْلَ الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَملوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بِهِمْ قَصَاصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ بَنِي فَزَارة قَدْ مَاتُوا هَزْلًا. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى لِقَاحِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهَا حَتَّى صَحُّوا، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى لَقَاحِهِ فَسَرَقُوهَا، فطُلِبوا، فَأْتِي بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَر أَعْيُنَهُمْ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَمْر الْأَعْيُنِ بعدُ.
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُسْتَرِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ [[في ر، أ: "بن".]] عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ: "يَسار" فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُحسن الصَّلَاةَ فَأَعْتَقَهُ، وَبَعَثَهُ [[في أ: "فبعثه".]] فِي لِقَاحٍ لَهُ بالحَرَّة، فَكَانَ بِهَا، قَالَ: فَأَظْهَرَ قَوْمٌ الْإِسْلَامَ مَنْ عُرَينة، وَجَاءُوا وَهُمْ مَرْضَى مَوْعُوكُونَ قَدْ عَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، قَالَ: فَبَعَثَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى "يَسَارٍ" فَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ حَتَّى انْطَوَتْ بُطُونُهُمْ، ثُمَّ عَدَوْا عَلَى "يَسَارٍ" فَذَبَحُوهُ، وَجَعَلُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَطْرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي آثَارِهِمْ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمِيرُهُمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الفِهْري، فَلَحِقَهُمْ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٦) من طريق الحسين التستري به. قال الهيثمي في المجمع (٦/٢٤٩) : "فيه موسى بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف".]]
وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مردُويه بِتَطْرِيقِ [[في أ: "بطرق".]] هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَثَابَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ -وسُئِلَ عَنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ-فَقَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبير عَنِ الْمُحَارِبِينَ فَقَالَ: كَانَ أُنَاسٌ [[في ر: "ناس".]] أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالوا: نُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَايَعُوهُ، وَهُمْ كذَبَة، وَلَيْسَ الْإِسْلَامُ يُرِيدُونَ. ثُمَّ قَالُوا: إِنَّا نَجْتوي الْمَدِينَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هَذِهِ اللِّقَاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ، فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا" قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَصَرَخَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: قَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا [[في أ: "وساقوا".]] النَّعَمَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فنُودي فِي النَّاسِ: أَنْ "يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي". قَالَ: فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ، فَرَجَعَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَكَانَ نفْيهم: أَنْ نَفَوْهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأَرْضَهُمْ، وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، وَصَلَبَ، وَقَطَعَ، وسَمَر الْأَعْيُنَ. قَالَ: فَمَا مَثَّل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قبلُ وَلَا بعدُ. قَالَ: وَنَهَى عَنِ المُثْلة، قَالَ: "وَلَا تُمَثِّلُوا [[في ر: "وقال لا تمثلوا بشيء".]] بِشَيْءٍ" قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ ما قتلهم.
قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَمِنْهُمْ عُرينة نَاسٌ مِنْ بَجيلة. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٧)]]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ العُرَنيين: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُحْكَمٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهَا عِتَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٤٣] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُثْلة. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ صَاحَبَهُ مُطَالِبٌ [[في أ: "ثم قائله يطالب".]] بِبَيَانِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَنِ الْمَنْسُوخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ قِصَّتَهُمْ مُتَأَخِّرَةٌ، وَفِي [[في ر: "في".]] رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِقِصَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا [[في أ: "تأخيرها".]] فَإِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يُسْمِلِ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فبيَّن حُكْمَ الْمُحَارِبِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ [[في أ: "إنما".]] سمَلَ -وَفِي رِوَايَةٍ: سَمَرَ-أَعْيُنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ذَاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ مَا كَانَ مِنْ سَمْل النَّبِيِّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وتَركه [[في أ: "وترك".]] حَسْمهم حَتَّى مَاتُوا، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَاتَبَةً فِي ذَلِكَ، وعلَّمه [[في أ: "وعلمهم".]] عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ، وَلَمْ يُسْمِلْ بِعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرٍو -يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ-فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ [[في أ: "تكون".]] نَزَلَتْ مُعَاتَبَةً، وَقَالَ: بَلْ كَانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأَعْيَانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ.
ثُمَّ قَدِ احْتَجَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَهَابِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُحَارَبَةَ [[في أ: "أن حكم المحاربة".]] فِي الْأَمْصَارِ وَفِي السُّبْلَانِ عَلَى السَّوَاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ -فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بَيْتًا فَيَقْتُلُهُ، وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ-: إِنَّ هَذَا مُحَارِبَةٌ، وَدَمُهُ إِلَى السُّلْطَانِ لَا [إِلَى] [[زيادة من ر.]] وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِنْفَاذِ الْقَتْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ إِلَّا فِي الطُّرُقَاتِ، فَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ إِذَا اسْتَغَاثَ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ وَيُعِينُهُ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ: قَالَ [[في ر، أ: "فقال".]] [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس فِي [قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ] [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ [قَالَ] [[زيادة من ر، أ.]] مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي قبَّة الْإِسْلَامِ، وَأَخَافُ السَّبِيلَ، ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ، فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ صُلَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالضَّحَّاكُ. وَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ ظَاهِرَ "أَوْ" لِلتَّخْيِيرِ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] وَقَوْلُهُ فِي كَفَّارَةِ التَّرَفُّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] وَكَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿إِطْعَامُ [[في ر، أ: "فإطعام" وهو خطأ.]] عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى-عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: إِذَا قَتَلوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتلوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتلوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطعت أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَعَطَاءٍ الخُراساني، نَحْوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُصْلَب حَيًّا ويُتْرَك حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْعِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ بِقَتْلِهِ بِرُمْحٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يُقْتَلُ أَوَّلًا ثُمَّ يُصْلَبُ تَنْكِيلًا وَتَشْدِيدًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟ وَهَلْ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْزِلُ، أَوْ يُتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ؟ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ خِلَافٌ مُحَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ -إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ-فَقَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ] [[زيادة من أ.]] يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ. قَالَ أَنَسٌ: فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ، وَرِجْلَهُ بِإِخَافَتِهِ، وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ، فَاصْلُبْهُ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: [[في أ: "عز وجل".]] ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فيقام عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ يَهْرُبُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ [[في ر: "عن".]] أَنَسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ [[في ر: "بلد".]] إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ يُخْرِجُهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَنْفِيهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ-مِنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: يُنْفَى مِنْ جُنْد إِلَى جُنْدٍ سِنِينَ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِنَّهُ يُنْفَى وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا السِّجْنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا: أَنْ يُخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيُسْجَنَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَمِنْ صَلْبِهِمْ، وَقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلَافٍ، وَنَفْيِهِمْ -خزْي لَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا قَدْ يَتَأَيَّدُ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلَّا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا: وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَه [[في ر: "يغتب"، وفي أ: "تغتب".]] بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فأمْرُه إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٩) .]]
وَعَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ".
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، قَالَ: وَرَفْعُهُ صَحِيحٌ. [[المسند (١/٩٩) وسنن الترمذي برقم (٢٦٢٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٠٤) والعلل للدارقطني (٣/١٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وَذِلَّةٌ وَعُقُوبَةٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكُوا -فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْجَزَاءِ الَّذِي جَازَيْتُهُمْ [[في أ: "جازاهم".]] بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعُقُوبَةِ الَّتِي عَاقَبَتْهُمْ [[في أ: "عاقبهم".]] بِهَا فيها [[في ر، أ: "في الدنيا".]] - ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أُمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ الْمُسْلِمُونَ فَإِذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمُ انْحِتَامُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَهَلْ يَسْقُطُ قَطْعُ الْيَدِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ، فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَكَلَّمُوا عَلِيًّا، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ. فَأَتَى سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ فَخَلْفَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ أَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ: فَإِنَّهُ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ، بِهِ. وَزَادَ: فَقَالَ حَارِثَةُ [[في ر، أ: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ:
أَلَا أبلغَن [[في أ: "بلغا".]] هَمْدان إمَّا لقيتَها ... عَلى النَّأي لَا يَسْلمْ عَدو يعيبُها ...
لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدان تَتَّقِي الْـ ... إلَه ويَقْضي بِالْكِتَابِ خَطيبُها [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٠) .]]
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ السُّدِّي -وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مَراد إِلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَمَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْمُرَادِيُّ، وَإِنِّي كُنْتُ حَارَبْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَيْتُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنِّي تُبْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدر عليَّ. فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنَّهُ كَانَ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنَّهُ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فَسَبِيلُ مِنْ صِدْقٍ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا تُدْرِكْهُ ذُنُوبُهُ، فَأَقَامَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذُنُوبِهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عِنْدَنَا: أَنَّ عَلِيًّا الْأَسَدِيَّ حَارَبَ وَأَخَافَ [[في ر: "وخاف".]] السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ، فَطَلَبَهُ الْأَئِمَّةُ وَالْعَامَّةُ، فَامْتَنَعَ وَلَمْ يُقْدر عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ تَائِبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَعِدْ قِرَاءَتَهَا. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا. حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ السَّحَرِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ قَعَدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غِمَارِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَسَفَرُوا عَرَفَهُ النَّاسُ، فَقَامُوا [[في أ: "وقاموا".]] إليه، فقال: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ جِئْتُ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ -وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ [[في ر: "في إمرته على المدينة".]] فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ-فَقَالَ: هَذَا عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] جَاءَ تَائِبًا، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلَا قَتْلَ. قَالَ: فتُرك مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] تَائِبًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْبَحْرِ، فَلَقُوا الرُّومَ، فَقَرَّبُوا سَفِينَتَهُ إِلَى سَفِينَةٍ مِنْ سُفُنِهِمْ [[في أ: "سفينتهم".]] فَاقْتَحَمَ عَلَى الرُّومِ فِي سَفِينَتِهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى شِقِّهَا الْآخَرِ، فَمَالَتْ بِهِ وبهم، فغرقوا جميعًا. [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٤) .]]
5:34إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ قَتْل ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ: شَرَعْنَا لَهُمْ وَأَعْلَمْنَاهُمْ ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَاسْتَحَلَّ قَتْلَهَا بِلَا سَبَبٍ وَلَا جِنَايَةَ، فَكَأَنَّمَا قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: حَرَّمَ قَتَلَهَا وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأَنْصُرَكَ وَقَدْ طَابَ الضَّرْبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَقْتُل [[في أ: "يقتل".]] النَّاسَ جَمِيعًا وَإِيَّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ فَإِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ رَجُلًا وَاحِدًا فَكَأَنَّمَا قَتَلْتَ النَّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرِفْ مَأْذُونًا لَكَ، مَأْجُورًا غَيْرَ مَأْزُورٍ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ وَلَمْ أُقَاتِلْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وَإِحْيَاؤُهَا: أَلَّا يَقْتُلَ نَفْسًا حَرّمها اللَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، يَعْنِي: أَنَّهُ مَنْ حَرّم قَتْلَهَا إِلَّا بحق، حَيِي الناس منه [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]]
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: كَفَّ عَنْ قَتْلِهَا.
وَقَالَ العَوْفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً حَرَّمَهَا اللَّهُ، فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنِ اسْتَحَلَّ دمَ مُسْلِم فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا، وَمَنْ حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا حَرَّمَ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا.
هَذَا قَوْلٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ عِكْرمة وَالْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يَقُولُ] [[زيادة من أ.]] مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْل، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدّ عَلَى عَضد نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدل، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ فَلَهُ النَّارُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في أ: "وقال ابن جرير".]] عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا، جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: مَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ [جَمِيعًا] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَصَّاصُ، فَلَا [[في ر: "ولا".]] فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: عَفَا عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ -فِي رِوَايَةٍ-: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أَيْ: أَنْجَاهَا مِنْ غَرق أَوْ حَرق أَوْ هَلكة.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هَذَا تَعْظِيمٌ لِتَعَاطِي الْقَتْلِ -قَالَ قَتَادَةُ: عَظُم وَاللَّهِ وِزْرُهَا، وَعَظُمَ وَاللَّهِ أَجْرُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الرِّبْعِي قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: هَذِهِ الْآيَةُ لَنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَالَ: إِي وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَا جُعِلَ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: وِزْرًا. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قَالَ: أَجْرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا حُيَي [[في ر: "يحيى".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي عَلَى شَيْءٍ أَعِيشُ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا حَمْزَةُ، نَفْسٌ تُحْيِيهَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ نَفْسٌ تُمِيتُهَا؟ " قَالَ: بَلْ نَفْسٌ أُحْيِيهَا: قَالَ: "عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ". [[في ر: "عليك نفسك".]] [[المسند (٢/١٧٥)]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وَهَذَا تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى ارْتِكَابِهِمُ الْمَحَارِمَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهَا، كَمَا كَانَتْ بَنُو قُرَيْظَة والنَّضير وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقاع مِمَّنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الْحُرُوبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ إِذَا وَضَعَتِ الْحُرُوبُ أَوْزَارَهَا فَدَوْا مَنْ أَسَرُوهُ، وَوَدَوْا مَنْ قَتَلُوهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ [[في أ: "تردون".]] إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٤، ٨٥] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ. الْمُحَارِبَةُ: هِيَ الْمُضَادَّةُ وَالْمُخَالِفَةُ، وَهِيَ صَادِقَةٌ [[في ر: "صابرة".]] عَلَى الْكُفْرِ، وَعَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ، وَكَذَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ يُطْلَقُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الشَّرِّ، حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥] .
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا [[في أ: "قال".]] [قَالَ تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مَنْ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَتْ تُحْرِزُ هَذِهِ الْآيَةُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْحَدِّ، إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ [[في ر: "ألحق".]] بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ [[في ر: "فيمن".]] تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يمنعه ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فخيَّر اللَّهُ رَسُولَهُ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ تُقْطَعَ [[في ر: "يقطع".]] أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف، عَنْ مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري (٢٣٣) وانظر أطرافه هناك، وصحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]] مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلابة -وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الجَرْمي الْبَصْرِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْل ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ [[في أ: "المدينة".]] وسَقَمت أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَلَّا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ " فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا [[في ر: "فنصحوا".]] فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وسُمرت [[في ر: "وسملت".]] أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا.
لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَة"، وَفِي لَفْظٍ: "وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة فَجَعَلُوا يَسْتَسْقُون [[في أ: "فيستقون".]] فَلَا يُسْقَون. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "وَلَمْ يَحْسمْهم". وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْم، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيب وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَعِنْدَهُ: "وَارْتَدُّوا". وَقَدْ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: "مِنْ عُكْلٍ وعُرَينة". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نفرٌ مِنْ عُرَينة، فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ المُومُ -وَهُوَ البرْسام-ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا فَأَرْسَلَهُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصّ [[في ر: "يقص".]] أَثَرَهُمْ. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٧١) .]]
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ البنَاني وحُمَيْد الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَينة قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فاجْتَوَوْها، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فصَحُّوا فَارْتَدُّوا [[في أ: "وارتدوا".]] عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَرَ [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدُمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٦٧) وسنن الترمذي برقم (٧٢) وسنن النسائي (٧/٩٧) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ سَلَامِ بْنِ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا ندمتُ عَلَى حَدِيثٍ مَا نَدِمْتُ عَلَى حَدِيثٍ سَأَلَنِي عَنْهُ الْحَجَّاجُ قَالَ [[في أ: "فقال".]] أَخْبِرْنِي عَنْ أَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُرَيْنة، مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَشَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا مِنْ [[في ر: "في".]] بُطُونِهِمْ، وَقَدِ اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وضَخُمت بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ وَانْخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوا [[في أ: "عمدوا".]] عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وسَمَر [[في ر: "وسمل".]] أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا. فَكَانَ الْحَجَّاجُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَطَعَ أَيْدِيَ قَوْمٍ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ حَتَّى مَاتُوا لِحال [[في أ: "بحال".]] ذَوْدٍ [مِنَ الْإِبِلِ] [[زيادة من أ.]] وَكَانَ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ-حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْل، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، وَلِمَ يَحْسِمْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ يتَلقَّمون الْحِجَارَةَ بِالْحَرَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَسَنِ الزُّجَاجَ-حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ -يَعْنِي الْبَقَّالَ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَهْطٌ مِنْ عُرَينة أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِهِمْ جَهْد، مُصْفرّة أَلْوَانُهُمْ، عَظِيمَةٌ بُطُونُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِالْإِبِلِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَصَفَتْ أَلْوَانُهُمْ وَخَمَصَتْ بُطُونُهُمْ، وَسَمِنُوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبهم، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وسَمَرَ أَعْيُنَ بَعْضِهِمْ، وَقَطَعَ أَيْدِي بَعْضِهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الْآيَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة [[في أ: "يجيلة".]] قَالَ أَنَسٌ: فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ.
وقال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن الحارث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في أ: "عن أبي عبد الله بن عمر".]] -أَوْ: عَمْرٍو، شَكَّ يُونُسُ-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ -يَعْنِي بِقِصَّةِ العرَنيين-وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارِبَةِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، وَفِيهِ: "عَنِ ابْنِ عُمَرَ" مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٩) وسنن أبي داود برقم (٤٣٦٩) وسنن النسائي (٧/١٠٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قومٌ مِنْ عُرَيْنَة حُفَاة مَضْرُورِينَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رعَاء اللِّقَاحِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِمْ، قَالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وسَمَل أَعْيُنَهُمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْمَاءَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "النَّارُ"! حَتَّى هَلَكُوا. قَالَ: وَكَرِهَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، سَمْل الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]] وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ، وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَهُوَ [[في ر، أ: "وإنه".]] جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ [[قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري (١٠/٢٤٨) :
"وهذا الخبر ضعيف جدًا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلي صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفد عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي العام الذي توفي فيه، وخبر العرنيين كان في شوال سنة ست، في رواية الواقدي (ابن سعد ٢/١/٦٧) ، وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهري. وذلك قبل وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.
وهذا الخبر، ذكره الحافظ ابن حجر، في ترجمة "جرير بن عبد الله البجلي"، وضعفه جدا. أما ابن كثير، فذكره في تفسيره (٣/١٣٩) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبَذِيُّ، وَهُوَ ضعيف. وفي إسناده فَائِدَةٌ: وَهُوَ ذِكْرُ أَمِيرِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ. وَهُوَ جرير ابن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أن هذه السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قوله: "فكره الله سمل الأعين" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بهم قصاصا، والله أعلم".
والعجب لابن كثير، يظن فائدة فيما لا فائدة له، فإن أمير هذه السرية، كان ولا شك، كرز بن جابر الفهري، ولم يرو أحد أن أميرها كان جرير بن عبد الله البجلي، إلا في هذا الخبر المنكر.]] وَتَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ السَّرِيَّةَ كَانُوا عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَكَرِهَ اللَّهُ سَمْلَ الْأَعْيُنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ" فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ سَملوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، فَكَانَ مَا فَعَلَ بِهِمْ قَصَاصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ بَنِي فَزَارة قَدْ مَاتُوا هَزْلًا. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى لِقَاحِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهَا حَتَّى صَحُّوا، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى لَقَاحِهِ فَسَرَقُوهَا، فطُلِبوا، فَأْتِي بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وسَمَر أَعْيُنَهُمْ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَمْر الْأَعْيُنِ بعدُ.
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُسْتَرِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ [[في ر، أ: "بن".]] عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ: "يَسار" فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُحسن الصَّلَاةَ فَأَعْتَقَهُ، وَبَعَثَهُ [[في أ: "فبعثه".]] فِي لِقَاحٍ لَهُ بالحَرَّة، فَكَانَ بِهَا، قَالَ: فَأَظْهَرَ قَوْمٌ الْإِسْلَامَ مَنْ عُرَينة، وَجَاءُوا وَهُمْ مَرْضَى مَوْعُوكُونَ قَدْ عَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، قَالَ: فَبَعَثَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى "يَسَارٍ" فَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ حَتَّى انْطَوَتْ بُطُونُهُمْ، ثُمَّ عَدَوْا عَلَى "يَسَارٍ" فَذَبَحُوهُ، وَجَعَلُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَطْرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي آثَارِهِمْ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمِيرُهُمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الفِهْري، فَلَحِقَهُمْ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/٦) من طريق الحسين التستري به. قال الهيثمي في المجمع (٦/٢٤٩) : "فيه موسى بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف".]]
وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مردُويه بِتَطْرِيقِ [[في أ: "بطرق".]] هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَثَابَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ -وسُئِلَ عَنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ-فَقَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبير عَنِ الْمُحَارِبِينَ فَقَالَ: كَانَ أُنَاسٌ [[في ر: "ناس".]] أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالوا: نُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَايَعُوهُ، وَهُمْ كذَبَة، وَلَيْسَ الْإِسْلَامُ يُرِيدُونَ. ثُمَّ قَالُوا: إِنَّا نَجْتوي الْمَدِينَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هَذِهِ اللِّقَاحُ تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوحُ، فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا" قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَصَرَخَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: قَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا [[في أ: "وساقوا".]] النَّعَمَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فنُودي فِي النَّاسِ: أَنْ "يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي". قَالَ: فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ، فَرَجَعَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَكَانَ نفْيهم: أَنْ نَفَوْهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأَرْضَهُمْ، وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، وَصَلَبَ، وَقَطَعَ، وسَمَر الْأَعْيُنَ. قَالَ: فَمَا مَثَّل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قبلُ وَلَا بعدُ. قَالَ: وَنَهَى عَنِ المُثْلة، قَالَ: "وَلَا تُمَثِّلُوا [[في ر: "وقال لا تمثلوا بشيء".]] بِشَيْءٍ" قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ ما قتلهم.
قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَمِنْهُمْ عُرينة نَاسٌ مِنْ بَجيلة. [[تفسير الطبري (١٠/٢٤٧)]]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ العُرَنيين: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُحْكَمٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهَا عِتَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٤٣] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُثْلة. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ صَاحَبَهُ مُطَالِبٌ [[في أ: "ثم قائله يطالب".]] بِبَيَانِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَنِ الْمَنْسُوخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ قِصَّتَهُمْ مُتَأَخِّرَةٌ، وَفِي [[في ر: "في".]] رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِقِصَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا [[في أ: "تأخيرها".]] فَإِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يُسْمِلِ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فبيَّن حُكْمَ الْمُحَارِبِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ [[في أ: "إنما".]] سمَلَ -وَفِي رِوَايَةٍ: سَمَرَ-أَعْيُنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ذَاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ مَا كَانَ مِنْ سَمْل النَّبِيِّ ﷺ أَعْيُنَهُمْ، وتَركه [[في أ: "وترك".]] حَسْمهم حَتَّى مَاتُوا، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَاتَبَةً فِي ذَلِكَ، وعلَّمه [[في أ: "وعلمهم".]] عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ، وَلَمْ يُسْمِلْ بِعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرٍو -يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ-فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ [[في أ: "تكون".]] نَزَلَتْ مُعَاتَبَةً، وَقَالَ: بَلْ كَانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأَعْيَانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ.
ثُمَّ قَدِ احْتَجَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَهَابِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُحَارَبَةَ [[في أ: "أن حكم المحاربة".]] فِي الْأَمْصَارِ وَفِي السُّبْلَانِ عَلَى السَّوَاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ -فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بَيْتًا فَيَقْتُلُهُ، وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ-: إِنَّ هَذَا مُحَارِبَةٌ، وَدَمُهُ إِلَى السُّلْطَانِ لَا [إِلَى] [[زيادة من ر.]] وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِنْفَاذِ الْقَتْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ إِلَّا فِي الطُّرُقَاتِ، فَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ إِذَا اسْتَغَاثَ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ وَيُعِينُهُ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ الْآيَةَ: قَالَ [[في ر، أ: "فقال".]] [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس فِي [قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ] [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ [قَالَ] [[زيادة من ر، أ.]] مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي قبَّة الْإِسْلَامِ، وَأَخَافُ السَّبِيلَ، ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ، فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ صُلَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالضَّحَّاكُ. وَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ ظَاهِرَ "أَوْ" لِلتَّخْيِيرِ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] وَقَوْلُهُ فِي كَفَّارَةِ التَّرَفُّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] وَكَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿إِطْعَامُ [[في ر، أ: "فإطعام" وهو خطأ.]] عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . [وَ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ أَبِي يَحْيَى-عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: إِذَا قَتَلوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتلوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتلوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطعت أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَعَطَاءٍ الخُراساني، نَحْوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُصْلَب حَيًّا ويُتْرَك حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْعِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ بِقَتْلِهِ بِرُمْحٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يُقْتَلُ أَوَّلًا ثُمَّ يُصْلَبُ تَنْكِيلًا وَتَشْدِيدًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟ وَهَلْ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْزِلُ، أَوْ يُتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ؟ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ خِلَافٌ مُحَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ -إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ-فَقَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ] [[زيادة من أ.]] يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ. قَالَ أَنَسٌ: فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ، وَرِجْلَهُ بِإِخَافَتِهِ، وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ، فَاصْلُبْهُ. [[تفسير الطبري (١٠/٢٥٠) .]]
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: [[في أ: "عز وجل".]] ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فيقام عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ يَهْرُبُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ [[في ر: "عن".]] أَنَسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ [[في ر: "بلد".]] إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ يُخْرِجُهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَنْفِيهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ-مِنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: يُنْفَى مِنْ جُنْد إِلَى جُنْدٍ سِنِينَ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِنَّهُ يُنْفَى وَلَا يُخْرَجُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا السِّجْنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ هَاهُنَا: أَنْ يُخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيُسْجَنَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَمِنْ صَلْبِهِمْ، وَقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلَافٍ، وَنَفْيِهِمْ -خزْي لَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا قَدْ يَتَأَيَّدُ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلَّا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا: وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَه [[في ر: "يغتب"، وفي أ: "تغتب".]] بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فأمْرُه إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٩) .]]
وَعَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ".
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، قَالَ: وَرَفْعُهُ صَحِيحٌ. [[المسند (١/٩٩) وسنن الترمذي برقم (٢٦٢٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٠٤) والعلل للدارقطني (٣/١٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وَذِلَّةٌ وَعُقُوبَةٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكُوا -فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْجَزَاءِ الَّذِي جَازَيْتُهُمْ [[في أ: "جازاهم".]] بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعُقُوبَةِ الَّتِي عَاقَبَتْهُمْ [[في أ: "عاقبهم".]] بِهَا فيها [[في ر، أ: "في الدنيا".]] - ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أُمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ الْمُسْلِمُونَ فَإِذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمُ انْحِتَامُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَهَلْ يَسْقُطُ قَطْعُ الْيَدِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ، فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَكَلَّمُوا عَلِيًّا، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ. فَأَتَى سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ فَخَلْفَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ أَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ: فَإِنَّهُ حَارِثَةُ [[في ر: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ مُجَاهِدٍ [[في ر، أ: "مجالد".]] عَنِ الشَّعْبِيِّ، بِهِ. وَزَادَ: فَقَالَ حَارِثَةُ [[في ر، أ: "جارية".]] بْنُ بَدْرٍ:
أَلَا أبلغَن [[في أ: "بلغا".]] هَمْدان إمَّا لقيتَها ... عَلى النَّأي لَا يَسْلمْ عَدو يعيبُها ...
لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدان تَتَّقِي الْـ ... إلَه ويَقْضي بِالْكِتَابِ خَطيبُها [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٠) .]]
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ السُّدِّي -وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مَراد إِلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَمَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْمُرَادِيُّ، وَإِنِّي كُنْتُ حَارَبْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَيْتُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنِّي تُبْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدر عليَّ. فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنَّهُ كَانَ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَإِنَّهُ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فَسَبِيلُ مِنْ صِدْقٍ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا تُدْرِكْهُ ذُنُوبُهُ، فَأَقَامَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذُنُوبِهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عِنْدَنَا: أَنَّ عَلِيًّا الْأَسَدِيَّ حَارَبَ وَأَخَافَ [[في ر: "وخاف".]] السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ، فَطَلَبَهُ الْأَئِمَّةُ وَالْعَامَّةُ، فَامْتَنَعَ وَلَمْ يُقْدر عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ تَائِبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ:٥٣] ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَعِدْ قِرَاءَتَهَا. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا. حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ السَّحَرِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ قَعَدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غِمَارِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَسَفَرُوا عَرَفَهُ النَّاسُ، فَقَامُوا [[في أ: "وقاموا".]] إليه، فقال: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ جِئْتُ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ -وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ [[في ر: "في إمرته على المدينة".]] فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ-فَقَالَ: هَذَا عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] جَاءَ تَائِبًا، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلَا قَتْلَ. قَالَ: فتُرك مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ [[في ر: "عليًا".]] تَائِبًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْبَحْرِ، فَلَقُوا الرُّومَ، فَقَرَّبُوا سَفِينَتَهُ إِلَى سَفِينَةٍ مِنْ سُفُنِهِمْ [[في أ: "سفينتهم".]] فَاقْتَحَمَ عَلَى الرُّومِ فِي سَفِينَتِهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى شِقِّهَا الْآخَرِ، فَمَالَتْ بِهِ وبهم، فغرقوا جميعًا. [[تفسير الطبري (١٠/٢٨٤) .]]
5:35يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ إِذَا قُرِنَتْ بِالطَّاعَةِ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُرْبَةَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ [وَعَطَاءٌ] [[زيادة من ر.]] وَأَبُو وَائِلٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ. وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الْإِسْرَاءِ:٥٧] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ [[في ر: "لا خلاف فيه بين المفسرين".]] وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[البيت في تفسير الطبري (١٠/٢٩٠) .]]
إِذَا غَفَل الواشُون عُدنَا لِوصْلنَا ... وعَاد التَّصَافي بَيْنَنَا والوسَائلُ ...
وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ [[في د: "لوصلها".]] بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَالْوَسِيلَةُ أَيْضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَارُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الْجَنَّةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة".
حَدِيثٌ آخَرُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عَليّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا منزلة فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلًّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ." [[صحيح مسلم برقم (١٣٨٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْث، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَليّ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ [[في ر: "واحد في الجنة".]] وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ لَيْث بْنِ أَبِي سُلَيم، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، وَكَعْبٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ. [[المسند (٢/٢٦٥) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٢) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: "صَلُّوا عليَّ صَلَاتَكُمْ، وسَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ". فَسَأَلُوهُ وَأَخْبَرَهُمْ: "أَنَّ الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَ يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَهُ". [[في ر: "أكون"، وفي أ: "أن أكون هو".]] [[وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
ورواه البزار في مسنده برقم (٢٥٢) "كشف الأستار" من طريق آخر، فرواه من طريق دَاوُدُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بنحوه، وقال الهيثمي: "دواد بن علية ضعيف".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ [[في هـ: "ابن أبي حبيب" وهو خطأ.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا لِي عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا -أَوْ: شَفِيعًا-يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ثُمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: "لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِلَّا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ". كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. [[المعجم الأوسط للطبراني برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين" وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٣٣) : "فيه الوليد بن عبد الملك الحراني قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث إذا روي عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدان: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ، فسَلُوا اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ عَلَى خَلْقِهِ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٠، ٦٤١) "مجمع البحرين" من طريق عمارة بن غزية به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَحْرٍ: حَدَّثَنَا شَريك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ تُدْعَى الْوَسِيلَةَ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُسْكَنُ مَعَكَ؟ قَالَ: "عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ووجه غرابته أنه من رواية عبد الحميد بن بحر البصري، قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، والحارث هو الأعور كذبه الشعبي وضعفه جماعة.]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الدَّشْتَكِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ [[في ر: "سعيد".]] بْنُ طَرِيف، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الأزْدِي -مَوْلَى سَالِمِ بْنِ ثَوْبان-قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُنَادِي عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لُؤْلُؤَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ، وَالْأُخْرَى صَفْرَاءُ، أَمَّا الصَّفْرَاءُ فَإِنَّهَا إِلَى بُطْنَان الْعَرْشِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مِنَ اللُّؤْلُؤَةِ الْبَيْضَاءِ سَبْعُونَ أَلْفَ غُرْفَةٍ، كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَغُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا وَأَسِرَّتُهَا وَكَأَنَّهَا [[في أ: "وأكوابها".]] مِنْ عِرْقٍ وَاحِدٍ، وَاسْمُهَا الْوَسِيلَةُ، هِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالصَّفْرَاءُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ، هِيَ لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ أَيْضًا [[وفي إسناده سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور. ميزان الاعتدال (٢/١٢٢) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْمَحَارِمِ وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، التَّارِكِينَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي أَعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنَ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْخَالِدَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي لَا تَبِيد وَلَا تَحُول وَلَا تَزُولُ فِي الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ الْآمِنَةِ، الْحَسَنَةِ مَنَاظِرُهَا، الطَّيِّبَةُ مَسَاكِنُهَا، الَّتِي مَنْ سَكَنَهَا يَنْعَم لَا يَيْأَسُ، وَيَحْيَا لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّ لِأَعْدَائِهِ الْكُفَّارِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَبِمَثَلِهِ لِيَفْتَدِيَ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ أَحَاطَ بِهِ [[في ر: "بهم".]] وَتَيَقَّنَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ [[في ر: "إليهم".]] مَا تُقُبل ذَلِكَ مِنْهُ [[في ر: "ما يقبل ذلك منهم".]] بَلْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ وَلَا مَحِيصَ لَهُ وَلَا مَنَاصَ [[في ر: "ولا مخلص لهم ولا مناص".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: مُوجِعٌ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [الحج:٢٢] ، فَلَا يَزَالُونَ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ شَدَّتِهِ وَأَلِيمِ مَسِّهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، كُلَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهَبُ فَصَارُوا فِي أَعَالِي [[في أ: "إلى أعلى".]] جَهَنَّمَ، ضَرَبَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِالْمَقَامِعِ الْحَدِيدِ، فَيَرُدُّونَهُمْ [[في هـ: "فيردوهم" وهو خطأ؛ لعدم وجود عامل النصب أو الجزم في الفعل، والمثبت من أ.]] إِلَى أَسْفَلِهَا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَيْ: دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا.
وَقَدْ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَضْجَعك؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَضْجَعٍ، فَيَقُولُ: هَلْ تَفْتَدِي بقُراب الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ " قَالَ: "فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَيَقُولُ: كَذَبْتَ! قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ: فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [[في د: "البخاري".]] مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٠٧) وسنن النسائي (٦/٣٦) .]] بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٣٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الدَّسْتَوائي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَكَذَا أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مَطَر الورَّاق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، عَنْهُ.
ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ثم روى".]] ابْنُ مَردويه، مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُهَيب الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم [قَالَ] [[زيادة من أ، ر.]] "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" قَالَ: فَقُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قَالَ: اتْلُ أَوَّلَ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الْآيَةَ، أَلَّا إِنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ [[المسند (٣/٣٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٩١) .]] وَهَذَا أَبْسَطُ سِيَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ [[في ر: "ابن أبي شيبة"، وفي أ: "الحسن بن محمد بن شيبة الواسطي".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرْنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَحَدَّثَ أَنَّ أُنَاسًا [[في ر: "ناسًا".]] يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ -قَالَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أُنْكِرُ ذَلِكَ، فَغَضِبْتُ وَقُلْتُ: مَا أَعْجَبُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ! تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] فَانْتَهَرَنِي أَصْحَابُهُ، وَكَانَ أَحْلَمَهُمْ فَقَالَ: دَعَوُا الرَّجُلَ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَدْ جَمَعْتُهُ قَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ؟ [الإسراء:٧٩] فَهُوَ ذَلِكَ الْمَقَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] يَحْتَبِسُ أَقْوَامًا بِخَطَايَاهُمْ فِي النَّارِ مَا شَاءَ، لَا يُكَلِّمُهُمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ أَخْرَجَهُمْ. قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أُكَذِبَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَج بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُهَلَّب، حَدَّثَنِي طَلْق بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفَاعَةِ، حَتَّى لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ [[في د: "وقرأت".]] عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أَقْدِرُ عَلَيْهَا يَذْكُرُ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] فِيهَا خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا طَلْقُ، أتُرَاك أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من د، أ.]] مِنِّي؟ إِنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هُمْ أَهْلُهَا، هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَصَابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا ثُمَّ أَهْوَى بِيَدَيْهِ [[في أ: "بيده".]] إِلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ [[في ر: "ثم قال".]] صُمَّتًا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوا". وَنَحْنُ نَقْرَأُ كَمَا قَرَأْتَ.
5:36إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ إِذَا قُرِنَتْ بِالطَّاعَةِ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُرْبَةَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ [وَعَطَاءٌ] [[زيادة من ر.]] وَأَبُو وَائِلٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ. وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الْإِسْرَاءِ:٥٧] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ [[في ر: "لا خلاف فيه بين المفسرين".]] وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[البيت في تفسير الطبري (١٠/٢٩٠) .]]
إِذَا غَفَل الواشُون عُدنَا لِوصْلنَا ... وعَاد التَّصَافي بَيْنَنَا والوسَائلُ ...
وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ [[في د: "لوصلها".]] بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَالْوَسِيلَةُ أَيْضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَارُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الْجَنَّةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة".
حَدِيثٌ آخَرُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عَليّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا منزلة فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلًّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ." [[صحيح مسلم برقم (١٣٨٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْث، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَليّ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ [[في ر: "واحد في الجنة".]] وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ لَيْث بْنِ أَبِي سُلَيم، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، وَكَعْبٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ. [[المسند (٢/٢٦٥) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٢) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: "صَلُّوا عليَّ صَلَاتَكُمْ، وسَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ". فَسَأَلُوهُ وَأَخْبَرَهُمْ: "أَنَّ الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَ يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَهُ". [[في ر: "أكون"، وفي أ: "أن أكون هو".]] [[وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
ورواه البزار في مسنده برقم (٢٥٢) "كشف الأستار" من طريق آخر، فرواه من طريق دَاوُدُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بنحوه، وقال الهيثمي: "دواد بن علية ضعيف".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ [[في هـ: "ابن أبي حبيب" وهو خطأ.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا لِي عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا -أَوْ: شَفِيعًا-يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ثُمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: "لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِلَّا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ". كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. [[المعجم الأوسط للطبراني برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين" وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٣٣) : "فيه الوليد بن عبد الملك الحراني قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث إذا روي عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدان: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ، فسَلُوا اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ عَلَى خَلْقِهِ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٠، ٦٤١) "مجمع البحرين" من طريق عمارة بن غزية به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَحْرٍ: حَدَّثَنَا شَريك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ تُدْعَى الْوَسِيلَةَ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُسْكَنُ مَعَكَ؟ قَالَ: "عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ووجه غرابته أنه من رواية عبد الحميد بن بحر البصري، قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، والحارث هو الأعور كذبه الشعبي وضعفه جماعة.]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الدَّشْتَكِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ [[في ر: "سعيد".]] بْنُ طَرِيف، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الأزْدِي -مَوْلَى سَالِمِ بْنِ ثَوْبان-قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُنَادِي عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لُؤْلُؤَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ، وَالْأُخْرَى صَفْرَاءُ، أَمَّا الصَّفْرَاءُ فَإِنَّهَا إِلَى بُطْنَان الْعَرْشِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مِنَ اللُّؤْلُؤَةِ الْبَيْضَاءِ سَبْعُونَ أَلْفَ غُرْفَةٍ، كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَغُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا وَأَسِرَّتُهَا وَكَأَنَّهَا [[في أ: "وأكوابها".]] مِنْ عِرْقٍ وَاحِدٍ، وَاسْمُهَا الْوَسِيلَةُ، هِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالصَّفْرَاءُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ، هِيَ لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ أَيْضًا [[وفي إسناده سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور. ميزان الاعتدال (٢/١٢٢) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْمَحَارِمِ وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، التَّارِكِينَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي أَعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنَ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْخَالِدَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي لَا تَبِيد وَلَا تَحُول وَلَا تَزُولُ فِي الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ الْآمِنَةِ، الْحَسَنَةِ مَنَاظِرُهَا، الطَّيِّبَةُ مَسَاكِنُهَا، الَّتِي مَنْ سَكَنَهَا يَنْعَم لَا يَيْأَسُ، وَيَحْيَا لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّ لِأَعْدَائِهِ الْكُفَّارِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَبِمَثَلِهِ لِيَفْتَدِيَ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ أَحَاطَ بِهِ [[في ر: "بهم".]] وَتَيَقَّنَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ [[في ر: "إليهم".]] مَا تُقُبل ذَلِكَ مِنْهُ [[في ر: "ما يقبل ذلك منهم".]] بَلْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ وَلَا مَحِيصَ لَهُ وَلَا مَنَاصَ [[في ر: "ولا مخلص لهم ولا مناص".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: مُوجِعٌ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [الحج:٢٢] ، فَلَا يَزَالُونَ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ شَدَّتِهِ وَأَلِيمِ مَسِّهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، كُلَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهَبُ فَصَارُوا فِي أَعَالِي [[في أ: "إلى أعلى".]] جَهَنَّمَ، ضَرَبَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِالْمَقَامِعِ الْحَدِيدِ، فَيَرُدُّونَهُمْ [[في هـ: "فيردوهم" وهو خطأ؛ لعدم وجود عامل النصب أو الجزم في الفعل، والمثبت من أ.]] إِلَى أَسْفَلِهَا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَيْ: دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا.
وَقَدْ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَضْجَعك؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَضْجَعٍ، فَيَقُولُ: هَلْ تَفْتَدِي بقُراب الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ " قَالَ: "فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَيَقُولُ: كَذَبْتَ! قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ: فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [[في د: "البخاري".]] مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٠٧) وسنن النسائي (٦/٣٦) .]] بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٣٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الدَّسْتَوائي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَكَذَا أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مَطَر الورَّاق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، عَنْهُ.
ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ثم روى".]] ابْنُ مَردويه، مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُهَيب الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم [قَالَ] [[زيادة من أ، ر.]] "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" قَالَ: فَقُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قَالَ: اتْلُ أَوَّلَ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الْآيَةَ، أَلَّا إِنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ [[المسند (٣/٣٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٩١) .]] وَهَذَا أَبْسَطُ سِيَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ [[في ر: "ابن أبي شيبة"، وفي أ: "الحسن بن محمد بن شيبة الواسطي".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرْنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَحَدَّثَ أَنَّ أُنَاسًا [[في ر: "ناسًا".]] يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ -قَالَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أُنْكِرُ ذَلِكَ، فَغَضِبْتُ وَقُلْتُ: مَا أَعْجَبُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ! تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] فَانْتَهَرَنِي أَصْحَابُهُ، وَكَانَ أَحْلَمَهُمْ فَقَالَ: دَعَوُا الرَّجُلَ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَدْ جَمَعْتُهُ قَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ؟ [الإسراء:٧٩] فَهُوَ ذَلِكَ الْمَقَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] يَحْتَبِسُ أَقْوَامًا بِخَطَايَاهُمْ فِي النَّارِ مَا شَاءَ، لَا يُكَلِّمُهُمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ أَخْرَجَهُمْ. قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أُكَذِبَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَج بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُهَلَّب، حَدَّثَنِي طَلْق بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفَاعَةِ، حَتَّى لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ [[في د: "وقرأت".]] عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أَقْدِرُ عَلَيْهَا يَذْكُرُ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] فِيهَا خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا طَلْقُ، أتُرَاك أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من د، أ.]] مِنِّي؟ إِنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هُمْ أَهْلُهَا، هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَصَابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا ثُمَّ أَهْوَى بِيَدَيْهِ [[في أ: "بيده".]] إِلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ [[في ر: "ثم قال".]] صُمَّتًا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوا". وَنَحْنُ نَقْرَأُ كَمَا قَرَأْتَ.
5:37يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ إِذَا قُرِنَتْ بِالطَّاعَةِ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُرْبَةَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ [وَعَطَاءٌ] [[زيادة من ر.]] وَأَبُو وَائِلٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ. وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الْإِسْرَاءِ:٥٧] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ [[في ر: "لا خلاف فيه بين المفسرين".]] وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[البيت في تفسير الطبري (١٠/٢٩٠) .]]
إِذَا غَفَل الواشُون عُدنَا لِوصْلنَا ... وعَاد التَّصَافي بَيْنَنَا والوسَائلُ ...
وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ [[في د: "لوصلها".]] بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَالْوَسِيلَةُ أَيْضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَارُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الْجَنَّةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة".
حَدِيثٌ آخَرُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عَليّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا منزلة فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلًّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ." [[صحيح مسلم برقم (١٣٨٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْث، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَليّ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ [[في ر: "واحد في الجنة".]] وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ لَيْث بْنِ أَبِي سُلَيم، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، وَكَعْبٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرَ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ. [[المسند (٢/٢٦٥) وسنن الترمذي برقم (٣٦١٢) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: "صَلُّوا عليَّ صَلَاتَكُمْ، وسَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ". فَسَأَلُوهُ وَأَخْبَرَهُمْ: "أَنَّ الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَ يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَهُ". [[في ر: "أكون"، وفي أ: "أن أكون هو".]] [[وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
ورواه البزار في مسنده برقم (٢٥٢) "كشف الأستار" من طريق آخر، فرواه من طريق دَاوُدُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بنحوه، وقال الهيثمي: "دواد بن علية ضعيف".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ [[في هـ: "ابن أبي حبيب" وهو خطأ.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا لِي عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا -أَوْ: شَفِيعًا-يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ثُمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: "لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِلَّا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ". كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. [[المعجم الأوسط للطبراني برقم (٦٣٩) "مجمع البحرين" وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٣٣) : "فيه الوليد بن عبد الملك الحراني قد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث إذا روي عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدان: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ، فسَلُوا اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ عَلَى خَلْقِهِ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٠، ٦٤١) "مجمع البحرين" من طريق عمارة بن غزية به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَحْرٍ: حَدَّثَنَا شَريك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ تُدْعَى الْوَسِيلَةَ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُسْكَنُ مَعَكَ؟ قَالَ: "عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ووجه غرابته أنه من رواية عبد الحميد بن بحر البصري، قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، والحارث هو الأعور كذبه الشعبي وضعفه جماعة.]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الدَّشْتَكِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ [[في ر: "سعيد".]] بْنُ طَرِيف، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الأزْدِي -مَوْلَى سَالِمِ بْنِ ثَوْبان-قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُنَادِي عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لُؤْلُؤَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ، وَالْأُخْرَى صَفْرَاءُ، أَمَّا الصَّفْرَاءُ فَإِنَّهَا إِلَى بُطْنَان الْعَرْشِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مِنَ اللُّؤْلُؤَةِ الْبَيْضَاءِ سَبْعُونَ أَلْفَ غُرْفَةٍ، كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَغُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا وَأَسِرَّتُهَا وَكَأَنَّهَا [[في أ: "وأكوابها".]] مِنْ عِرْقٍ وَاحِدٍ، وَاسْمُهَا الْوَسِيلَةُ، هِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالصَّفْرَاءُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ، هِيَ لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ أَيْضًا [[وفي إسناده سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور. ميزان الاعتدال (٢/١٢٢) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْمَحَارِمِ وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، التَّارِكِينَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي أَعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنَ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْخَالِدَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي لَا تَبِيد وَلَا تَحُول وَلَا تَزُولُ فِي الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ الْآمِنَةِ، الْحَسَنَةِ مَنَاظِرُهَا، الطَّيِّبَةُ مَسَاكِنُهَا، الَّتِي مَنْ سَكَنَهَا يَنْعَم لَا يَيْأَسُ، وَيَحْيَا لَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِمَا أَعَدَّ لِأَعْدَائِهِ الْكُفَّارِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَبِمَثَلِهِ لِيَفْتَدِيَ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ أَحَاطَ بِهِ [[في ر: "بهم".]] وَتَيَقَّنَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ [[في ر: "إليهم".]] مَا تُقُبل ذَلِكَ مِنْهُ [[في ر: "ما يقبل ذلك منهم".]] بَلْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ وَلَا مَحِيصَ لَهُ وَلَا مَنَاصَ [[في ر: "ولا مخلص لهم ولا مناص".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: مُوجِعٌ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية [الحج:٢٢] ، فَلَا يَزَالُونَ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ شَدَّتِهِ وَأَلِيمِ مَسِّهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، كُلَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهَبُ فَصَارُوا فِي أَعَالِي [[في أ: "إلى أعلى".]] جَهَنَّمَ، ضَرَبَتْهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِالْمَقَامِعِ الْحَدِيدِ، فَيَرُدُّونَهُمْ [[في هـ: "فيردوهم" وهو خطأ؛ لعدم وجود عامل النصب أو الجزم في الفعل، والمثبت من أ.]] إِلَى أَسْفَلِهَا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَيْ: دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا.
وَقَدْ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُؤتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَضْجَعك؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَضْجَعٍ، فَيَقُولُ: هَلْ تَفْتَدِي بقُراب الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ " قَالَ: "فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَيَقُولُ: كَذَبْتَ! قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ: فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ [[في د: "البخاري".]] مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٠٧) وسنن النسائي (٦/٣٦) .]] بِنَحْوِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٣٨) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الدَّسْتَوائي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَكَذَا أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٦٥٥٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .]] مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مَطَر الورَّاق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، عَنْهُ.
ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ثم روى".]] ابْنُ مَردويه، مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُهَيب الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم [قَالَ] [[زيادة من أ، ر.]] "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" قَالَ: فَقُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قَالَ: اتْلُ أَوَّلَ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الْآيَةَ، أَلَّا إِنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ [[المسند (٣/٣٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٩١) .]] وَهَذَا أَبْسَطُ سِيَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ [[في ر: "ابن أبي شيبة"، وفي أ: "الحسن بن محمد بن شيبة الواسطي".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرْنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَحَدَّثَ أَنَّ أُنَاسًا [[في ر: "ناسًا".]] يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ -قَالَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أُنْكِرُ ذَلِكَ، فَغَضِبْتُ وَقُلْتُ: مَا أَعْجَبُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ! تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] فَانْتَهَرَنِي أَصْحَابُهُ، وَكَانَ أَحْلَمَهُمْ فَقَالَ: دَعَوُا الرَّجُلَ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَدْ جَمَعْتُهُ قَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ؟ [الإسراء:٧٩] فَهُوَ ذَلِكَ الْمَقَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] يَحْتَبِسُ أَقْوَامًا بِخَطَايَاهُمْ فِي النَّارِ مَا شَاءَ، لَا يُكَلِّمُهُمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ أَخْرَجَهُمْ. قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أُكَذِبَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَج بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُهَلَّب، حَدَّثَنِي طَلْق بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفَاعَةِ، حَتَّى لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ [[في د: "وقرأت".]] عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أَقْدِرُ عَلَيْهَا يَذْكُرُ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] فِيهَا خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا طَلْقُ، أتُرَاك أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من د، أ.]] مِنِّي؟ إِنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هُمْ أَهْلُهَا، هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَصَابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا ثُمَّ أَهْوَى بِيَدَيْهِ [[في أ: "بيده".]] إِلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ [[في ر: "ثم قال".]] صُمَّتًا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوا". وَنَحْنُ نَقْرَأُ كَمَا قَرَأْتَ.
5:38وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا وَآمِرًا بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفي، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا". وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مُوَافِقًا لَهَا، لَا بِهَا، بَلْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ كَانَ الْقَطْعُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فقُرِّرَ فِي الْإِسْلَامِ وَزِيدَتْ شُرُوطٌ أخَر، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا كَانَتِ الْقِسَامَةُ وَالدِّيَةُ والقرَاض وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَزِيَادَاتٌ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْمَصَالِحِ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ، قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: "دُوَيْكٌ" مَوْلًى لِبَنِي مُلَيح بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعة، كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَيُقَالُ: سَرَقَهُ قَوْمٌ فَوَضَعُوهُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ مَتَّى سَرَقَ السَّارِقُ شَيْئًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِصَابًا وَلَا حِرْزًا، بَلْ أَخَذُوا بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ نَجْدَة الحَنَفِي قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَخَاصٌّ أم عام؟ فَقَالَ: بَلْ عَامٌّ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَمَسَّكُوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَعَن اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧) .]] وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاعْتَبَرُوا النِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ فِي قَدْرِهِ، فَذَهَبَ كُلٌّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى قَوْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: النِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ خَالِصَةٍ، فَمَتَى سَرَقَهَا أَوْ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهَا فَمَا فَوْقَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَن ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦) .]]
قَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطَعَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أتْرُجَّة قُوِّمَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوم، فَقُومَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. [[الموطأ (٢/٨٣٢) .]]
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَمِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ [[في ر: "الصنع".]] يُشْتَهَرُ، وَلَمْ [[في أ: "فلم".]] يُنْكَرْ، فَمِنْ مِثْلِهِ يُحْكَى الْإِجْمَاعُ السُّكوتي، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي الثِّمَارِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خِلَافًا لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ بِرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ مِنَ الْأَثْمَانِ أَوِ الْعُرُوضِ فَصَاعِدًا. وَالْحُجَّةُ [[في ر: "أو الحجة".]] فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ [[في ر: "يقطع السارق".]] فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤) .]]
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح مسلم (١٦٨٤) .]]
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَصٌّ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ الدِّينَارِ لَا مَا سَاوَاهُ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ، لَا يُنَافِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ الدينار باثني عشر دِرْهَمًا، فَهِيَ ثَمَنُ رُبْعِ دِينَارٍ، فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَيُرْوَى هَذَا المذهبُ عَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رُبْعِ الدِّينَارِ وَالثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ مَرَدٌ شَرْعِيٌّ، فَمَنْ سَرَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ قُطِعَ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَوَقَعَ فِي لَفْظٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ" [[المسند (٦/٨٠) .]] وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ. قِيلَ [[في أ: "فقيل".]] لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ المجَن؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ. [[سنن النسائي (٨/٨٠) .]]
فَهَذِهِ كُلُّهَا نُصُوصٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وزُفَر، وَكَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ غَيْرِ مَغْشُوشَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ السَّارِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير وَعَبْدُ الْأَعْلَى [[في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ.]] وَعَنْ [[في أ: "حدثنا".]] مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به.]]
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي دُونِ ثَمَنِ المِجَن". وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق -كما ترى- وروي من أوجه أخرى كثيرة]]
قَالُوا: فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَدْ خَالَفَا ابْنَ عُمَرَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، فَالِاحْتِيَاطُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يدُ السَّارِقِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمُتُهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، يُحْكَى هَذَا عَنْ علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَِي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ، أَيْ: فِي خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَيُنْقُلُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَسْرقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ التَّارِيخِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السُّفُنِ، قَالَهُ الْأَعْمَشُ فِيمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا وَسِيلَةٌ إِلَى التَّدَرُّجِ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ يَدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ عَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كَانُوا يَقْطَعُونَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَلَعَنَ السَّارِقَ الَّذِي يَبْذُلُ يَدَهُ الثَّمِينَةَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَهِينَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا الْعَلَاءِ المَعرِّي، لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ، اشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ إِشْكَالًا عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي جَعْلِهِمْ نِصَابَ السَّرِقَةِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِ فَقَالَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وديَتُ [[في ر، أ: "فديت".]] مَا بِالُهَا قُطعَتْ فِي رُبْع دِينَارِ ...
تَناقض مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ ... وَأَنْ نَعُوذ بمَوْلانا مِنَ النارِ [[رواهما الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/٣٠) .]]
وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ تَطَلّبه [[في أ: "فطلبه".]] الْفُقَهَاءُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ جَوَابُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ نَاسِبٌ أَنْ تَعْظُمَ قِيمَةُ الْيَدِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِئَلَّا يُجْنى عَلَيْهَا، وَفِي بَابِ السَّرِقَةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ رُبْعَ دِينَارٍ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي سَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: مُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمَا السِّيئ فِي أَخْذِهِمَا أَمْوَالِ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ مَا اسْتَعَانَا بِهِ فِي ذَلِكَ ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: تَنْكِيلًا مِنَ اللَّهِ بِهِمَا عَلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: فِي انْتِقَامِهِ ﴿حِكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَنْ تَابَ بَعْدَ سَرِقَتِهِ وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَمَّا [[في د: "وأما".]] أَمْوَالُ النَّاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ أَوْ بَدَلِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى قُطِعَ وَقَدْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بَدَلَهَا. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ: "مَا إخَاله سَرَقَ"! فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رسول الله. قال: "اذهبوا به فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ". فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: "تُبْ إِلَى اللَّهِ". فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: "تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ". [[سنن الدارقطني (٣/١٠٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به موصولا وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي.]]
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إرساله علي بن الْمَدِينِيِّ وَابْنُ خُزَيْمة [[رواه الدارقطني في السنن (٣/١٠٣) وأبو داود في المراسيل برقم (٢٤٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٣٥٨٣) من طريق سفيان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مرسلا.]] رَحِمَهُمَا اللَّهُ، رَوَى [[في أ "وقد روى".]] ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَمْرو بْنَ سَمُرة بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي! فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْكِ، أَرَدْتِ أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ. [[سنن ابن ماجة برقم (٢٥٨٨) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣١٧) : "هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة".]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ حُليًّا، فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى". فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ"! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٢٩٩) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بِهَا الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَرَقَتْنَا! قَالَ قَوْمُهَا: فَنَحْنُ نَفْدِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اقْطَعُوا يَدَهَا" فَقَالُوا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: "اقْطَعُوا يَدَهَا". قَالَ: فَقُطِعَتْ يَدُهَا الْيُمْنَى. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[المسند (٢/١٧٧) .]]
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، وَحَدِيثُهَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شأنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأَتَى بِهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟ " فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ العَشي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطعتُ يَدَهَا". ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] فحَسنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]] وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. [[صحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]]
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا عَلَى أَلْسِنَةِ جَارَاتِهَا [[في ر: "جارتها".]] وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ [[المسند (٢/١٥١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٩٥) وسنن النسائي (٨/٧٠) .]] -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَفِي لَفْظٍ لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا [[في أ: "فخذ يدها".]] فَاقْطَعْهَا" [[سنن النسائي (٨/٧١) .]]
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحْكَامِ السَّرِقَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، الْحَاكِمُ فِيهِ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [[في ر: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" وهو خطأ.]] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
5:39فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا وَآمِرًا بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفي، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا". وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مُوَافِقًا لَهَا، لَا بِهَا، بَلْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ كَانَ الْقَطْعُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فقُرِّرَ فِي الْإِسْلَامِ وَزِيدَتْ شُرُوطٌ أخَر، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا كَانَتِ الْقِسَامَةُ وَالدِّيَةُ والقرَاض وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَزِيَادَاتٌ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْمَصَالِحِ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ، قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: "دُوَيْكٌ" مَوْلًى لِبَنِي مُلَيح بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعة، كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَيُقَالُ: سَرَقَهُ قَوْمٌ فَوَضَعُوهُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ مَتَّى سَرَقَ السَّارِقُ شَيْئًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِصَابًا وَلَا حِرْزًا، بَلْ أَخَذُوا بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ نَجْدَة الحَنَفِي قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَخَاصٌّ أم عام؟ فَقَالَ: بَلْ عَامٌّ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَمَسَّكُوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَعَن اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧) .]] وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاعْتَبَرُوا النِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ فِي قَدْرِهِ، فَذَهَبَ كُلٌّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى قَوْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: النِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ خَالِصَةٍ، فَمَتَى سَرَقَهَا أَوْ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهَا فَمَا فَوْقَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَن ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦) .]]
قَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطَعَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أتْرُجَّة قُوِّمَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوم، فَقُومَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. [[الموطأ (٢/٨٣٢) .]]
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَمِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ [[في ر: "الصنع".]] يُشْتَهَرُ، وَلَمْ [[في أ: "فلم".]] يُنْكَرْ، فَمِنْ مِثْلِهِ يُحْكَى الْإِجْمَاعُ السُّكوتي، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي الثِّمَارِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خِلَافًا لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ بِرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ مِنَ الْأَثْمَانِ أَوِ الْعُرُوضِ فَصَاعِدًا. وَالْحُجَّةُ [[في ر: "أو الحجة".]] فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ [[في ر: "يقطع السارق".]] فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤) .]]
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح مسلم (١٦٨٤) .]]
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَصٌّ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ الدِّينَارِ لَا مَا سَاوَاهُ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ، لَا يُنَافِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ الدينار باثني عشر دِرْهَمًا، فَهِيَ ثَمَنُ رُبْعِ دِينَارٍ، فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَيُرْوَى هَذَا المذهبُ عَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رُبْعِ الدِّينَارِ وَالثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ مَرَدٌ شَرْعِيٌّ، فَمَنْ سَرَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ قُطِعَ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَوَقَعَ فِي لَفْظٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ" [[المسند (٦/٨٠) .]] وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ. قِيلَ [[في أ: "فقيل".]] لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ المجَن؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ. [[سنن النسائي (٨/٨٠) .]]
فَهَذِهِ كُلُّهَا نُصُوصٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وزُفَر، وَكَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ غَيْرِ مَغْشُوشَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ السَّارِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير وَعَبْدُ الْأَعْلَى [[في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ.]] وَعَنْ [[في أ: "حدثنا".]] مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به.]]
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي دُونِ ثَمَنِ المِجَن". وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق -كما ترى- وروي من أوجه أخرى كثيرة]]
قَالُوا: فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَدْ خَالَفَا ابْنَ عُمَرَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، فَالِاحْتِيَاطُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يدُ السَّارِقِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمُتُهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، يُحْكَى هَذَا عَنْ علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَِي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ، أَيْ: فِي خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَيُنْقُلُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَسْرقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ التَّارِيخِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السُّفُنِ، قَالَهُ الْأَعْمَشُ فِيمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا وَسِيلَةٌ إِلَى التَّدَرُّجِ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ يَدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ عَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كَانُوا يَقْطَعُونَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَلَعَنَ السَّارِقَ الَّذِي يَبْذُلُ يَدَهُ الثَّمِينَةَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَهِينَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا الْعَلَاءِ المَعرِّي، لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ، اشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ إِشْكَالًا عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي جَعْلِهِمْ نِصَابَ السَّرِقَةِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِ فَقَالَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وديَتُ [[في ر، أ: "فديت".]] مَا بِالُهَا قُطعَتْ فِي رُبْع دِينَارِ ...
تَناقض مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ ... وَأَنْ نَعُوذ بمَوْلانا مِنَ النارِ [[رواهما الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/٣٠) .]]
وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ تَطَلّبه [[في أ: "فطلبه".]] الْفُقَهَاءُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ جَوَابُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ نَاسِبٌ أَنْ تَعْظُمَ قِيمَةُ الْيَدِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِئَلَّا يُجْنى عَلَيْهَا، وَفِي بَابِ السَّرِقَةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ رُبْعَ دِينَارٍ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي سَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: مُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمَا السِّيئ فِي أَخْذِهِمَا أَمْوَالِ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ مَا اسْتَعَانَا بِهِ فِي ذَلِكَ ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: تَنْكِيلًا مِنَ اللَّهِ بِهِمَا عَلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: فِي انْتِقَامِهِ ﴿حِكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَنْ تَابَ بَعْدَ سَرِقَتِهِ وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَمَّا [[في د: "وأما".]] أَمْوَالُ النَّاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ أَوْ بَدَلِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى قُطِعَ وَقَدْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بَدَلَهَا. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ: "مَا إخَاله سَرَقَ"! فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رسول الله. قال: "اذهبوا به فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ". فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: "تُبْ إِلَى اللَّهِ". فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: "تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ". [[سنن الدارقطني (٣/١٠٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به موصولا وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي.]]
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إرساله علي بن الْمَدِينِيِّ وَابْنُ خُزَيْمة [[رواه الدارقطني في السنن (٣/١٠٣) وأبو داود في المراسيل برقم (٢٤٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٣٥٨٣) من طريق سفيان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مرسلا.]] رَحِمَهُمَا اللَّهُ، رَوَى [[في أ "وقد روى".]] ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَمْرو بْنَ سَمُرة بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي! فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْكِ، أَرَدْتِ أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ. [[سنن ابن ماجة برقم (٢٥٨٨) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣١٧) : "هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة".]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ حُليًّا، فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى". فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ"! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٢٩٩) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بِهَا الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَرَقَتْنَا! قَالَ قَوْمُهَا: فَنَحْنُ نَفْدِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اقْطَعُوا يَدَهَا" فَقَالُوا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: "اقْطَعُوا يَدَهَا". قَالَ: فَقُطِعَتْ يَدُهَا الْيُمْنَى. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[المسند (٢/١٧٧) .]]
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، وَحَدِيثُهَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شأنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأَتَى بِهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟ " فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ العَشي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطعتُ يَدَهَا". ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] فحَسنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]] وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. [[صحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]]
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا عَلَى أَلْسِنَةِ جَارَاتِهَا [[في ر: "جارتها".]] وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ [[المسند (٢/١٥١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٩٥) وسنن النسائي (٨/٧٠) .]] -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَفِي لَفْظٍ لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا [[في أ: "فخذ يدها".]] فَاقْطَعْهَا" [[سنن النسائي (٨/٧١) .]]
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحْكَامِ السَّرِقَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، الْحَاكِمُ فِيهِ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [[في ر: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" وهو خطأ.]] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
5:40أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا وَآمِرًا بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفي، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا". وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ مُوَافِقًا لَهَا، لَا بِهَا، بَلْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ كَانَ الْقَطْعُ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فقُرِّرَ فِي الْإِسْلَامِ وَزِيدَتْ شُرُوطٌ أخَر، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا كَانَتِ الْقِسَامَةُ وَالدِّيَةُ والقرَاض وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَزِيَادَاتٌ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْمَصَالِحِ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ، قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: "دُوَيْكٌ" مَوْلًى لِبَنِي مُلَيح بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعة، كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَيُقَالُ: سَرَقَهُ قَوْمٌ فَوَضَعُوهُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ مَتَّى سَرَقَ السَّارِقُ شَيْئًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِصَابًا وَلَا حِرْزًا، بَلْ أَخَذُوا بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ نَجْدَة الحَنَفِي قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَخَاصٌّ أم عام؟ فَقَالَ: بَلْ عَامٌّ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَمَسَّكُوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَعَن اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٧) .]] وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاعْتَبَرُوا النِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ فِي قَدْرِهِ، فَذَهَبَ كُلٌّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى قَوْلٍ عَلَى حِدَةٍ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: النِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ خَالِصَةٍ، فَمَتَى سَرَقَهَا أَوْ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهَا فَمَا فَوْقَهَا وَجَبَ الْقَطْعُ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَن ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٦) .]]
قَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطَعَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أتْرُجَّة قُوِّمَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرة بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوم، فَقُومَت بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ. [[الموطأ (٢/٨٣٢) .]]
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَمِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ [[في ر: "الصنع".]] يُشْتَهَرُ، وَلَمْ [[في أ: "فلم".]] يُنْكَرْ، فَمِنْ مِثْلِهِ يُحْكَى الْإِجْمَاعُ السُّكوتي، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي الثِّمَارِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خِلَافًا لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ بِرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ مِنَ الْأَثْمَانِ أَوِ الْعُرُوضِ فَصَاعِدًا. وَالْحُجَّةُ [[في ر: "أو الحجة".]] فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ [[في ر: "يقطع السارق".]] فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح البخاري برقم (٦٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٤) .]]
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". [[صحيح مسلم (١٦٨٤) .]]
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَصٌّ فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ الدِّينَارِ لَا مَا سَاوَاهُ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ، لَا يُنَافِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ الدينار باثني عشر دِرْهَمًا، فَهِيَ ثَمَنُ رُبْعِ دِينَارٍ، فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَيُرْوَى هَذَا المذهبُ عَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رُبْعِ الدِّينَارِ وَالثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ مَرَدٌ شَرْعِيٌّ، فَمَنْ سَرَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ قُطِعَ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَوَقَعَ فِي لَفْظٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ" [[المسند (٦/٨٠) .]] وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ. قِيلَ [[في أ: "فقيل".]] لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ المجَن؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ. [[سنن النسائي (٨/٨٠) .]]
فَهَذِهِ كُلُّهَا نُصُوصٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وزُفَر، وَكَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ غَيْرِ مَغْشُوشَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ السَّارِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير وَعَبْدُ الْأَعْلَى [[في أ: "بن عبد الأعلى" وهو خطأ.]] وَعَنْ [[في أ: "حدثنا".]] مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩١) من طريق محمد بن إسحاق به.]]
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي دُونِ ثَمَنِ المِجَن". وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. [[المصنف (٩/٤٧٤) ورواه الدارقطني في السنن (٣/١٩٠) من طريق محمد بن إسحاق به، والحديث مضطرب، اختلف فيه على محمد بن إسحاق -كما ترى- وروي من أوجه أخرى كثيرة]]
قَالُوا: فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَدْ خَالَفَا ابْنَ عُمَرَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، فَالِاحْتِيَاطُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يدُ السَّارِقِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمُتُهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، يُحْكَى هَذَا عَنْ علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَِي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ، أَيْ: فِي خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَيُنْقُلُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَسْرقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ التَّارِيخِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السُّفُنِ، قَالَهُ الْأَعْمَشُ فِيمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا وَسِيلَةٌ إِلَى التَّدَرُّجِ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ يَدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ عَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كَانُوا يَقْطَعُونَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَلَعَنَ السَّارِقَ الَّذِي يَبْذُلُ يَدَهُ الثَّمِينَةَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَهِينَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا الْعَلَاءِ المَعرِّي، لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ، اشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ إِشْكَالًا عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي جَعْلِهِمْ نِصَابَ السَّرِقَةِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِ فَقَالَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وديَتُ [[في ر، أ: "فديت".]] مَا بِالُهَا قُطعَتْ فِي رُبْع دِينَارِ ...
تَناقض مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ ... وَأَنْ نَعُوذ بمَوْلانا مِنَ النارِ [[رواهما الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/٣٠) .]]
وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ تَطَلّبه [[في أ: "فطلبه".]] الْفُقَهَاءُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ جَوَابُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ نَاسِبٌ أَنْ تَعْظُمَ قِيمَةُ الْيَدِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِئَلَّا يُجْنى عَلَيْهَا، وَفِي بَابِ السَّرِقَةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ رُبْعَ دِينَارٍ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي سَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: مُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمَا السِّيئ فِي أَخْذِهِمَا أَمْوَالِ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ مَا اسْتَعَانَا بِهِ فِي ذَلِكَ ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: تَنْكِيلًا مِنَ اللَّهِ بِهِمَا عَلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: فِي انْتِقَامِهِ ﴿حِكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَنْ تَابَ بَعْدَ سَرِقَتِهِ وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَمَّا [[في د: "وأما".]] أَمْوَالُ النَّاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ أَوْ بَدَلِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى قُطِعَ وَقَدْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بَدَلَهَا. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ: "مَا إخَاله سَرَقَ"! فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رسول الله. قال: "اذهبوا به فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ". فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: "تُبْ إِلَى اللَّهِ". فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: "تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ". [[سنن الدارقطني (٣/١٠٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٨١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به موصولا وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي.]]
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إرساله علي بن الْمَدِينِيِّ وَابْنُ خُزَيْمة [[رواه الدارقطني في السنن (٣/١٠٣) وأبو داود في المراسيل برقم (٢٤٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٣٥٨٣) من طريق سفيان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مرسلا.]] رَحِمَهُمَا اللَّهُ، رَوَى [[في أ "وقد روى".]] ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَمْرو بْنَ سَمُرة بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي! فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْكِ، أَرَدْتِ أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ. [[سنن ابن ماجة برقم (٢٥٨٨) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣١٧) : "هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة".]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ حُليًّا، فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى". فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ"! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٢٩٩) .]]
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي حُيَي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بِهَا الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَرَقَتْنَا! قَالَ قَوْمُهَا: فَنَحْنُ نَفْدِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اقْطَعُوا يَدَهَا" فَقَالُوا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: "اقْطَعُوا يَدَهَا". قَالَ: فَقُطِعَتْ يَدُهَا الْيُمْنَى. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[المسند (٢/١٧٧) .]]
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، وَحَدِيثُهَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شأنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأَتَى بِهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟ " فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ العَشي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطعتُ يَدَهَا". ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] فحَسنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]] وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. [[صحيح مسلم برقم (١٦٨٨) .]]
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا عَلَى أَلْسِنَةِ جَارَاتِهَا [[في ر: "جارتها".]] وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ [[المسند (٢/١٥١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٩٥) وسنن النسائي (٨/٧٠) .]] -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَفِي لَفْظٍ لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا [[في أ: "فخذ يدها".]] فَاقْطَعْهَا" [[سنن النسائي (٨/٧١) .]]
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحْكَامِ السَّرِقَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، الْحَاكِمُ فِيهِ، الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [[في ر: "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" وهو خطأ.]] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
5:41۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي الْمُسَارِعِينَ فِي الْكُفْرِ، الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُقَدِّمِينَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى شَرَائِعِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ خَرَابٌ خَاوِيَةٌ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ [[في د، أ: "مستجيبون".]] لَهُ، مُنْفَعِلُونَ عَنْهُ ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لِأَقْوَامٍ آخَرِينَ لَا يَأْتُونَ [[في أ: "لم يأتون" وهو خطأ؛ لأن الفعل مجزوم.]] مَجْلِسَكَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّعُونَ الْكَلَامَ، ويُنْهُونه إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لَا يَحْضُرُ عِنْدَكَ، مِنْ أَعْدَائِكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [[في أ: "من بعض" وهو خطأ.]] أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُبَدِّلُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَتَلُوا قَتِيلًا وَقَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِالدِّيَةِ فَخُذُوا مَا قَالَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ فَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اليهوديَّيْن [[في أ: "في اليهود".]] اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَكَانُوا قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، مِنَ الْأَمْرِ بِرَجْمِ مَنْ أحْصن مِنْهُمْ، فَحَرَّفُوا وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْجَلْدِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَالتَّحْمِيمِ وَالْإِرْكَابِ عَلَى حِمَارٍ مَقْلُوبَيْنِ. فَلَمَّا وَقَعَتْ تِلْكَ الْكَائِنَةُ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلَا تَتَّبِعُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جُاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدون. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ [[في ر: "فقال".]] مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا [[في ر، أ: "قالوا".]] صَدَقَ [[في أ: "صدقت".]] يا محمد، فيها آيَةُ الرَّجْمِ! فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا [[في ر: "فرجمهما".]] فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْني عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيَهَا الْحِجَارَةَ.
وَأَخْرَجَاهُ [[الموطأ (٢/٨١٩) وصحيح البخاري برقم (٣٦٣٥، ٦٨٤١) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]] وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "فَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ " قَالُوا: نُسخّم وُجُوهَهُمَا ونُخْزِيهما. قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٩٣] فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أعورَ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمَهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجما. [[صحيح البخاري برقم (٧٥٤٣) .]]
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتى بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُود، فَقَالَ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ " قَالُوا: نُسَوّد وُجُوهَهُمَا ونُحَمّلهما، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ويُطَاف بِهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَأُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام -وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرْه فلْيرفع يَدَهُ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجما. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدثه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فدعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى القُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المِدْارس، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَاحْكُمْ قَالَ: وَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ، وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: "آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. [[سنن أبي داود برقم (٤٤٤٩) .]]
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مَنَّ مُزَيْنَة، مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْارسهم، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: "أنْشُدكم بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أحْصنَ؟ قَالُوا: يُحَمَّم، ويُجبَّه وَيُجْلَدُ. وَالتَّجْبِيَةُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَتُقَابِلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بهما. قال: وسكت شاب مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَكَتَ، ألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّشْدة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَمَا أَوَّلَ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ " قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا، فأخَّر عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ رَجْمَهُ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمُهُ! فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ" فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[المسند برقم (٧٧٤٧) ط (شاكر) وسنن أبي داود برقم (٤٤٥٠) وتفسير الطبري (١٠/٣٠٥) وانظر: حاشية العلامة أحمد شاكر على المسند.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ محمَّم مَجْلُودٌ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشريفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيع، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلَدِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ [[في أ: "النصارى".]] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٢١٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيدي فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنْ مُجالد بْنِ [[في ر: "عن".]] سَعِيدٍ الهَمْدَاني، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَدَك، فَكَتَبَ أَهْلُ فَدَكَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، تَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَرْسِلُوا إِلَيَّ أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ". فَجَاءُوا بِرَجُلٍ أَعْوَرَ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيَا-وَآخَرَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ قَبَلَكُمَا؟ ". فَقَالَا قَدْ دَعَانَا قَوْمُنَا لِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا: "أَلَيْسَ عِنْدَكُمَا التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؟ " قَالَا بَلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي فَلَق الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وظَلّل عَلَيْكُمُ الغَمام، وَأَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْزَلَ الْمَنَّ والسَّلْوى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا نُشدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ. قَالَا نَجْدُ تَرْدَادَ النَّظَرِ زَنْيَةً وَالِاعْتِنَاقَ زَنْيَةً، وَالْقُبَلَ زَنْيَةً، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، كَمَا يَدْخُلُ الْمَيْلَ فِي المُكْحُلة، فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هُوَ ذَاكَ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [[مسند الحميدي (٢/٥٤١) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُجالد، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٣٢٨) .]] نَحْوَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ". فَأَتَوْا بِابْنَيْ صُورِيَا، فَنَشَدَهُمَا: "كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ؟ " قَالَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي المُكْحُلة رُجِمَا، قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ " قَالَا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا أَرْبَعَةً، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٣) .]] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: "فَدَعَا بِالشُّهُودِ [[في ر: "الشهود".]] فَشَهِدُوا".
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ [[في أ: "الأحاديث".]] دَالَّةٌ علي أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "الله تعالى".]] إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسُؤَالُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقْرِرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا [[في ر: "تواصوا".]] عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ [[في ر: "العلم".]] بِهِ تِلْكَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِهِ مَعَ عَملهم [[في ر: "علمهم".]] عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وَعِنَادَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَعُدُولِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وَشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ لِهَذَا قَالُوا [[في ر: "قال".]] ﴿إِنْ﴾ [[في ر: "وإن".]] أُوتِيتُمْ هَذَا وَالتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أَيِ: اقْبَلُوهُ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أَيْ: مِنْ قَبُولِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾
أَيِ: الْبَاطِلُ ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَيِ: الْحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[في ر: "ذلك".]] أَيْ: وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ؟ وَأَنَّى يَسْتَجِيبُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أَيْ: يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْكَ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أَيْ: فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ، بَلْ مَا وَافَقَ [[في أ: "ما يوافق".]] هَوَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٩] ، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَإِنْ كَانُوا ظَلَمَةً خَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ [[في ر: "الطريق".]] الْعَدْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِي آرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَمَقَاصِدِهِمُ [[في ر، أ: "وقصودهم".]] الزَّائِغَةِ، فِي تَرْكِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِهِ وَعَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بُطْلَانَهُ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُمْ -فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
ثُمَّ مَدَحَ التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا وَلَا يُبَدِّلُونَهَا وَلَا يُحَرِّفُونَهَا ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُمُ الْعِبَادُ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَحْبَارُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ [[في أ: "أي: وكذلك الربانيون والأحبار، وهم العلماء والعباد".]] ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يُظْهِرُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ وَخَافُونِي [[في ر، أ: "وخافوا مني".]] ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا. سَبَبٌ آخَرُ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ. [[في أ: "الكريمات".]]
قَالَ [[في ر: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبيد اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٧] [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الْأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى ارْتَضَوْا أَوِ اصْطَلَحُوا [[في ر: " ارتضوا واصطلحوا".]] عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فديته خمسون وَسَقا، وَكُلُّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا، لِمَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَوْمَئِذَ لَمْ يَظْهَرْ، وَلَمْ يُوَطِّئْهُمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ [[في أ: "وهم".]] فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ: أَنِ ابْعَثُوا لَنَا بِمِائَةٍ وَسْقٍ، فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ، وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ: دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ. إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وفَرقًا مِنْكُمْ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا [[في ر: "جعلوا".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ [[في أ: "والله يا محمد نعطيكم منهم ضعفا ما يعطيكم منكم".]] وَلَقَدْ صَدَقُوا، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدَسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ: مَنْ يَخْبُر لَكُمْ رَأْيَهُ، إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكمتموه وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حُذّرتم فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ. فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ ليَخْبُروا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جَاءُوا [[في ر، أ: "جاء".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فَفِيهِمْ -وَاللَّهِ-أُنْزِلَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. [[المسند (١/٢٤٦) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو كُرَيْب [[في أ: "وابن كريب".]] قَالَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق، حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ الْآيَاتِ فِي "الْمَائِدَةِ"، قَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] فِي الدِّيَةِ فِي بَنِي النَّضير وَبَنِي قُرَيْظَة، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى [[في ر: "قتل".]] بَنِي النَّضِيرِ، كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، تُؤدَى الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَنْ قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْن نِصْفَ الدِّيَةِ فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً-وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ. [[في أ: "إسحاق به".]] [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٦) والمسند (١/٣٦٣) وسنن أبي داود برقم (٣٥٩١) وسنن النسائي (٨/١٩) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ [[في ر: "وللنضير".]] وَكَانَتِ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرٍ. فَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا [[في ر: "إليه".]] فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرِكِ، مِنْ حديث عبيد الله بن موسى، بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩٤) وسنن النسائي (٨/١٨) والمستدرك (٤/٣٦٦)]]
وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان، وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدْ رَوَى العَوْفِيّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ اجْتَمَعَ هَذَانِ السَّبَبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [[في أ: "بالعين والأنف".]] إِلَى آخِرِهَا، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ [[في ر، أ: "في".]] سَبَبَ النُّزُولِ قَضِيَّةُ الْقِصَاصِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مِجْلزٍ، وَأَبُو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ -زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ [[في ر: "عبد الوارث".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَضِيَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا. رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيل، عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوقٍ [[في ر: "عن مسروق".]] أَنَّهُمَا سَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الرِّشْوَةِ فَقَالَ: مِنَ السُّحْت: قَالَ: فَقَالَا وَفِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: ذَاكَ الْكُفْرُ! ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزلتُ [[في أ: "أنزل الله".]] فَتَرَكَهُ عَمْدًا، أَوْ جَارَ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ [بِهِ] [[زيادة من أ.]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، أَوْ مَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
قَالَ: هَذَا فِي الْيَهُودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي النَّصَارَى.
وَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْم وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: هِيَ بِهِ كُفرٌ -قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج [[في ر: "جرير".]] عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٥٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَير، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
5:42سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي الْمُسَارِعِينَ فِي الْكُفْرِ، الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُقَدِّمِينَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى شَرَائِعِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ خَرَابٌ خَاوِيَةٌ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ [[في د، أ: "مستجيبون".]] لَهُ، مُنْفَعِلُونَ عَنْهُ ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لِأَقْوَامٍ آخَرِينَ لَا يَأْتُونَ [[في أ: "لم يأتون" وهو خطأ؛ لأن الفعل مجزوم.]] مَجْلِسَكَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّعُونَ الْكَلَامَ، ويُنْهُونه إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لَا يَحْضُرُ عِنْدَكَ، مِنْ أَعْدَائِكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [[في أ: "من بعض" وهو خطأ.]] أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُبَدِّلُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَتَلُوا قَتِيلًا وَقَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِالدِّيَةِ فَخُذُوا مَا قَالَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ فَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اليهوديَّيْن [[في أ: "في اليهود".]] اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَكَانُوا قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، مِنَ الْأَمْرِ بِرَجْمِ مَنْ أحْصن مِنْهُمْ، فَحَرَّفُوا وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْجَلْدِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَالتَّحْمِيمِ وَالْإِرْكَابِ عَلَى حِمَارٍ مَقْلُوبَيْنِ. فَلَمَّا وَقَعَتْ تِلْكَ الْكَائِنَةُ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلَا تَتَّبِعُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جُاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدون. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ [[في ر: "فقال".]] مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا [[في ر، أ: "قالوا".]] صَدَقَ [[في أ: "صدقت".]] يا محمد، فيها آيَةُ الرَّجْمِ! فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا [[في ر: "فرجمهما".]] فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْني عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيَهَا الْحِجَارَةَ.
وَأَخْرَجَاهُ [[الموطأ (٢/٨١٩) وصحيح البخاري برقم (٣٦٣٥، ٦٨٤١) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]] وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "فَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ " قَالُوا: نُسخّم وُجُوهَهُمَا ونُخْزِيهما. قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٩٣] فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أعورَ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمَهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجما. [[صحيح البخاري برقم (٧٥٤٣) .]]
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتى بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُود، فَقَالَ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ " قَالُوا: نُسَوّد وُجُوهَهُمَا ونُحَمّلهما، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ويُطَاف بِهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَأُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام -وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرْه فلْيرفع يَدَهُ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجما. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدثه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فدعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى القُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المِدْارس، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَاحْكُمْ قَالَ: وَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ، وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: "آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. [[سنن أبي داود برقم (٤٤٤٩) .]]
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مَنَّ مُزَيْنَة، مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْارسهم، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: "أنْشُدكم بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أحْصنَ؟ قَالُوا: يُحَمَّم، ويُجبَّه وَيُجْلَدُ. وَالتَّجْبِيَةُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَتُقَابِلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بهما. قال: وسكت شاب مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَكَتَ، ألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّشْدة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَمَا أَوَّلَ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ " قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا، فأخَّر عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ رَجْمَهُ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمُهُ! فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ" فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[المسند برقم (٧٧٤٧) ط (شاكر) وسنن أبي داود برقم (٤٤٥٠) وتفسير الطبري (١٠/٣٠٥) وانظر: حاشية العلامة أحمد شاكر على المسند.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ محمَّم مَجْلُودٌ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشريفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيع، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلَدِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ [[في أ: "النصارى".]] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٢١٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيدي فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنْ مُجالد بْنِ [[في ر: "عن".]] سَعِيدٍ الهَمْدَاني، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَدَك، فَكَتَبَ أَهْلُ فَدَكَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، تَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَرْسِلُوا إِلَيَّ أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ". فَجَاءُوا بِرَجُلٍ أَعْوَرَ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيَا-وَآخَرَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ قَبَلَكُمَا؟ ". فَقَالَا قَدْ دَعَانَا قَوْمُنَا لِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا: "أَلَيْسَ عِنْدَكُمَا التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؟ " قَالَا بَلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي فَلَق الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وظَلّل عَلَيْكُمُ الغَمام، وَأَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْزَلَ الْمَنَّ والسَّلْوى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا نُشدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ. قَالَا نَجْدُ تَرْدَادَ النَّظَرِ زَنْيَةً وَالِاعْتِنَاقَ زَنْيَةً، وَالْقُبَلَ زَنْيَةً، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، كَمَا يَدْخُلُ الْمَيْلَ فِي المُكْحُلة، فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هُوَ ذَاكَ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [[مسند الحميدي (٢/٥٤١) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُجالد، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٣٢٨) .]] نَحْوَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ". فَأَتَوْا بِابْنَيْ صُورِيَا، فَنَشَدَهُمَا: "كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ؟ " قَالَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي المُكْحُلة رُجِمَا، قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ " قَالَا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا أَرْبَعَةً، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٣) .]] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: "فَدَعَا بِالشُّهُودِ [[في ر: "الشهود".]] فَشَهِدُوا".
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ [[في أ: "الأحاديث".]] دَالَّةٌ علي أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "الله تعالى".]] إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسُؤَالُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقْرِرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا [[في ر: "تواصوا".]] عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ [[في ر: "العلم".]] بِهِ تِلْكَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِهِ مَعَ عَملهم [[في ر: "علمهم".]] عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وَعِنَادَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَعُدُولِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وَشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ لِهَذَا قَالُوا [[في ر: "قال".]] ﴿إِنْ﴾ [[في ر: "وإن".]] أُوتِيتُمْ هَذَا وَالتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أَيِ: اقْبَلُوهُ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أَيْ: مِنْ قَبُولِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾
أَيِ: الْبَاطِلُ ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَيِ: الْحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[في ر: "ذلك".]] أَيْ: وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ؟ وَأَنَّى يَسْتَجِيبُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أَيْ: يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْكَ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أَيْ: فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ، بَلْ مَا وَافَقَ [[في أ: "ما يوافق".]] هَوَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٩] ، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَإِنْ كَانُوا ظَلَمَةً خَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ [[في ر: "الطريق".]] الْعَدْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِي آرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَمَقَاصِدِهِمُ [[في ر، أ: "وقصودهم".]] الزَّائِغَةِ، فِي تَرْكِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِهِ وَعَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بُطْلَانَهُ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُمْ -فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
ثُمَّ مَدَحَ التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا وَلَا يُبَدِّلُونَهَا وَلَا يُحَرِّفُونَهَا ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُمُ الْعِبَادُ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَحْبَارُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ [[في أ: "أي: وكذلك الربانيون والأحبار، وهم العلماء والعباد".]] ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يُظْهِرُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ وَخَافُونِي [[في ر، أ: "وخافوا مني".]] ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا. سَبَبٌ آخَرُ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ. [[في أ: "الكريمات".]]
قَالَ [[في ر: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبيد اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٧] [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الْأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى ارْتَضَوْا أَوِ اصْطَلَحُوا [[في ر: " ارتضوا واصطلحوا".]] عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فديته خمسون وَسَقا، وَكُلُّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا، لِمَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَوْمَئِذَ لَمْ يَظْهَرْ، وَلَمْ يُوَطِّئْهُمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ [[في أ: "وهم".]] فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ: أَنِ ابْعَثُوا لَنَا بِمِائَةٍ وَسْقٍ، فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ، وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ: دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ. إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وفَرقًا مِنْكُمْ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا [[في ر: "جعلوا".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ [[في أ: "والله يا محمد نعطيكم منهم ضعفا ما يعطيكم منكم".]] وَلَقَدْ صَدَقُوا، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدَسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ: مَنْ يَخْبُر لَكُمْ رَأْيَهُ، إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكمتموه وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حُذّرتم فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ. فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ ليَخْبُروا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جَاءُوا [[في ر، أ: "جاء".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فَفِيهِمْ -وَاللَّهِ-أُنْزِلَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. [[المسند (١/٢٤٦) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو كُرَيْب [[في أ: "وابن كريب".]] قَالَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق، حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ الْآيَاتِ فِي "الْمَائِدَةِ"، قَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] فِي الدِّيَةِ فِي بَنِي النَّضير وَبَنِي قُرَيْظَة، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى [[في ر: "قتل".]] بَنِي النَّضِيرِ، كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، تُؤدَى الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَنْ قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْن نِصْفَ الدِّيَةِ فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً-وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ. [[في أ: "إسحاق به".]] [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٦) والمسند (١/٣٦٣) وسنن أبي داود برقم (٣٥٩١) وسنن النسائي (٨/١٩) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ [[في ر: "وللنضير".]] وَكَانَتِ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرٍ. فَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا [[في ر: "إليه".]] فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرِكِ، مِنْ حديث عبيد الله بن موسى، بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩٤) وسنن النسائي (٨/١٨) والمستدرك (٤/٣٦٦)]]
وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان، وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدْ رَوَى العَوْفِيّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ اجْتَمَعَ هَذَانِ السَّبَبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [[في أ: "بالعين والأنف".]] إِلَى آخِرِهَا، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ [[في ر، أ: "في".]] سَبَبَ النُّزُولِ قَضِيَّةُ الْقِصَاصِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مِجْلزٍ، وَأَبُو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ -زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ [[في ر: "عبد الوارث".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَضِيَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا. رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيل، عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوقٍ [[في ر: "عن مسروق".]] أَنَّهُمَا سَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الرِّشْوَةِ فَقَالَ: مِنَ السُّحْت: قَالَ: فَقَالَا وَفِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: ذَاكَ الْكُفْرُ! ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزلتُ [[في أ: "أنزل الله".]] فَتَرَكَهُ عَمْدًا، أَوْ جَارَ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ [بِهِ] [[زيادة من أ.]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، أَوْ مَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
قَالَ: هَذَا فِي الْيَهُودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي النَّصَارَى.
وَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْم وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: هِيَ بِهِ كُفرٌ -قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج [[في ر: "جرير".]] عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٥٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَير، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
5:43وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي الْمُسَارِعِينَ فِي الْكُفْرِ، الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُقَدِّمِينَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى شَرَائِعِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ خَرَابٌ خَاوِيَةٌ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ [[في د، أ: "مستجيبون".]] لَهُ، مُنْفَعِلُونَ عَنْهُ ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لِأَقْوَامٍ آخَرِينَ لَا يَأْتُونَ [[في أ: "لم يأتون" وهو خطأ؛ لأن الفعل مجزوم.]] مَجْلِسَكَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّعُونَ الْكَلَامَ، ويُنْهُونه إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لَا يَحْضُرُ عِنْدَكَ، مِنْ أَعْدَائِكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [[في أ: "من بعض" وهو خطأ.]] أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُبَدِّلُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَتَلُوا قَتِيلًا وَقَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِالدِّيَةِ فَخُذُوا مَا قَالَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ فَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اليهوديَّيْن [[في أ: "في اليهود".]] اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَكَانُوا قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، مِنَ الْأَمْرِ بِرَجْمِ مَنْ أحْصن مِنْهُمْ، فَحَرَّفُوا وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْجَلْدِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَالتَّحْمِيمِ وَالْإِرْكَابِ عَلَى حِمَارٍ مَقْلُوبَيْنِ. فَلَمَّا وَقَعَتْ تِلْكَ الْكَائِنَةُ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلَا تَتَّبِعُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جُاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدون. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ [[في ر: "فقال".]] مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا [[في ر، أ: "قالوا".]] صَدَقَ [[في أ: "صدقت".]] يا محمد، فيها آيَةُ الرَّجْمِ! فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا [[في ر: "فرجمهما".]] فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْني عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيَهَا الْحِجَارَةَ.
وَأَخْرَجَاهُ [[الموطأ (٢/٨١٩) وصحيح البخاري برقم (٣٦٣٥، ٦٨٤١) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]] وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "فَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ " قَالُوا: نُسخّم وُجُوهَهُمَا ونُخْزِيهما. قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٩٣] فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أعورَ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمَهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجما. [[صحيح البخاري برقم (٧٥٤٣) .]]
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتى بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُود، فَقَالَ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ " قَالُوا: نُسَوّد وُجُوهَهُمَا ونُحَمّلهما، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ويُطَاف بِهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَأُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام -وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرْه فلْيرفع يَدَهُ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجما. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدثه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فدعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى القُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المِدْارس، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَاحْكُمْ قَالَ: وَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ، وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: "آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. [[سنن أبي داود برقم (٤٤٤٩) .]]
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مَنَّ مُزَيْنَة، مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْارسهم، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: "أنْشُدكم بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أحْصنَ؟ قَالُوا: يُحَمَّم، ويُجبَّه وَيُجْلَدُ. وَالتَّجْبِيَةُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَتُقَابِلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بهما. قال: وسكت شاب مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَكَتَ، ألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّشْدة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَمَا أَوَّلَ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ " قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا، فأخَّر عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ رَجْمَهُ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمُهُ! فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ" فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[المسند برقم (٧٧٤٧) ط (شاكر) وسنن أبي داود برقم (٤٤٥٠) وتفسير الطبري (١٠/٣٠٥) وانظر: حاشية العلامة أحمد شاكر على المسند.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ محمَّم مَجْلُودٌ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشريفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيع، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلَدِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ [[في أ: "النصارى".]] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٢١٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيدي فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنْ مُجالد بْنِ [[في ر: "عن".]] سَعِيدٍ الهَمْدَاني، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَدَك، فَكَتَبَ أَهْلُ فَدَكَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، تَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَرْسِلُوا إِلَيَّ أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ". فَجَاءُوا بِرَجُلٍ أَعْوَرَ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيَا-وَآخَرَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ قَبَلَكُمَا؟ ". فَقَالَا قَدْ دَعَانَا قَوْمُنَا لِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا: "أَلَيْسَ عِنْدَكُمَا التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؟ " قَالَا بَلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي فَلَق الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وظَلّل عَلَيْكُمُ الغَمام، وَأَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْزَلَ الْمَنَّ والسَّلْوى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا نُشدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ. قَالَا نَجْدُ تَرْدَادَ النَّظَرِ زَنْيَةً وَالِاعْتِنَاقَ زَنْيَةً، وَالْقُبَلَ زَنْيَةً، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، كَمَا يَدْخُلُ الْمَيْلَ فِي المُكْحُلة، فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هُوَ ذَاكَ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [[مسند الحميدي (٢/٥٤١) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُجالد، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٣٢٨) .]] نَحْوَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ". فَأَتَوْا بِابْنَيْ صُورِيَا، فَنَشَدَهُمَا: "كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ؟ " قَالَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي المُكْحُلة رُجِمَا، قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ " قَالَا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا أَرْبَعَةً، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٣) .]] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: "فَدَعَا بِالشُّهُودِ [[في ر: "الشهود".]] فَشَهِدُوا".
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ [[في أ: "الأحاديث".]] دَالَّةٌ علي أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "الله تعالى".]] إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسُؤَالُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقْرِرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا [[في ر: "تواصوا".]] عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ [[في ر: "العلم".]] بِهِ تِلْكَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِهِ مَعَ عَملهم [[في ر: "علمهم".]] عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وَعِنَادَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَعُدُولِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وَشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ لِهَذَا قَالُوا [[في ر: "قال".]] ﴿إِنْ﴾ [[في ر: "وإن".]] أُوتِيتُمْ هَذَا وَالتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أَيِ: اقْبَلُوهُ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أَيْ: مِنْ قَبُولِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾
أَيِ: الْبَاطِلُ ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَيِ: الْحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[في ر: "ذلك".]] أَيْ: وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ؟ وَأَنَّى يَسْتَجِيبُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أَيْ: يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْكَ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أَيْ: فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ، بَلْ مَا وَافَقَ [[في أ: "ما يوافق".]] هَوَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٩] ، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَإِنْ كَانُوا ظَلَمَةً خَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ [[في ر: "الطريق".]] الْعَدْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِي آرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَمَقَاصِدِهِمُ [[في ر، أ: "وقصودهم".]] الزَّائِغَةِ، فِي تَرْكِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِهِ وَعَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بُطْلَانَهُ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُمْ -فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
ثُمَّ مَدَحَ التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا وَلَا يُبَدِّلُونَهَا وَلَا يُحَرِّفُونَهَا ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُمُ الْعِبَادُ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَحْبَارُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ [[في أ: "أي: وكذلك الربانيون والأحبار، وهم العلماء والعباد".]] ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يُظْهِرُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ وَخَافُونِي [[في ر، أ: "وخافوا مني".]] ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا. سَبَبٌ آخَرُ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ. [[في أ: "الكريمات".]]
قَالَ [[في ر: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبيد اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٧] [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الْأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى ارْتَضَوْا أَوِ اصْطَلَحُوا [[في ر: " ارتضوا واصطلحوا".]] عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فديته خمسون وَسَقا، وَكُلُّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا، لِمَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَوْمَئِذَ لَمْ يَظْهَرْ، وَلَمْ يُوَطِّئْهُمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ [[في أ: "وهم".]] فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ: أَنِ ابْعَثُوا لَنَا بِمِائَةٍ وَسْقٍ، فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ، وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ: دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ. إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وفَرقًا مِنْكُمْ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا [[في ر: "جعلوا".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ [[في أ: "والله يا محمد نعطيكم منهم ضعفا ما يعطيكم منكم".]] وَلَقَدْ صَدَقُوا، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدَسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ: مَنْ يَخْبُر لَكُمْ رَأْيَهُ، إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكمتموه وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حُذّرتم فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ. فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ ليَخْبُروا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جَاءُوا [[في ر، أ: "جاء".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فَفِيهِمْ -وَاللَّهِ-أُنْزِلَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. [[المسند (١/٢٤٦) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو كُرَيْب [[في أ: "وابن كريب".]] قَالَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق، حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ الْآيَاتِ فِي "الْمَائِدَةِ"، قَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] فِي الدِّيَةِ فِي بَنِي النَّضير وَبَنِي قُرَيْظَة، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى [[في ر: "قتل".]] بَنِي النَّضِيرِ، كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، تُؤدَى الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَنْ قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْن نِصْفَ الدِّيَةِ فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً-وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ. [[في أ: "إسحاق به".]] [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٦) والمسند (١/٣٦٣) وسنن أبي داود برقم (٣٥٩١) وسنن النسائي (٨/١٩) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ [[في ر: "وللنضير".]] وَكَانَتِ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرٍ. فَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا [[في ر: "إليه".]] فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرِكِ، مِنْ حديث عبيد الله بن موسى، بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩٤) وسنن النسائي (٨/١٨) والمستدرك (٤/٣٦٦)]]
وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان، وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدْ رَوَى العَوْفِيّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ اجْتَمَعَ هَذَانِ السَّبَبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [[في أ: "بالعين والأنف".]] إِلَى آخِرِهَا، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ [[في ر، أ: "في".]] سَبَبَ النُّزُولِ قَضِيَّةُ الْقِصَاصِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مِجْلزٍ، وَأَبُو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ -زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ [[في ر: "عبد الوارث".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَضِيَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا. رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيل، عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوقٍ [[في ر: "عن مسروق".]] أَنَّهُمَا سَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الرِّشْوَةِ فَقَالَ: مِنَ السُّحْت: قَالَ: فَقَالَا وَفِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: ذَاكَ الْكُفْرُ! ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزلتُ [[في أ: "أنزل الله".]] فَتَرَكَهُ عَمْدًا، أَوْ جَارَ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ [بِهِ] [[زيادة من أ.]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، أَوْ مَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
قَالَ: هَذَا فِي الْيَهُودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي النَّصَارَى.
وَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْم وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: هِيَ بِهِ كُفرٌ -قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج [[في ر: "جرير".]] عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٥٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَير، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
5:44إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ فِي الْمُسَارِعِينَ فِي الْكُفْرِ، الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُقَدِّمِينَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى شَرَائِعِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ خَرَابٌ خَاوِيَةٌ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ [[في د، أ: "مستجيبون".]] لَهُ، مُنْفَعِلُونَ عَنْهُ ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لِأَقْوَامٍ آخَرِينَ لَا يَأْتُونَ [[في أ: "لم يأتون" وهو خطأ؛ لأن الفعل مجزوم.]] مَجْلِسَكَ يَا مُحَمَّدُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّعُونَ الْكَلَامَ، ويُنْهُونه إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لَا يَحْضُرُ عِنْدَكَ، مِنْ أَعْدَائِكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [[في أ: "من بعض" وهو خطأ.]] أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُبَدِّلُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَتَلُوا قَتِيلًا وَقَالُوا: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِالدِّيَةِ فَخُذُوا مَا قَالَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ فَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اليهوديَّيْن [[في أ: "في اليهود".]] اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَكَانُوا قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، مِنَ الْأَمْرِ بِرَجْمِ مَنْ أحْصن مِنْهُمْ، فَحَرَّفُوا وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْجَلْدِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَالتَّحْمِيمِ وَالْإِرْكَابِ عَلَى حِمَارٍ مَقْلُوبَيْنِ. فَلَمَّا وَقَعَتْ تِلْكَ الْكَائِنَةُ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: تَعَالَوْا حَتَّى نَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ، وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلَا تَتَّبِعُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جُاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدون. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ [[في ر: "فقال".]] مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا [[في ر، أ: "قالوا".]] صَدَقَ [[في أ: "صدقت".]] يا محمد، فيها آيَةُ الرَّجْمِ! فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا [[في ر: "فرجمهما".]] فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْني عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيَهَا الْحِجَارَةَ.
وَأَخْرَجَاهُ [[الموطأ (٢/٨١٩) وصحيح البخاري برقم (٣٦٣٥، ٦٨٤١) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]] وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "فَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ " قَالُوا: نُسخّم وُجُوهَهُمَا ونُخْزِيهما. قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٩٣] فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أعورَ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمَهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجما. [[صحيح البخاري برقم (٧٥٤٣) .]]
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتى بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُود، فَقَالَ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ " قَالُوا: نُسَوّد وُجُوهَهُمَا ونُحَمّلهما، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ويُطَاف بِهِمَا، قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَأُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام -وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرْه فلْيرفع يَدَهُ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا تَحْتَهَا آيةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجما. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٦٩٩) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدثه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فدعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى القُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المِدْارس، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَاحْكُمْ قَالَ: وَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ، وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: "آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. [[سنن أبي داود برقم (٤٤٤٩) .]]
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مَنَّ مُزَيْنَة، مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ، وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْارسهم، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: "أنْشُدكم بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أحْصنَ؟ قَالُوا: يُحَمَّم، ويُجبَّه وَيُجْلَدُ. وَالتَّجْبِيَةُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَتُقَابِلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بهما. قال: وسكت شاب مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَكَتَ، ألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّشْدة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَمَا أَوَّلَ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ " قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا، فأخَّر عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ رَجْمَهُ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمُهُ! فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ" فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[المسند برقم (٧٧٤٧) ط (شاكر) وسنن أبي داود برقم (٤٤٥٠) وتفسير الطبري (١٠/٣٠٥) وانظر: حاشية العلامة أحمد شاكر على المسند.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرّة، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ محمَّم مَجْلُودٌ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشريفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيع، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلَدِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قَالَ: فِي الْيَهُودِ [[في أ: "النصارى".]] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٢١٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيدي فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، عَنْ مُجالد بْنِ [[في ر: "عن".]] سَعِيدٍ الهَمْدَاني، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَدَك، فَكَتَبَ أَهْلُ فَدَكَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، تَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَرْسِلُوا إِلَيَّ أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ". فَجَاءُوا بِرَجُلٍ أَعْوَرَ -يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيَا-وَآخَرَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ قَبَلَكُمَا؟ ". فَقَالَا قَدْ دَعَانَا قَوْمُنَا لِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا: "أَلَيْسَ عِنْدَكُمَا التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؟ " قَالَا بَلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي فَلَق الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وظَلّل عَلَيْكُمُ الغَمام، وَأَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْزَلَ الْمَنَّ والسَّلْوى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا نُشدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ. قَالَا نَجْدُ تَرْدَادَ النَّظَرِ زَنْيَةً وَالِاعْتِنَاقَ زَنْيَةً، وَالْقُبَلَ زَنْيَةً، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، كَمَا يَدْخُلُ الْمَيْلَ فِي المُكْحُلة، فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هُوَ ذَاكَ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [[مسند الحميدي (٢/٥٤١) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُجالد، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٣٢٨) .]] نَحْوَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ". فَأَتَوْا بِابْنَيْ صُورِيَا، فَنَشَدَهُمَا: "كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ؟ " قَالَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي المُكْحُلة رُجِمَا، قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ " قَالَا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا أَرْبَعَةً، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٤٤٥٣) .]] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: "فَدَعَا بِالشُّهُودِ [[في ر: "الشهود".]] فَشَهِدُوا".
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ [[في أ: "الأحاديث".]] دَالَّةٌ علي أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "الله تعالى".]] إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسُؤَالُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقْرِرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا [[في ر: "تواصوا".]] عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ [[في ر: "العلم".]] بِهِ تِلْكَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِهِ مَعَ عَملهم [[في ر: "علمهم".]] عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وَعِنَادَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَعُدُولِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وَشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ لِهَذَا قَالُوا [[في ر: "قال".]] ﴿إِنْ﴾ [[في ر: "وإن".]] أُوتِيتُمْ هَذَا وَالتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أَيِ: اقْبَلُوهُ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أَيْ: مِنْ قَبُولِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾
أَيِ: الْبَاطِلُ ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَيِ: الْحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[في ر: "ذلك".]] أَيْ: وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ؟ وَأَنَّى يَسْتَجِيبُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أَيْ: يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْكَ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أَيْ: فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ، بَلْ مَا وَافَقَ [[في أ: "ما يوافق".]] هَوَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٩] ، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَإِنْ كَانُوا ظَلَمَةً خَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ [[في ر: "الطريق".]] الْعَدْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِي آرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَمَقَاصِدِهِمُ [[في ر، أ: "وقصودهم".]] الزَّائِغَةِ، فِي تَرْكِهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِهِ وَعَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بُطْلَانَهُ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُمْ -فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
ثُمَّ مَدَحَ التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمِهَا وَلَا يُبَدِّلُونَهَا وَلَا يُحَرِّفُونَهَا ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُمُ الْعِبَادُ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَحْبَارُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ [[في أ: "أي: وكذلك الربانيون والأحبار، وهم العلماء والعباد".]] ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يُظْهِرُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أَيْ: لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ وَخَافُونِي [[في ر، أ: "وخافوا مني".]] ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا. سَبَبٌ آخَرُ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ. [[في أ: "الكريمات".]]
قَالَ [[في ر: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبيد اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ:٤٧] [[في ر، أ، هـ: "وأولئك" والصواب ما أثبتناه.]] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الْأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى ارْتَضَوْا أَوِ اصْطَلَحُوا [[في ر: " ارتضوا واصطلحوا".]] عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فديته خمسون وَسَقا، وَكُلُّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا، لِمَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَوْمَئِذَ لَمْ يَظْهَرْ، وَلَمْ يُوَطِّئْهُمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ [[في أ: "وهم".]] فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ: أَنِ ابْعَثُوا لَنَا بِمِائَةٍ وَسْقٍ، فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ، وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ: دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ. إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وفَرقًا مِنْكُمْ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا [[في ر: "جعلوا".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ [[في أ: "والله يا محمد نعطيكم منهم ضعفا ما يعطيكم منكم".]] وَلَقَدْ صَدَقُوا، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدَسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ: مَنْ يَخْبُر لَكُمْ رَأْيَهُ، إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكمتموه وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حُذّرتم فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ. فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ ليَخْبُروا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جَاءُوا [[في ر، أ: "جاء".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فَفِيهِمْ -وَاللَّهِ-أُنْزِلَ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. [[المسند (١/٢٤٦) .]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو كُرَيْب [[في أ: "وابن كريب".]] قَالَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق، حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ الْآيَاتِ فِي "الْمَائِدَةِ"، قَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ [[في ر: "نزلت".]] فِي الدِّيَةِ فِي بَنِي النَّضير وَبَنِي قُرَيْظَة، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى [[في ر: "قتل".]] بَنِي النَّضِيرِ، كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، تُؤدَى الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَأَنْ قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْن نِصْفَ الدِّيَةِ فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءً-وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ. [[في أ: "إسحاق به".]] [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٦) والمسند (١/٣٦٣) وسنن أبي داود برقم (٣٥٩١) وسنن النسائي (٨/١٩) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ [[في ر: "وللنضير".]] وَكَانَتِ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرٍ. فَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا [[في ر: "إليه".]] فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرِكِ، مِنْ حديث عبيد الله بن موسى، بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٤٩٤) وسنن النسائي (٨/١٨) والمستدرك (٤/٣٦٦)]]
وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، ومُقاتل بْنُ حَيَّان، وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدْ رَوَى العَوْفِيّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ اجْتَمَعَ هَذَانِ السَّبَبَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [[في أ: "بالعين والأنف".]] إِلَى آخِرِهَا، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ [[في ر، أ: "في".]] سَبَبَ النُّزُولِ قَضِيَّةُ الْقِصَاصِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مِجْلزٍ، وَأَبُو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ -زَادَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ [[في ر: "عبد الوارث".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَضِيَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا. رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيل، عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوقٍ [[في ر: "عن مسروق".]] أَنَّهُمَا سَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الرِّشْوَةِ فَقَالَ: مِنَ السُّحْت: قَالَ: فَقَالَا وَفِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: ذَاكَ الْكُفْرُ! ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزلتُ [[في أ: "أنزل الله".]] فَتَرَكَهُ عَمْدًا، أَوْ جَارَ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ [بِهِ] [[زيادة من أ.]]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، أَوْ مَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
قَالَ: هَذَا فِي الْيَهُودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ: هَذَا فِي النَّصَارَى.
وَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْم وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا: أَخْبَرْنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] ﴾ [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: هِيَ بِهِ كُفرٌ -قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج [[في ر: "جرير".]] عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ طَاوُسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. [[تفسير الطبري (١٠/٣٥٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَير، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
5:45وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا وُبّخَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَقُرِّعُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ فِي نَصِّ التَّوْرَاةِ: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. وَهُمْ يُخَالِفُونَ ذَلِكَ عَمْدًا وَعِنَادًا، ويُقيدون النَّضْرِيَّ مِنَ الْقُرَظِيِّ، وَلَا يُقيدون الْقُرَظِيَّ مِنَ النَّضْرِيِّ، بَلْ يَعْدِلُونَ إِلَى الدِّيَةِ، كَمَا خَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ الْمَنْصُوصَ عِنْدَهُمْ فِي رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَعَدَلُوا إِلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ وَالْإِشْهَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ جَحَدُوا حُكْمَ اللَّهِ قَصْدًا مِنْهُمْ وَعِنَادًا وَعَمْدًا، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِيهِ، فَخَالَفُوا وَظَلَمُوا، وَتَعَدَّى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. [[في أ: "وتعدوا على بعض بعضا".]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يزيد، عن أبي علي بْنِ يَزِيدَ -أَخِي يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَهَا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ نَصَبَ النَّفْسَ وَرَفَعَ الْعَيْنَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ [[المسند (٣/٢١٥) وسنن أبي داود برقم (٣٩٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَفَرَّدَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. [[في أ: "تفرد به ابن المبارك".]]
وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ ذَهَبَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، إِذَا حُكِيَ مُقَرَّرًا وَلَمْ يُنْسَخْ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ، وَكَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِينِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَنَا عَلَى وَفْقِهَا فِي الْجِنَايَاتِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هِيَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ عَامَّةٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا: أَنَّ شَرْعَ إِبْرَاهِيمَ حُجَّةٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَصَحَّحَ مِنْهَا عَدَمَ الْحُجِّيَّةِ، وَنَقَلَهَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِينِيُّ أَقْوَالًا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَ أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "الشَّامِلِ" إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَكَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: "أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ" وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ" [[روي من حديث عبد الله بن عباس: أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من طريق سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عن ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٥٣) : "هذا إسناد ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس". وروي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص: أخرجه أبو داود في السنن برقم (٤٥٣١) من طريق يحيى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده.]] وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ لَا يُقْتَلُ بِهَا، إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ وَلِيُّهَا إِلَى أَوْلِيَائِهِ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ [عَنْهُ] [[زيادة من ر، أ.]] وَحُكِيَ [[في ر: "ويحكى".]] [هَذَا] [[زيادة من ر، أ.]] عَنِ الْحَسَنِ [الْبَصْرِيِّ] [[زيادة من ر، أ.]] وَعَطَاءٍ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ [[في ر، أ: "وعن أحمد رواية".]] [بِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ لَا يُقْتَلُ بِهَا، بَلْ تَجِبُ [[في ر: "وتجب"، وفي أ: "يجب".]] دِيَتُهَا.
وَهَكَذَا احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ، وَعَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فِيهِمَا، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" [[صحيح البخاري برقم (٦٩٠٣) .]] وَأَمَّا الْعَبْدُ فَعَنِ السَّلَفِ فِي [[في د: "فيه".]] آثار مُتَعَدِّدَةٍ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُقيدون الْعَبْدَ مِنَ الْحَرِّ، وَلَا يَقْتُلُونَ حَرًّا بِعَبْدٍ، وَجَاءَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُخَصِّصٍ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ [[في ر: "ما قال".]] ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ، حَدَّثَنَا حُمَيْد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ الرُّبَيع عَمّة أَنَسٍ كَسَرَتْ ثَنيَّة جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَى الْقَوْمِ الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "الْقِصَاصُ". فَقَالَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَكْسِرُ ثَنِيَّةَ فُلَانَةَ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ". قَالَ: فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تَكْسِرُ ثَنِيَّةَ فُلَانَةَ. قَالَ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ، فَعَفَوْا وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَّره".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[المسند (٣/١٢٨) وصحيح البخاري برقم (٦٨٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٥) .]] وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ، فِي الْجُزْءِ الْمَشْهُورِ مِنْ حَدِيثِهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ الرُّبَيع بِنْتَ النَّضِرِ عَمَّته لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْأَرْشَ، فَأَبَوْا فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَالْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكْسِرُ ثَنِيَّةَ الرَّبِيعِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَكْسِرْ ثَنِيَّتَهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ". فَعَفَا الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لِأَبَرَّهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضرة، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عن إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٥٩٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٩٥٣) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُشْكِلٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنِ الْجَانِيَ كَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ تَحَمَّلَ أَرْشَ مَا نَقَصَ مِنْ غُلَامِ الْأَغْنِيَاءِ عَنِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ اسْتَعْفَاهُمْ عَنْهُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُقْتَلُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَتُفْقَأُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَيُقْطَعُ الْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، وَتُنْزَعُ السِّنُّ بِالسِّنِّ، وَتُقْتَصُّ الْجِرَاحُ بِالْجِرَاحِ.
فَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ أَحْرَارُ الْمُسْلِمِينَ [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فِيمَا بَيْنَهُمْ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، إِذَا كَانَ عَمْدًا فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَبِيدُ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَ عَمْدًا، فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في د: "جريج".]] وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ:
الْجِرَاحُ تَارَةً تَكُونُ فِي مَفْصِل، فَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ بِالْإِجْمَاعِ، كَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجِرَاحُ [[في ر: "يكن الجراحة".]] فِي مَفْصِلٍ بَلْ فِي عَظْمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ الْقِصَاصُ إِلَّا فِي الْفَخِذِ وَشَبَهِهَا؛ لِأَنَّهُ مُخَوِّفٌ خَطِرٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ [[في أ: "العظام مطلقا".]] إِلَّا فِي السِّنِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُبِ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِحَدِيثِ الرُّبَيع بِنْتِ النَّضْرِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إِلَّا فِي السِّنِّ. وحديثُ الرَّبِيعِ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ: "كَسَرَتْ ثَنيَّة جَارِيَةٍ" وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ [[في ر: "يكون".]] سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ-بِالْإِجْمَاعِ. وَتَمَّمُوا الدَّلَالَةَ. بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاش، عَنْ دهْثَم [[في أ: "دهيم".]] بْنِ قُرَّان، عَنْ نِمْرَان بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ جَارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ الْحَنَفِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ، فَقَطَعَهَا، فَاسْتَعْدَى النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُريد الْقِصَاصَ. فَقَالَ: "خُذِ الدِّيَةَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا". وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٢٦٣٦) .]]
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَدَهْثَم [[في أ: "دهيم".]] بْنُ قُرَّان العُكلي ضَعِيفٌ أَعْرَابِيٌّ، لَيْسَ حَدِيثُهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ، وَنَمِرَانُ بْنُ جَارِيَةَ ضَعِيفٌ أَعْرَابِيٌّ أَيْضًا، وَأَبُوهُ جَارِيَةُ بْنُ ظُفَرَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ. [[الاستذكار (٢٥/٢٨٧) .]]
ثُمَّ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الْجِرَاحَةِ حَتَّى تَنْدَمِل جِرَاحُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ثُمَّ زَادَ جُرْحُهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَكَرَ عَمْرو [[في ر: "وذكر عن عمرو".]] بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَقَالَ ﷺ: "لَا تَعْجَلْ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُكَ". قَالَ: فَأَبَى الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يَسْتَقِيدَ، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، قَالَ: فَعَرَجَ الْمُسْتَقِيدُ وَبَرَأَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ، فَأَتَى الْمُسْتَقِيدُ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ وَبَرَأَ صَاحِبِي. فَقَالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ". ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/٢١٧)]]
مَسْأَلَةٌ:
فَلَوِ اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الْجَانِي، فَمَاتَ مِنَ الْقِصَاصِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْمُقْتَصِّ. وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَارِثُ العُكْلِي، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخعي، وَالْحَكَمُ بْنُ عتَيبة [[في ر، أ: "عيينة".]] وَعُثْمَانُ البَتِّيّ: يَسْقُطُ عَنِ الْمُقْتَصِّ لَهُ قَدْرُ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي مَالِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ يَقُولُ: فَمَنْ عَفَا عَنْهُ، وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْمَطْلُوبِ، وَأَجْرٌ لِلطَّالِبِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ: كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ، وَأَجْرٌ الْمَجْرُوحِ [[في ر: "للمجروح".]] عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عن خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ-نَحْوُ ذَلِكَ الْوَجْهِ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَاذَانَ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ -يَعْنِي ابْنَ عُمَارَةَ-حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَارَةَ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَفْصَةَ-عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "تعالى".]] ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ: لِلْمَجْرُوحِ. وَرَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَأَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسٍ -يَعْنِي بْنَ مُسْلِمٍ-قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ، عَنِ الْهَيْثَمِ أَبِي [[في هـ، ر: "ابن". والمثبت من الطبري.]] الْعُرْيَانِ النَّخَعِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عِنْدَ مُعَاوِيَةَ أَحْمَرَ شَبِيهًا بِالْمَوَالِي، فَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ: يَهْدِمُ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا تَصدق بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُجَاشِعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمَهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الجُعْفي، حَدَّثَنَا مُعلَّى -يَعْنِي ابْنَ هِلَالٍ [[في ر: "بلال".]] -أَنَّهُ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي الْعُرْيَانِ الْهَيْثَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -وَعَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قَالَ: هُوَ الَّذِي تُكْسَرُ سِنَّهُ، أَوْ تُقْطَعُ يَدُهُ، أَوْ يُقْطَعُ الشَّيْءُ [[في أ: "اليمنى".]] مِنْهُ، أَوْ يُجْرَحُ فِي بَدَنِهِ فَيَعْفُو عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ فَيُحَطّ عَنْهُ قَدْرُ خَطَايَاهُ، فَإِنْ كَانَ رُبْعُ الدِّيَةِ فَرُبْعُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَ الثُّلْثُ فَثُلْثُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتِ الدِّيَةُ حَطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَذَلِكَ. [[ورواه الديلمي في مسند الفردوس (٣/١٥٣) من طريق يحيى بن سلام، عن أبيه، عن المعلى، عن أبان بن تغلب، عن الشعبي، وعن العريان بن الهيثم عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا.]]
ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر قَالَ: دَفَعَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْدَقَّتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرَفَعَهُ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ: شَأْنُكَ وَصَاحِبُكَ. قَالَ: وَأَبُو الدَّرْدَاءِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، فَيَهَبُهُ، إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً". فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، فَخَلَّى سَبِيلَ الْقُرَشِيِّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مُرُوا لَهُ بِمَالٍ.
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٠/٣٦٤) .]] وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفر قَالَ: كَسَرَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ سِنَّ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ القرشيُّ: إِنَّ هَذَا دَقَّ سِنِّي؟ قَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّا سَنُرْضِيهِ. فَأَلَحَّ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: شَأْنُكَ بِصَاحِبِكَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ جَالِسٌ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي [[في ر: "من".]] جَسَدِهِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً". فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: فَإِنِّي، يَعْنِي: قَدْ عَفَوْتُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ وَكِيع، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٤٨) وسنن الترمذي برقم (١٣٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٩٣) .]] ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا أَعْرِفُ لِأَبِي السَّفَر سَمَاعًا مَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
وَقَالَ [أَبُو بَكْرِ] [[زيادة من ر.]] بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا دَعْلَج بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَجُلًا هَتَم فَمَهُ رَجُلٌ، عَلَى عَهْدِ مُعَاوِيَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فأعْطِي دِيَةً، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ، فَأُعْطِي دِيَتَيْنِ، فَأَبَى، فَأُعْطِي ثَلَاثًا، فَأَبَى، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ [[في ر: "عن".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دَوُنَهُ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ". [[رواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٧٦٢) ورواه أبو يعلى في مسنده (١٢/٢٨٤) والطبري في تفسيره (١٠/٣٦٨) من طريق عمران بن ظبيان به. قال الهيثمي في المجمع (٦/٣٠٢) : "رجاله رجال الصحيح غير عمران بن ظبيان وقد وثقه ابن حبان، وفيه ضعف".]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُجْرَحُ مِنْ [[في ر: "في".]] جسده جراحة، فيتصدق بِهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خِدَاش، عَنْ هُشَيْم، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. [[المسند (٥/٣١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٦) وتفسير الطبري (١٠/٣٦٤) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ مَجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ المحرَّر بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، فَتَرَكَهُ لِلَّهِ، كَانَ كَفَّارَةً لَهُ". [[المسند (٥/٤١٢) ، وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣٠٢) : "فيه مجالد وقد اختلط".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمَا قَالَا كُفْر دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دون ظلم، وفسق دون فسق.
5:46وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى: "وَقَفَّيْنَا" أَيْ: أَتْبَعْنَا ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ يَعْنِي: أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: مُؤْمِنًا بِهَا حَاكِمًا بِمَا فِيهَا ﴿وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أَيْ: هُدًى إِلَى الْحَقِّ، وَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي إِزَالَةِ الشُّبَهَاتِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: مُتَّبِعًا لَهَا، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِيهَا، إِلَّا فِي الْقَلِيلِ مِمَّا بَيَّنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٥٠] ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَسَخَ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا الْإِنْجِيلَ ﴿هُدًى﴾ يُهْتَدَى بِهِ، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أَيْ: وَزَاجِرًا [[في د: "أي: زاجرًا".]] عَنِ ارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَ وَعِيدَهُ وَعِقَابَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قُرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لَامُ كَيْ، أَيْ: وَآتَيْنَاهُ [[في د: "أي: آتيناه".]] الْإِنْجِيلَ [فِيهِ هُدًى وَنُورٌ] [[زيادة من ر، أ.]] لِيَحْكُمْ أَهْلُ مِلَّتِهِ بِهِ فِي زَمَانِهِمْ. وَقُرِئَ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بِالْجَزْمِ اللَّامُ [[في أ: "وأن اللام".]] لَامُ الْأَمْرِ، أَيْ: لِيُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، وَلِيُقِيمُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فِيهِ، وَمِمَّا فِيهِ الْبِشَارَةُ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من د، أ.]] وَالْأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ إِذَا وُجِدَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، الْمَائِلُونَ إِلَى الْبَاطِلِ، التَّارِكُونَ لِلْحَقِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ.
5:47وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: "وَقَفَّيْنَا" أَيْ: أَتْبَعْنَا ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ يَعْنِي: أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: مُؤْمِنًا بِهَا حَاكِمًا بِمَا فِيهَا ﴿وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أَيْ: هُدًى إِلَى الْحَقِّ، وَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي إِزَالَةِ الشُّبَهَاتِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أَيْ: مُتَّبِعًا لَهَا، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِيهَا، إِلَّا فِي الْقَلِيلِ مِمَّا بَيَّنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٥٠] ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَسَخَ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلْنَا الْإِنْجِيلَ ﴿هُدًى﴾ يُهْتَدَى بِهِ، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أَيْ: وَزَاجِرًا [[في د: "أي: زاجرًا".]] عَنِ ارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَ وَعِيدَهُ وَعِقَابَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قُرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لَامُ كَيْ، أَيْ: وَآتَيْنَاهُ [[في د: "أي: آتيناه".]] الْإِنْجِيلَ [فِيهِ هُدًى وَنُورٌ] [[زيادة من ر، أ.]] لِيَحْكُمْ أَهْلُ مِلَّتِهِ بِهِ فِي زَمَانِهِمْ. وَقُرِئَ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بِالْجَزْمِ اللَّامُ [[في أ: "وأن اللام".]] لَامُ الْأَمْرِ، أَيْ: لِيُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، وَلِيُقِيمُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فِيهِ، وَمِمَّا فِيهِ الْبِشَارَةُ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ [ﷺ] [[زيادة من د، أ.]] وَالْأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ إِذَا وُجِدَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ] [[زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، الْمَائِلُونَ إِلَى الْبَاطِلِ، التَّارِكُونَ لِلْحَقِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ.
5:48وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى كَلِيمِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَمَدَحَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَأَمَرَ [[في أ: "وأمرنا".]] بِاتِّبَاعِهَا حَيْثُ كَانَتْ سَائِغَةَ الِاتِّبَاعِ، وَذَكَرَ الْإِنْجِيلَ وَمَدَحَهَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَ بِإِقَامَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ ذكْرَه ومَدْحَه، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ نُزُولُهُ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، مِمَّا زَادَهَا صِدْقًا عِنْدَ حَامِلَيْهَا مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ، الَّذِينَ انْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ وَاتَّبَعُوا شَرَائِعَ اللَّهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٧، ١٠٨] أَيْ: إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، مِنْ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَمَفْعُولا﴾ أَيْ: لَكَائِنًا لَا مَحَالَةَ وَلَا بُدَّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كتاب قبله.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، وَمُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَطِيَّةَ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، والسُّدِّي، وَابْنِ زَيْدٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَعَنِ الْوَالِبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: شَهِيدًا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي.
وَقَالَ العَوْفِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: حَاكِمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ اسْمَ "الْمُهَيْمِنِ" يَتَضَمَّنُ هَذَا كُلَّهُ، فَهُوَ أَمِينٌ وَشَاهِدٌ وَحَاكِمٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ، جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ الْعَظِيمَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ آخِرَ الْكُتُبِ وَخَاتَمَهَا، أَشْمَلَهَا وَأَعْظَمَهَا وَأَحْكَمَهَا [[في ر، د: "وأكملها".]] حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ مَحَاسِنَ مَا قَبْلَهُ، وَزَادَهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ شَاهِدًا وَأَمِينًا وَحَاكِمًا عَلَيْهَا كُلِّهَا. وَتَكَفَّلَ تَعَالَى بِحِفْظِهِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرَ:٩] .
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي نَجيح عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ أَمِينٌ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنْ فِي تَفْسِيرِ هَذَا بِهَذَا نَظَرٌ، وَفِي تَنْزِيلِهِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا نَظَرٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي [[في ر: "من".]] كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ، وَذَلِكَ أَنَّ "الْمُهَيْمِنَ" عَطْفٌ عَلَى "الْمُصَدِّقِ"، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ مَا كَانَ "الْمُصَدِّقُ" صِفَةً لَهُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ لَقَالَ: "وَأَنْزَلَنْا إِلَيْكَ الْكِتَابَ مُصدقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ". يَعْنِي مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ أَيْ: فَاحْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ النَّاسِ: عَرَبهم وَعَجَمِهِمْ، أُميهم وَكِتَابَيِّهِمْ ﴿بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ إِلَيْكَ فِي [[في ر، أ: "من".]] هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَبِمَا قَرَّرَهُ لَكَ مِنْ حُكْمِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ فِي شَرْعِكَ. هَكَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ. فَرَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: آرَاءَهُمُ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَتَرَكُوا بِسَبَبِهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تَنْصَرِفْ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَى أَهْوَاءِ هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قَالَ: سَبِيلًا.
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ: وَسُنَّةً. وَكَذَا رَوَى العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّي، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَكْسُهُ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سُنَّةً وَسَبِيلًا وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ، فَإِنَّ الشِّرْعَةَ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا، هِيَ مَا يُبْتَدَأُ فِيهِ إِلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ يُقَالُ: "شَرَعَ فِي كَذَا" أَيِ: ابْتَدَأَ فِيهِ. وَكَذَا الشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَا يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ. أَمَّا "الْمِنْهَاجُ": فَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ السَّهْلُ، وَالسُّنَنُ: الطَّرَائِقُ، فَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ أَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنَ الْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَدْيَانِ، بِاعْتِبَارِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ الْكِرَامَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْأَحْكَامِ، الْمُتَّفِقَةِ فِي التَّوْحِيدِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ" [[صحيح البخاري" برقم (٣٤٤٣) .]] يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْحِيدَ، الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ، وَضَمَّنَهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٣٦] ، وَأَمَّا الشَّرَائِعُ فَمُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ حَرَامًا ثُمَّ يَحِلُّ فِي الشَّرِيعَةِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ، وَخَفِيفًا فَيُزَادُ فِي الشِّدَّةِ فِي هَذِهِ دُونَ هَذِهِ. وَذَلِكَ لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالْحُجَّةِ الدَّامِغَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يَقُولُ: سَبِيلًا وَسُنَّةً، وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْفُرْقَانِ شَرِيعَةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَالدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غَيْرَهُ: التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِهَذَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَمَعْنَاهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ الْقُرْآنَ ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: هُوَ لَكُمْ كُلِّكُمْ، تَقْتَدُونَ بِهِ. وحُذف الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَسُنَّةً أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا وَاضِحًا بَيِّنًا.
هَذَا مَضْمُونُ مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَلَوْ كَانَ هَذَا خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمَا صَحَّ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وَهْمُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، وَإِخْبَارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ [[في أ: "لجعل".]] النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يُنْسَخُ شَيْءٌ مِنْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لِكُلِّ رَسُولٍ شرْعة عَلَى حدَة، ثُمَّ نَسَخَهَا أَوْ بَعْضَهَا بِرِسَالَةِ الْآخَرِ الَّذِي بَعْدَهُ [[في أ: "بعدها".]] حَتَّى نَسَخَ الْجَمِيعَ بِمَا بَعَثَ بِهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي ابْتَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةً، لِيَخْتَبِرَ عِبَادَهُ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ، وَيُثِيبَهُمْ أَوْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِمَا فَعَلُوهُ أَوْ عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الله بن كثير: ﴿فِيمَا آتَاكُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَدَبَهُمْ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرَةِ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وَهِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَاتِّبَاعُ شَرْعِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ نَاسِخًا لِمَا قَبِلَهُ، وَالتَّصْدِيقُ بِكِتَابِهِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ آخِرُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَعَادُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَمَصِيرُكُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَيَجْزِي الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الْعَادِلِينَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، بَلْ هُمْ مُعَانِدُونَ لِلْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الدَّامِغَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَالنَّهْيِ عَنْ خِلَافِهِ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَيِ: احْذَرْ أَعْدَاءَكَ الْيَهُودَ أَنْ يُدَلِّسُوا عَلَيْكَ الْحَقَّ فِيمَا يُنْهُونه إِلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَذبة كَفَرة خَوَنَةٌ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: عَمَّا تَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، وَخَالَفُوا شَرْعَ اللَّهِ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ عَنْ قَدر اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِيهِمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنِ الْهُدَى لِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِضْلَالَهُمْ وَنَكَالَهُمْ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ النَّاسِ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، مُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ نَاؤُونَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] [الْأَنْعَامِ: ١١٦] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صوريا، وشاس بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ! فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً [[في ر: "حكومة".]] فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ لَكَ، [[في أ: "بك".]] وَنُصَدِّقُكَ! فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِمْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا [[في أ: "بما صنعوا".]] بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق [[في ر، أ: "الياسق".]] وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ [[في أ: "بسواه".]] فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أَيْ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقل عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ [[في د: "بعباده".]] مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ [[في د، أ: "الباجي".]] قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، فَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ [هُوَ] [[زيادة من ر، أ.]]
وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أفضِّل بَيْنَ وَلَدِي فِي النحْل؟ قَرَأَ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، د، أ.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدة الْخُوطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالَبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ليُرِيق دَمَهُ". وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عن أبي اليمان بإسناده [[في ر، أ: "بزيادة".]] نحوه. [[المعجم الكبير (١٠/٣٧٤) وصحيح البخاري برقم (٦٨٨٢) .]]
5:49وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى كَلِيمِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَمَدَحَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَأَمَرَ [[في أ: "وأمرنا".]] بِاتِّبَاعِهَا حَيْثُ كَانَتْ سَائِغَةَ الِاتِّبَاعِ، وَذَكَرَ الْإِنْجِيلَ وَمَدَحَهَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَ بِإِقَامَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ ذكْرَه ومَدْحَه، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ نُزُولُهُ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، مِمَّا زَادَهَا صِدْقًا عِنْدَ حَامِلَيْهَا مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ، الَّذِينَ انْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ وَاتَّبَعُوا شَرَائِعَ اللَّهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٧، ١٠٨] أَيْ: إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، مِنْ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَمَفْعُولا﴾ أَيْ: لَكَائِنًا لَا مَحَالَةَ وَلَا بُدَّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كتاب قبله.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، وَمُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَطِيَّةَ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، والسُّدِّي، وَابْنِ زَيْدٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَعَنِ الْوَالِبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: شَهِيدًا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي.
وَقَالَ العَوْفِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: حَاكِمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ اسْمَ "الْمُهَيْمِنِ" يَتَضَمَّنُ هَذَا كُلَّهُ، فَهُوَ أَمِينٌ وَشَاهِدٌ وَحَاكِمٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ، جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ الْعَظِيمَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ آخِرَ الْكُتُبِ وَخَاتَمَهَا، أَشْمَلَهَا وَأَعْظَمَهَا وَأَحْكَمَهَا [[في ر، د: "وأكملها".]] حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ مَحَاسِنَ مَا قَبْلَهُ، وَزَادَهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ شَاهِدًا وَأَمِينًا وَحَاكِمًا عَلَيْهَا كُلِّهَا. وَتَكَفَّلَ تَعَالَى بِحِفْظِهِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرَ:٩] .
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي نَجيح عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ أَمِينٌ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنْ فِي تَفْسِيرِ هَذَا بِهَذَا نَظَرٌ، وَفِي تَنْزِيلِهِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا نَظَرٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي [[في ر: "من".]] كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ، وَذَلِكَ أَنَّ "الْمُهَيْمِنَ" عَطْفٌ عَلَى "الْمُصَدِّقِ"، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ مَا كَانَ "الْمُصَدِّقُ" صِفَةً لَهُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ لَقَالَ: "وَأَنْزَلَنْا إِلَيْكَ الْكِتَابَ مُصدقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ". يَعْنِي مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ أَيْ: فَاحْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ النَّاسِ: عَرَبهم وَعَجَمِهِمْ، أُميهم وَكِتَابَيِّهِمْ ﴿بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ إِلَيْكَ فِي [[في ر، أ: "من".]] هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَبِمَا قَرَّرَهُ لَكَ مِنْ حُكْمِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ فِي شَرْعِكَ. هَكَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ. فَرَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: آرَاءَهُمُ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَتَرَكُوا بِسَبَبِهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تَنْصَرِفْ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَى أَهْوَاءِ هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قَالَ: سَبِيلًا.
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ: وَسُنَّةً. وَكَذَا رَوَى العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّي، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَكْسُهُ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سُنَّةً وَسَبِيلًا وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ، فَإِنَّ الشِّرْعَةَ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا، هِيَ مَا يُبْتَدَأُ فِيهِ إِلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ يُقَالُ: "شَرَعَ فِي كَذَا" أَيِ: ابْتَدَأَ فِيهِ. وَكَذَا الشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَا يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ. أَمَّا "الْمِنْهَاجُ": فَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ السَّهْلُ، وَالسُّنَنُ: الطَّرَائِقُ، فَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ أَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنَ الْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَدْيَانِ، بِاعْتِبَارِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ الْكِرَامَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْأَحْكَامِ، الْمُتَّفِقَةِ فِي التَّوْحِيدِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ" [[صحيح البخاري" برقم (٣٤٤٣) .]] يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْحِيدَ، الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ، وَضَمَّنَهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٣٦] ، وَأَمَّا الشَّرَائِعُ فَمُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ حَرَامًا ثُمَّ يَحِلُّ فِي الشَّرِيعَةِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ، وَخَفِيفًا فَيُزَادُ فِي الشِّدَّةِ فِي هَذِهِ دُونَ هَذِهِ. وَذَلِكَ لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالْحُجَّةِ الدَّامِغَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يَقُولُ: سَبِيلًا وَسُنَّةً، وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْفُرْقَانِ شَرِيعَةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَالدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غَيْرَهُ: التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِهَذَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَمَعْنَاهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ الْقُرْآنَ ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: هُوَ لَكُمْ كُلِّكُمْ، تَقْتَدُونَ بِهِ. وحُذف الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَسُنَّةً أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا وَاضِحًا بَيِّنًا.
هَذَا مَضْمُونُ مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَلَوْ كَانَ هَذَا خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمَا صَحَّ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وَهْمُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، وَإِخْبَارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ [[في أ: "لجعل".]] النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يُنْسَخُ شَيْءٌ مِنْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لِكُلِّ رَسُولٍ شرْعة عَلَى حدَة، ثُمَّ نَسَخَهَا أَوْ بَعْضَهَا بِرِسَالَةِ الْآخَرِ الَّذِي بَعْدَهُ [[في أ: "بعدها".]] حَتَّى نَسَخَ الْجَمِيعَ بِمَا بَعَثَ بِهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي ابْتَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةً، لِيَخْتَبِرَ عِبَادَهُ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ، وَيُثِيبَهُمْ أَوْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِمَا فَعَلُوهُ أَوْ عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الله بن كثير: ﴿فِيمَا آتَاكُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَدَبَهُمْ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرَةِ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وَهِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَاتِّبَاعُ شَرْعِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ نَاسِخًا لِمَا قَبِلَهُ، وَالتَّصْدِيقُ بِكِتَابِهِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ آخِرُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَعَادُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَمَصِيرُكُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَيَجْزِي الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الْعَادِلِينَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، بَلْ هُمْ مُعَانِدُونَ لِلْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الدَّامِغَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَالنَّهْيِ عَنْ خِلَافِهِ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَيِ: احْذَرْ أَعْدَاءَكَ الْيَهُودَ أَنْ يُدَلِّسُوا عَلَيْكَ الْحَقَّ فِيمَا يُنْهُونه إِلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَذبة كَفَرة خَوَنَةٌ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: عَمَّا تَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، وَخَالَفُوا شَرْعَ اللَّهِ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ عَنْ قَدر اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِيهِمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنِ الْهُدَى لِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِضْلَالَهُمْ وَنَكَالَهُمْ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ النَّاسِ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، مُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ نَاؤُونَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] [الْأَنْعَامِ: ١١٦] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صوريا، وشاس بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ! فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً [[في ر: "حكومة".]] فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ لَكَ، [[في أ: "بك".]] وَنُصَدِّقُكَ! فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِمْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا [[في أ: "بما صنعوا".]] بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق [[في ر، أ: "الياسق".]] وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ [[في أ: "بسواه".]] فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أَيْ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقل عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ [[في د: "بعباده".]] مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ [[في د، أ: "الباجي".]] قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، فَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ [هُوَ] [[زيادة من ر، أ.]]
وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أفضِّل بَيْنَ وَلَدِي فِي النحْل؟ قَرَأَ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، د، أ.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدة الْخُوطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالَبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ليُرِيق دَمَهُ". وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عن أبي اليمان بإسناده [[في ر، أ: "بزيادة".]] نحوه. [[المعجم الكبير (١٠/٣٧٤) وصحيح البخاري برقم (٦٨٨٢) .]]
5:50أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى التَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى كَلِيمِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَمَدَحَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَأَمَرَ [[في أ: "وأمرنا".]] بِاتِّبَاعِهَا حَيْثُ كَانَتْ سَائِغَةَ الِاتِّبَاعِ، وَذَكَرَ الْإِنْجِيلَ وَمَدَحَهَ، وَأَمَرَ أَهْلَهَ بِإِقَامَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ ذكْرَه ومَدْحَه، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ نُزُولُهُ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، مِمَّا زَادَهَا صِدْقًا عِنْدَ حَامِلَيْهَا مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ، الَّذِينَ انْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ وَاتَّبَعُوا شَرَائِعَ اللَّهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٧، ١٠٨] أَيْ: إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، مِنْ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَمَفْعُولا﴾ أَيْ: لَكَائِنًا لَا مَحَالَةَ وَلَا بُدَّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كتاب قبله.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، وَمُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَطِيَّةَ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، والسُّدِّي، وَابْنِ زَيْدٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَعَنِ الْوَالِبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: شَهِيدًا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي.
وَقَالَ العَوْفِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أَيْ: حَاكِمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ اسْمَ "الْمُهَيْمِنِ" يَتَضَمَّنُ هَذَا كُلَّهُ، فَهُوَ أَمِينٌ وَشَاهِدٌ وَحَاكِمٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ، جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ الْعَظِيمَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ آخِرَ الْكُتُبِ وَخَاتَمَهَا، أَشْمَلَهَا وَأَعْظَمَهَا وَأَحْكَمَهَا [[في ر، د: "وأكملها".]] حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ مَحَاسِنَ مَا قَبْلَهُ، وَزَادَهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ شَاهِدًا وَأَمِينًا وَحَاكِمًا عَلَيْهَا كُلِّهَا. وَتَكَفَّلَ تَعَالَى بِحِفْظِهِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، فَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرَ:٩] .
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي نَجيح عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ أَمِينٌ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنْ فِي تَفْسِيرِ هَذَا بِهَذَا نَظَرٌ، وَفِي تَنْزِيلِهِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا نَظَرٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي [[في ر: "من".]] كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ هُوَ خَطَأٌ، وَذَلِكَ أَنَّ "الْمُهَيْمِنَ" عَطْفٌ عَلَى "الْمُصَدِّقِ"، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ مَا كَانَ "الْمُصَدِّقُ" صِفَةً لَهُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ لَقَالَ: "وَأَنْزَلَنْا إِلَيْكَ الْكِتَابَ مُصدقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ". يَعْنِي مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ أَيْ: فَاحْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ النَّاسِ: عَرَبهم وَعَجَمِهِمْ، أُميهم وَكِتَابَيِّهِمْ ﴿بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ إِلَيْكَ فِي [[في ر، أ: "من".]] هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَبِمَا قَرَّرَهُ لَكَ مِنْ حُكْمِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ فِي شَرْعِكَ. هَكَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ. فَرَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: آرَاءَهُمُ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَتَرَكُوا بِسَبَبِهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تَنْصَرِفْ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَى أَهْوَاءِ هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ قَالَ: سَبِيلًا.
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قَالَ: وَسُنَّةً. وَكَذَا رَوَى العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّي، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَكْسُهُ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سُنَّةً وَسَبِيلًا وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ، فَإِنَّ الشِّرْعَةَ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا، هِيَ مَا يُبْتَدَأُ فِيهِ إِلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ يُقَالُ: "شَرَعَ فِي كَذَا" أَيِ: ابْتَدَأَ فِيهِ. وَكَذَا الشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَا يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ. أَمَّا "الْمِنْهَاجُ": فَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ السَّهْلُ، وَالسُّنَنُ: الطَّرَائِقُ، فَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ أَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنَ الْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَدْيَانِ، بِاعْتِبَارِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ الْكِرَامَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْأَحْكَامِ، الْمُتَّفِقَةِ فِي التَّوْحِيدِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ" [[صحيح البخاري" برقم (٣٤٤٣) .]] يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْحِيدَ، الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ، وَضَمَّنَهُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٣٦] ، وَأَمَّا الشَّرَائِعُ فَمُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ حَرَامًا ثُمَّ يَحِلُّ فِي الشَّرِيعَةِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ، وَخَفِيفًا فَيُزَادُ فِي الشِّدَّةِ فِي هَذِهِ دُونَ هَذِهِ. وَذَلِكَ لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالْحُجَّةِ الدَّامِغَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يَقُولُ: سَبِيلًا وَسُنَّةً، وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، وَفِي الْفُرْقَانِ شَرِيعَةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَالدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غَيْرَهُ: التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِهَذَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَمَعْنَاهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ الْقُرْآنَ ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: هُوَ لَكُمْ كُلِّكُمْ، تَقْتَدُونَ بِهِ. وحُذف الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَسُنَّةً أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا وَاضِحًا بَيِّنًا.
هَذَا مَضْمُونُ مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَلَوْ كَانَ هَذَا خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمَا صَحَّ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وَهْمُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، وَإِخْبَارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ [[في أ: "لجعل".]] النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يُنْسَخُ شَيْءٌ مِنْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لِكُلِّ رَسُولٍ شرْعة عَلَى حدَة، ثُمَّ نَسَخَهَا أَوْ بَعْضَهَا بِرِسَالَةِ الْآخَرِ الَّذِي بَعْدَهُ [[في أ: "بعدها".]] حَتَّى نَسَخَ الْجَمِيعَ بِمَا بَعَثَ بِهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي ابْتَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةً، لِيَخْتَبِرَ عِبَادَهُ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ، وَيُثِيبَهُمْ أَوْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِمَا فَعَلُوهُ أَوْ عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الله بن كثير: ﴿فِيمَا آتَاكُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَدَبَهُمْ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرَةِ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وَهِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَاتِّبَاعُ شَرْعِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ نَاسِخًا لِمَا قَبِلَهُ، وَالتَّصْدِيقُ بِكِتَابِهِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ آخِرُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَعَادُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَمَصِيرُكُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَيَجْزِي الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ، الْعَادِلِينَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، بَلْ هُمْ مُعَانِدُونَ لِلْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الدَّامِغَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَالنَّهْيِ عَنْ خِلَافِهِ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَيِ: احْذَرْ أَعْدَاءَكَ الْيَهُودَ أَنْ يُدَلِّسُوا عَلَيْكَ الْحَقَّ فِيمَا يُنْهُونه إِلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَذبة كَفَرة خَوَنَةٌ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: عَمَّا تَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، وَخَالَفُوا شَرْعَ اللَّهِ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ عَنْ قَدر اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِيهِمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنِ الْهُدَى لِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِضْلَالَهُمْ وَنَكَالَهُمْ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ النَّاسِ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، مُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ نَاؤُونَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] [الْأَنْعَامِ: ١١٦] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صوريا، وشاس بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ! فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً [[في ر: "حكومة".]] فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ لَكَ، [[في أ: "بك".]] وَنُصَدِّقُكَ! فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِمْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا [[في أ: "بما صنعوا".]] بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق [[في ر، أ: "الياسق".]] وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ﷺ] [[زيادة من ر.]] فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ [[في أ: "بسواه".]] فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أَيْ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقل عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ [[في د: "بعباده".]] مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ [[في د، أ: "الباجي".]] قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، فَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ [هُوَ] [[زيادة من ر، أ.]]
وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أفضِّل بَيْنَ وَلَدِي فِي النحْل؟ قَرَأَ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ﴾ [[زيادة من ر، د، أ.]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدة الْخُوطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالَبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ليُرِيق دَمَهُ". وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عن أبي اليمان بإسناده [[في ر، أ: "بزيادة".]] نحوه. [[المعجم الكبير (١٠/٣٧٤) وصحيح البخاري برقم (٦٨٨٢) .]]
5:51۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ [[في أ: "خبر".]] أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْب، عَنْ عِياض: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَجِبَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لِحَفِيظٌ، هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مَنِ الشَّامِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ [أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ عُمَرُ: أجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَظَنَنَّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ. وَحَدَّثَنَا [[في أ: "ثم قال: وحدثنا".]] أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَرَيْبٌ، وَنِفَاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أَمْرٌ مِنْ ظَفْرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي الْقَضَاءَ والفصلِ ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ وَالَوُا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ مِنَ الْمُوَالَاةِ ﴿نَادِمِينَ﴾ أَيْ: عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، مِمَّا لَمَّ يُجْد عَنْهُمْ [[في أ: "عندهم".]] شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُورًا، بَلْ كَانَ عَيْنَ الْمُفْسِدَةِ، فَإِنَّهُمْ فُضِحُوا، وَأَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا يُدْرَى كَيْفَ حَالُهُمْ. فَلَمَّا انْعَقَدَتِ الْأَسْبَابُ الْفَاضِحَةُ لَهُمْ، تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُونَ، فَبَانَ كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ ﴿وَيَقُولُ﴾ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ "أَنْ يَأْتِيَ" "وَأَنْ يَقُولَ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حِينَئِذٍ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ، فَذَكَرَ السُّدِّي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَهَوَّدُ مَعَهُ، لَعَلَّهُ يَنْفَعُنِي إِذَا وَقَعَ أَمْرٌ أَوْ حَدَثَ حَادِثٌ! وَقَالَ الْآخَرُ: وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى فُلَانٍ النَّصْرَانِيُّ بِالشَّامِ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابة بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة، فَسَأَلُوهُ: مَاذَا هُوَ صَانِعٌ بِنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، أَيْ: إِنَّهُ الذَّبْحُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: نزلت فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُول، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَوَالِي مَنْ يَهُودٍ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودٍ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إِنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ، لَا أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ مَوَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: "يَا أَبَا الحُباب، مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ". قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ بَدْرٍ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ! فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: أَغَرَّكُمْ أَنْ أَصَبْتُمْ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ!! أَمَا لَوْ أمْرَرْنا [[في ر: "أصررنا" وفي أ: "أمرونا".]] الْعَزِيمَةَ أَنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ يَدٌ [[في ر: "يدان".]] بِقِتَالِنَا [[في أ: "أن تقاتلونا".]] فَقَالَ عُبَادَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنَ الْيَهُودِ كَانَتْ شَدِيدَةً أَنْفُسُهُمْ، كَثِيرًا سِلَاحُهُمْ، شَدِيدَةً شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَةِ يَهُودَ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ يَهُودٍ [[في أ: "ولاية يهودي".]] أَنَا رَجُلٌ لَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْحُبَابِ أَرَأَيْتَ الَّذِي نَفَّسْتَ بِهِ مِنْ وَلَاءِ [[في د، أ: "ولاية يهودي".]] يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَهُوَ لَكَ دُونَهُ؟ " فَقَالَ: إِذًا أقبلُ! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] . [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٦) .]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ أَوَّلَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَهُودِ نَقَضَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنُو قَيْنُقَاعَ. فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالي. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِي. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. "أَرْسِلْنِي". وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رُئِي لِوَجْهِهِ ظُلَلًا ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي". قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالي، أَرْبَعِمِائَةِ حَاسِرٍ، وَثَلَاثِمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ [[في ر: "تحصدني"، وفي أ: "ويحصرني".]] فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟! إِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُم لَكَ." [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٨) ط، المغرب.]]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ يَسار، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَقَامَ دُونَهُمْ، وَمَشَى [[في ر: "مشى".]] عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ، لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلَ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجَعَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفَ الْكُفَّارِ وَوَلَايَتِهِمْ. فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الْآيَاتُ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٦] [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٩) ط، المغرب. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤٩) وتفسير الطبري (١٠/٣٩٦، ٣٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محمد بن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبّ يَهُودَ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَاتَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. [[المسند (٥/٢٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٤) .]]
5:52فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ
يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ [[في أ: "خبر".]] أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْب، عَنْ عِياض: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَجِبَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لِحَفِيظٌ، هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مَنِ الشَّامِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ [أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ عُمَرُ: أجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَظَنَنَّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ. وَحَدَّثَنَا [[في أ: "ثم قال: وحدثنا".]] أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَرَيْبٌ، وَنِفَاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أَمْرٌ مِنْ ظَفْرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي الْقَضَاءَ والفصلِ ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ وَالَوُا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ مِنَ الْمُوَالَاةِ ﴿نَادِمِينَ﴾ أَيْ: عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، مِمَّا لَمَّ يُجْد عَنْهُمْ [[في أ: "عندهم".]] شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُورًا، بَلْ كَانَ عَيْنَ الْمُفْسِدَةِ، فَإِنَّهُمْ فُضِحُوا، وَأَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا يُدْرَى كَيْفَ حَالُهُمْ. فَلَمَّا انْعَقَدَتِ الْأَسْبَابُ الْفَاضِحَةُ لَهُمْ، تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُونَ، فَبَانَ كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ ﴿وَيَقُولُ﴾ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ "أَنْ يَأْتِيَ" "وَأَنْ يَقُولَ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حِينَئِذٍ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ، فَذَكَرَ السُّدِّي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَهَوَّدُ مَعَهُ، لَعَلَّهُ يَنْفَعُنِي إِذَا وَقَعَ أَمْرٌ أَوْ حَدَثَ حَادِثٌ! وَقَالَ الْآخَرُ: وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى فُلَانٍ النَّصْرَانِيُّ بِالشَّامِ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابة بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة، فَسَأَلُوهُ: مَاذَا هُوَ صَانِعٌ بِنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، أَيْ: إِنَّهُ الذَّبْحُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: نزلت فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُول، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَوَالِي مَنْ يَهُودٍ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودٍ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إِنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ، لَا أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ مَوَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: "يَا أَبَا الحُباب، مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ". قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ بَدْرٍ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ! فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: أَغَرَّكُمْ أَنْ أَصَبْتُمْ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ!! أَمَا لَوْ أمْرَرْنا [[في ر: "أصررنا" وفي أ: "أمرونا".]] الْعَزِيمَةَ أَنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ يَدٌ [[في ر: "يدان".]] بِقِتَالِنَا [[في أ: "أن تقاتلونا".]] فَقَالَ عُبَادَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنَ الْيَهُودِ كَانَتْ شَدِيدَةً أَنْفُسُهُمْ، كَثِيرًا سِلَاحُهُمْ، شَدِيدَةً شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَةِ يَهُودَ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ يَهُودٍ [[في أ: "ولاية يهودي".]] أَنَا رَجُلٌ لَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْحُبَابِ أَرَأَيْتَ الَّذِي نَفَّسْتَ بِهِ مِنْ وَلَاءِ [[في د، أ: "ولاية يهودي".]] يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَهُوَ لَكَ دُونَهُ؟ " فَقَالَ: إِذًا أقبلُ! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] . [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٦) .]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ أَوَّلَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَهُودِ نَقَضَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنُو قَيْنُقَاعَ. فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالي. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِي. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. "أَرْسِلْنِي". وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رُئِي لِوَجْهِهِ ظُلَلًا ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي". قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالي، أَرْبَعِمِائَةِ حَاسِرٍ، وَثَلَاثِمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ [[في ر: "تحصدني"، وفي أ: "ويحصرني".]] فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟! إِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُم لَكَ." [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٨) ط، المغرب.]]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ يَسار، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَقَامَ دُونَهُمْ، وَمَشَى [[في ر: "مشى".]] عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ، لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلَ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجَعَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفَ الْكُفَّارِ وَوَلَايَتِهِمْ. فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الْآيَاتُ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٦] [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٩) ط، المغرب. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤٩) وتفسير الطبري (١٠/٣٩٦، ٣٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محمد بن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبّ يَهُودَ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَاتَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. [[المسند (٥/٢٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٤) .]]
5:53وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ
يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ [[في أ: "خبر".]] أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْب، عَنْ عِياض: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَجِبَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لِحَفِيظٌ، هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مَنِ الشَّامِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ [أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ عُمَرُ: أجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ﴾ [[زيادة من أ.]]
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَظَنَنَّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] الْآيَةَ. وَحَدَّثَنَا [[في أ: "ثم قال: وحدثنا".]] أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَرَيْبٌ، وَنِفَاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أَمْرٌ مِنْ ظَفْرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي الْقَضَاءَ والفصلِ ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قَالَ السُّدِّي: يعني ضرب الجزية على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ وَالَوُا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ مِنَ الْمُوَالَاةِ ﴿نَادِمِينَ﴾ أَيْ: عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، مِمَّا لَمَّ يُجْد عَنْهُمْ [[في أ: "عندهم".]] شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُورًا، بَلْ كَانَ عَيْنَ الْمُفْسِدَةِ، فَإِنَّهُمْ فُضِحُوا، وَأَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا يُدْرَى كَيْفَ حَالُهُمْ. فَلَمَّا انْعَقَدَتِ الْأَسْبَابُ الْفَاضِحَةُ لَهُمْ، تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُونَ، فَبَانَ كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ ﴿وَيَقُولُ﴾ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تَقْدِيرُهُ "أَنْ يَأْتِيَ" "وَأَنْ يَقُولَ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حِينَئِذٍ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ، فَذَكَرَ السُّدِّي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَهَوَّدُ مَعَهُ، لَعَلَّهُ يَنْفَعُنِي إِذَا وَقَعَ أَمْرٌ أَوْ حَدَثَ حَادِثٌ! وَقَالَ الْآخَرُ: وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى فُلَانٍ النَّصْرَانِيُّ بِالشَّامِ، فَآوِي إِلَيْهِ وَأَتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَاتِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابة بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة، فَسَأَلُوهُ: مَاذَا هُوَ صَانِعٌ بِنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، أَيْ: إِنَّهُ الذَّبْحُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقِيلَ: نزلت فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُول، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَوَالِي مَنْ يَهُودٍ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودٍ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إِنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ، لَا أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ مَوَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: "يَا أَبَا الحُباب، مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ". قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ بَدْرٍ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ! فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: أَغَرَّكُمْ أَنْ أَصَبْتُمْ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ!! أَمَا لَوْ أمْرَرْنا [[في ر: "أصررنا" وفي أ: "أمرونا".]] الْعَزِيمَةَ أَنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ يَدٌ [[في ر: "يدان".]] بِقِتَالِنَا [[في أ: "أن تقاتلونا".]] فَقَالَ عُبَادَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنَ الْيَهُودِ كَانَتْ شَدِيدَةً أَنْفُسُهُمْ، كَثِيرًا سِلَاحُهُمْ، شَدِيدَةً شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَةِ يَهُودَ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ يَهُودٍ [[في أ: "ولاية يهودي".]] أَنَا رَجُلٌ لَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْحُبَابِ أَرَأَيْتَ الَّذِي نَفَّسْتَ بِهِ مِنْ وَلَاءِ [[في د، أ: "ولاية يهودي".]] يَهُودَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَهُوَ لَكَ دُونَهُ؟ " فَقَالَ: إِذًا أقبلُ! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] . [[تفسير الطبري (١٠/٣٩٦) .]]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ أَوَّلَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَهُودِ نَقَضَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنُو قَيْنُقَاعَ. فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالي. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِي. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. "أَرْسِلْنِي". وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رُئِي لِوَجْهِهِ ظُلَلًا ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي". قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالي، أَرْبَعِمِائَةِ حَاسِرٍ، وَثَلَاثِمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ [[في ر: "تحصدني"، وفي أ: "ويحصرني".]] فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟! إِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُم لَكَ." [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٨) ط، المغرب.]]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ يَسار، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَقَامَ دُونَهُمْ، وَمَشَى [[في ر: "مشى".]] عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ، لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلَ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجَعَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَأَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفَ الْكُفَّارِ وَوَلَايَتِهِمْ. فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الْآيَاتُ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٦] [[سيرة ابن إسحاق برقم (٤٩٩) ط، المغرب. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤٩) وتفسير الطبري (١٠/٣٩٦، ٣٩٧) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محمد بن إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبّ يَهُودَ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَاتَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. [[المسند (٥/٢٠١) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٤) .]]
5:54يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ [[في ر: "منهم".]] وَأَشَدُّ مَنْعَةً وَأَقْوَمُ سَبِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النِّسَاءِ:١٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ:١٩، ٢٠] أَيْ: بِمُمْتَنَعٍ وَلَا صَعْبٍ. وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أَيْ: يَرْجِعُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْوُلَاةِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ [[في أ: "وقال ابن عباس".]] ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هُمْ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ. وَقَالَ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ سَبَأٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَة، ثُمَّ مِنَ السَّكُون.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ حَفْصٍ-عَنْ أَبِي زِيَادٍ الْحِلْفَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: "هَؤُلَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السكون، ثم من تُجِيبَ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) "مجمع البحرين" من طريق معاوية بن حفص، عن أبي زياد إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن قيس الأسدي، عن محمد بن المنكدر به، وقال: "لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عنه إلا معاوية. تفرد به أبو حميد، فزاد هنا محمد بن قيس الأسدي".
وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٩٥) ولم يذكر محمد بن قيس في سنده كما هو هنا في تفسيره، وقال: سمعت أبي يقول: "هذا حديث باطل".
تنبيه: وقع هنا أبي زياد الحلفاني وفي العلل: الخلقاني، وهو الصواب "الخلقاني" كما في "الاستغناء في المشهورين من حملة العلم بالكنى" لابن عبد البر (٢/١١٩٩) .]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ-حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، سَمِعْتُ عِيَاضًا يُحَدِّثُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ قَوْمُ هَذَا". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٤١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٢٣) وابن سعد في الطبقات (٤/١٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٧١) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٥٩) من طريق شعبة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الكُمَّل أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا [[في ر: "لمتواضعا".]] لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩] . وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: "الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ" فَهُوَ ضَحُوكٌ لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّالٌ لِأَعْدَائِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أَيْ: لَا يَرَدُّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَحِيكُ فِيهِمْ لَوْمُ [[في أ: "لومة".]] لَائِمٍ وَلَا عَذَلُ عَاذِلٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلَامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي [[في د: "أخبرني".]] خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنَّ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. [[المسند (٥/١٥٩) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ أَبِي [[في د: "ابن".]] الْمُثَنَّى؛ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: بَايَعَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَوَاثَقَنِي سَبْعًا، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ تِسْعًا، أَنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ إِلَى بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَبَسَطْتُ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ: عَلَى أَلَّا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "ولا سوطك وإن سَقَطَ مِنْكَ يَعْنِي [[في أ: "حتى".]] تَنْزِلُ إِلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ." [[المسند (٥/١٧٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنِ الْمُعَلَّى القُرْدوسي، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في د: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ أَحَدَكُمْ رَهْبةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْلٍ، وَلَا يُبَاعد مَنْ رِزْقٍ [[في ر: "لا يباعد من أجل ولا يقرب من رزق".]] أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ [[في أ: "وأن يذكره".]] بِعَظِيمٍ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٥٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، فَلَا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ قُلْتَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةَ النَّاسِ. فَيَقُولُ: إِيَّايَ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ بِهِ. [[المسند (٣/٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) ، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]] وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي طُوَالة [[في أ: "عبد الرحمن بن أبي طوالة".]] عَنْ نَهَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُهُ يَقُولُ لَهُ: أيْ عَبْدِي، رَأَيْتَ مُنْكَرًا فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ فَإِذَا لَقَّن اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: أيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ وَخِفْتُ النَّاسَ". [[المسند (٣/٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "مَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَتَحَمَّلُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ". [[لم أجده أثناء البحث في الصحيحين ولعلي أتداركه فيما بعد. وقد رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ عن جندب، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.]]
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَاسْعُ الْفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ يَحْرمه إِيَّاهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْيَهُودُ بِأَوْلِيَائِكُمْ، بَلْ وِلَايَتُكُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى الله ورسوله والمؤمنين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [وَهُمْ رَاكِعُونَ] ﴾ [[زيادة من د.]] أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لَهُ وَحْدَهُ [[في ر، أ: "وهي عبادة الله وحده".]] لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ وَمُسَاعَدَةٌ لِلْمُحْتَاجِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: [ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ فِي حَالِ رُكُوعِهِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [[ورواه الطبري في تفسيره (١٠/٤٢٦) من طريق إسماعيل الرملي، عن أيوب بن سويد به.]]
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، تَصَّدَق وَهُوَ رَاكِعٌ [[تفسير الطبري (١٠/٤٢٦) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.
الضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ -وَهُوَ مَتْرُوكٌ-عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، بَيْنَ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَإِذَا مِسْكِينٌ يَسْأَلُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "مَنْ؟ " قَالَ: ذَلِكَ [[في ر: "ذاك".]] الرَّجُلُ الْقَائِمُ. قَالَ: "عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ؟ " قَالَ: وَهُوَ رَاكِعٌ، قَالَ: "وَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ". قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يُفْرَحُ بِهِ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَردُويَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَفْسِهِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. وَلَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا. ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ، عَنْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ [الْآيَةِ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قُلْنَا: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا! قُلْنَا: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ! قَالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْنَا [[في ر، أ: "أوردناها".]] أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَبَرَّأَ مِنْ حلْف يَهُود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١، ٢٢] .
فَكُلُّ مَنْ رَضِيَ بِوِلَايَةِ [[في أ: "بمولات".]] اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [وَمَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
5:55إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ [[في ر: "منهم".]] وَأَشَدُّ مَنْعَةً وَأَقْوَمُ سَبِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النِّسَاءِ:١٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ:١٩، ٢٠] أَيْ: بِمُمْتَنَعٍ وَلَا صَعْبٍ. وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أَيْ: يَرْجِعُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْوُلَاةِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ [[في أ: "وقال ابن عباس".]] ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هُمْ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ. وَقَالَ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ سَبَأٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَة، ثُمَّ مِنَ السَّكُون.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ حَفْصٍ-عَنْ أَبِي زِيَادٍ الْحِلْفَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: "هَؤُلَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السكون، ثم من تُجِيبَ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) "مجمع البحرين" من طريق معاوية بن حفص، عن أبي زياد إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن قيس الأسدي، عن محمد بن المنكدر به، وقال: "لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عنه إلا معاوية. تفرد به أبو حميد، فزاد هنا محمد بن قيس الأسدي".
وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٩٥) ولم يذكر محمد بن قيس في سنده كما هو هنا في تفسيره، وقال: سمعت أبي يقول: "هذا حديث باطل".
تنبيه: وقع هنا أبي زياد الحلفاني وفي العلل: الخلقاني، وهو الصواب "الخلقاني" كما في "الاستغناء في المشهورين من حملة العلم بالكنى" لابن عبد البر (٢/١١٩٩) .]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ-حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، سَمِعْتُ عِيَاضًا يُحَدِّثُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ قَوْمُ هَذَا". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٤١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٢٣) وابن سعد في الطبقات (٤/١٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٧١) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٥٩) من طريق شعبة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الكُمَّل أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا [[في ر: "لمتواضعا".]] لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩] . وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: "الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ" فَهُوَ ضَحُوكٌ لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّالٌ لِأَعْدَائِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أَيْ: لَا يَرَدُّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَحِيكُ فِيهِمْ لَوْمُ [[في أ: "لومة".]] لَائِمٍ وَلَا عَذَلُ عَاذِلٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلَامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي [[في د: "أخبرني".]] خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنَّ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. [[المسند (٥/١٥٩) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ أَبِي [[في د: "ابن".]] الْمُثَنَّى؛ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: بَايَعَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَوَاثَقَنِي سَبْعًا، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ تِسْعًا، أَنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ إِلَى بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَبَسَطْتُ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ: عَلَى أَلَّا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "ولا سوطك وإن سَقَطَ مِنْكَ يَعْنِي [[في أ: "حتى".]] تَنْزِلُ إِلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ." [[المسند (٥/١٧٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنِ الْمُعَلَّى القُرْدوسي، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في د: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ أَحَدَكُمْ رَهْبةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْلٍ، وَلَا يُبَاعد مَنْ رِزْقٍ [[في ر: "لا يباعد من أجل ولا يقرب من رزق".]] أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ [[في أ: "وأن يذكره".]] بِعَظِيمٍ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٥٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، فَلَا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ قُلْتَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةَ النَّاسِ. فَيَقُولُ: إِيَّايَ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ بِهِ. [[المسند (٣/٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) ، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]] وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي طُوَالة [[في أ: "عبد الرحمن بن أبي طوالة".]] عَنْ نَهَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُهُ يَقُولُ لَهُ: أيْ عَبْدِي، رَأَيْتَ مُنْكَرًا فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ فَإِذَا لَقَّن اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: أيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ وَخِفْتُ النَّاسَ". [[المسند (٣/٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "مَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَتَحَمَّلُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ". [[لم أجده أثناء البحث في الصحيحين ولعلي أتداركه فيما بعد. وقد رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ عن جندب، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.]]
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَاسْعُ الْفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ يَحْرمه إِيَّاهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْيَهُودُ بِأَوْلِيَائِكُمْ، بَلْ وِلَايَتُكُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى الله ورسوله والمؤمنين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [وَهُمْ رَاكِعُونَ] ﴾ [[زيادة من د.]] أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لَهُ وَحْدَهُ [[في ر، أ: "وهي عبادة الله وحده".]] لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ وَمُسَاعَدَةٌ لِلْمُحْتَاجِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: [ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ فِي حَالِ رُكُوعِهِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [[ورواه الطبري في تفسيره (١٠/٤٢٦) من طريق إسماعيل الرملي، عن أيوب بن سويد به.]]
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، تَصَّدَق وَهُوَ رَاكِعٌ [[تفسير الطبري (١٠/٤٢٦) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.
الضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ -وَهُوَ مَتْرُوكٌ-عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، بَيْنَ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَإِذَا مِسْكِينٌ يَسْأَلُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "مَنْ؟ " قَالَ: ذَلِكَ [[في ر: "ذاك".]] الرَّجُلُ الْقَائِمُ. قَالَ: "عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ؟ " قَالَ: وَهُوَ رَاكِعٌ، قَالَ: "وَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ". قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يُفْرَحُ بِهِ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَردُويَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَفْسِهِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. وَلَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا. ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ، عَنْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ [الْآيَةِ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قُلْنَا: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا! قُلْنَا: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ! قَالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْنَا [[في ر، أ: "أوردناها".]] أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَبَرَّأَ مِنْ حلْف يَهُود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١، ٢٢] .
فَكُلُّ مَنْ رَضِيَ بِوِلَايَةِ [[في أ: "بمولات".]] اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [وَمَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
5:56وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ [[في ر: "منهم".]] وَأَشَدُّ مَنْعَةً وَأَقْوَمُ سَبِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النِّسَاءِ:١٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ:١٩، ٢٠] أَيْ: بِمُمْتَنَعٍ وَلَا صَعْبٍ. وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أَيْ: يَرْجِعُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْوُلَاةِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ [[في أ: "وقال ابن عباس".]] ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هُمْ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ. وَقَالَ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ سَبَأٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَة، ثُمَّ مِنَ السَّكُون.
وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ حَفْصٍ-عَنْ أَبِي زِيَادٍ الْحِلْفَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ: "هَؤُلَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السكون، ثم من تُجِيبَ". [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٢) "مجمع البحرين" من طريق معاوية بن حفص، عن أبي زياد إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن قيس الأسدي، عن محمد بن المنكدر به، وقال: "لم يروه عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد، ولا عنه إلا معاوية. تفرد به أبو حميد، فزاد هنا محمد بن قيس الأسدي".
وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٩٥) ولم يذكر محمد بن قيس في سنده كما هو هنا في تفسيره، وقال: سمعت أبي يقول: "هذا حديث باطل".
تنبيه: وقع هنا أبي زياد الحلفاني وفي العلل: الخلقاني، وهو الصواب "الخلقاني" كما في "الاستغناء في المشهورين من حملة العلم بالكنى" لابن عبد البر (٢/١١٩٩) .]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ-حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاك، سَمِعْتُ عِيَاضًا يُحَدِّثُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمْ قَوْمُ هَذَا". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِنَحْوِهِ. [[تفسير الطبري (١٠/٤١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١٢٣) وابن سعد في الطبقات (٤/١٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٧١) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٥٩) من طريق شعبة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الكُمَّل أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا [[في ر: "لمتواضعا".]] لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩] . وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: "الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ" فَهُوَ ضَحُوكٌ لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّالٌ لِأَعْدَائِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أَيْ: لَا يَرَدُّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَحِيكُ فِيهِمْ لَوْمُ [[في أ: "لومة".]] لَائِمٍ وَلَا عَذَلُ عَاذِلٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلَامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي [[في د: "أخبرني".]] خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنَّ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. [[المسند (٥/١٥٩) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ أَبِي [[في د: "ابن".]] الْمُثَنَّى؛ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: بَايَعَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَوَاثَقَنِي سَبْعًا، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ تِسْعًا، أَنِّي لَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ إِلَى بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَبَسَطْتُ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ: عَلَى أَلَّا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "ولا سوطك وإن سَقَطَ مِنْكَ يَعْنِي [[في أ: "حتى".]] تَنْزِلُ إِلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ." [[المسند (٥/١٧٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنِ الْمُعَلَّى القُرْدوسي، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في د: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ أَحَدَكُمْ رَهْبةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْلٍ، وَلَا يُبَاعد مَنْ رِزْقٍ [[في ر: "لا يباعد من أجل ولا يقرب من رزق".]] أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ [[في أ: "وأن يذكره".]] بِعَظِيمٍ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٥٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، فَلَا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ قُلْتَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةَ النَّاسِ. فَيَقُولُ: إِيَّايَ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ بِهِ. [[المسند (٣/٧٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) ، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]] وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي طُوَالة [[في أ: "عبد الرحمن بن أبي طوالة".]] عَنْ نَهَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [[في ر: "عن أبي سعيد مرفوعا".]] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُهُ يَقُولُ لَهُ: أيْ عَبْدِي، رَأَيْتَ مُنْكَرًا فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ فَإِذَا لَقَّن اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: أيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ وَخِفْتُ النَّاسَ". [[المسند (٣/٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "مَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَتَحَمَّلُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ". [[لم أجده أثناء البحث في الصحيحين ولعلي أتداركه فيما بعد. وقد رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٥٤) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ عن جندب، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب". وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف.]]
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: وَاسْعُ الْفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ يَحْرمه إِيَّاهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: لَيْسَ الْيَهُودُ بِأَوْلِيَائِكُمْ، بَلْ وِلَايَتُكُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى الله ورسوله والمؤمنين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [وَهُمْ رَاكِعُونَ] ﴾ [[زيادة من د.]] أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لَهُ وَحْدَهُ [[في ر، أ: "وهي عبادة الله وحده".]] لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ وَمُسَاعَدَةٌ لِلْمُحْتَاجِينَ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: [ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ فِي حَالِ رُكُوعِهِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [[ورواه الطبري في تفسيره (١٠/٤٢٦) من طريق إسماعيل الرملي، عن أيوب بن سويد به.]]
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، تَصَّدَق وَهُوَ رَاكِعٌ [[تفسير الطبري (١٠/٤٢٦) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.
الضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ -وَهُوَ مَتْرُوكٌ-عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، بَيْنَ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَإِذَا مِسْكِينٌ يَسْأَلُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "مَنْ؟ " قَالَ: ذَلِكَ [[في ر: "ذاك".]] الرَّجُلُ الْقَائِمُ. قَالَ: "عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ؟ " قَالَ: وَهُوَ رَاكِعٌ، قَالَ: "وَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ". قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يُفْرَحُ بِهِ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَردُويَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَفْسِهِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. وَلَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا. ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ، عَنْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ [الْآيَةِ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قُلْنَا: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا! قُلْنَا: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ! قَالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْنَا [[في ر، أ: "أوردناها".]] أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَبَرَّأَ مِنْ حلْف يَهُود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١، ٢٢] .
فَكُلُّ مَنْ رَضِيَ بِوِلَايَةِ [[في أ: "بمولات".]] اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [وَمَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
5:57يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
وَهَذَا تَنْفِيرٌ مِنْ مُوَالَاةِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مِنَ الْكِتَابِيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَفْضَلَ مَا يَعْمَلُهُ الْعَامِلُونَ، وَهِيَ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ الْمُطَهَّرَةُ الْمُحْكَمَةُ المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يَتَّخِذُونَهَا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يَسْتَهْزِئُونَ [[في أ: "مستهزئون".]] بِهَا، ﴿وَلَعِبًا﴾ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّعِبِ فِي نَظَرِهِمُ الْفَاسِدِ، وَفِكْرِهِمُ الْبَارِدِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: [[هو "أبو الطيب المتنبي" كما في حاشية طبعة الشعب.]]
وَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ ...
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ "مِنْ" هَهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ [الْحَجِّ:٣٠] ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بِالْخَفْضِ عَطْفًا، وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَعْمُولٌ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: وَلَا الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ، أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءَ.
وَالْمُرَادُ بِالْكُفَّارِ هَهُنَا الْمُشْرِكُونَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِيهَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءَ لَكُمْ وَلِدِينِكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْعِ اللَّهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ هَؤُلَاءِ هُزُوًا وَلَعِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] .
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ إِذَا أَذَّنْتُمْ دَاعِينَ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أَيْضًا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ مَعَانِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَشَرَائِعِهِ، وَهَذِهِ صِفَاتُ أَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ الَّذِي "إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَدْبَرَ وَلَهُ حُصَاص، أَيْ: ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّب بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي [[في أ: "لم يدر".]] كَمْ صلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] التَّأْذِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي يُنَادِي: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" قَالَ: حُرّق الْكَاذِبُ! فَدَخَلَتْ خَادِمَةٌ [[في أ: "فدخل خادمه".]] لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِنَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَسَقَطَتْ شَرَارَةٌ فَأَحْرَقَتِ الْبَيْتَ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار فِي السِّيرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الكعبة عام الفتح، ومعه بِلَالٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أُسَيْدًا أَلَّا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ لَاتَّبَعْتُهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا لَوْ تكلمتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الْحَصَى. فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُمْ" ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، [وَاللَّهِ] [[زيادة من أ.]] مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولُ أَخْبَرَكَ. [[السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤١٣) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْح بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أخبرنا عبد العزير بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيريز أَخْبَرَهُ -وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ-قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي مَحْذُورَةَ: يَا عَمُّ، إِنِّي خَارِجٌ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُسأل عَنْ تَأْذِينِكَ. فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ لَهُ: نَعَمْ خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، وَكُنَّا [[في ر: "فكنا".]] بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، مَقْفَلَ [[في أ: "فقفل".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْن، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْنُ مُتَنَكِّبُونَ [[في أ: "متكئون".]] فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ وَنَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا إِلَى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّكُمُ الَّذِي سمعتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ " فَأَشَارَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَيَّ، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَ كلَّهم وَحَبَسَنِي. وَقَالَ [[في أ: "فقال".]] "قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ". فَقُمْتُ وَلَا شَيْءَ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ: "قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، " ثُمَّ قَالَ لِي: "ارْجِعْ فَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّة فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ [[في أ: "يديه".]] ثُمَّ عَلَى كَبِدِهِ حَتَّى بَلَغَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ سُرَّةَ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْني بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ. فَقَالَ قَدْ "أَمَرْتُكَ بِهِ". وَذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَرَاهَةٍ، وَعَادَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأَذَّنْتُ مَعَهُ بِالصَّلَاةِ عَنْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرَنِي ذَلِكَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَهْلِي مِمَّنْ أَدْرَكَ أَبَا مَحْذُورَةَ، عَلَى نَحْوِ مَا أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيريز.
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقٍ [[في أ: "طرق".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ [[المسند (٣/٤٠٨) وصحيح مسلم برقم (٣٧٩) وسنن أبي داود (٥٠٢) وسنن الترمذي برقم (١٩١) وسنن النسائي (٢/٤) وسنن ابن ماجة برقم (٧٠٨) .]] -وَاسْمُهُ: سَمُرَة بْنُ مِعْيرَ بْنِ لَوْذَانَ-أَحَدُ مُؤَذِّنِي رسول الله ﷺ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مُؤَذِّنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَامْتَدَّتْ أَيَّامُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
5:58وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ
وَهَذَا تَنْفِيرٌ مِنْ مُوَالَاةِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مِنَ الْكِتَابِيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَفْضَلَ مَا يَعْمَلُهُ الْعَامِلُونَ، وَهِيَ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ الْمُطَهَّرَةُ الْمُحْكَمَةُ المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يَتَّخِذُونَهَا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يَسْتَهْزِئُونَ [[في أ: "مستهزئون".]] بِهَا، ﴿وَلَعِبًا﴾ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّعِبِ فِي نَظَرِهِمُ الْفَاسِدِ، وَفِكْرِهِمُ الْبَارِدِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: [[هو "أبو الطيب المتنبي" كما في حاشية طبعة الشعب.]]
وَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ ...
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ "مِنْ" هَهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ [الْحَجِّ:٣٠] ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بِالْخَفْضِ عَطْفًا، وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَعْمُولٌ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: وَلَا الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ، أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءَ.
وَالْمُرَادُ بِالْكُفَّارِ هَهُنَا الْمُشْرِكُونَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِيهَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءَ لَكُمْ وَلِدِينِكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْعِ اللَّهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ هَؤُلَاءِ هُزُوًا وَلَعِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] .
* *
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أَيْ: وَكَذَلِكَ إِذَا أَذَّنْتُمْ دَاعِينَ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أَيْضًا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ مَعَانِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَشَرَائِعِهِ، وَهَذِهِ صِفَاتُ أَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ الَّذِي "إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَدْبَرَ وَلَهُ حُصَاص، أَيْ: ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّب بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي [[في أ: "لم يدر".]] كَمْ صلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] التَّأْذِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي يُنَادِي: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" قَالَ: حُرّق الْكَاذِبُ! فَدَخَلَتْ خَادِمَةٌ [[في أ: "فدخل خادمه".]] لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِنَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَسَقَطَتْ شَرَارَةٌ فَأَحْرَقَتِ الْبَيْتَ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار فِي السِّيرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الكعبة عام الفتح، ومعه بِلَالٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أُسَيْدًا أَلَّا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ لَاتَّبَعْتُهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا لَوْ تكلمتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الْحَصَى. فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُمْ" ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، [وَاللَّهِ] [[زيادة من أ.]] مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولُ أَخْبَرَكَ. [[السيرة النبوية لابن هشام (٢/٤١٣) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْح بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أخبرنا عبد العزير بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيريز أَخْبَرَهُ -وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ-قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي مَحْذُورَةَ: يَا عَمُّ، إِنِّي خَارِجٌ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُسأل عَنْ تَأْذِينِكَ. فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ لَهُ: نَعَمْ خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، وَكُنَّا [[في ر: "فكنا".]] بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، مَقْفَلَ [[في أ: "فقفل".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْن، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْنُ مُتَنَكِّبُونَ [[في أ: "متكئون".]] فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ وَنَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا إِلَى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّكُمُ الَّذِي سمعتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ " فَأَشَارَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَيَّ، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَ كلَّهم وَحَبَسَنِي. وَقَالَ [[في أ: "فقال".]] "قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ". فَقُمْتُ وَلَا شَيْءَ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ: "قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، " ثُمَّ قَالَ لِي: "ارْجِعْ فَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّة فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ [[في أ: "يديه".]] ثُمَّ عَلَى كَبِدِهِ حَتَّى بَلَغَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ سُرَّةَ أَبِي مَحْذُورَةَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْني بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ. فَقَالَ قَدْ "أَمَرْتُكَ بِهِ". وَذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَرَاهَةٍ، وَعَادَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأَذَّنْتُ مَعَهُ بِالصَّلَاةِ عَنْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرَنِي ذَلِكَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَهْلِي مِمَّنْ أَدْرَكَ أَبَا مَحْذُورَةَ، عَلَى نَحْوِ مَا أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيريز.
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقٍ [[في أ: "طرق".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ [[المسند (٣/٤٠٨) وصحيح مسلم برقم (٣٧٩) وسنن أبي داود (٥٠٢) وسنن الترمذي برقم (١٩١) وسنن النسائي (٢/٤) وسنن ابن ماجة برقم (٧٠٨) .]] -وَاسْمُهُ: سَمُرَة بْنُ مِعْيرَ بْنِ لَوْذَانَ-أَحَدُ مُؤَذِّنِي رسول الله ﷺ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مُؤَذِّنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَامْتَدَّتْ أَيَّامُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
5:59قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".
ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.
رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]
قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]
5:60قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".
ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.
رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]
قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]
5:61وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".
ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.
رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]
قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]
5:62وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".
ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.
رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]
قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]
5:63لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [[في ر: "دينهم".]] هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَلْ لَكَمَ عَلَيْنَا مَطْعَنٌ أَوْ عَيْبٌ إِلَّا هَذَا؟ وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا مَذَمَّةٍ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا [[في د: "منقطع".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ:٨] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٤] وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَميل إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٤٦٨) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: وَآمَنَّا بِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ: خَارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ جَزَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وَهُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَصِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: غَضَبًا لَا يَرْضَى بَعْدَهُ أَبَدًا، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من أ.]]
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثَد، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلا وَلَا عَقِبًا [[في أ: "عاقبة".]] وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كانت قبل ذلك".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ومِسْعَر كِلَاهُمَا، عَنْ مُغِيرة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٦٦٣) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا [[في ر، أ: "قوما قط".]] فَيَمْسَخُهُمْ [[في ر، أ: "فمسخهم".]] فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ، وَلَكِنْ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ فَمَسَخَهُمْ، جَعَلَهُمْ [[في أ: "فجعلهم".]] مِثْلَهُمْ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٣٠٧) ومسند أحمد (١/٣٩٥) وفي إسناده محمد بن زيد الكندي وهو مجهول، وأبو الأعين العبدي ضعيف.]]
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ [[في أ: "حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح".]] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَيَّاتُ مَسْخ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٨٠) "موارد" والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٤١) والبزار في مسنده برقم (١٢٣٢) "كشف الأستار" وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٠) من طرق عن عبد العزيز بن المختار به.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: "هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس في حديثه".
ولم يتبين لي وجه غرابته عند الحافظ ابن كثير إلا أن يكون قصد أن عبد العزيز بن المختار قد خالفه فيه معمر، فرواه عن أيوب عن عكرمة به موقوفاً.
رواه الطبراني فى المعجم الكبير (١١/٣٤١) . فهذا بعيد وهو محتمل، وقد صحح هذا الحديث الحافظ المقدسى في المختارة، كما في السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الألباني (٤/٤٣٩) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وَقُرِئَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، "وَالطَّاغُوتَ" مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ: وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقُرِئَ: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتَ﴾ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ: خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ. وَقُرِئَ ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ: عَبْدُ وعَبيد وعُبُد، مِثْلَ ثِمَارٍ وثُمُر. حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. وَحُكِيَ عَنْ بُرَيْدةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "وعَابد الطَّاغُوتِ"، وَعَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: "وَعَبَدُوا"، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعُبِدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ مَعْنَاهَا. وَالظَّاهِرُ [[في أ: "والظاهر على".]] أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ، أَيْ: وَقَدْ عُبِدَتِ الطَّاغُوتُ فِيكُمْ، وَكُنْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّكُمْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الطَّاعِنِينَ فِي دِينِنَا، وَالَّذِي [[في ر: "الذي".]] هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ [مَا] [[زيادة من ر، أ.]] سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ [[في أ: "فيكم".]] جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أَيْ: مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلَ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] أَيْ [[في ر، أ: "إلى".]] عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ: مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فِيهَا، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ﴾ [[زيادة من ر، أ، وهو الصواب".]] فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَالِمٌ بِسَرَائِرِهِمْ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُهُمْ [[في ر: "ضمائركم".]] وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتَزَيَّنُوا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، فَإِنَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَبِئْسَ [[في ر: "أي بئس".]] الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ. [[في ر، أ: "وبئس الاعتماد اعتمادهم".]]
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قَالَ: كَذَا قَرَأَ.
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا: إِنَّا لَا نَنْهَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ [[في أ: "يذكر".]] يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْوَضَّاحِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ الهمذاني، قَالَ: رَأَيْتُهُ [[في ر، أ: "لقيته".]] بالرِّيِّ فَحَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَر قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إنما هلك من كان [[في ر: إنما هلك من هلك".]] قبلكم بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ. فَمُروا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا، شَرِيك، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (٤/٣٦٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) من طريق يزيد بن هارون به.]]
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مَسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣٢) من طريق مسدد، عن أبي الأحوص به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله ".]] بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٩) .]]
قَالَ الْحَافِظُ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن إسحاق، به. [[تحفة الأشراف (٢/٤٢٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٣٣١) فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، فذكره.]]
5:64وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في أ: التابعة".]] إِلَى يَوْمِ القيامة-بِأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِأَنَّهُ بَخِيلٌ. كَمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَعَبَّرُوا عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ العَدَنِيّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أَيْ: بَخِيلَةٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قَالَ: لَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ [[في ر: "منفقة".]] وَلَكِنْ يَقُولُونَ: بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ وَقَرَأَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٢٩] . يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْهَى [[في أ: "نهى".]] عَنِ الْبُخْلِ وَعَنِ التَّبْذِيرِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وعبَّر عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي فنْحاص الْيَهُودِيِّ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الَّذِي قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١٨١] فَضَرَبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ: شَاسُ [[في أ: "النباس".]] بْنُ قَيْسٍ: إِنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لَا يُنْفِقُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِمْ مَا قَالُوهُ، وَقَابَلَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَافْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ، فَقَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وَهَكَذَا [[في أ: "هكذا".]] وَقَعَ لَهُمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ وَالْجُبْنِ وَالذِّلَّةِ [[في أ: "المذلة".]] أَمْرٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ [النِّسَاءِ:٥٣ -٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١١٢] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْوَاسِعُ الْفَضْلِ، الْجَزِيلُ الْعَطَاءِ، الَّذِي مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَهُ خَزَائِنُهُ، وَهُوَ الَّذِي مَا بِخَلْقِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي خَلَقَ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فِي لَيْلِنَا وَنَهَارِنَا، وَحَضَرِنَا وَسَفَرِنَا، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأى لَا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاء اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ" قَالَ: "وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَفِي يَدِهِ الْأُخْرَى القبْض، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ": قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، الْبُخَارِيُّ في "التوحيد" عن علي بن الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَكِلَاهُمَا [[في ر، أ: "كلاهما".]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ. [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أَيْ: يَكُونُ مَا أَتَاكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النِّعْمَةِ نِقْمَةٌ فِي حَقِّ أَعْدَائِكَ مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَكَمَا يَزْدَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا صَالِحًا وَعِلْمًا نَافِعًا، يَزْدَادُ بِهِ الْكَفَرَةُ الْحَاسِدُونَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ ﴿طُغْيَانًا﴾ وَهُوَ: الْمُبَالَغَةُ وَالْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ فِي الْأَشْيَاءِ ﴿وَكُفْرًا﴾ أَيْ: تَكْذِيبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ:٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٨٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ، بَلِ الْعَدَاوَةُ وَاقِعَةٌ بَيْنَ فِرقهم بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ دَائِمًا لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَقٍّ، وَقَدْ خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قَالَ: الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: كُلَّمَا عَقَّدُوا أَسْبَابًا يَكِيدُونَكَ بِهَا، وَكُلَّمَا أَبْرَمُوا أُمُورًا يُحَارِبُونَكَ بِهَا يُبْطِلُهَا اللَّهُ وَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّئُ بِهِمْ.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: مِنْ سَجِيَّتِهِمْ أَنَّهُمْ دَائِمًا يسعوْن فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: لَأَزَلْنَا عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ ولحصّلْناهم [[في ر، أ: "ولحصلنا لهم".]] الْمَقْصُودَ.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أَيْ: لأنهم عَمِلُوا بِمَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ نَاطِقَةٌ بِتَصْدِيقِهِ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ حَتْمًا لَا مَحَالَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ [[في ر، أ: "يعني بذلك".]] كَثْرَةَ الرِّزْقِ النَّازِلِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّابِتِ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: لَأَرْسَلَ [السَّمَاءَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يُخْرِجُ مِنَ الْأَرْضِ بَرَكَاتِهَا.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ [وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٦] ، [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [الرُّومِ:٤١] . [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ كَد وَلَا تَعَبٍ وَلَا شَقَاءٍ وَلَا عَنَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكَانُوا فِي [[في أ: "إلى".]] الْخَيْرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: "هُوَ فِي الْخَيْرِ مِنْ قرَنه [[في أ: "فوقه".]] إِلَى قَدَمِهِ". ثُمَّ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ لِمُخَالَفَةِ أَقْوَالِ السَّلَفِ [["قائل هذه المقالة الفراء في كتاب معاني القرآن (١/٣١٥) " أ. هـ مستفادًا من حاشية تفسير الطبري وقد ذكرها الطبري في تفسيره (١٠/٤٦٤) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ حَدِيثَ [[في ر، أ: "حدثنا".]] عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ". فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَعَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا؟! قَالَ [[في أ: "فقال".]] ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ! إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ [[في أ: "لأري".]] مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيِسَتِ [[في أ: "وليست".]] التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾
هَكَذَا أَوْرَدَهُ [[في ر: "رواه"، وفي أ: "أورد".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدِيثًا [[في أ: "هذا الحديث".]] مُعَلَّقًا [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٤٣) والبزار في مسنده برقم (٢٣٢) "كشف الأستار" من وجه آخر: من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نفير، عن عوف بن مالك بنحوه.]] مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ، مُرْسَلًا فِي آخِرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ متصلا موصولا فقال: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيد قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقَالَ: "وَذَاكَ عِنْدَ [[في أ: "عن".]] ذَهَابِ الْعِلْمِ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ونُقْرئه أَبْنَاءَنَا، ويُقْرئه أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إِنْ كنتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن وكيع بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/١٦٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٣) : "رجال إسناده ثقات إلا أنه منقطع، قال البخاري في التاريخ الصغير: "لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد".]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٥٩] ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ أَتْبَاعِ عِيسَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْحَدِيدِ:٢٧] . فَجَعَلَ أَعْلَى مَقَامَاتِهِمُ الِاقْتِصَادَ، وَهُوَ [[في ر: "وهي".]] أَوْسَطُ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ رُتْبَةُ السَّابِقَيْنِ [[في ر: "السابقية".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢، ٣٣] . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسَى عَلَى إِحْدَى [[في د: "على اثنتين"، وفي أ: "على أحد".]] وَسَبْعِينَ مِلَّةً، سَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ، وَتَعْلُو أُمَّتِي عَلَى الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَاتُ الْجَمَاعَاتُ".
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَلَا فِيهِ قُرْآنًا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وَتَلَا أَيْضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٨١] يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. [[ورواه أبو يعلى في مسنده (٦/٣٤٠) من طريق أبي معشر، عن يعقوب بن زيد به من حديث طويل. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٥٧) : "فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف".]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا السِّيَاقِ. وحديثُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ إِلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ مَرْوي مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
5:65وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في أ: التابعة".]] إِلَى يَوْمِ القيامة-بِأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِأَنَّهُ بَخِيلٌ. كَمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَعَبَّرُوا عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ العَدَنِيّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أَيْ: بَخِيلَةٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قَالَ: لَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ [[في ر: "منفقة".]] وَلَكِنْ يَقُولُونَ: بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ وَقَرَأَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٢٩] . يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْهَى [[في أ: "نهى".]] عَنِ الْبُخْلِ وَعَنِ التَّبْذِيرِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وعبَّر عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي فنْحاص الْيَهُودِيِّ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الَّذِي قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١٨١] فَضَرَبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ: شَاسُ [[في أ: "النباس".]] بْنُ قَيْسٍ: إِنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لَا يُنْفِقُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِمْ مَا قَالُوهُ، وَقَابَلَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَافْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ، فَقَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وَهَكَذَا [[في أ: "هكذا".]] وَقَعَ لَهُمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ وَالْجُبْنِ وَالذِّلَّةِ [[في أ: "المذلة".]] أَمْرٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ [النِّسَاءِ:٥٣ -٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١١٢] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْوَاسِعُ الْفَضْلِ، الْجَزِيلُ الْعَطَاءِ، الَّذِي مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَهُ خَزَائِنُهُ، وَهُوَ الَّذِي مَا بِخَلْقِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي خَلَقَ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فِي لَيْلِنَا وَنَهَارِنَا، وَحَضَرِنَا وَسَفَرِنَا، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأى لَا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاء اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ" قَالَ: "وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَفِي يَدِهِ الْأُخْرَى القبْض، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ": قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، الْبُخَارِيُّ في "التوحيد" عن علي بن الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَكِلَاهُمَا [[في ر، أ: "كلاهما".]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ. [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أَيْ: يَكُونُ مَا أَتَاكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النِّعْمَةِ نِقْمَةٌ فِي حَقِّ أَعْدَائِكَ مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَكَمَا يَزْدَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا صَالِحًا وَعِلْمًا نَافِعًا، يَزْدَادُ بِهِ الْكَفَرَةُ الْحَاسِدُونَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ ﴿طُغْيَانًا﴾ وَهُوَ: الْمُبَالَغَةُ وَالْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ فِي الْأَشْيَاءِ ﴿وَكُفْرًا﴾ أَيْ: تَكْذِيبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ:٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٨٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ، بَلِ الْعَدَاوَةُ وَاقِعَةٌ بَيْنَ فِرقهم بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ دَائِمًا لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَقٍّ، وَقَدْ خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قَالَ: الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: كُلَّمَا عَقَّدُوا أَسْبَابًا يَكِيدُونَكَ بِهَا، وَكُلَّمَا أَبْرَمُوا أُمُورًا يُحَارِبُونَكَ بِهَا يُبْطِلُهَا اللَّهُ وَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّئُ بِهِمْ.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: مِنْ سَجِيَّتِهِمْ أَنَّهُمْ دَائِمًا يسعوْن فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: لَأَزَلْنَا عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ ولحصّلْناهم [[في ر، أ: "ولحصلنا لهم".]] الْمَقْصُودَ.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أَيْ: لأنهم عَمِلُوا بِمَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ نَاطِقَةٌ بِتَصْدِيقِهِ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ حَتْمًا لَا مَحَالَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ [[في ر، أ: "يعني بذلك".]] كَثْرَةَ الرِّزْقِ النَّازِلِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّابِتِ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: لَأَرْسَلَ [السَّمَاءَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يُخْرِجُ مِنَ الْأَرْضِ بَرَكَاتِهَا.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ [وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٦] ، [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [الرُّومِ:٤١] . [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ كَد وَلَا تَعَبٍ وَلَا شَقَاءٍ وَلَا عَنَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكَانُوا فِي [[في أ: "إلى".]] الْخَيْرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: "هُوَ فِي الْخَيْرِ مِنْ قرَنه [[في أ: "فوقه".]] إِلَى قَدَمِهِ". ثُمَّ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ لِمُخَالَفَةِ أَقْوَالِ السَّلَفِ [["قائل هذه المقالة الفراء في كتاب معاني القرآن (١/٣١٥) " أ. هـ مستفادًا من حاشية تفسير الطبري وقد ذكرها الطبري في تفسيره (١٠/٤٦٤) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ حَدِيثَ [[في ر، أ: "حدثنا".]] عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ". فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَعَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا؟! قَالَ [[في أ: "فقال".]] ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ! إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ [[في أ: "لأري".]] مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيِسَتِ [[في أ: "وليست".]] التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾
هَكَذَا أَوْرَدَهُ [[في ر: "رواه"، وفي أ: "أورد".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدِيثًا [[في أ: "هذا الحديث".]] مُعَلَّقًا [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٤٣) والبزار في مسنده برقم (٢٣٢) "كشف الأستار" من وجه آخر: من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نفير، عن عوف بن مالك بنحوه.]] مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ، مُرْسَلًا فِي آخِرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ متصلا موصولا فقال: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيد قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقَالَ: "وَذَاكَ عِنْدَ [[في أ: "عن".]] ذَهَابِ الْعِلْمِ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ونُقْرئه أَبْنَاءَنَا، ويُقْرئه أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إِنْ كنتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن وكيع بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/١٦٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٣) : "رجال إسناده ثقات إلا أنه منقطع، قال البخاري في التاريخ الصغير: "لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد".]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٥٩] ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ أَتْبَاعِ عِيسَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْحَدِيدِ:٢٧] . فَجَعَلَ أَعْلَى مَقَامَاتِهِمُ الِاقْتِصَادَ، وَهُوَ [[في ر: "وهي".]] أَوْسَطُ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ رُتْبَةُ السَّابِقَيْنِ [[في ر: "السابقية".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢، ٣٣] . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسَى عَلَى إِحْدَى [[في د: "على اثنتين"، وفي أ: "على أحد".]] وَسَبْعِينَ مِلَّةً، سَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ، وَتَعْلُو أُمَّتِي عَلَى الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَاتُ الْجَمَاعَاتُ".
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَلَا فِيهِ قُرْآنًا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وَتَلَا أَيْضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٨١] يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. [[ورواه أبو يعلى في مسنده (٦/٣٤٠) من طريق أبي معشر، عن يعقوب بن زيد به من حديث طويل. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٥٧) : "فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف".]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا السِّيَاقِ. وحديثُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ إِلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ مَرْوي مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
5:66وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في أ: التابعة".]] إِلَى يَوْمِ القيامة-بِأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِأَنَّهُ بَخِيلٌ. كَمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَعَبَّرُوا عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ العَدَنِيّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أَيْ: بَخِيلَةٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قَالَ: لَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ [[في ر: "منفقة".]] وَلَكِنْ يَقُولُونَ: بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ وَقَرَأَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٢٩] . يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْهَى [[في أ: "نهى".]] عَنِ الْبُخْلِ وَعَنِ التَّبْذِيرِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وعبَّر عَنِ الْبُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي فنْحاص الْيَهُودِيِّ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الَّذِي قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١٨١] فَضَرَبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ: شَاسُ [[في أ: "النباس".]] بْنُ قَيْسٍ: إِنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لَا يُنْفِقُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِمْ مَا قَالُوهُ، وَقَابَلَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَافْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ، فَقَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وَهَكَذَا [[في أ: "هكذا".]] وَقَعَ لَهُمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ وَالْجُبْنِ وَالذِّلَّةِ [[في أ: "المذلة".]] أَمْرٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ [النِّسَاءِ:٥٣ -٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاس [[زيادة من ر، أ.]] ] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١١٢] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْوَاسِعُ الْفَضْلِ، الْجَزِيلُ الْعَطَاءِ، الَّذِي مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَهُ خَزَائِنُهُ، وَهُوَ الَّذِي مَا بِخَلْقِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي خَلَقَ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فِي لَيْلِنَا وَنَهَارِنَا، وَحَضَرِنَا وَسَفَرِنَا، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الْآيَةَ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأى لَا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاء اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ" قَالَ: "وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَفِي يَدِهِ الْأُخْرَى القبْض، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ": قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، الْبُخَارِيُّ في "التوحيد" عن علي بن الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَكِلَاهُمَا [[في ر، أ: "كلاهما".]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ. [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أَيْ: يَكُونُ مَا أَتَاكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النِّعْمَةِ نِقْمَةٌ فِي حَقِّ أَعْدَائِكَ مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَكَمَا يَزْدَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا صَالِحًا وَعِلْمًا نَافِعًا، يَزْدَادُ بِهِ الْكَفَرَةُ الْحَاسِدُونَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ ﴿طُغْيَانًا﴾ وَهُوَ: الْمُبَالَغَةُ وَالْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ فِي الْأَشْيَاءِ ﴿وَكُفْرًا﴾ أَيْ: تَكْذِيبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ:٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٨٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَجْتَمِعُ قُلُوبُهُمْ، بَلِ الْعَدَاوَةُ وَاقِعَةٌ بَيْنَ فِرقهم بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ دَائِمًا لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَقٍّ، وَقَدْ خَالَفُوكَ وَكَذَّبُوكَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قَالَ: الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أَيْ: كُلَّمَا عَقَّدُوا أَسْبَابًا يَكِيدُونَكَ بِهَا، وَكُلَّمَا أَبْرَمُوا أُمُورًا يُحَارِبُونَكَ بِهَا يُبْطِلُهَا اللَّهُ وَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَحِيقُ مَكْرُهُمُ السَّيِّئُ بِهِمْ.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: مِنْ سَجِيَّتِهِمْ أَنَّهُمْ دَائِمًا يسعوْن فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أَيْ: لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: لَأَزَلْنَا عَنْهُمُ الْمَحْذُورَ ولحصّلْناهم [[في ر، أ: "ولحصلنا لهم".]] الْمَقْصُودَ.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أَيْ: لأنهم عَمِلُوا بِمَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ نَاطِقَةٌ بِتَصْدِيقِهِ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ حَتْمًا لَا مَحَالَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ [[في ر، أ: "يعني بذلك".]] كَثْرَةَ الرِّزْقِ النَّازِلِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّابِتِ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: لَأَرْسَلَ [السَّمَاءَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يُخْرِجُ مِنَ الْأَرْضِ بَرَكَاتِهَا.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ [وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٦] ، [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [الرُّومِ:٤١] . [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ ﴿لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ كَد وَلَا تَعَبٍ وَلَا شَقَاءٍ وَلَا عَنَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكَانُوا فِي [[في أ: "إلى".]] الْخَيْرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: "هُوَ فِي الْخَيْرِ مِنْ قرَنه [[في أ: "فوقه".]] إِلَى قَدَمِهِ". ثُمَّ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ لِمُخَالَفَةِ أَقْوَالِ السَّلَفِ [["قائل هذه المقالة الفراء في كتاب معاني القرآن (١/٣١٥) " أ. هـ مستفادًا من حاشية تفسير الطبري وقد ذكرها الطبري في تفسيره (١٠/٤٦٤) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ حَدِيثَ [[في ر، أ: "حدثنا".]] عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ". فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَعَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا؟! قَالَ [[في أ: "فقال".]] ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ! إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ [[في أ: "لأري".]] مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيِسَتِ [[في أ: "وليست".]] التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ" ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾
هَكَذَا أَوْرَدَهُ [[في ر: "رواه"، وفي أ: "أورد".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدِيثًا [[في أ: "هذا الحديث".]] مُعَلَّقًا [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٤٣) والبزار في مسنده برقم (٢٣٢) "كشف الأستار" من وجه آخر: من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نفير، عن عوف بن مالك بنحوه.]] مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ، مُرْسَلًا فِي آخِرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ متصلا موصولا فقال: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيد قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقَالَ: "وَذَاكَ عِنْدَ [[في أ: "عن".]] ذَهَابِ الْعِلْمِ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ونُقْرئه أَبْنَاءَنَا، ويُقْرئه أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إِنْ كنتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن وكيع بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/١٦٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٤٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٣) : "رجال إسناده ثقات إلا أنه منقطع، قال البخاري في التاريخ الصغير: "لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد".]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٥٩] ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ أَتْبَاعِ عِيسَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْحَدِيدِ:٢٧] . فَجَعَلَ أَعْلَى مَقَامَاتِهِمُ الِاقْتِصَادَ، وَهُوَ [[في ر: "وهي".]] أَوْسَطُ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ رُتْبَةُ السَّابِقَيْنِ [[في ر: "السابقية".]] كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الْآيَةَ [فَاطِرٍ:٣٢، ٣٣] . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّي، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسَى عَلَى إِحْدَى [[في د: "على اثنتين"، وفي أ: "على أحد".]] وَسَبْعِينَ مِلَّةً، سَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ، وَتَعْلُو أُمَّتِي عَلَى الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَاتُ الْجَمَاعَاتُ".
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَلَا فِيهِ قُرْآنًا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وَتَلَا أَيْضًا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٨١] يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. [[ورواه أبو يعلى في مسنده (٦/٣٤٠) من طريق أبي معشر، عن يعقوب بن زيد به من حديث طويل. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٥٧) : "فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف".]]
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا السِّيَاقِ. وحديثُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ إِلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ مَرْوي مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
5:67۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاسْمِ الرِّسَالَةِ، وَآمِرًا لَهُ بِإِبْلَاغِ جَمِيعِ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَقَدِ امْتَثَلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَامَ بِهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ [[زيادة من أ.]] كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنزل عَلَيْهِ [[في د: "مما أنزله الله عليه".]] فَقَدْ كَذَبَ، اللَّهُ [[في هـ، ر: "الله وهو" والمثبت من البخاري.]] يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ.
هَكَذَا رَوَاهُ هَهُنَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ مُطَوَّلًا. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "كِتَابِ الْإِيمَانِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي "كِتَابِ التَّفْسِيرِ" مِنْ سُنَنِهِمَا مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٢) وبرقم (٤٨٥٥، ٧٣٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٧) .]]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا أَيْضًا [[في ر، أ: "أيضا عنها".]] أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الْأَحْزَابِ:٣٧] . [[صحيح البخاري برقم (٧٤٢٠) لكنه رواه من حديث أنس، وقد تبع المؤلف هنا شيخه المزي حيث ذكره في تحفة الأشراف (١١/٣٨٥) من حديث أنس عن عائشة، ولعله اعتمد على رواية الداودي كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح، ورواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ [[في أ: "بن".]] هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَ [[في ر، أ: "فجاءه".]] رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنْ نَاسًا يَأْتُونَا فَيُخْبِرُونَا أَنَّ عِنْدَكُمْ شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ. فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَاللَّهِ مَا وَرَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سوداءَ فِي بَيْضَاءَ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جُحَيفَة وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي [[في أ: "فقال: لا، والذي نفسي بيده -أو قال- والذي".]] فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وفَكَاك الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يقتل مسلم بكافر [[صحيح البخاري برقم (١١١) .]] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ. [[صحيح البخاري (١٣/٥٠٣) "فتح" وقال الحافظ ابن حجر: "هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي ومن طريقه الخطيب، قال الحميدي: حدثنا سفيان قال رجل للزهري: يا أبا بكر قول النبي ﷺ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ شق الجيوب" ما معناه؟ فقال الزهري: من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم. وهذا الرجل هو الأوزاعي أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الأدب، وذكر ابن أبي الدنيا عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: قلت للزهري فذكره".]]
وَقَدْ شَهِدَتْ لَهُ أُمَّتُهُ بِبَلَاغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَاسْتَنْطَقَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَعْظَمِ الْمَحَافِلِ، فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ [[في أ: "أصحابه".]] نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا [[في د: "أكثر من سبعين ألفا".]] كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَئِذٍ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلّغت وأدّيتَ وَنَصَحْتَ. فَجَعَلَ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ويَقلبها [[في د، أ: "وينكبها".]] إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ". [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمير، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ -يَعْنِي ابْنَ غَزْوان-عَنْ عِكْرمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في حجة الوداع: "يأيها النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: "فَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا". ثُمَّ أَعَادَهَا مِرَارًا. ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ [[في أ: "رأسه".]] إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ! " مِرَارًا -قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوصِيَّةٌ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-ثُمَّ قَالَ: "أَلَّا فَلْيُبْلِغِ الشاهدُ الغائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عن علي بن الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (١/٢٣٠) وصحيح البخاري برقم (١٧٣٩) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يَعْنِي: وَإِنْ لَمْ تُؤد إِلَى النَّاسِ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أَيْ: وَقَدْ عَلِم مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يَعْنِي: إِنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَمْ تُبِلِّغْ رِسَالَتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا قُبَيْصة بْنُ عُقْبَةَ [[في ر: "عتبة".]] حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قَالَ: "يَا رَبِّ، كَيْفَ أَصْنَعُ وَأَنَا وَحْدِي؟ يَجْتَمِعُونَ عليَّ". فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ -وَهُوَ الثَّوْرِيُّ-بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: بَلِّغْ أَنْتَ رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أَعْدَائِكَ وَمُظَفِّرُكَ بِهِمْ، فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ، فَلَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْكَ بِسُوءٍ يُؤْذِيكَ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ يُحْرَس [[في د: "يحترس".]] كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يُحَدِّثُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَهِر ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَهِيَ إِلَى جَنْبِهِ، قَالَتْ: فقلتُ: مَا شَأْنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ؟ " قَالَتْ: فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ السِّلَاحِ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ " فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ. فَقَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِأَحْرُسَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَتْ: فَسَمِعْتُ غَطِيطَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نَوْمِهِ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، بِهِ. [[المسند (٦/١٤٠) وصحيح البخاري برقم (٢٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٠) .]]
وَفِي لَفْظٍ: سَهِر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةِ مَقْدَمِه الْمَدِينَةَ. يَعْنِي: عَلَى أَثَرِ هِجْرَتِهِ [إِلَيْهَا] [[زيادة من أ.]] بَعْدَ دُخُولِهِ بِعَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيد -يَعْنِي أَبَا قُدَامَةَ-عَنِ الجُرَيري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] [[زيادة من أ.]] قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَس حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قَالَتْ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ رأسه من القُبَّة، وقال: "يأيها النَّاسُ، انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد وَعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الجَهْضمي، كِلَاهُمَا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طُرُقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيد أَبِي قُدَامَةَ [الْإِيَادِيِّ] [[زيادة من أ.]] عَنِ الجُرَيري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ عَائِشَةَ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (٥٠٣٧) وتفسير الطبري (١٠/٤٦٩) والمستدرك (٢/٣١٣) وسنن سعيد بن منصور برقم (٧٦٨) .]]
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا عَنِ الجُرَيري، عَنِ ابْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ. وَلَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ.
قُلْتُ: هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْب [[في أ: "وهب".]] كِلَاهُمَا عَنِ الجُرَيري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (١٠/٤٦٩) وقال الشيخ سعد الحميد -حفظه الله- في تعليقه على سنن سعيد بن منصور (٤/١٥٠٥) : "رواية ابن علية وحدها أرجح من رواية الحارث؛ لأنه أوثق منه وسمع من سعيد قبل اختلاطه، فكيف وقد وافقه وهيب؟ " أ. هـ.]] وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبَيْر وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٠/٤٦٨، ٤٦٩) .]] وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشدِين الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّدفي، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[في ر: "عبيد الله".]] بْنِ مَوْهَب، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مالك الْخَظْمي [[في ر: "الخطمي".]] قَالَ: كُنَّا نَحْرُسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَتَرَكَ الْحَرَسَ. [[وفي إسناده أحمد بن رشدين ضعيف جدًا وكذبه بعض الأئمة، والفضل بن المختار ضعيف روي أخبارًا منكرة.
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة عصمة بن مالك الخطنمي: "له أحاديث أخرجها الدارقطني والطبراني وغيرهما مدارها على الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًا".]]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمَدُ [[في أ: "حميد".]] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَدٍ أَبُو نَصْرٍ الْكَاتِبُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا كُرْدُوس بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ر، أ: "يعلى"، والتصويب من المعجم الأوسط وكتب الرجال.]] عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر، أ: "النبي".]] ﷺ فِيمَنْ يَحْرُسُهُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ [[فى ر، أ: "النبي".]] ﷺ الْحَرَسَ. [[هو عندط الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٤) "مجمع البحرين"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه عطية العوفي وهو ضعيف".]]
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُفَضَّل بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ بَعَثَ مَعَهُ أَبُو طَالِبٍ مَنْ يَكْلَؤُهُ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَذَهَبَ لِيَبْعَثَ مَعَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمُّ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي، لَا حَاجَةَ لِي إِلَى مَنْ تَبْعَثُ".
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ نَكَارَةٌ [[في إسناده من لم أعرفه، ومعاوية بن عمار انتقد خاصة في روايته عن أبي الزبير عن جابر.]] فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ، فَكَانَ يُرْسِلُ مَعَهُ أَبُو طَالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالًا [[في ر: "رجلا".]] مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قَالَ: فَأَرَادَ عَمُّهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ".
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ غَيْلان الْعَمَّانِيِّ، عن أبي كريب به. [[المعجم الكبير (١١/٢٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف".]] وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، بَلْ هِيَ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ عِصْمَةِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر، أ.]] لِرَسُولِهِ حفْظُه لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَصَنَادِيدِهَا وَحُسَّادِهَا ومُعَانديها وَمُتْرَفِيهَا، مَعَ شِدَّةِ الْعَدَاوَةِ والبَغْضة وَنَصْبِ الْمُحَارَبَةِ لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، بِمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ بقَدَره وَحِكْمَتِهِ [[في ر: "بقدرة حكمته".]] الْعَظِيمَةِ. فَصَانَهُ فِي ابْتِدَاءِ الرِّسَالَةِ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، إِذْ كَانَ رَئِيسًا مُطَاعًا كَبِيرًا فِي قُرَيْشٍ، وَخَلَقَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةً طَبِيعِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا شَرْعِيَّةً، وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ لَاجْتَرَأَ عَلَيْهِ كُفَّارُهَا وَكِبَارُهَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الْكُفْرِ هَابُوهُ وَاحْتَرَمُوهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ نَالَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ أَذًى يَسِيرًا، ثُمَّ قَيَّضَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] لَهُ الْأَنْصَارَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَعَلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى دَارِهِمْ -وَهِيَ الْمَدِينَةُ، فَلَّمَا صَارَ إِلَيْهَا حَمَوه مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَكُلَّمَا هَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِسُوءٍ كَادَهُ اللَّهُ وَرَدَّ كَيْدَهُ عَلَيْهِ، لَمَّا كَادَهُ الْيَهُودُ بِالسِّحْرِ حَمَاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَتِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ دَوَاءً لِذَلِكَ الدَّاءِ، وَلَمَّا سَمَّ الْيَهُودُ فِي ذِرَاعِ تِلْكَ الشَّاةِ بِخَيْبَرَ، أَعْلَمَهُ [[في أ: "أعلم".]] اللَّهُ بِهِ وَحَمَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مِنْهُ؛ وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكْرُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ:
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِي وَغَيْرِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَ لَهُ أَصْحَابُهُ شَجَرَةً ظَلِيلَةً فَيُقِيلُ تَحْتَهَا. فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: "اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"، فَرُعِدَت يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْهُ، قَالَ: وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [[تفسير الطبري (١٠ / ٤٧٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّان، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أَنْمَارٍ، نَزَلَ ذَاتَ الرِّقاع [[في ر، أ: "الرقيع".]] بِأَعْلَى نَخْلٍ، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رَأْسِ بِئْرٍ قَدْ دَلَّى رِجْلَيْهِ، فَقَالَ غَوْرَث بْنُ الْحَارِثِ [[في ر، أ: "الوارث".]] مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: لَأَقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَقُولُ لَهُ: أَعْطِنِي سَيْفَكَ. فَإِذَا أَعْطَانِيهِ قَتَلْتُهُ بِهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَعْطِنِي سَيْفَكَ أشيمُه. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَرُعدت يَدُهُ حَتَّى سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تُرِيدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقِصَّةُ "غَوْرَث بن الحارث" مشهورة في الصحيح. [[في إسناد ابن أبي حاتم موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، والقصة أصلها في صحيح البخاري برقم (٤١٣٦) .]] وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَحِبْنَا [[في ر، أ: "أصحبنا".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ تَرَكْنَا لَهُ أَعْظَمَ شَجَرَةٍ وَأَظَلَّهَا، فَيَنْزِلُ تَحْتَهَا، فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَعَلَّقَ سَيْفَهُ فِيهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، ضَعِ السَّيْفَ". فَوَضَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ. [[صحيح ابن حبان برقم (١٧٣٩) "موارد".]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شعبة، سَمِعْتُ أَبَا إِسْرَائِيلَ -يَعْنِي الجُشَمي-سَمِعْتُ جَعْدَة -هُوَ ابْنُ خَالِدِ بْنِ الصِّمَّة الْجُشَمِيُّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَرَأَى رَجُلًا سَمِينًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُومِئُ إِلَى بَطْنِهِ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: "لَوْ كَانَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا لَكَانَ خَيْرًا لَكَ". قَالَ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ فَقَالَ: هَذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "لم تُرَع، ولم تُرَع، وَلَوْ أردتَ ذَلِكَ لَمْ يُسَلِّطْكَ [[في ر: "يسلط".]] اللَّهُ عليَّ". [[المسند (٣/٤٧١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٦) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: بَلِّغْ أَنْتَ، وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٢] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرَّعْدِ:٤٠] .
5:68قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الدِّينِ، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ أَيْ: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا وَمِمَّا فِيهَا الْأَمْرُ [[في أ: "بما فيها من الأمر".]] باتباع بمحمد ﷺ وَالْإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بشريعته؛ ولهذا قال ليث ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
أَيْ: فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهيدنَّك ذَلِكَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهُمُ: الْمُسْلِمُونَ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وَهُمْ: حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ -لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ حَسُنَ الْعَطْفُ بِالرَّفْعِ. وَالصَّابِئُونَ: طَائِفَةٌ بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَنْهُ: بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَعَنِ الْحَسَنِ [وَالْحَكَمِ] [[زيادة من أ.]] إِنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، ويقرؤون الزَّبُورَ. وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبّه: هُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا، وَلَمْ يُحْدِثُوا كُفْرًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزَّنَاد، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الصائبون: قَوْمٌ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، وَهُمْ بِكُوثَى، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ، وَيَصُومُونَ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْيَمَنِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَمَعْرُوفُونَ، وَهُمْ حَمَلَةُ الْإِنْجِيلِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ [[في أ: "واليوم".]] الْآخِرِ، وَهُوَ الْمَعَادُ وَالْجَزَاءُ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَمِلَتْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ إِرْسَالِ صَاحِبِهَا الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ [[في أ: "يستقبلون".]] وَلَا عَلَى مَا تَرَكُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرَاتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. [[في أ: "إعادتها هاهنا".]]
5:69إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الدِّينِ، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ أَيْ: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا وَمِمَّا فِيهَا الْأَمْرُ [[في أ: "بما فيها من الأمر".]] باتباع بمحمد ﷺ وَالْإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بشريعته؛ ولهذا قال ليث ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
أَيْ: فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهيدنَّك ذَلِكَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهُمُ: الْمُسْلِمُونَ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وَهُمْ: حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ -لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ حَسُنَ الْعَطْفُ بِالرَّفْعِ. وَالصَّابِئُونَ: طَائِفَةٌ بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَنْهُ: بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَيْنَ [[في ر، أ: "من".]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَعَنِ الْحَسَنِ [وَالْحَكَمِ] [[زيادة من أ.]] إِنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، ويقرؤون الزَّبُورَ. وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبّه: هُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا، وَلَمْ يُحْدِثُوا كُفْرًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزَّنَاد، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الصائبون: قَوْمٌ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، وَهُمْ بِكُوثَى، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ، وَيَصُومُونَ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْيَمَنِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَمَعْرُوفُونَ، وَهُمْ حَمَلَةُ الْإِنْجِيلِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ [[في أ: "واليوم".]] الْآخِرِ، وَهُوَ الْمَعَادُ وَالْجَزَاءُ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَمِلَتْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ إِرْسَالِ صَاحِبِهَا الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ [[في أ: "يستقبلون".]] وَلَا عَلَى مَا تَرَكُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرَاتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. [[في أ: "إعادتها هاهنا".]]
5:70لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ
يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَنَقَضُوا تِلْكَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَاتَّبَعُوا آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَقَدَّمُوهَا عَلَى الشَّرَائِعِ، فَمَا وَافَقَهُمْ مِنْهَا قَبِلُوهُ، وَمَا خَالَفَهُمْ رَدُّوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: وَحَسِبُوا أَلَّا يَتَرَتَّبَ لَهُمْ شَرٌّ عَلَى مَا صَنَعُوا، فَتَرَتَّبَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ عَمُوا عَنِ الْحَقِّ وصَمُّوا، فَلَا يَسْمَعُونَ حَقًّا [[في د: "فلا يستمعون خيرا".]] وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا كَانُوا فِيهِ ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾
أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ [وَصَمُّوا] [[زيادة من ر.]] كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ ممن يستحق الغواية.
5:71وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ
يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَنَقَضُوا تِلْكَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَاتَّبَعُوا آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَقَدَّمُوهَا عَلَى الشَّرَائِعِ، فَمَا وَافَقَهُمْ مِنْهَا قَبِلُوهُ، وَمَا خَالَفَهُمْ رَدُّوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: وَحَسِبُوا أَلَّا يَتَرَتَّبَ لَهُمْ شَرٌّ عَلَى مَا صَنَعُوا، فَتَرَتَّبَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ عَمُوا عَنِ الْحَقِّ وصَمُّوا، فَلَا يَسْمَعُونَ حَقًّا [[في د: "فلا يستمعون خيرا".]] وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِمَّا كَانُوا فِيهِ ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾
أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ [وَصَمُّوا] [[زيادة من ر.]] كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ ممن يستحق الغواية.
5:72لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا بِتَكْفِيرِ فِرَقِ النَّصَارَى، مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ، مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ أَنْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وَلَمْ يَقِلْ: أَنَا اللَّهُ، وَلَا ابْنُ اللَّهِ. بَلْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مَرْيَمَ:٣٠-٣٦] .
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِي حَالِ كُهُولَتِهِ وَنَبُّوتِهِ، آمِرًا لَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ رَبِّهِ وَرَبِّهِمْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيح ُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أَيْ: فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ:٤٨، ١١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ:٥٠] .
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ"، وَفِي لَفْظٍ: "مُؤْمِنَةٌ". [[صحيح مسلم برقم (١١١) .]]
وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨، ١١٦] حَدِيثُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] بْنِ بَابَنُوس عَنْ عَائِشَةَ: الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ دِيوَانًا لَا يَغْفِرُهُ [[في أ: "لا يغفر".]] اللَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [وَمَأْوَاهُ النَّارُ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. [[المسند (٦/٢٤٠) .]]
وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
أَيْ: وَمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ وَلَا مُنْقِذٌ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسَتْجَاني، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُ النَّصَارَى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٠] فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ طَائِفَتَا [[في ر: "طائفتي" والصحيح ما أثبتناه.]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي النَّصَارَى [[في أ: "نزلت في قول النصارى".]] خَاصَّةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا [[في أ: "واختلفوا".]] فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُفَّارُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْأَبِ، وَأُقْنُومُ الِابْنِ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ الْمُنْبَثِقَةِ [[في أ: "المنبعثة".]] مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ [[في ر: "قاله".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ والنَّسطورية تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَقَانِيمِ. وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَالْحَقُّ أَنَّ الثَّلَاثَ كَافِرَةٌ.
وَقَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي جَعْلِهِمُ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا اللَّهَ [[في د: "فجعلوه".]] ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ السَّدِّيُّ: وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ:١١٦] .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ مُتَعَدِّدًا، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ وَمُتَهَدِّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْأَغْلَالِ وَالنَّكَالِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَهَذَا مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى وَجُودِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، مَعَ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَهَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْإِفْكِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَكُلُّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [[في ر، أ: "الرسل وأمه صديقة".]] أَيْ: لَهُ سَويَّة أَمْثَالِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٥٩] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أَيْ: مُؤْمِنَةٌ بِهِ مُصَدِّقَةٌ لَهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَقَامَاتِهَا [[في أ: "مقاماتنا".]] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى نُبُوَّةِ سَارَّةَ أُمِّ إِسْحَاقَ، وَنُبُوَّةِ أُمِّ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ أُمِّ عِيسَى اسْتِدْلَالًا مِنْهُمْ بِخِطَابِ الْمَلَائِكَةِ لِسَارَّةَ وَمَرْيَمَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، [قَالُوا] [[زيادة من أ.]] وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي [[في ر: "يوحي".]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ أَيْ: يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِهِ، وَإِلَى خُرُوجِهِ مِنْهُمَا، فَهُمَا عَبْدَانِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَيْسَا بِإِلَهَيْنِ كَمَا زَعَمَتْ [[في ر، أ: "كما زعمه".]] فِرَقُ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ أَيْ: نُوَضِّحُهَا وَنُظْهِرُهَا، ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: ثُمَّ انْظُرْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ وَبِأَيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ؟ وَإِلَى أَيِّ مَذْهَبٍ مِنَ الضَّلَالِ يَذْهَبُونَ؟ [[في ر: "يزهون".]] ؟
5:73لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا بِتَكْفِيرِ فِرَقِ النَّصَارَى، مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ، مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ أَنْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وَلَمْ يَقِلْ: أَنَا اللَّهُ، وَلَا ابْنُ اللَّهِ. بَلْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مَرْيَمَ:٣٠-٣٦] .
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِي حَالِ كُهُولَتِهِ وَنَبُّوتِهِ، آمِرًا لَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ رَبِّهِ وَرَبِّهِمْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيح ُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أَيْ: فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ:٤٨، ١١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ:٥٠] .
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ"، وَفِي لَفْظٍ: "مُؤْمِنَةٌ". [[صحيح مسلم برقم (١١١) .]]
وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨، ١١٦] حَدِيثُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] بْنِ بَابَنُوس عَنْ عَائِشَةَ: الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ دِيوَانًا لَا يَغْفِرُهُ [[في أ: "لا يغفر".]] اللَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [وَمَأْوَاهُ النَّارُ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. [[المسند (٦/٢٤٠) .]]
وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
أَيْ: وَمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ وَلَا مُنْقِذٌ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسَتْجَاني، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُ النَّصَارَى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٠] فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ طَائِفَتَا [[في ر: "طائفتي" والصحيح ما أثبتناه.]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي النَّصَارَى [[في أ: "نزلت في قول النصارى".]] خَاصَّةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا [[في أ: "واختلفوا".]] فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُفَّارُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْأَبِ، وَأُقْنُومُ الِابْنِ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ الْمُنْبَثِقَةِ [[في أ: "المنبعثة".]] مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ [[في ر: "قاله".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ والنَّسطورية تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَقَانِيمِ. وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَالْحَقُّ أَنَّ الثَّلَاثَ كَافِرَةٌ.
وَقَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي جَعْلِهِمُ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا اللَّهَ [[في د: "فجعلوه".]] ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ السَّدِّيُّ: وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ:١١٦] .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ مُتَعَدِّدًا، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ وَمُتَهَدِّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْأَغْلَالِ وَالنَّكَالِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَهَذَا مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى وَجُودِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، مَعَ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَهَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْإِفْكِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَكُلُّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [[في ر، أ: "الرسل وأمه صديقة".]] أَيْ: لَهُ سَويَّة أَمْثَالِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٥٩] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أَيْ: مُؤْمِنَةٌ بِهِ مُصَدِّقَةٌ لَهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَقَامَاتِهَا [[في أ: "مقاماتنا".]] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى نُبُوَّةِ سَارَّةَ أُمِّ إِسْحَاقَ، وَنُبُوَّةِ أُمِّ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ أُمِّ عِيسَى اسْتِدْلَالًا مِنْهُمْ بِخِطَابِ الْمَلَائِكَةِ لِسَارَّةَ وَمَرْيَمَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، [قَالُوا] [[زيادة من أ.]] وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي [[في ر: "يوحي".]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ أَيْ: يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِهِ، وَإِلَى خُرُوجِهِ مِنْهُمَا، فَهُمَا عَبْدَانِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَيْسَا بِإِلَهَيْنِ كَمَا زَعَمَتْ [[في ر، أ: "كما زعمه".]] فِرَقُ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ أَيْ: نُوَضِّحُهَا وَنُظْهِرُهَا، ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: ثُمَّ انْظُرْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ وَبِأَيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ؟ وَإِلَى أَيِّ مَذْهَبٍ مِنَ الضَّلَالِ يَذْهَبُونَ؟ [[في ر: "يزهون".]] ؟
5:74أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا بِتَكْفِيرِ فِرَقِ النَّصَارَى، مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ، مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ أَنْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وَلَمْ يَقِلْ: أَنَا اللَّهُ، وَلَا ابْنُ اللَّهِ. بَلْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مَرْيَمَ:٣٠-٣٦] .
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِي حَالِ كُهُولَتِهِ وَنَبُّوتِهِ، آمِرًا لَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ رَبِّهِ وَرَبِّهِمْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيح ُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أَيْ: فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ:٤٨، ١١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ:٥٠] .
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ"، وَفِي لَفْظٍ: "مُؤْمِنَةٌ". [[صحيح مسلم برقم (١١١) .]]
وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨، ١١٦] حَدِيثُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] بْنِ بَابَنُوس عَنْ عَائِشَةَ: الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ دِيوَانًا لَا يَغْفِرُهُ [[في أ: "لا يغفر".]] اللَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [وَمَأْوَاهُ النَّارُ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. [[المسند (٦/٢٤٠) .]]
وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
أَيْ: وَمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ وَلَا مُنْقِذٌ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسَتْجَاني، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُ النَّصَارَى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٠] فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ طَائِفَتَا [[في ر: "طائفتي" والصحيح ما أثبتناه.]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي النَّصَارَى [[في أ: "نزلت في قول النصارى".]] خَاصَّةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا [[في أ: "واختلفوا".]] فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُفَّارُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْأَبِ، وَأُقْنُومُ الِابْنِ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ الْمُنْبَثِقَةِ [[في أ: "المنبعثة".]] مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ [[في ر: "قاله".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ والنَّسطورية تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَقَانِيمِ. وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَالْحَقُّ أَنَّ الثَّلَاثَ كَافِرَةٌ.
وَقَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي جَعْلِهِمُ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا اللَّهَ [[في د: "فجعلوه".]] ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ السَّدِّيُّ: وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ:١١٦] .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ مُتَعَدِّدًا، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ وَمُتَهَدِّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْأَغْلَالِ وَالنَّكَالِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَهَذَا مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى وَجُودِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، مَعَ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَهَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْإِفْكِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَكُلُّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [[في ر، أ: "الرسل وأمه صديقة".]] أَيْ: لَهُ سَويَّة أَمْثَالِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٥٩] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أَيْ: مُؤْمِنَةٌ بِهِ مُصَدِّقَةٌ لَهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَقَامَاتِهَا [[في أ: "مقاماتنا".]] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى نُبُوَّةِ سَارَّةَ أُمِّ إِسْحَاقَ، وَنُبُوَّةِ أُمِّ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ أُمِّ عِيسَى اسْتِدْلَالًا مِنْهُمْ بِخِطَابِ الْمَلَائِكَةِ لِسَارَّةَ وَمَرْيَمَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، [قَالُوا] [[زيادة من أ.]] وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي [[في ر: "يوحي".]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ أَيْ: يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِهِ، وَإِلَى خُرُوجِهِ مِنْهُمَا، فَهُمَا عَبْدَانِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَيْسَا بِإِلَهَيْنِ كَمَا زَعَمَتْ [[في ر، أ: "كما زعمه".]] فِرَقُ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ أَيْ: نُوَضِّحُهَا وَنُظْهِرُهَا، ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: ثُمَّ انْظُرْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ وَبِأَيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ؟ وَإِلَى أَيِّ مَذْهَبٍ مِنَ الضَّلَالِ يَذْهَبُونَ؟ [[في ر: "يزهون".]] ؟
5:75مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ
يَقُولُ تَعَالَى حَاكِمًا بِتَكْفِيرِ فِرَقِ النَّصَارَى، مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ، مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ أَنْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وَلَمْ يَقِلْ: أَنَا اللَّهُ، وَلَا ابْنُ اللَّهِ. بَلْ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مَرْيَمَ:٣٠-٣٦] .
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِي حَالِ كُهُولَتِهِ وَنَبُّوتِهِ، آمِرًا لَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ رَبِّهِ وَرَبِّهِمْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيح ُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أَيْ: فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ:٤٨، ١١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ:٥٠] .
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ"، وَفِي لَفْظٍ: "مُؤْمِنَةٌ". [[صحيح مسلم برقم (١١١) .]]
وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨، ١١٦] حَدِيثُ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] بْنِ بَابَنُوس عَنْ عَائِشَةَ: الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ دِيوَانًا لَا يَغْفِرُهُ [[في أ: "لا يغفر".]] اللَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [وَمَأْوَاهُ النَّارُ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. [[المسند (٦/٢٤٠) .]]
وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
أَيْ: وَمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ وَلَا مُنْقِذٌ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسَتْجَاني، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُ النَّصَارَى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٠] فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ طَائِفَتَا [[في ر: "طائفتي" والصحيح ما أثبتناه.]] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي النَّصَارَى [[في أ: "نزلت في قول النصارى".]] خَاصَّةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا [[في أ: "واختلفوا".]] فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُفَّارُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْأَبِ، وَأُقْنُومُ الِابْنِ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ الْمُنْبَثِقَةِ [[في أ: "المنبعثة".]] مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ [[في ر: "قاله".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ والنَّسطورية تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَقَانِيمِ. وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَالْحَقُّ أَنَّ الثَّلَاثَ كَافِرَةٌ.
وَقَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي جَعْلِهِمُ الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا اللَّهَ [[في د: "فجعلوه".]] ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ السَّدِّيُّ: وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ:١١٦] .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ: لَيْسَ مُتَعَدِّدًا، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ وَمُتَهَدِّدًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أَيْ: مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْأَغْلَالِ وَالنَّكَالِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَهَذَا مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى وَجُودِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، مَعَ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَهَذَا الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ وَالْإِفْكِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَكُلُّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [[في ر، أ: "الرسل وأمه صديقة".]] أَيْ: لَهُ سَويَّة أَمْثَالِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٥٩] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أَيْ: مُؤْمِنَةٌ بِهِ مُصَدِّقَةٌ لَهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَقَامَاتِهَا [[في أ: "مقاماتنا".]] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى نُبُوَّةِ سَارَّةَ أُمِّ إِسْحَاقَ، وَنُبُوَّةِ أُمِّ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ أُمِّ عِيسَى اسْتِدْلَالًا مِنْهُمْ بِخِطَابِ الْمَلَائِكَةِ لِسَارَّةَ وَمَرْيَمَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، [قَالُوا] [[زيادة من أ.]] وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي [[في ر: "يوحي".]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ أَيْ: يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِهِ، وَإِلَى خُرُوجِهِ مِنْهُمَا، فَهُمَا عَبْدَانِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَيْسَا بِإِلَهَيْنِ كَمَا زَعَمَتْ [[في ر، أ: "كما زعمه".]] فِرَقُ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ أَيْ: نُوَضِّحُهَا وَنُظْهِرُهَا، ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: ثُمَّ انْظُرْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ أَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ وَبِأَيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ؟ وَإِلَى أَيِّ مَذْهَبٍ مِنَ الضَّلَالِ يَذْهَبُونَ؟ [[في ر: "يزهون".]] ؟
5:76قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَمُبِّينًا لَهُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ: ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيصَالِ ضَرَرٍ [[في ر، أ: "ضر".]] إِلَيْكُمْ، وَلَا إِيجَادِ نَفْعٍ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [[في أ: "والله واسع عليم" وهو خطأ.]] أَيْ: فَلِمَ [[في ا: "فلو".]] عَدَلْتُمْ عَنْ إِفْرَادِ السَّمِيعِ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَى عِبَادَةِ جَمَاد لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا لِغَيْرِهِ وَلَا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَلَا تُطْروا مَنْ أُمِرْتُمْ بِتَعْظِيمِهِ فَتُبَالِغُوا فِيهِ، حَتَّى تُخْرِجُوهُ عَنْ حَيّز النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا صَنَعْتُمْ فِي الْمَسِيحِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاقْتِدَائِكُمْ بِشُيُوخِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ هُمْ سَلَفُكُمْ مِمَّنْ ضَلَّ قَدِيمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: وَخَرَجُوا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ، إِلَى طَرِيقِ الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: وَقَدْ كَانَ قَائِمٌ قَامَ عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَمَانًا، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنَّمَا تَرْكَبُ أَثَرًا أَوْ أَمْرًا قَدْ عُمِل قَبْلَكَ، فَلَا تَجْمُد [[في ر، د: "تحمد".]] عَلَيْهِ، وَلَكِنِ ابْتَدِعْ أَمْرًا مِنْ قِبَل نَفْسِكَ وَادْعُ إِلَيْهِ وَأَجْبِرِ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ ادَّكر [[في د: "ادكر من".]] بَعْدَ فِعْلِهِ زَمَانًا فَأَرَادَ أَنْ يَتُوبَ فَخَلَعَ مُلْكه، وَسُلْطَانَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَتَعَبَّدَ فَلَبِثَ فِي عِبَادَتِهِ أَيَّامًا، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّكَ تُبْتَ مِنْ خَطِيئَةٍ عَمِلْتَهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ عَسَى أَنْ يُتَابَ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ ضَلَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فِي سَبَبِكَ حَتَّى فَارَقُوا الدُّنْيَا وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَكَيْفَ لَكَ بِهُدَاهُمْ، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ أَبَدًا. فَفِيهِ سَمِعْنَا وَفِي أَشْبَاهِهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .
5:77قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَمُبِّينًا لَهُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ: ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيصَالِ ضَرَرٍ [[في ر، أ: "ضر".]] إِلَيْكُمْ، وَلَا إِيجَادِ نَفْعٍ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [[في أ: "والله واسع عليم" وهو خطأ.]] أَيْ: فَلِمَ [[في ا: "فلو".]] عَدَلْتُمْ عَنْ إِفْرَادِ السَّمِيعِ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَى عِبَادَةِ جَمَاد لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا لِغَيْرِهِ وَلَا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَلَا تُطْروا مَنْ أُمِرْتُمْ بِتَعْظِيمِهِ فَتُبَالِغُوا فِيهِ، حَتَّى تُخْرِجُوهُ عَنْ حَيّز النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا صَنَعْتُمْ فِي الْمَسِيحِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاقْتِدَائِكُمْ بِشُيُوخِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ هُمْ سَلَفُكُمْ مِمَّنْ ضَلَّ قَدِيمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: وَخَرَجُوا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ، إِلَى طَرِيقِ الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: وَقَدْ كَانَ قَائِمٌ قَامَ عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَمَانًا، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنَّمَا تَرْكَبُ أَثَرًا أَوْ أَمْرًا قَدْ عُمِل قَبْلَكَ، فَلَا تَجْمُد [[في ر، د: "تحمد".]] عَلَيْهِ، وَلَكِنِ ابْتَدِعْ أَمْرًا مِنْ قِبَل نَفْسِكَ وَادْعُ إِلَيْهِ وَأَجْبِرِ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ ادَّكر [[في د: "ادكر من".]] بَعْدَ فِعْلِهِ زَمَانًا فَأَرَادَ أَنْ يَتُوبَ فَخَلَعَ مُلْكه، وَسُلْطَانَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَتَعَبَّدَ فَلَبِثَ فِي عِبَادَتِهِ أَيَّامًا، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّكَ تُبْتَ مِنْ خَطِيئَةٍ عَمِلْتَهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ عَسَى أَنْ يُتَابَ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ ضَلَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فِي سَبَبِكَ حَتَّى فَارَقُوا الدُّنْيَا وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَكَيْفَ لَكَ بِهُدَاهُمْ، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ أَبَدًا. فَفِيهِ سَمِعْنَا وَفِي أَشْبَاهِهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .
5:78لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْكَافِرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فِيمَا أَنْزَلَ [[في د، أ: "أنزله".]] عَلَى دَاوُدَ نَبِيِّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ لِلَّهِ وَاعْتِدَائِهِمْ عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لُعِنُوا فِي التَّوْرَاةِ وَ [فِي] [[زيادة من ر، أ.]] الْإِنْجِيلِ وَفِي الزَّبُورِ، وَفِي الْفُرْقَانِ. [[في أ: "القرآن".]]
ثُمَّ بَيَّنَ حَالَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي زَمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: كَانَ لَا يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ، ثُمَّ ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِيُحَذَرَ أَنْ يُرْكَبَ مِثْلُ الَّذِي [[في أ: "أي من ارتكب مثل ما".]] ارْتَكَبُوا، فَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ [[في أ: "يزيد بن عباس".]] حَدَّثَنَا شَرِيك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة [[في د: "نديمة"، وفي ر: "يديمة".]] عَنْ أَبِي عُبَيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ -قَالَ يَزِيدُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَسْوَاقِهِمْ-وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ. فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا". [[في ر: "إطراء"؟.]] [[المسند (١/٣٩١) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنَا يُونُسُ بن راشد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بني إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: "كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولتَنهون عَنِ الْمُنْكَرِ، ولتأخذُنَّ عَلَى يَدِ [[في ر: "يدي".]] الظَّالِمِ، ولَتَأطرنَّه عَلَى الْحَقِّ أطْرا [[في ر: "إطراء".]] -أَوْ تَقْصُرْنَهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٦) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِىّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا رَأَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أكِيلَه وخَلِيطه وشَرِيكه -وَفِي حَدِيثِ هَارُونَ: وَشِرِّيبَهُ، ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْمَتْنِ-فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الْمُسِيءِ، ولتأطرُنَّه عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا [[في أ: "إطراء".]] أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ ليلعَنْكم كَمَا لَعَنَهُمْ"، وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. كَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ [[في أ: "روايته".]] هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ خَلَف بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَيَّاطِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ -وَهُوَ ابْنُ عِجْلان الْأَفْطَسُ-عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [[في أ: "عن أبي عبيدة بن عبدة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، بِهِ. وَرَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٧) .]]
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ [[في أ: "أبو الحجاج يوسف".]] الْمِزِّيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى [[تحفة الأشراف (٧/١٦١) .]]
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ هذا المقام.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَرِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٣] ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] ، حديثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] -فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ ليُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٥/٣٨٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عروَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مُروا بِالْمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ تَدْعوا فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ". تَفَرَّدَ بِهِ، وَعَاصِمٌ هَذَا مَجْهُولٌ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/٩٣) من طريق أبي همام الدلال، عن هشام بن سعد به.]]
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ -وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [[صحيح مسلم برقم (٤٩) .]] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا سَيْف -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ عَدِيّ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي -يَعْنِي: عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الله عز وجل".]] لَا يُعذِّب العامَّة بعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانيْهِم، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ. فَلَا يُنْكِرُونَهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ [[في ر، أ: "عيسى".]] بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول، فَذَكَرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. [[المسند (٤/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٧) : "رواه احمد من طريقين إحداها عن عدي بن عدي، حدثني مولى لنا وهو الصواب" أ. هـ. بتصرف.]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [[في ر: "أبو".]] الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرة بْنُ زياد الموصلي، عن عَدِيّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ العُرْس -يَعْنِي ابْنَ عَميرة-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَها فكَرِهَها -وَقَالَ مَرَّةً: فَأَنْكَرَهَا-كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَها كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا."
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، مُرْسَلًا. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٥) ومرسلا برقم (٤٣٤٦) .]]
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي البَخْتَري قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "لَنْ يَهْلَكَ النَّاسُ حَتَّى يعْذِروا-أَوْ: يُعْذِروا -مِنْ أَنْفُسِهِمْ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ [[في ر: "تمنعن".]] رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا عَلِمَهُ". قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ -وَاللَّهِ-رَأَيْنَا أَشْيَاءَ، فَهِبْنَا. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٧) وفي إسناده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.]]
وَفِي حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُجَادَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ [[في أ: "عدل".]] عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٤) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١١) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [[في أ: "أبي أسامة".]] قَالَ: عَرَض لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رجلٌ عِنْدَ الجَمْرة الْأُولَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْز لِيَرْكَبَ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن أبن ماجة برقم (٤٠١٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٣) : "هذا إسناد فيه مقال، أبو غالب مختلف فيه ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وراشد بن سعيد قال فيه أبو حاتم: صدوق وباقي رجال الإسناد ثقات".]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْترِي، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "أبي سعيد الخدري".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِر أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟. قَالَ: "يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيل، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالة، حَدَّثَنَا نَهَارُ العَبْدِيّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ [[في ر: "إذا".]] رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ [[في ر: "ألقى".]] اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ، رَجَوْتُكَ وفَرقْتُ مِنَ النَّاسِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]] وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حَمَّادِ [[في ر: "خالد".]] بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [[المسند (٥/٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (٢٢٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ [[في أ: "حدثنا".]] الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيد الخُزَاعي، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْبَد حَفْصُ بْنُ غَيْلان [[في أ: "عبدان".]] الرُّعَيني، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَر فِيكُمْ مَا ظَهَر فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا؟ قَالَ: "المُلْك فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم". قَالَ زَيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:" "وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم": إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الفُسَّاق.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٥) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبة، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] شَاهِدٌ لِهَذَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ مُوَالَاتِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَتَرْكَهُمْ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّتِي أَعَقَبَتْهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَسْخَطَتِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ سُخْطًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ مَعَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
فَسَّرَ بِذَلِكَ مَا ذَمَّهُمْ بِهِ. ثُمَّ أَخِيرًا أَنَّهُمْ ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ [[في ر، أ: "مسلم".]] بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا، فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّهُ يُذهب الْبَهَاءَ، ويُورِث الْفَقْرَ، ويُنقِص الْعُمُرَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّهُ يُوجب سَخَط الرَّبِّ، وَسُوءَ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه عَنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في ر، أ: "مسلم".]] عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيق، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -فَذَكَرَهُ. وَسَاقَهُ أَيْضًا مِنْ طريق سعيد بن غُفَير، عَنْ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ [[ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٣١٧) من هذين الطريقين فقال:
١- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان به.
٢- وحدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا مسلمة بن علي، عن أبي علي الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ نحوه.
ثم قال: "وهذا عن الأعمش غير محفوظ وهو منكر واختلف ابن عفير وهشام في إسناده، فقال هشام: عن مسلمة، عن الأعمش، وقال ابن عفير: عن مسلمة عن أبي على الكوفي، عن الأعمش، وأبو علي لا يدري من هو؟ ويروي هذا الحديث عن عبد الله بن عصمة النصيبي، عن محمد بن سلمة البناني، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأحاديث غير محفوظة".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَوْ آمَنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالرُّسُلِ وَالْفَرْقَانِ [[في أ: "والقرآن".]] لَمَا ارْتَكَبُوا مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ فِي الْبَاطِنِ، وَمُعَادَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
5:79كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْكَافِرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فِيمَا أَنْزَلَ [[في د، أ: "أنزله".]] عَلَى دَاوُدَ نَبِيِّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ لِلَّهِ وَاعْتِدَائِهِمْ عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لُعِنُوا فِي التَّوْرَاةِ وَ [فِي] [[زيادة من ر، أ.]] الْإِنْجِيلِ وَفِي الزَّبُورِ، وَفِي الْفُرْقَانِ. [[في أ: "القرآن".]]
ثُمَّ بَيَّنَ حَالَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي زَمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: كَانَ لَا يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ، ثُمَّ ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِيُحَذَرَ أَنْ يُرْكَبَ مِثْلُ الَّذِي [[في أ: "أي من ارتكب مثل ما".]] ارْتَكَبُوا، فَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ [[في أ: "يزيد بن عباس".]] حَدَّثَنَا شَرِيك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة [[في د: "نديمة"، وفي ر: "يديمة".]] عَنْ أَبِي عُبَيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ -قَالَ يَزِيدُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَسْوَاقِهِمْ-وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ. فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا". [[في ر: "إطراء"؟.]] [[المسند (١/٣٩١) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنَا يُونُسُ بن راشد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بني إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: "كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولتَنهون عَنِ الْمُنْكَرِ، ولتأخذُنَّ عَلَى يَدِ [[في ر: "يدي".]] الظَّالِمِ، ولَتَأطرنَّه عَلَى الْحَقِّ أطْرا [[في ر: "إطراء".]] -أَوْ تَقْصُرْنَهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٦) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِىّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا رَأَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أكِيلَه وخَلِيطه وشَرِيكه -وَفِي حَدِيثِ هَارُونَ: وَشِرِّيبَهُ، ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْمَتْنِ-فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الْمُسِيءِ، ولتأطرُنَّه عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا [[في أ: "إطراء".]] أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ ليلعَنْكم كَمَا لَعَنَهُمْ"، وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. كَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ [[في أ: "روايته".]] هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ خَلَف بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَيَّاطِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ -وَهُوَ ابْنُ عِجْلان الْأَفْطَسُ-عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [[في أ: "عن أبي عبيدة بن عبدة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، بِهِ. وَرَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٧) .]]
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ [[في أ: "أبو الحجاج يوسف".]] الْمِزِّيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى [[تحفة الأشراف (٧/١٦١) .]]
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ هذا المقام.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَرِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٣] ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] ، حديثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] -فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ ليُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٥/٣٨٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عروَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مُروا بِالْمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ تَدْعوا فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ". تَفَرَّدَ بِهِ، وَعَاصِمٌ هَذَا مَجْهُولٌ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/٩٣) من طريق أبي همام الدلال، عن هشام بن سعد به.]]
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ -وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [[صحيح مسلم برقم (٤٩) .]] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا سَيْف -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ عَدِيّ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي -يَعْنِي: عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الله عز وجل".]] لَا يُعذِّب العامَّة بعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانيْهِم، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ. فَلَا يُنْكِرُونَهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ [[في ر، أ: "عيسى".]] بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول، فَذَكَرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. [[المسند (٤/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٧) : "رواه احمد من طريقين إحداها عن عدي بن عدي، حدثني مولى لنا وهو الصواب" أ. هـ. بتصرف.]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [[في ر: "أبو".]] الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرة بْنُ زياد الموصلي، عن عَدِيّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ العُرْس -يَعْنِي ابْنَ عَميرة-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَها فكَرِهَها -وَقَالَ مَرَّةً: فَأَنْكَرَهَا-كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَها كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا."
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، مُرْسَلًا. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٥) ومرسلا برقم (٤٣٤٦) .]]
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي البَخْتَري قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "لَنْ يَهْلَكَ النَّاسُ حَتَّى يعْذِروا-أَوْ: يُعْذِروا -مِنْ أَنْفُسِهِمْ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ [[في ر: "تمنعن".]] رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا عَلِمَهُ". قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ -وَاللَّهِ-رَأَيْنَا أَشْيَاءَ، فَهِبْنَا. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٧) وفي إسناده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.]]
وَفِي حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُجَادَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ [[في أ: "عدل".]] عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٤) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١١) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [[في أ: "أبي أسامة".]] قَالَ: عَرَض لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رجلٌ عِنْدَ الجَمْرة الْأُولَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْز لِيَرْكَبَ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن أبن ماجة برقم (٤٠١٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٣) : "هذا إسناد فيه مقال، أبو غالب مختلف فيه ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وراشد بن سعيد قال فيه أبو حاتم: صدوق وباقي رجال الإسناد ثقات".]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْترِي، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "أبي سعيد الخدري".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِر أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟. قَالَ: "يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيل، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالة، حَدَّثَنَا نَهَارُ العَبْدِيّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ [[في ر: "إذا".]] رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ [[في ر: "ألقى".]] اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ، رَجَوْتُكَ وفَرقْتُ مِنَ النَّاسِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]] وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حَمَّادِ [[في ر: "خالد".]] بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [[المسند (٥/٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (٢٢٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ [[في أ: "حدثنا".]] الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيد الخُزَاعي، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْبَد حَفْصُ بْنُ غَيْلان [[في أ: "عبدان".]] الرُّعَيني، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَر فِيكُمْ مَا ظَهَر فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا؟ قَالَ: "المُلْك فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم". قَالَ زَيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:" "وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم": إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الفُسَّاق.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٥) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبة، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] شَاهِدٌ لِهَذَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ مُوَالَاتِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَتَرْكَهُمْ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّتِي أَعَقَبَتْهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَسْخَطَتِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ سُخْطًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ مَعَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
فَسَّرَ بِذَلِكَ مَا ذَمَّهُمْ بِهِ. ثُمَّ أَخِيرًا أَنَّهُمْ ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ [[في ر، أ: "مسلم".]] بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا، فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّهُ يُذهب الْبَهَاءَ، ويُورِث الْفَقْرَ، ويُنقِص الْعُمُرَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّهُ يُوجب سَخَط الرَّبِّ، وَسُوءَ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه عَنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في ر، أ: "مسلم".]] عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيق، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -فَذَكَرَهُ. وَسَاقَهُ أَيْضًا مِنْ طريق سعيد بن غُفَير، عَنْ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ [[ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٣١٧) من هذين الطريقين فقال:
١- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان به.
٢- وحدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا مسلمة بن علي، عن أبي علي الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ نحوه.
ثم قال: "وهذا عن الأعمش غير محفوظ وهو منكر واختلف ابن عفير وهشام في إسناده، فقال هشام: عن مسلمة، عن الأعمش، وقال ابن عفير: عن مسلمة عن أبي على الكوفي، عن الأعمش، وأبو علي لا يدري من هو؟ ويروي هذا الحديث عن عبد الله بن عصمة النصيبي، عن محمد بن سلمة البناني، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأحاديث غير محفوظة".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَوْ آمَنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالرُّسُلِ وَالْفَرْقَانِ [[في أ: "والقرآن".]] لَمَا ارْتَكَبُوا مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ فِي الْبَاطِنِ، وَمُعَادَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
5:80تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْكَافِرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فِيمَا أَنْزَلَ [[في د، أ: "أنزله".]] عَلَى دَاوُدَ نَبِيِّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ لِلَّهِ وَاعْتِدَائِهِمْ عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لُعِنُوا فِي التَّوْرَاةِ وَ [فِي] [[زيادة من ر، أ.]] الْإِنْجِيلِ وَفِي الزَّبُورِ، وَفِي الْفُرْقَانِ. [[في أ: "القرآن".]]
ثُمَّ بَيَّنَ حَالَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي زَمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: كَانَ لَا يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ، ثُمَّ ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِيُحَذَرَ أَنْ يُرْكَبَ مِثْلُ الَّذِي [[في أ: "أي من ارتكب مثل ما".]] ارْتَكَبُوا، فَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ [[في أ: "يزيد بن عباس".]] حَدَّثَنَا شَرِيك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة [[في د: "نديمة"، وفي ر: "يديمة".]] عَنْ أَبِي عُبَيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ -قَالَ يَزِيدُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَسْوَاقِهِمْ-وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ. فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا". [[في ر: "إطراء"؟.]] [[المسند (١/٣٩١) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنَا يُونُسُ بن راشد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بني إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: "كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولتَنهون عَنِ الْمُنْكَرِ، ولتأخذُنَّ عَلَى يَدِ [[في ر: "يدي".]] الظَّالِمِ، ولَتَأطرنَّه عَلَى الْحَقِّ أطْرا [[في ر: "إطراء".]] -أَوْ تَقْصُرْنَهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٦) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِىّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا رَأَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أكِيلَه وخَلِيطه وشَرِيكه -وَفِي حَدِيثِ هَارُونَ: وَشِرِّيبَهُ، ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْمَتْنِ-فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الْمُسِيءِ، ولتأطرُنَّه عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا [[في أ: "إطراء".]] أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ ليلعَنْكم كَمَا لَعَنَهُمْ"، وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. كَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ [[في أ: "روايته".]] هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ خَلَف بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَيَّاطِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ -وَهُوَ ابْنُ عِجْلان الْأَفْطَسُ-عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [[في أ: "عن أبي عبيدة بن عبدة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، بِهِ. وَرَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٧) .]]
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ [[في أ: "أبو الحجاج يوسف".]] الْمِزِّيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى [[تحفة الأشراف (٧/١٦١) .]]
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ هذا المقام.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَرِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٣] ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] ، حديثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] -فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ ليُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٥/٣٨٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عروَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مُروا بِالْمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ تَدْعوا فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ". تَفَرَّدَ بِهِ، وَعَاصِمٌ هَذَا مَجْهُولٌ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/٩٣) من طريق أبي همام الدلال، عن هشام بن سعد به.]]
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ -وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [[صحيح مسلم برقم (٤٩) .]] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا سَيْف -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ عَدِيّ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي -يَعْنِي: عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الله عز وجل".]] لَا يُعذِّب العامَّة بعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانيْهِم، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ. فَلَا يُنْكِرُونَهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ [[في ر، أ: "عيسى".]] بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول، فَذَكَرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. [[المسند (٤/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٧) : "رواه احمد من طريقين إحداها عن عدي بن عدي، حدثني مولى لنا وهو الصواب" أ. هـ. بتصرف.]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [[في ر: "أبو".]] الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرة بْنُ زياد الموصلي، عن عَدِيّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ العُرْس -يَعْنِي ابْنَ عَميرة-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَها فكَرِهَها -وَقَالَ مَرَّةً: فَأَنْكَرَهَا-كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَها كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا."
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، مُرْسَلًا. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٥) ومرسلا برقم (٤٣٤٦) .]]
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي البَخْتَري قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "لَنْ يَهْلَكَ النَّاسُ حَتَّى يعْذِروا-أَوْ: يُعْذِروا -مِنْ أَنْفُسِهِمْ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ [[في ر: "تمنعن".]] رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا عَلِمَهُ". قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ -وَاللَّهِ-رَأَيْنَا أَشْيَاءَ، فَهِبْنَا. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٧) وفي إسناده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.]]
وَفِي حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُجَادَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ [[في أ: "عدل".]] عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٤) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١١) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [[في أ: "أبي أسامة".]] قَالَ: عَرَض لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رجلٌ عِنْدَ الجَمْرة الْأُولَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْز لِيَرْكَبَ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن أبن ماجة برقم (٤٠١٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٣) : "هذا إسناد فيه مقال، أبو غالب مختلف فيه ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وراشد بن سعيد قال فيه أبو حاتم: صدوق وباقي رجال الإسناد ثقات".]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْترِي، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "أبي سعيد الخدري".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِر أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟. قَالَ: "يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيل، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالة، حَدَّثَنَا نَهَارُ العَبْدِيّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ [[في ر: "إذا".]] رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ [[في ر: "ألقى".]] اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ، رَجَوْتُكَ وفَرقْتُ مِنَ النَّاسِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]] وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حَمَّادِ [[في ر: "خالد".]] بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [[المسند (٥/٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (٢٢٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ [[في أ: "حدثنا".]] الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيد الخُزَاعي، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْبَد حَفْصُ بْنُ غَيْلان [[في أ: "عبدان".]] الرُّعَيني، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَر فِيكُمْ مَا ظَهَر فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا؟ قَالَ: "المُلْك فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم". قَالَ زَيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:" "وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم": إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الفُسَّاق.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٥) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبة، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] شَاهِدٌ لِهَذَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ مُوَالَاتِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَتَرْكَهُمْ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّتِي أَعَقَبَتْهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَسْخَطَتِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ سُخْطًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ مَعَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
فَسَّرَ بِذَلِكَ مَا ذَمَّهُمْ بِهِ. ثُمَّ أَخِيرًا أَنَّهُمْ ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ [[في ر، أ: "مسلم".]] بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا، فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّهُ يُذهب الْبَهَاءَ، ويُورِث الْفَقْرَ، ويُنقِص الْعُمُرَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّهُ يُوجب سَخَط الرَّبِّ، وَسُوءَ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه عَنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في ر، أ: "مسلم".]] عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيق، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -فَذَكَرَهُ. وَسَاقَهُ أَيْضًا مِنْ طريق سعيد بن غُفَير، عَنْ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ [[ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٣١٧) من هذين الطريقين فقال:
١- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان به.
٢- وحدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا مسلمة بن علي، عن أبي علي الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ نحوه.
ثم قال: "وهذا عن الأعمش غير محفوظ وهو منكر واختلف ابن عفير وهشام في إسناده، فقال هشام: عن مسلمة، عن الأعمش، وقال ابن عفير: عن مسلمة عن أبي على الكوفي، عن الأعمش، وأبو علي لا يدري من هو؟ ويروي هذا الحديث عن عبد الله بن عصمة النصيبي، عن محمد بن سلمة البناني، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأحاديث غير محفوظة".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَوْ آمَنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالرُّسُلِ وَالْفَرْقَانِ [[في أ: "والقرآن".]] لَمَا ارْتَكَبُوا مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ فِي الْبَاطِنِ، وَمُعَادَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
5:81وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْكَافِرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فِيمَا أَنْزَلَ [[في د، أ: "أنزله".]] عَلَى دَاوُدَ نَبِيِّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ لِلَّهِ وَاعْتِدَائِهِمْ عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لُعِنُوا فِي التَّوْرَاةِ وَ [فِي] [[زيادة من ر، أ.]] الْإِنْجِيلِ وَفِي الزَّبُورِ، وَفِي الْفُرْقَانِ. [[في أ: "القرآن".]]
ثُمَّ بَيَّنَ حَالَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي زَمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: كَانَ لَا يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ، ثُمَّ ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِيُحَذَرَ أَنْ يُرْكَبَ مِثْلُ الَّذِي [[في أ: "أي من ارتكب مثل ما".]] ارْتَكَبُوا، فَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ [[في أ: "يزيد بن عباس".]] حَدَّثَنَا شَرِيك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة [[في د: "نديمة"، وفي ر: "يديمة".]] عَنْ أَبِي عُبَيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ -قَالَ يَزِيدُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَسْوَاقِهِمْ-وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ. فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا". [[في ر: "إطراء"؟.]] [[المسند (١/٣٩١) .]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنَا يُونُسُ بن راشد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بني إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: "كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولتَنهون عَنِ الْمُنْكَرِ، ولتأخذُنَّ عَلَى يَدِ [[في ر: "يدي".]] الظَّالِمِ، ولَتَأطرنَّه عَلَى الْحَقِّ أطْرا [[في ر: "إطراء".]] -أَوْ تَقْصُرْنَهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٦) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَسَنٌ غَرِيبٌ". ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِىّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذيمة، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ مُرَّة، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إن الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا رَأَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أكِيلَه وخَلِيطه وشَرِيكه -وَفِي حَدِيثِ هَارُونَ: وَشِرِّيبَهُ، ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْمَتْنِ-فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الْمُسِيءِ، ولتأطرُنَّه عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا [[في أ: "إطراء".]] أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ ليلعَنْكم كَمَا لَعَنَهُمْ"، وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. كَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ [[في أ: "روايته".]] هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ خَلَف بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَيَّاطِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ -وَهُوَ ابْنُ عِجْلان الْأَفْطَسُ-عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [[في أ: "عن أبي عبيدة بن عبدة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، بِهِ. وَرَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٣٧) .]]
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ [[في أ: "أبو الحجاج يوسف".]] الْمِزِّيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى [[تحفة الأشراف (٧/١٦١) .]]
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ هذا المقام.
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَرِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٣] ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] ، حديثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] -فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ ليُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٥/٣٨٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٩) .]]
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عروَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "مُروا بِالْمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلَ أَنْ تَدْعوا فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ". تَفَرَّدَ بِهِ، وَعَاصِمٌ هَذَا مَجْهُولٌ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/٩٣) من طريق أبي همام الدلال، عن هشام بن سعد به.]]
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ -وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [[صحيح مسلم برقم (٤٩) .]] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا سَيْف -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ عَدِيّ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي -يَعْنِي: عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الله عز وجل".]] لَا يُعذِّب العامَّة بعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانيْهِم، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ. فَلَا يُنْكِرُونَهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ [[في ر، أ: "عيسى".]] بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول، فَذَكَرَهُ. هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. [[المسند (٤/١٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٧) : "رواه احمد من طريقين إحداها عن عدي بن عدي، حدثني مولى لنا وهو الصواب" أ. هـ. بتصرف.]]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [[في ر: "أبو".]] الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرة بْنُ زياد الموصلي، عن عَدِيّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ العُرْس -يَعْنِي ابْنَ عَميرة-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَها فكَرِهَها -وَقَالَ مَرَّةً: فَأَنْكَرَهَا-كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَها كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا."
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، مُرْسَلًا. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٥) ومرسلا برقم (٤٣٤٦) .]]
[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -وَهَذَا لَفْظُهُ-عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي البَخْتَري قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "لَنْ يَهْلَكَ النَّاسُ حَتَّى يعْذِروا-أَوْ: يُعْذِروا -مِنْ أَنْفُسِهِمْ". [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٧) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: "أَلَّا لَا يَمْنَعْنَ [[في ر: "تمنعن".]] رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا عَلِمَهُ". قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ -وَاللَّهِ-رَأَيْنَا أَشْيَاءَ، فَهِبْنَا. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٧) وفي إسناده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.]]
وَفِي حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُجَادَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ [[في أ: "عدل".]] عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[سنن أبي داود برقم (٤٣٤٤) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١١) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [[في أ: "أبي أسامة".]] قَالَ: عَرَض لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رجلٌ عِنْدَ الجَمْرة الْأُولَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْز لِيَرْكَبَ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن أبن ماجة برقم (٤٠١٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٣) : "هذا إسناد فيه مقال، أبو غالب مختلف فيه ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وراشد بن سعيد قال فيه أبو حاتم: صدوق وباقي رجال الإسناد ثقات".]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْترِي، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "أبي سعيد الخدري".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحْقِر أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟. قَالَ: "يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى". تَفَرَّدَ بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٨) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٢) : "هذا إسناد صحيح".]]
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيل، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالة، حَدَّثَنَا نَهَارُ العَبْدِيّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ [[في ر: "إذا".]] رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ [[في ر: "ألقى".]] اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ، رَجَوْتُكَ وفَرقْتُ مِنَ النَّاسِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح".]] وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حَمَّادِ [[في ر: "خالد".]] بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [[المسند (٥/٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (٢٢٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ [[في أ: "حدثنا".]] الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيد الخُزَاعي، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْبَد حَفْصُ بْنُ غَيْلان [[في أ: "عبدان".]] الرُّعَيني، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَر فِيكُمْ مَا ظَهَر فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا؟ قَالَ: "المُلْك فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم". قَالَ زَيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:" "وَالْعِلْمُ فِي رُذالكم": إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الفُسَّاق.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠١٥) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٤٤) : "هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات".]] وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبة، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٥] شَاهِدٌ لِهَذَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ مُوَالَاتِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَتَرْكَهُمْ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّتِي أَعَقَبَتْهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَسْخَطَتِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ سُخْطًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ مَعَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
فَسَّرَ بِذَلِكَ مَا ذَمَّهُمْ بِهِ. ثُمَّ أَخِيرًا أَنَّهُمْ ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ [[في ر، أ: "مسلم".]] بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا، فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّهُ يُذهب الْبَهَاءَ، ويُورِث الْفَقْرَ، ويُنقِص الْعُمُرَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّهُ يُوجب سَخَط الرَّبِّ، وَسُوءَ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه عَنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في ر، أ: "مسلم".]] عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيق، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -فَذَكَرَهُ. وَسَاقَهُ أَيْضًا مِنْ طريق سعيد بن غُفَير، عَنْ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ [[ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٣١٧) من هذين الطريقين فقال:
١- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان به.
٢- وحدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا مسلمة بن علي، عن أبي علي الْكُوفِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ نحوه.
ثم قال: "وهذا عن الأعمش غير محفوظ وهو منكر واختلف ابن عفير وهشام في إسناده، فقال هشام: عن مسلمة، عن الأعمش، وقال ابن عفير: عن مسلمة عن أبي على الكوفي، عن الأعمش، وأبو علي لا يدري من هو؟ ويروي هذا الحديث عن عبد الله بن عصمة النصيبي، عن محمد بن سلمة البناني، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأحاديث غير محفوظة".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَوْ آمَنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالرُّسُلِ وَالْفَرْقَانِ [[في أ: "والقرآن".]] لَمَا ارْتَكَبُوا مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ فِي الْبَاطِنِ، وَمُعَادَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
5:82۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ حِينَ تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآنَ بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير والسُّدِّي وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا صِفَاتِهِ، فَلِمَا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وبَكَوا وخَشَعوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ.
قَالَ السَّدِّيُّ: فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَهَذَا مِنْ إِفْرَادِ السُّدِّيِّ؛ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَاتَ وَهُوَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي عِدة هَذَا الْوَفْدِ، فَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، سَبْعَةُ قَسَاوِسَةٍ [[في أ: "قساقسة".]] وَخَمْسَةُ رَهَابين. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ رَجُلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[في أ: "والله أعلم".]]
وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجرَة الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] نَزَلَتْ فِي صِفَةِ أَقْوَامٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
فَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرِ الْيَهُودِ عِنَادٌ وَجُحُودٌ وَمُبَاهَتَةٌ لِلْحَقِّ، وغَمْط لِلنَّاسِ وتَنَقص بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَحَرُوهُ، وألَّبوا عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السُّرِّي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الرَّقي، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْعَلَّافُ بْنُ الْعَلَّافِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ قَطُّ بِمُسْلِمٍ [[في أ: "بمسلم قط".]] إِلَّا هَمَّ [[في ر: "وهم".]] بِقَتْلِهِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ اليَشْكُرِي [[في أ: "العسكري".]] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَتْ [[في ر، أ: "إلا حدث".]] نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جدًا. [[ورواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٢) من طريق يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة به وقال: "يحيى بن عبيد الله ابن موهب القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له، فلما كثر ذلك عنه، سقط عن الاحتجاج به".
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٣١٦) من وجه آخر: من طريق جرير بن حازم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه به، وقال: "هذا حديث غريب جدًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ومن حديث جرير بن حازم عن ابن سيرين لم أكتبه إلا من حديث خالد بن يزيد، عن وهب بن جرير".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعَلَى مِنْهَاجِ إِنْجِيلِهِ، فِيهِمْ مَوَدَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِذْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧] وَفِي كِتَابِهِمْ: مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ. وَلَيْسَ [[في ر: "ليس".]] الْقِتَالُ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: يُوجَدُ فِيهِمُ الْقِسِّيسُونَ -وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَاحِدُهُمْ: قِسِّيسٌ وقَس أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى قُسُوسٍ-وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ: الْعَابِدُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ [[في ر، أ: "وهو".]] الْخَوْفُ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَفَارِسٍ وَفُرْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا وجَمْعُه رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينَ، وجُرْدان وجَرَادين [[في ر: "وجوذان وجواذين".]] وَقَدْ يُجْمَعُ [[في أ: "وقد جمع".]] عَلَى رَهَابِنَةٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ عَاينَتْ [[في ر " عاتبت ".]] رُهْبان دَيْر فِي القُلَل ... لانْحدَر الرُّهْبَان يَمْشي وَنَزَلْ [[تفسير الطبري (١٠/٥٠٣) ".]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] : [[زيادة من أ.]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فَقَالَ: دَعِ "الْقِسِّيسِينَ" فِي الْبَيْعِ وَالْخَرِبِ، أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينِ وَرُهْبَانًا". [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/١١٦) من طريق معاوية بن هشام، عن نصير بن زياد به.]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنْ نُصير بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ صَلْت الدِّهَانِ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَاب، عَنْ سَلْمَانَ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا صَلْتٌ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ قَالَ: هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِعِ والخرَب، فَدَعَوْهُمْ فِيهَا، قَالَ سَلْمَانُ: وَقَرَأْتُ [[في أ: "قرأت".]] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [وَرُهْبَانًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] فَأَقْرَأَنِي: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صديقين ورهبانا". [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٦/٢٦٦) من طريق يحيى الحماني به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف".]] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَضَمَّنَ وَصْفَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالتَّوَاضُعَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِنْصَافِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ عُمَرَ [[في ر، أ: "عمرو".]] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي أَصْحَابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٨) .]]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْل عُبَيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ نَافِعٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَرَابِينَ -يَعْنِي: فَلَّاحِينَ-قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ آمَنُوا وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَعَلَّكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ [[في أ: "انقلبتم".]] إِلَى دِينِكُمْ". فَقَالُوا: لَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ دِينِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. [[المعجم الكبير (١٢/٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٨) : "فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف".]]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ سِماك عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّتِهِ هُمُ [[في د، ر، أ: "وهم".]] الشَّاهِدُونَ، يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَلِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّصَارَى هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٩٩] ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [[في ر: "الأنهار خالدين فيها".]] أَيْ: فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْحَقِّ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: سَاكِنِينَ [[في ر، أ: "ماكثين".]] فِيهَا أَبَدًا، لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُهَا وَالدَّاخِلُونَ إِلَيْهَا.
5:83وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ حِينَ تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآنَ بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير والسُّدِّي وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا صِفَاتِهِ، فَلِمَا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وبَكَوا وخَشَعوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ.
قَالَ السَّدِّيُّ: فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَهَذَا مِنْ إِفْرَادِ السُّدِّيِّ؛ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَاتَ وَهُوَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي عِدة هَذَا الْوَفْدِ، فَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، سَبْعَةُ قَسَاوِسَةٍ [[في أ: "قساقسة".]] وَخَمْسَةُ رَهَابين. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ رَجُلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[في أ: "والله أعلم".]]
وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجرَة الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] نَزَلَتْ فِي صِفَةِ أَقْوَامٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
فَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرِ الْيَهُودِ عِنَادٌ وَجُحُودٌ وَمُبَاهَتَةٌ لِلْحَقِّ، وغَمْط لِلنَّاسِ وتَنَقص بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَحَرُوهُ، وألَّبوا عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السُّرِّي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الرَّقي، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْعَلَّافُ بْنُ الْعَلَّافِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ قَطُّ بِمُسْلِمٍ [[في أ: "بمسلم قط".]] إِلَّا هَمَّ [[في ر: "وهم".]] بِقَتْلِهِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ اليَشْكُرِي [[في أ: "العسكري".]] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَتْ [[في ر، أ: "إلا حدث".]] نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جدًا. [[ورواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٢) من طريق يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة به وقال: "يحيى بن عبيد الله ابن موهب القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له، فلما كثر ذلك عنه، سقط عن الاحتجاج به".
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٣١٦) من وجه آخر: من طريق جرير بن حازم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه به، وقال: "هذا حديث غريب جدًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ومن حديث جرير بن حازم عن ابن سيرين لم أكتبه إلا من حديث خالد بن يزيد، عن وهب بن جرير".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعَلَى مِنْهَاجِ إِنْجِيلِهِ، فِيهِمْ مَوَدَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِذْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧] وَفِي كِتَابِهِمْ: مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ. وَلَيْسَ [[في ر: "ليس".]] الْقِتَالُ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: يُوجَدُ فِيهِمُ الْقِسِّيسُونَ -وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَاحِدُهُمْ: قِسِّيسٌ وقَس أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى قُسُوسٍ-وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ: الْعَابِدُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ [[في ر، أ: "وهو".]] الْخَوْفُ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَفَارِسٍ وَفُرْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا وجَمْعُه رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينَ، وجُرْدان وجَرَادين [[في ر: "وجوذان وجواذين".]] وَقَدْ يُجْمَعُ [[في أ: "وقد جمع".]] عَلَى رَهَابِنَةٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ عَاينَتْ [[في ر " عاتبت ".]] رُهْبان دَيْر فِي القُلَل ... لانْحدَر الرُّهْبَان يَمْشي وَنَزَلْ [[تفسير الطبري (١٠/٥٠٣) ".]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] : [[زيادة من أ.]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فَقَالَ: دَعِ "الْقِسِّيسِينَ" فِي الْبَيْعِ وَالْخَرِبِ، أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينِ وَرُهْبَانًا". [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/١١٦) من طريق معاوية بن هشام، عن نصير بن زياد به.]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنْ نُصير بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ صَلْت الدِّهَانِ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَاب، عَنْ سَلْمَانَ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا صَلْتٌ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ قَالَ: هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِعِ والخرَب، فَدَعَوْهُمْ فِيهَا، قَالَ سَلْمَانُ: وَقَرَأْتُ [[في أ: "قرأت".]] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [وَرُهْبَانًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] فَأَقْرَأَنِي: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صديقين ورهبانا". [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٦/٢٦٦) من طريق يحيى الحماني به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف".]] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَضَمَّنَ وَصْفَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالتَّوَاضُعَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِنْصَافِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ عُمَرَ [[في ر، أ: "عمرو".]] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي أَصْحَابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٨) .]]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْل عُبَيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ نَافِعٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَرَابِينَ -يَعْنِي: فَلَّاحِينَ-قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ آمَنُوا وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَعَلَّكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ [[في أ: "انقلبتم".]] إِلَى دِينِكُمْ". فَقَالُوا: لَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ دِينِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. [[المعجم الكبير (١٢/٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٨) : "فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف".]]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ سِماك عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّتِهِ هُمُ [[في د، ر، أ: "وهم".]] الشَّاهِدُونَ، يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَلِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّصَارَى هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٩٩] ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [[في ر: "الأنهار خالدين فيها".]] أَيْ: فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْحَقِّ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: سَاكِنِينَ [[في ر، أ: "ماكثين".]] فِيهَا أَبَدًا، لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُهَا وَالدَّاخِلُونَ إِلَيْهَا.
5:84وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ حِينَ تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآنَ بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير والسُّدِّي وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا صِفَاتِهِ، فَلِمَا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وبَكَوا وخَشَعوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ.
قَالَ السَّدِّيُّ: فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَهَذَا مِنْ إِفْرَادِ السُّدِّيِّ؛ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَاتَ وَهُوَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي عِدة هَذَا الْوَفْدِ، فَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، سَبْعَةُ قَسَاوِسَةٍ [[في أ: "قساقسة".]] وَخَمْسَةُ رَهَابين. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ رَجُلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[في أ: "والله أعلم".]]
وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجرَة الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] نَزَلَتْ فِي صِفَةِ أَقْوَامٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
فَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرِ الْيَهُودِ عِنَادٌ وَجُحُودٌ وَمُبَاهَتَةٌ لِلْحَقِّ، وغَمْط لِلنَّاسِ وتَنَقص بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَحَرُوهُ، وألَّبوا عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السُّرِّي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الرَّقي، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْعَلَّافُ بْنُ الْعَلَّافِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ قَطُّ بِمُسْلِمٍ [[في أ: "بمسلم قط".]] إِلَّا هَمَّ [[في ر: "وهم".]] بِقَتْلِهِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ اليَشْكُرِي [[في أ: "العسكري".]] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَتْ [[في ر، أ: "إلا حدث".]] نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جدًا. [[ورواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٢) من طريق يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة به وقال: "يحيى بن عبيد الله ابن موهب القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له، فلما كثر ذلك عنه، سقط عن الاحتجاج به".
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٣١٦) من وجه آخر: من طريق جرير بن حازم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه به، وقال: "هذا حديث غريب جدًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ومن حديث جرير بن حازم عن ابن سيرين لم أكتبه إلا من حديث خالد بن يزيد، عن وهب بن جرير".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعَلَى مِنْهَاجِ إِنْجِيلِهِ، فِيهِمْ مَوَدَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِذْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧] وَفِي كِتَابِهِمْ: مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ. وَلَيْسَ [[في ر: "ليس".]] الْقِتَالُ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: يُوجَدُ فِيهِمُ الْقِسِّيسُونَ -وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَاحِدُهُمْ: قِسِّيسٌ وقَس أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى قُسُوسٍ-وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ: الْعَابِدُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ [[في ر، أ: "وهو".]] الْخَوْفُ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَفَارِسٍ وَفُرْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا وجَمْعُه رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينَ، وجُرْدان وجَرَادين [[في ر: "وجوذان وجواذين".]] وَقَدْ يُجْمَعُ [[في أ: "وقد جمع".]] عَلَى رَهَابِنَةٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ عَاينَتْ [[في ر " عاتبت ".]] رُهْبان دَيْر فِي القُلَل ... لانْحدَر الرُّهْبَان يَمْشي وَنَزَلْ [[تفسير الطبري (١٠/٥٠٣) ".]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] : [[زيادة من أ.]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فَقَالَ: دَعِ "الْقِسِّيسِينَ" فِي الْبَيْعِ وَالْخَرِبِ، أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينِ وَرُهْبَانًا". [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/١١٦) من طريق معاوية بن هشام، عن نصير بن زياد به.]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنْ نُصير بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ صَلْت الدِّهَانِ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَاب، عَنْ سَلْمَانَ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا صَلْتٌ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ قَالَ: هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِعِ والخرَب، فَدَعَوْهُمْ فِيهَا، قَالَ سَلْمَانُ: وَقَرَأْتُ [[في أ: "قرأت".]] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [وَرُهْبَانًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] فَأَقْرَأَنِي: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صديقين ورهبانا". [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٦/٢٦٦) من طريق يحيى الحماني به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف".]] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَضَمَّنَ وَصْفَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالتَّوَاضُعَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِنْصَافِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ عُمَرَ [[في ر، أ: "عمرو".]] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي أَصْحَابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٨) .]]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْل عُبَيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ نَافِعٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَرَابِينَ -يَعْنِي: فَلَّاحِينَ-قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ آمَنُوا وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَعَلَّكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ [[في أ: "انقلبتم".]] إِلَى دِينِكُمْ". فَقَالُوا: لَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ دِينِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. [[المعجم الكبير (١٢/٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٨) : "فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف".]]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ سِماك عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّتِهِ هُمُ [[في د، ر، أ: "وهم".]] الشَّاهِدُونَ، يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَلِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّصَارَى هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٩٩] ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [[في ر: "الأنهار خالدين فيها".]] أَيْ: فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْحَقِّ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: سَاكِنِينَ [[في ر، أ: "ماكثين".]] فِيهَا أَبَدًا، لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُهَا وَالدَّاخِلُونَ إِلَيْهَا.
5:85فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ حِينَ تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآنَ بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير والسُّدِّي وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا صِفَاتِهِ، فَلِمَا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وبَكَوا وخَشَعوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ.
قَالَ السَّدِّيُّ: فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَهَذَا مِنْ إِفْرَادِ السُّدِّيِّ؛ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَاتَ وَهُوَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي عِدة هَذَا الْوَفْدِ، فَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، سَبْعَةُ قَسَاوِسَةٍ [[في أ: "قساقسة".]] وَخَمْسَةُ رَهَابين. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ رَجُلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[في أ: "والله أعلم".]]
وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجرَة الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] نَزَلَتْ فِي صِفَةِ أَقْوَامٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
فَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرِ الْيَهُودِ عِنَادٌ وَجُحُودٌ وَمُبَاهَتَةٌ لِلْحَقِّ، وغَمْط لِلنَّاسِ وتَنَقص بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَحَرُوهُ، وألَّبوا عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السُّرِّي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الرَّقي، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْعَلَّافُ بْنُ الْعَلَّافِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ قَطُّ بِمُسْلِمٍ [[في أ: "بمسلم قط".]] إِلَّا هَمَّ [[في ر: "وهم".]] بِقَتْلِهِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ اليَشْكُرِي [[في أ: "العسكري".]] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَتْ [[في ر، أ: "إلا حدث".]] نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جدًا. [[ورواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٢) من طريق يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة به وقال: "يحيى بن عبيد الله ابن موهب القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له، فلما كثر ذلك عنه، سقط عن الاحتجاج به".
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٣١٦) من وجه آخر: من طريق جرير بن حازم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه به، وقال: "هذا حديث غريب جدًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ومن حديث جرير بن حازم عن ابن سيرين لم أكتبه إلا من حديث خالد بن يزيد، عن وهب بن جرير".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعَلَى مِنْهَاجِ إِنْجِيلِهِ، فِيهِمْ مَوَدَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِذْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧] وَفِي كِتَابِهِمْ: مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ. وَلَيْسَ [[في ر: "ليس".]] الْقِتَالُ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: يُوجَدُ فِيهِمُ الْقِسِّيسُونَ -وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَاحِدُهُمْ: قِسِّيسٌ وقَس أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى قُسُوسٍ-وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ: الْعَابِدُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ [[في ر، أ: "وهو".]] الْخَوْفُ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَفَارِسٍ وَفُرْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا وجَمْعُه رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينَ، وجُرْدان وجَرَادين [[في ر: "وجوذان وجواذين".]] وَقَدْ يُجْمَعُ [[في أ: "وقد جمع".]] عَلَى رَهَابِنَةٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ عَاينَتْ [[في ر " عاتبت ".]] رُهْبان دَيْر فِي القُلَل ... لانْحدَر الرُّهْبَان يَمْشي وَنَزَلْ [[تفسير الطبري (١٠/٥٠٣) ".]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] : [[زيادة من أ.]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فَقَالَ: دَعِ "الْقِسِّيسِينَ" فِي الْبَيْعِ وَالْخَرِبِ، أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينِ وَرُهْبَانًا". [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/١١٦) من طريق معاوية بن هشام، عن نصير بن زياد به.]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنْ نُصير بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ صَلْت الدِّهَانِ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَاب، عَنْ سَلْمَانَ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا صَلْتٌ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ قَالَ: هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِعِ والخرَب، فَدَعَوْهُمْ فِيهَا، قَالَ سَلْمَانُ: وَقَرَأْتُ [[في أ: "قرأت".]] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [وَرُهْبَانًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] فَأَقْرَأَنِي: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صديقين ورهبانا". [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٦/٢٦٦) من طريق يحيى الحماني به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف".]] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَضَمَّنَ وَصْفَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالتَّوَاضُعَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِنْصَافِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ عُمَرَ [[في ر، أ: "عمرو".]] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي أَصْحَابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٨) .]]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْل عُبَيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ نَافِعٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَرَابِينَ -يَعْنِي: فَلَّاحِينَ-قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ آمَنُوا وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَعَلَّكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ [[في أ: "انقلبتم".]] إِلَى دِينِكُمْ". فَقَالُوا: لَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ دِينِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. [[المعجم الكبير (١٢/٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٨) : "فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف".]]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ سِماك عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّتِهِ هُمُ [[في د، ر، أ: "وهم".]] الشَّاهِدُونَ، يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَلِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّصَارَى هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٩٩] ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [[في ر: "الأنهار خالدين فيها".]] أَيْ: فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْحَقِّ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: سَاكِنِينَ [[في ر، أ: "ماكثين".]] فِيهَا أَبَدًا، لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُهَا وَالدَّاخِلُونَ إِلَيْهَا.
5:86وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ حِينَ تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآنَ بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير والسُّدِّي وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا صِفَاتِهِ، فَلِمَا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وبَكَوا وخَشَعوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ.
قَالَ السَّدِّيُّ: فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَهَذَا مِنْ إِفْرَادِ السُّدِّيِّ؛ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَاتَ وَهُوَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي عِدة هَذَا الْوَفْدِ، فَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، سَبْعَةُ قَسَاوِسَةٍ [[في أ: "قساقسة".]] وَخَمْسَةُ رَهَابين. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ رَجُلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[في أ: "والله أعلم".]]
وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ، أَسْلَمُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجرَة الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] نَزَلَتْ فِي صِفَةِ أَقْوَامٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
فَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرِ الْيَهُودِ عِنَادٌ وَجُحُودٌ وَمُبَاهَتَةٌ لِلْحَقِّ، وغَمْط لِلنَّاسِ وتَنَقص بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَحَرُوهُ، وألَّبوا عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ [[في ر، أ: "التابعة".]] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السُّرِّي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الرَّقي، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْعَلَّافُ بْنُ الْعَلَّافِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ قَطُّ بِمُسْلِمٍ [[في أ: "بمسلم قط".]] إِلَّا هَمَّ [[في ر: "وهم".]] بِقَتْلِهِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ اليَشْكُرِي [[في أ: "العسكري".]] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَتْ [[في ر، أ: "إلا حدث".]] نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جدًا. [[ورواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٢) من طريق يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة به وقال: "يحيى بن عبيد الله ابن موهب القرشي يروي عن أبيه ما لا أصل له، فلما كثر ذلك عنه، سقط عن الاحتجاج به".
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٣١٦) من وجه آخر: من طريق جرير بن حازم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه به، وقال: "هذا حديث غريب جدًا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ومن حديث جرير بن حازم عن ابن سيرين لم أكتبه إلا من حديث خالد بن يزيد، عن وهب بن جرير".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أَيِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ وَعَلَى مِنْهَاجِ إِنْجِيلِهِ، فِيهِمْ مَوَدَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِذْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٧] وَفِي كِتَابِهِمْ: مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ. وَلَيْسَ [[في ر: "ليس".]] الْقِتَالُ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: يُوجَدُ فِيهِمُ الْقِسِّيسُونَ -وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَاحِدُهُمْ: قِسِّيسٌ وقَس أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى قُسُوسٍ-وَالرُّهْبَانُ: جَمْعُ رَاهِبٍ، وَهُوَ: الْعَابِدُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ [[في ر، أ: "وهو".]] الْخَوْفُ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَفَارِسٍ وَفُرْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا وجَمْعُه رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينَ، وجُرْدان وجَرَادين [[في ر: "وجوذان وجواذين".]] وَقَدْ يُجْمَعُ [[في أ: "وقد جمع".]] عَلَى رَهَابِنَةٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْ عَاينَتْ [[في ر " عاتبت ".]] رُهْبان دَيْر فِي القُلَل ... لانْحدَر الرُّهْبَان يَمْشي وَنَزَلْ [[تفسير الطبري (١٠/٥٠٣) ".]]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] : [[زيادة من أ.]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فَقَالَ: دَعِ "الْقِسِّيسِينَ" فِي الْبَيْعِ وَالْخَرِبِ، أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينِ وَرُهْبَانًا". [[ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٨/١١٦) من طريق معاوية بن هشام، عن نصير بن زياد به.]]
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، عَنْ نُصير بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ صَلْت الدِّهَانِ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَاب، عَنْ سَلْمَانَ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَهُ أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الحمَّاني، حَدَّثَنَا نُصَير بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا صَلْتٌ الدَّهَّانُ، عَنْ حَامِيَةَ بْنِ رِئَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ قَالَ: هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِعِ والخرَب، فَدَعَوْهُمْ فِيهَا، قَالَ سَلْمَانُ: وَقَرَأْتُ [[في أ: "قرأت".]] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ [وَرُهْبَانًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] فَأَقْرَأَنِي: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صديقين ورهبانا". [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٦/٢٦٦) من طريق يحيى الحماني به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٧) : "فيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف".]] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَضَمَّنَ وَصْفَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ وَالتَّوَاضُعَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِنْصَافِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مَنْ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ عُمَرَ [[في ر، أ: "عمرو".]] بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي أَصْحَابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤٨) .]]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْل عُبَيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ نَافِعٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَرَابِينَ -يَعْنِي: فَلَّاحِينَ-قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ آمَنُوا وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَعَلَّكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ [[في أ: "انقلبتم".]] إِلَى دِينِكُمْ". فَقَالُوا: لَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ دِينِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ. [[المعجم الكبير (١٢/٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٨) : "فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف".]]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ سِماك عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَّتِهِ هُمُ [[في د، ر، أ: "وهم".]] الشَّاهِدُونَ، يَشْهَدُونَ لِنَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَلِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ النَّصَارَى هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:١٩٩] ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٢-٥٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [[في ر: "الأنهار خالدين فيها".]] أَيْ: فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْحَقِّ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: سَاكِنِينَ [[في ر، أ: "ماكثين".]] فِيهَا أَبَدًا، لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: فِي اتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَانْقِيَادِهِمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُهَا وَالدَّاخِلُونَ إِلَيْهَا.
5:87يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَهْط مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا: نَقْطَعُ مَذاكيرنا، وَنَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَفْعَلُ الرُّهْبَانُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ: فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَنْ أَخَذَ بسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". [[هذا لفظ حديث أنس بن مالك: رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٦٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٠١) . أما حديث عائشة فلفظه: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحمد الله وأثني عليه ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله واشدهم له خشية". رواه البخاري برقم (٧٣٠١) ومسلم برقم (٢٣٥٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مُخَلَّد، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ-أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا أَكَلْتُ اللَّحْمَ [[في أ: "أكلت من هذا اللحم".]] انتشرتُ لِلنِّسَاءِ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ جَمِيعًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، به.
وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٤) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ووَكِيع، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْس بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَّا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٤) .]] . وَهَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرحبيل قَالَ: جَاءَ مَعْقل بْنُ مقرِّن إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْتُ فِرَاشِي. فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَجِيءَ بضَرْع، فَتَنَحَّى رَجُلٌ، فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] عَبْدُ اللَّهِ: اُدْن. فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْتُ أَنْ آكُلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطعَم، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ هَذَا الْأَثَرَ الأخير في مستدركه، من طريق إسحاق بن رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ضَافَهُ [[في ر: "أضافه".]] ضَيْفٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَهُمْ لَمْ يُطْعموا ضَيْفَهم انْتِظَارًا لَهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِنْ أَجْلِي، هُوَ عليَّ حَرَامٌ. فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هُوَ عليَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الضَّيْفُ: هُوَ عليَّ حَرَامٌ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وَضَعَ يَدَهَ وَقَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ [[في أ: "فأنزل".]] اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وَهَذَا أَثَرٌ مُنْقَطِعٌ. [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/١٤٣) .]]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الصِّدِّيقِ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] [[زيادة من أ.]] مع أضيافه شبيه [[صحيح البخاري برقم (٦١٤٠) .]] بهذا [[في أ: "شبه هذا".]] وفيه، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ لِمَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ مَنْ حَرَّمَ مَأْكَلًا أَوْ مَلْبَسًا أَوْ شَيْئًا مَا عَدَا النِّسَاءَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؛ وَلِأَنَّ الَّذِي حَرَّم اللَّحْمَ عَلَى نَفْسِهِ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ-لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّارَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [[في أ: "وذهب الإمام أحمد بن حنبل وآخرون".]] إِلَى أَنَّ من حرم مأكلا أو مشربًا أو أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا إِذَا الْتَزَمَ تَرْكَهُ بِالْيَمِينِ فَكَذَلِكَ يُؤَاخَذُ بِمُجَرَّدِ تَحْرِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَهُ، كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّحْرِيمِ:١] . ثُمَّ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الْآيَةَ [التَّحْرِيمِ:٢] . وَكَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] هَاهُنَا لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَقَّبَهُ بِالْآيَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِتَكْفِيرِ الْيَمِينِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْيَمِينِ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْفِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَرَادَ رِجَالٌ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ يَتَبَتَّلوا ويخصُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَلْبَسُوا المسُوح، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فِي أَصْحَابٍ [[في أ: "أصحابه".]] تَبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ، وَاعْتَزَلُوا النِّسَاءَ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ، وَحَرَّمُوا طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ إِلَّا مَا يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ أَهْلُ السِّيَاحَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَمُّوا بِالْإِخْصَاءِ وَأَجْمَعُوا لِقِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يَقُولُ: لَا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المرسلين".]] يُرِيدُ: مَا حَرَّمُوا مِنَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَمَا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْإِخْصَاءِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فِيهِمْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَعْيُنِكُمْ حَقًّا، صُومُوا وَأَفْطِرُوا، وَصَلُّوا وَنَامُوا، فَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ سُنَّتَنَا". فَقَالُوا: اللَّهُمَّ سَلَّمْنَا وَاتَّبَعْنَا مَا أَنْزَلَتْ. [[تفسير الطبري (١٠/٥١٩) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مُرْسَلَةً، وَلَهَا شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا فَذَكَّرَ النَّاسَ، ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَزِدْهُمْ [[في ر: "يزهدهم".]] عَلَى التَّخْوِيفِ، فَقَالَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانُوا عَشَرَةً مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: مَا خِفْنَا إِنْ لَمْ نُحْدِثْ عَمَلًا فَإِنَّ النَّصَارَى قَدْ حَرَّمُوا على أنفسهم، فنحن نحرم. فحرم بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْكُلَ اللَّحْمَ والودَك، وَأَنْ يَأْكُلَ بنَهَار، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النَّوْمَ، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِّسَاءَ، فَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِمَّنْ حَرَمَ النِّسَاءَ وَكَانَ [[في ر: "فكان".]] لَا يَدْنُو مِنْ أَهْلِهِ وَلَا تَدْنُو مِنْهُ. فَأَتَتِ امرأتُه عائشةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: الْحَوْلَاءُ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَمَنْ عِنْدَهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: مَا بَالُكِ يَا حَوْلَاءُ مُتَغَيِّرَةُ اللَّوْنِ، لَا تَمْتَشِطِينَ، لَا تَتَطَيَّبِينَ؟ قَالَتْ: وَكَيْفَ أَمْتَشِطُ وَأَتَطَيَّبُ وَمَا وَقَعَ عليَّ زَوْجِي وَمَا رَفَعَ عَنِّي ثَوْبًا، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَجَعَلْنَ يَضْحَكْنَ مِنْ كَلَامِهَا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَقَالَ: "مَا يُضْحِكُكُنَّ؟ " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَوْلَاءَ سَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا، فَقَالَتْ: مَا رَفَعَ عَنِّي زَوْجِي ثَوْبًا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا عُثْمَانُ؟ " قَالَ: إِنِّي تَرَكْتُهُ لِلَّهِ، لِكَيْ أَتَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أَهْلَكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: "أَفْطِرْ". فَأَفْطَرَ، وَأَتَى أَهْلَهُ، فَرَجَعَتِ الْحَوْلَاءُ إِلَى عَائِشَةَ [زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَقَدِ امْتَشَطَتْ وَاكْتَحَلَتْ وَتَطَيَّبَتْ، فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: مَا لَكِ يَا حَوْلَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَتَاهَا أَمْسُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّموا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالنَّوْمَ؟ أَلَّا إِنِّي أَنَامُ وَأَقُومُ، وَأُفْطِرُ وَأَصُومُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِب عَنِّي فَلَيْسَ مِنِّي". فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ لِعُثْمَانَ "لَا تجُبَّ نَفْسَكَ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الِاعْتِدَاءُ". وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا عَنْ أَيْمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ﴾ رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: وَلَا تُبَالِغُوا فِي التَّضْيِيقِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي تَحْرِيمِ [[في د: "بتحريم".]] الْمُبَاحَاتِ عَلَيْكُمْ، كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ [[في أ: "قال".]] مِنَ السَّلَفِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: كَمَا لَا تُحَرِّمُوا [[في ر: "يحرموا".]] الْحَلَالَ فَلَا تَعْتَدُّوا فِي تَنَاوُلِ الْحَلَالِ، بَلْ خُذُوا مِنْهُ بقَدْر كِفَايَتِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ، وَلَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِيهِ، كَمَا قَالَ [[في د: "كقوله".]] تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [آل عمران: ٣١] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٧] فشرعُ اللَّهِ عَدَلَ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا﴾ أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِهِ حَلَالًا طَيِّبًا، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، وَاتَّبِعُوا طَاعَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاتْرُكُوا مُخَالَفَتَهُ [[في ر: "محارمه".]] وَعِصْيَانَهُ، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
5:88وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَهْط مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالُوا: نَقْطَعُ مَذاكيرنا، وَنَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَفْعَلُ الرُّهْبَانُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ: فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَنْ أَخَذَ بسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "النبي".]] ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". [[هذا لفظ حديث أنس بن مالك: رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٦٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٠١) . أما حديث عائشة فلفظه: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحمد الله وأثني عليه ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله واشدهم له خشية". رواه البخاري برقم (٧٣٠١) ومسلم برقم (٢٣٥٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مُخَلَّد، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ-أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا أَكَلْتُ اللَّحْمَ [[في أ: "أكلت من هذا اللحم".]] انتشرتُ لِلنِّسَاءِ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ جَمِيعًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، به.
وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٤) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ووَكِيع، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْس بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَّا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٤) .]] . وَهَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرحبيل قَالَ: جَاءَ مَعْقل بْنُ مقرِّن إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْتُ فِرَاشِي. فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَجِيءَ بضَرْع، فَتَنَحَّى رَجُلٌ، فَقَالَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] عَبْدُ اللَّهِ: اُدْن. فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْتُ أَنْ آكُلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطعَم، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ هَذَا الْأَثَرَ الأخير في مستدركه، من طريق إسحاق بن رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٣١٣) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ضَافَهُ [[في ر: "أضافه".]] ضَيْفٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَهُمْ لَمْ يُطْعموا ضَيْفَهم انْتِظَارًا لَهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِنْ أَجْلِي، هُوَ عليَّ حَرَامٌ. فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هُوَ عليَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الضَّيْفُ: هُوَ عليَّ حَرَامٌ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وَضَعَ يَدَهَ وَقَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ [[في أ: "فأنزل".]] اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وَهَذَا أَثَرٌ مُنْقَطِعٌ. [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/١٤٣) .]]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ الصِّدِّيقِ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] [[زيادة من أ.]] مع أضيافه شبيه [[صحيح البخاري برقم (٦١٤٠) .]] بهذا [[في أ: "شبه هذا".]] وفيه، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ لِمَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ مَنْ حَرَّمَ مَأْكَلًا أَوْ مَلْبَسًا أَوْ شَيْئًا مَا عَدَا النِّسَاءَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؛ وَلِأَنَّ الَّذِي حَرَّم اللَّحْمَ عَلَى نَفْسِهِ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ-لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّارَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [[في أ: "وذهب الإمام أحمد بن حنبل وآخرون".]] إِلَى أَنَّ من حرم مأكلا أو مشربًا أو أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا إِذَا الْتَزَمَ تَرْكَهُ بِالْيَمِينِ فَكَذَلِكَ يُؤَاخَذُ بِمُجَرَّدِ تَحْرِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَهُ، كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّحْرِيمِ:١] . ثُمَّ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الْآيَةَ [التَّحْرِيمِ:٢] . وَكَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] هَاهُنَا لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَقَّبَهُ بِالْآيَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِتَكْفِيرِ الْيَمِينِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْيَمِينِ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْفِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَرَادَ رِجَالٌ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ يَتَبَتَّلوا ويخصُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَلْبَسُوا المسُوح، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فِي أَصْحَابٍ [[في أ: "أصحابه".]] تَبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ، وَاعْتَزَلُوا النِّسَاءَ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ، وَحَرَّمُوا طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ إِلَّا مَا يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ أَهْلُ السِّيَاحَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَمُّوا بِالْإِخْصَاءِ وَأَجْمَعُوا لِقِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يَقُولُ: لَا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المرسلين".]] يُرِيدُ: مَا حَرَّمُوا مِنَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَمَا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْإِخْصَاءِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فِيهِمْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَعْيُنِكُمْ حَقًّا، صُومُوا وَأَفْطِرُوا، وَصَلُّوا وَنَامُوا، فَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ سُنَّتَنَا". فَقَالُوا: اللَّهُمَّ سَلَّمْنَا وَاتَّبَعْنَا مَا أَنْزَلَتْ. [[تفسير الطبري (١٠/٥١٩) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مُرْسَلَةً، وَلَهَا شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا فَذَكَّرَ النَّاسَ، ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَزِدْهُمْ [[في ر: "يزهدهم".]] عَلَى التَّخْوِيفِ، فَقَالَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانُوا عَشَرَةً مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: مَا خِفْنَا إِنْ لَمْ نُحْدِثْ عَمَلًا فَإِنَّ النَّصَارَى قَدْ حَرَّمُوا على أنفسهم، فنحن نحرم. فحرم بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْكُلَ اللَّحْمَ والودَك، وَأَنْ يَأْكُلَ بنَهَار، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النَّوْمَ، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِّسَاءَ، فَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِمَّنْ حَرَمَ النِّسَاءَ وَكَانَ [[في ر: "فكان".]] لَا يَدْنُو مِنْ أَهْلِهِ وَلَا تَدْنُو مِنْهُ. فَأَتَتِ امرأتُه عائشةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: الْحَوْلَاءُ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَمَنْ عِنْدَهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: مَا بَالُكِ يَا حَوْلَاءُ مُتَغَيِّرَةُ اللَّوْنِ، لَا تَمْتَشِطِينَ، لَا تَتَطَيَّبِينَ؟ قَالَتْ: وَكَيْفَ أَمْتَشِطُ وَأَتَطَيَّبُ وَمَا وَقَعَ عليَّ زَوْجِي وَمَا رَفَعَ عَنِّي ثَوْبًا، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَجَعَلْنَ يَضْحَكْنَ مِنْ كَلَامِهَا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَقَالَ: "مَا يُضْحِكُكُنَّ؟ " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَوْلَاءَ سَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا، فَقَالَتْ: مَا رَفَعَ عَنِّي زَوْجِي ثَوْبًا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا عُثْمَانُ؟ " قَالَ: إِنِّي تَرَكْتُهُ لِلَّهِ، لِكَيْ أَتَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ، وَقَصَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أَهْلَكَ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: "أَفْطِرْ". فَأَفْطَرَ، وَأَتَى أَهْلَهُ، فَرَجَعَتِ الْحَوْلَاءُ إِلَى عَائِشَةَ [زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَقَدِ امْتَشَطَتْ وَاكْتَحَلَتْ وَتَطَيَّبَتْ، فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: مَا لَكِ يَا حَوْلَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَتَاهَا أَمْسُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّموا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالنَّوْمَ؟ أَلَّا إِنِّي أَنَامُ وَأَقُومُ، وَأُفْطِرُ وَأَصُومُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِب عَنِّي فَلَيْسَ مِنِّي". فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ لِعُثْمَانَ "لَا تجُبَّ نَفْسَكَ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الِاعْتِدَاءُ". وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا عَنْ أَيْمَانِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ﴾ رَوَاهُ [[في ر: "ورواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: وَلَا تُبَالِغُوا فِي التَّضْيِيقِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي تَحْرِيمِ [[في د: "بتحريم".]] الْمُبَاحَاتِ عَلَيْكُمْ، كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ [[في أ: "قال".]] مِنَ السَّلَفِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: كَمَا لَا تُحَرِّمُوا [[في ر: "يحرموا".]] الْحَلَالَ فَلَا تَعْتَدُّوا فِي تَنَاوُلِ الْحَلَالِ، بَلْ خُذُوا مِنْهُ بقَدْر كِفَايَتِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ، وَلَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِيهِ، كَمَا قَالَ [[في د: "كقوله".]] تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [آل عمران: ٣١] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٧] فشرعُ اللَّهِ عَدَلَ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا﴾ أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِهِ حَلَالًا طَيِّبًا، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، وَاتَّبِعُوا طَاعَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاتْرُكُوا مُخَالَفَتَهُ [[في ر: "محارمه".]] وَعِصْيَانَهُ، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
5:89لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ الْكَلَامُ عَلَى لَغْوِ الْيَمِينِ، وَإِنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ: لَا وَاللَّهِ، بَلَى وَاللَّهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ [[في ر: "وهذا مذهب يأتي".]] وَقِيلَ: هُوَ فِي الهَزْل. وَقِيلَ: فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ: عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَقِيلَ: الْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ. وَقِيلَ: فِي النِّسْيَانِ. وَقِيلَ: هُوَ الْحَلْفُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْكَلِ وَالْمُشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْيَمِينُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ﴾ أَيْ: بِمَا صَمَّمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَقَصَدْتُمُوهَا، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ يَعْنِي: مَحَاوِيجَ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَمَنْ لَا يَجِدُ مَا يَكْفِيهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ: أَيْ مِنْ أَعْدَلِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: مِنْ أَمْثَلِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ. قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خُبْزٌ وَلَبَنٌ، خُبْزٌ [[في ر: "وخبز".]] وَسَمْنٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عييْنَة، عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ بَعْضَ أَهْلِهِ قُوتَ دُونٍ وَبَعْضُهُمْ قُوتًا فِيهِ سعَة، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْخُبْزِ وَالزَّيْتِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قَالَ: مِنْ عُسْرِهِمْ وَيُسْرِهِمْ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَف الحِمْصِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيب -يَعْنِي ابْنَ شَابُورَ-حَدَّثَنَا شَيْبان بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ لَيْث بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قَالَ: الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، وَالْخُبْزُ وَاللَّبَنُ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَالْخُبْزُ وَالْخَلُّ.
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبزوالزيت، وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ، وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ: الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هَنَّاد وَابْنِ وَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ثُمَّ رَوَى [[في أ: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُبَيدة وَالْأَسْوَدِ، وشُرَيح الْقَاضِي، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، وَأَبِي رَزِين: أَنَّهُمْ قَالُوا نَحْوَ ذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أَيْ: فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يُطْعِمُهُمْ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ حُصَيْن الْحَارِثِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قَالَ: يُغَذِّيهِمْ وَيُعَشِّيهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: يَكْفِيهِ أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَكْلَةً وَاحِدَةً خُبْزًا وَلَحْمًا، زَادَ الْحَسَنُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ [[في ر: "فإن لم تجد".]] فَخُبْزًا وَسَمْنًا وَلَبَنًا، فَإِنْ لَمْ يَجُدْ فَخُبْزًا وَزَيْتًا وَخَلًّا حَتَّى يَشْبَعُوا.
وَقَالَ آخَرُونَ: يُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشْرَةِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرّ أَوْ تَمْرٍ، وَنَحْوِهِمَا. هَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْران، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْحَاكِمِ [[في ر: "والحكم".]] وَمَكْحُولٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، ومُقَاتِل بْنِ حَيَّان.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نِصْفُ صَاعٍ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] بُرٍّ، وَصَاعٌ مِمَّا عَدَاهُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبِيدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الله بن الطُّفَيل بن سَخْبَرَة بن أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يَعْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كفَّر رسولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ عُمر [[في ر: "عمرو".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْمُنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ. [[سنن ابن ماجة برقم (٢١١٢) .]]
لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ لِحَالِ عُمر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فَإِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ. وقال الدارقطني: متروك.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ [[في ر: "هو".]] دَاوُدَ -يَعْنِي ابْنُ أَبِي هِنْدٍ-عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُدٌّ [[في ر: "مدًا".]] مِنْ بُرٍّ -يَعْنِي لِكُلِّ مِسْكِين-وَمَعَهُ إِدَامُهُ.
ثُمَّ قَالَ: ورُوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالْقَاسِمِ [[في ر: "وأبي القاسم".]] وَسَالِمٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدٌّ بمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأُدُمِ -وَاحْتَجَّ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي جَامَعَ فِي رَمَضَانَ بِأَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا مِنْ مِكْيَلٍ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدٌّ.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا النضْر بْنُ زُرَارة الْكُوفِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر [[في ر: "عمرو".]] العُمَري، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقِيمُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِالْمَدِّ الْأَوَّلِ.
إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، لِحَالِ النَّضِرِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَكْرَمِ الذُّهْلِيِّ الْكُوفِيِّ نَزِيلِ بَلْخ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: هُوَ مَجْهُولٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ: رَوَى عَنْهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَشْيَاءَ مُسْتَقِيمَةً، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ شَيْخَهُ العُمَري ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْوَاجِبُ مُدّ مِنْ بُرٍّ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ دُفِعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ مِنْ قَمِيصٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ إِزَارٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ مقْنَعَة أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْقُلُنْسُوَةِ: هَلْ تُجْزِئُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَازِ، احْتِجَاجًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَعَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ وَفْدًا قَدِمُوا عَلَى أَمِيرِكُمْ وَكَسَاهُمْ [[في أ: "فكساهم".]] قَلَنْسُوَةً قَلَنْسُوَةً، قُلْتُمْ: قَدْ كُسُوا.
وَلَكِنَّ هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ؛ لِحَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الِاسْفَرَايِنِيُّ [[في ر: "الاسفراييني".]] فِي الْخُفِّ وَجْهَيْنِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا بُدَّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنِ الْكُسْوَةِ مَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، إِنْ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، كلٌّ بِحَسْبِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَبَاءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ ثَمْلَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَدْنَاهُ ثَوْبٌ، وَأَعْلَاهُ مَا شِئْتَ.
وَقَالَ لَيْث، عَنْ مُجَاهِدٍ: يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا التُّبَّان.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَحَمَّادُ بْنُ أَبَى سُلَيْمَانَ، وَأَبُو مَالِكٍ: ثَوْبٌ ثَوْبٌ.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَيْضًا: ثَوْبٌ جَامِعٌ كَالْمِلْحَفَةِ وَالرِّدَاءِ، وَلَا يُرَى الدِّرْعُ وَالْقَمِيصُ وَالْخِمَارُ وَنَحْوُهُ جَامِعًا.
وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ: ثَوْبَانِ. [[في ر، أ: "ثوبان ثوبان".]]
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: عِمَامَةٌ يَلُفُّ بِهَا رَأْسَهُ، وَعَبَاءَةٌ يَلْتَحِفُ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي مُوسَى؛ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَكَسَا ثَوْبَيْنِ مِنْ مُعقَّدة الْبَحْرَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قَالَ: "عَبَاءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ". [[وفي إسناده مقاتل بن سليمان البلخي، كذبه وكيع والنسائي. وقال البخاري: سكتوا عنه. وإسماعيل بن عياش روايته عن غير أهل الشام ضعيفة.]] حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِإِطْلَاقِهَا، فَقَالَ: تُجْزِئُ الْكَافِرَةُ كَمَا تُجْزِئُ الْمُؤْمِنَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً. وَأَخَذَ تَقْيِيدَهَا بِالْإِيمَانِ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِاتِّحَادِ الْمُوجَبِ وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، الَّذِي هُوَ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ وَمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَجَاءَ مَعَهُ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ " قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. [[الموطأ (٢/٧٧٧) ومسند الشافعي برقم (١١٩٦) "بدائع المنن" وصحيح مسلم برقم (٥٣٧) .]]
فَهَذِهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، أيُّها فَعَلَ الحانثُ أَجْزَأَ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ بَدَأَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، فَالْإِطْعَامُ أَيْسَرُ مِنَ الْكِسْوَةِ، كَمَا أَنَّ الْكِسْوَةَ أَيْسَرُ مِنَ الْعِتْقِ، فَرُقىَ فِيهَا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمُكَلَّفُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ كَفَّرَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا مَنْ وَجَدَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ وَإِلَّا صَامَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، حَاكِيًا عَنْ بَعْضِ مُتَأَخَّرِي مُتَفَقِّهَةِ زَمَانِهِ أَنَّهُ قَالَ: جَائِزٌ لِمَنْ لَمْ يكن له فضل عن رَأْسِ مَالٍ يَتَصَرَّفُ بِهِ لِمَعَاشِهِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ بِالْإِطْعَامِ، أَنْ يَصُومَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ، وَمِنَ الْمَالِ مَا يَتَصَرَّفُ بِهِ لِمَعَاشِهِ، وَمِنَ الْفَضْلِ عَنْ ذَلِكَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ عَنْ يَمِينِهِ.
ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّهُ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِهِ [[في أ: "مؤنته".]] وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مَا يُخْرِجُ بِهِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٥٩) .]]
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَجِبُ فِيهَا التَّتَابُعُ، أَوْ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ وَيُجْزِئُ التَّفْرِيقُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، هَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ "الْأَيْمَانِ"، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمَجْمُوعَةِ وَالْمُفَرَّقَةِ، كَمَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٤] .
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي "الْأُمِّ" عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهَا: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
وَحَكَاهَا مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ أَصْحَابُ ابن مسعود يقرؤونها كَذَلِكَ.
وَهَذِهِ [[في أ: "وهذا".]] إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا قُرْآنًا مُتَوَاتِرًا، فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَاحِدًا، أَوْ تَفْسِيرًا مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ [[في أ: "أحمد".]] الْأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْكَفَّارَاتِ قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ بِالْخِيَارِ؟ قَالَ: "أَنْتَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شِئْتَ أَعْتَقْتَ، وَإِنْ شِئْتَ كَسَوْتَ، وَإِنْ شِئْتَ أَطْعَمْتَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. [[وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/١٥٥) ولم يعزه لغير ابن مردويه. ويزيد بن قيس أظن أنه "يزيد بن قيس" وأنه تصحف هنا، وإسماعيل بن يحيى هو ابن عبيد الله كان يضع الحديث قال ابن عدي: عامة ما يرويه بواطيل، ثم الإسناد معضل، فإن بينه وبين ابن عباس قرن من الزمان تقريبًا.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ لَا تَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ تَكْفِيرٍ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُوَضِّحُهَا وَيَنْشُرُهَا [[في ر، أ: "ويفسرها".]] ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
5:90يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقِمَارُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَطْرَنج مِنَ الْمَيْسِرِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيس بْنِ مَرْحُومٍ، عَنْ حَاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ [[في أ: "الأعمشي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ -قَالَ سُفْيَانُ: أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ-قَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقِمَارِ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ.
ورُوي عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ [[في أ: "حبيب مثله".]] وَقَالَا حَتَّى الْكَعَابِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ، وَقَالَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ، كَانُوا يَتَقَامَرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْن: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: الْمَيْسِرُ وَالضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالثِّمَارِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَاب الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ". حديث غريب. [[وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٧) ، وقال: "وقال أبي: هذا حديث باطل وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".]] وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هُوَ النَّرْدُ، الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمه". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠) .]] وفي موطأ مالك ومسند أحمد، وسنني أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [[الموطأ (٢/٩٥٨) والمسند (٤/٣٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤٩٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٦٢) .]] وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [[في أ: "علي بن إبراهيم" وهو خطأ.]] حَدَّثَنَا الجُعَيْد، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَطْمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبِرْنِي، مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "عن النبي".]] ﷺ؟ فقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بالقَيْح وَدَمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي". [[المسند (٥/٣٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١١٣) : "فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".]]
وَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْأَنْصَابُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدَهَا.
وَأَمَّا الْأَزْلَامُ فَقَالُوا أَيْضًا: هِيَ قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ سَخَط مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِثْمٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الرِّجْسِ، أَيِ اتْرُكُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَهَذَا تَرْغِيبٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَتَرْهِيبٌ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي [بَيَانِ] [[زيادة من أ.]] تَحْرِيمِ الْخَمْرِ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج [[في د، ر: "شريج".]] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ أَبِي وَهْب مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ [الْبَقَرَةِ:٢١٩] . فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَرُمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، حَتَّى كَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المهاجرين، أمَّ أصحابه [[في ر: "الصحابة".]] في الْمَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ، حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. وَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [وَنَاسٌ] [[زيادة من أ.]] مَاتُوا عَلَى سَرَفِهِمْ [[في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم".]] كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمُيْسِرَ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/٣٥١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرة، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيّن لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكَانَ [[في أ: "حتى كان".]] مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدَعِي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. [[في أ: "انتهينا انتهينا".]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعي وَعَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ -وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ شُرَحبيل الْهَمْدَانِيُّ-عَنْ عُمَر، بِهِ. وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ سِوَاهُ، قَالَ أَبُو زُرْعَة: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ. [[المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، والحِنْطَة، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذَ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ الْمِصْرِيِّ -يعني أبا طعمة قَارِئَ مِصْرَ -قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْتَفِعُ بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] . فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ: [[في أ: "فنزلت".]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ". [[مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَة قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ -أَوْ: مِنْ دَوْسٍ-فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ " فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، بِمَاذَا أَمَرْتَهُ؟ " فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا. قَالَ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا". فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْب، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ. [[المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧)]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةً [[في أ: "ﷺ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً".]] مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ جَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ وَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ شُحُوم الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَأَذَابُوهُ، وَبَاعُوهُ، وَاللَّهُ حَرّم الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا". [[وفي إسناده انقطاع.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن غنم، عن تميم الداري به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا رَوْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرام قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم: أَنَّ الدَّارِيَّ كَانَ يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرّمت جَاءَ بِرَاوِيَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ضَحِكَ فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] أَشْعَرْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَّا [[في أ: "أفلا".]] أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، انْطَلَقُوا إِلَى مَا حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ". [[المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) ، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ كَيسان أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ [[في أ: "أن أباه قد أخبره".]] أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ خَمْرٌ فِي الزُّقَاقِ، يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ، فَأَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ طَيِّبٍ [[في أ: "جيد".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا كَيْسَانُ، إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: فَأَبِيعُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحَرُمَ ثَمَنُهَا". فَانْطَلَقَ كَيْسَانُ إِلَى الزُّقَاقِ، فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهَا ثُمَّ هَرَاقَهَا. [[المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "فيه نافع بن كيسان وهو مستور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ [[في ر: "بن".]] أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْب، وسُهَيْل بْنَ بَيْضَاءَ، وَنَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَا أَسْقِيهِمْ، حَتَّى كَادَ الشَّرَابُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَأَتَى آتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَمَا شَعَرْتُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ فَمَا قَالُوا: حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْأَلَ، فَقَالُوا: يَا أَنَسُ اكْفِ مَا بَقِيَ فِي إِنَائِكَ، فَوَاللَّهِ [[في أ: "فرأيته".]] مَا عَادُوا فِيهَا، وَمَا هِيَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَهِيَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ. [[المسند (٣/١٨١)]]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ-عَنْ أَنَسٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كنتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرّمت الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، قَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت، فَجرت فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرقها. فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا -أَوْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتل فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. [[هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ [[في د، ر: "عبد الحميد".]] حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُدِيرُ الْكَأْسَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَأَبِي دُجَانة، حَتَّى مَالَتْ رُؤُوسُهُمْ مِنْ خَليط بُسْر وَتَمْرٍ. فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت! قَالَ: فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِجٌ، حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَابَ، وَكَسَرْنَا الْقِلَالَ، وَتَوَضَّأَ بَعْضُنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضُنَا، وَأَصَبْنَا مِنْ طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ﴾ [[زيادة من ر.]] الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمعتَه مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ -أَوْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، مَا كُنَّا نَكْذِبُ، وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِبُ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنحوه.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحر، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَيّ الْخَمْرَ، والكُوبَة، وَالْقِنِّينَ. وَإِيَّاكُمْ والغُبيراء فَإِنَّهَا ثُلُثُ خَمْرِ الْعَالَمِ". [[المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ [[في ر: "نافع".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْرِ". قَالَ يَزِيدُ: الْقِنِّينُ: الْبَرَابِطُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠) : "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول".]]
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ -وَهُوَ النَّبِيلُ-أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ". قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (٢/١٧١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ -مَوْلَاهُمْ-وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعِهَا، ومُبتاعها، وَعَاصِرِهَا، ومُعتصرها، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكُلِ ثَمَنِهَا".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، بِهِ. [[المسند (٢/٢٥) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا أَبُو طِعْمة، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمِرْبَدِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكُنْتُ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَتَنَحَّيْتُ لَهُ، فَكَانَ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمِرْبَدَ، فَإِذَا بِزُقَاقٍ عَلَى الْمِرْبَدِ فِيهَا خَمْرٌ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ-: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُدْيَةِ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا عَرَفْتُ الْمُدْيَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ -فَأَمَرَ بِالزِّقَاقِ فَشُقَّتْ، ثُمَّ قَالَ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ وَشَارِبُهَا، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَآكِلُ ثَمَنِهَا". [[المسند (٢/٧١) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرة بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأَرْهَفْتُ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ: "اغْدُ عليَّ بِهَا". فَفَعَلْتُ فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ. [[المسند (٢/١٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "رواه أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، وَابْنُ لَهِيعة، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْلَانِيِّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَمٌّ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ، فَنَهَيْتُهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّيْتُ [[في أ: "فلقيت".]] ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْخَمْرِ وَثَمَنِهَا، فَقَالَ: هِيَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا مَعْشَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، لَأُنْزِلَ فِيكُمْ كَمَا أُنْزِلَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولَعمري لَهُوَ أَشُدُّ عَلَيْكُمْ، قَالَ ثَابِتٌ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ عَنِ الْخَمْرِ، إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُحْتَبٍ حَلّ حُبْوَته ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ فَلْيَأْتِنَا بِهَا". فَجَعَلُوا يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: عِنْدِي رَاوِيَةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: عِنْدِي زقٌّ أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْمَعُوهُ بِبَقِيعِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ آذِنُونِي". فَفَعَلُوا، ثُمَّ آذَنُوهُ فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَمَشَيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيَّ، فَأَلْحَقَنَا أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَنِي عَنْ شِمَالِهِ، وَجَعَلَ أَبَا [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بَكْرٍ فِي مَكَانِي. ثُمَّ لَحِقَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَّرَنِي، وَجَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَمَشَى بَيْنَهُمَا. حَتَّى إِذَا وَقَفَ عَلَى الْخَمْرِ قَالَ لِلنَّاسِ: "أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ [[في ر: "هذا".]] قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْخَمْرُ. قَالَ: "صَدَقْتُمْ". قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا". ثُمَّ دَعَا بِسِكِّينٍ فَقَالَ: "اشْحَذُوهَا". فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرِقُ بِهَا الزِّقَاقَ، قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: فِي هَذِهِ الزِّقَاقِ مَنْفَعَةٌ، قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا فِيهَا مِنْ سَخَطِهِ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا".
قَالَ ابْنُ وَهْب: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِماك، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَضَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ حَتَّى انْتَشَيْنَا، فَتَفَاخَرْنَا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ. فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَحْي جَزُور، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا. [[في د، ر: "مفزورة".]] فَنَزَلَتْ آيَةُ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) ولفظه عنده. "أنزلت في أربع آيات". وصحيح مسلم برقم (١٧٤٨) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، شَرِبُوا فَلَمَّا أن ثمل عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنَّ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ يُرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا بِي، أَخِي فُلَانٌ -وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ [[في د، أ: "ضغائن فيقول".]] وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا صَنَعَ هَذَا بِي، حَتَّى وَقَعَتِ [[في أ: "حتى إذا وقعت".]] الضَّغَائِنُ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ إلى آخر الآية".]] فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ، وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]]
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ صَاعِقَةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجرْمي، عَنْ أَبِي تُمَيْلَة، عَنْ سَلَامٍ مَوْلَى حَفْصٍ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُود عَلَى شَرَابٍ لَنَا، وَنَحْنُ رَمْلة، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَعِنْدَنَا بَاطِيَةٌ لَنَا، وَنَحْنُ نَشْرَبُ الْخَمْرَ حِلًّا إِذْ قُمْتُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، إِذْ نَزْلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ؟ فَجِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقَرَأْتُهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ ؟ قَالَ: وَبَعْضُ الْقَوْمِ شَربته فِي يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضَهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ بِالْإِنَاءِ تَحْتَ شَفَتِهِ الْعُلْيَا، كَمَا يَفْعَلُ الْحَجَّامُ، ثُمَّ صَبُّوا مَا فِي بَاطِيَتِهِمْ [[في أ: "باطنهم".]] فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٢) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقة بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرْنَا ابْنُ عُيَينة، عن عمرو، عن جابر قَالَ: صَبَّح نَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ، فَقُتلوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ صَحِيحِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٨) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ [[في ر: "بن".]] عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الْخَمْرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثم قُتِلُوا شُهَدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: فَقَدْ مَاتَ بَعْضُ الَّذِينَ قُتِلُوا وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ فِي سِيَاقَتِهِ غَرَابَةٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالُوا: كَيْفَ بِمَنْ كَانَ يَشْرَبُهَا قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدار، غُنْدَر [[في ر، أ: "بندار عن غندر".]] عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوٌ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[مسند الطيالسي برقم (٧١٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْخَمْرَ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَبِيعُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحُمِّلَ مِنْهَا بِمَالٍ فَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حَرُمَتْ فَوَضَعَهَا حَيْثُ انْتَهَى عَلَى تَلّ، وَسَجَّى عَلَيْهَا بِأَكْسِيَةٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ قَالَ: "أَجَلْ" قَالَ: لِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَنِ ابْتَعْتُهَا مِنْهُ؟ قَالَ: "لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] رَدُّهَا". قَالَ: لِي أَنْ أُهْدِيَهَا إِلَى مَنْ يُكَافِئُنِي مِنْهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَإِنَّ فِيهَا مَالًا لِيَتَامَى فِي حِجْرِي؟ قال: "إذ أَتَانَا مَالُ الْبَحْرِينِ فَأْتِنَا نعوّضُ أَيْتَامَكَ مِنْ مَالِهِمْ". ثُمَّ نَادَى بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْأَوْعِيَةُ نَنْتَفِعُ بِهَا؟. قَالَ: "فَحُلُّوا أَوْكِيَتَهَا". فَانْصَبَّتْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [[مسند أبي يعلى (٣/٤٠٤) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٩٨٠) "مجمع البحرين" من طريق جعفر بن حميد به.
قال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "في إسنادهما يعقوب القمي، وعيسى بن جارية وفيهما كلام وقد وثقا".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ أَبِي هُبيرة -وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّاد الْأَنْصَارِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا". قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: "لَا".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (٣/١١٩) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (١٢٩٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالَ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ: "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، وَالْمَزَامِيرَ، والزَّفْن، والكِبَارات -يَعْنِي الْبَرَابِطَ--وَالزَّمَّارَاتِ -يَعْنِي بِهِ الدُّفَّ-وَالطَّنَابِيرَ-وَالشِّعْرَ، وَالْخَمْرَ مَرَّةً لِمَنْ طَعِمَهَا. أَقْسَمَ اللَّهُ بِيَمِينِهِ وَعِزَّةِ حَيْله مَنْ شَرِبَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأُعَطِّشَنَّهُ [[في أ: "إلا عطشته".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأَسْقِيَنَّهُ إِيَّاهَا فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ".
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارث؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيب حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَأَنَّمَا كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فَسُلِبَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الْخَبَالِ". قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ جَهَنَّمَ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [[المسند (٢/١٧٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٧) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الجَنَدي-يَقُولُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَخمَّر خَمْر، وَكُلُّ مُسْكِر حَرَام، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسقيه مِنْ طِينة الخَبَال". قيل: وما طينة الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الخبال"
تفرد أَبُو دَاوُدَ. [[سنن أبي داود (٣٦٨٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرمها فِي الْآخِرَةِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ. [[مسند الشافعي برقم (١٧٦٣) "بدائع المنن" وصحيح البخاري برقم (٥٥٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مُسكر خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمنها وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ". [[صحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسار؛ أنه سمع سالم بن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، والمُدْمِن الْخَمْرَ، والمنَّان بِمَا أَعْطَى".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَري، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٢٣٤٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ منَّان وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ". [[المسند (٣/٤٤) .]]
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في ر: "أسلم".]] عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ. وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحسين الجَعْفِي، عن زائدة، عن بن ابْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَمُجَاهِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ، وَلَا منَّان، وَلَا وَلَدُ زنْيَة". [[المسند (٢/٢٠٣) .]]
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[المسند (٢/١٦٤) .]] وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدر وَغَيْرِهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ نُبَيْط بْنِ شُرَيط، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ [[في ر: "يعلم".]] أَحَدًا تَابَعَ شُعْبَةَ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ. [[المسند (٢/٢٠١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٤٩١٤)]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِجَابَانَ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا لِسَالِمٍ مِنْ جَابَانَ وَلَا نُبَيْطٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ، فَعَلقته امْرَأَةٌ غَوية، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِشَهَادَةٍ. فَدَخَلَ مَعَهَا، فطفقت كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِشَهَادَةٍ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَليّ أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ تَشْرَبَ هَذَا الْخَمْرَ. فَسَقَتْهُ كَأْسًا، فَقَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِم حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [[السنن الكبرى (٨/٢٨٧) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يزيد، عن الزهري به. وقد خولف يونس بن يزيد خالفه عمر بن سعيد بن السرحة، فرواه عن الزهري مرفوعا، كما سيأتي في رواية ابن أبي الدنيا.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ "ذَمُّ الْمُسْكِرِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ مَرْفُوعًا [[ذم المسكر برقم (١) ورواية يونس بن يزيد أرجح من رواية عمر بن سعيد بن السرحة، فقد لينه بعض الأئمة. قالوا: "وأحاديثه عن الزهري ليست بمستقيمة".]] وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ سَرِقَةً حِينَ يَسْرِقُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ". [[صحيح البخاري برقم (٦٨١٠) وصحيح مسلم برقم (٥٧) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِماك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمَّا حُوّلت الْقِبْلَةُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [[المسند (١/٢٩٥) .]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٤٣] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْران الدَّبَّاغُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الْعَطَّارَ-عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "من شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا، وَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ من طِينة الخَبَال". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ". [[المسند (٦/٤٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٦٩) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجاله ثقات".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٤٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٣) .]]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهِجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَهَاتَانِ الْكَعْبَتَانِ الْمُوَسَّمَتَانِ اللتان تزجران [[في ر: "الموسمتان الذين يزجران" وهذا على لغة من يلزم المثنى الألف.]] زجرًا، فإنهما مَيْسِر العَجَم". [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.]]
5:91إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقِمَارُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَطْرَنج مِنَ الْمَيْسِرِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيس بْنِ مَرْحُومٍ، عَنْ حَاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ [[في أ: "الأعمشي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ -قَالَ سُفْيَانُ: أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ-قَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقِمَارِ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ.
ورُوي عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ [[في أ: "حبيب مثله".]] وَقَالَا حَتَّى الْكَعَابِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ، وَقَالَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ، كَانُوا يَتَقَامَرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْن: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: الْمَيْسِرُ وَالضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالثِّمَارِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَاب الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ". حديث غريب. [[وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٧) ، وقال: "وقال أبي: هذا حديث باطل وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".]] وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هُوَ النَّرْدُ، الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمه". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠) .]] وفي موطأ مالك ومسند أحمد، وسنني أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [[الموطأ (٢/٩٥٨) والمسند (٤/٣٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤٩٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٦٢) .]] وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [[في أ: "علي بن إبراهيم" وهو خطأ.]] حَدَّثَنَا الجُعَيْد، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَطْمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبِرْنِي، مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "عن النبي".]] ﷺ؟ فقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بالقَيْح وَدَمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي". [[المسند (٥/٣٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١١٣) : "فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".]]
وَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْأَنْصَابُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدَهَا.
وَأَمَّا الْأَزْلَامُ فَقَالُوا أَيْضًا: هِيَ قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ سَخَط مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِثْمٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الرِّجْسِ، أَيِ اتْرُكُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَهَذَا تَرْغِيبٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَتَرْهِيبٌ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي [بَيَانِ] [[زيادة من أ.]] تَحْرِيمِ الْخَمْرِ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج [[في د، ر: "شريج".]] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ أَبِي وَهْب مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ [الْبَقَرَةِ:٢١٩] . فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَرُمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، حَتَّى كَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المهاجرين، أمَّ أصحابه [[في ر: "الصحابة".]] في الْمَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ، حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. وَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [وَنَاسٌ] [[زيادة من أ.]] مَاتُوا عَلَى سَرَفِهِمْ [[في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم".]] كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمُيْسِرَ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/٣٥١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرة، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيّن لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكَانَ [[في أ: "حتى كان".]] مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدَعِي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. [[في أ: "انتهينا انتهينا".]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعي وَعَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ -وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ شُرَحبيل الْهَمْدَانِيُّ-عَنْ عُمَر، بِهِ. وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ سِوَاهُ، قَالَ أَبُو زُرْعَة: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ. [[المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، والحِنْطَة، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذَ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ الْمِصْرِيِّ -يعني أبا طعمة قَارِئَ مِصْرَ -قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْتَفِعُ بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] . فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ: [[في أ: "فنزلت".]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ". [[مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَة قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ -أَوْ: مِنْ دَوْسٍ-فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ " فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، بِمَاذَا أَمَرْتَهُ؟ " فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا. قَالَ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا". فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْب، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ. [[المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧)]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةً [[في أ: "ﷺ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً".]] مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ جَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ وَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ شُحُوم الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَأَذَابُوهُ، وَبَاعُوهُ، وَاللَّهُ حَرّم الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا". [[وفي إسناده انقطاع.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن غنم، عن تميم الداري به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا رَوْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرام قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم: أَنَّ الدَّارِيَّ كَانَ يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرّمت جَاءَ بِرَاوِيَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ضَحِكَ فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] أَشْعَرْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَّا [[في أ: "أفلا".]] أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، انْطَلَقُوا إِلَى مَا حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ". [[المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) ، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ كَيسان أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ [[في أ: "أن أباه قد أخبره".]] أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ خَمْرٌ فِي الزُّقَاقِ، يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ، فَأَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ طَيِّبٍ [[في أ: "جيد".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا كَيْسَانُ، إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: فَأَبِيعُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحَرُمَ ثَمَنُهَا". فَانْطَلَقَ كَيْسَانُ إِلَى الزُّقَاقِ، فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهَا ثُمَّ هَرَاقَهَا. [[المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "فيه نافع بن كيسان وهو مستور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ [[في ر: "بن".]] أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْب، وسُهَيْل بْنَ بَيْضَاءَ، وَنَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَا أَسْقِيهِمْ، حَتَّى كَادَ الشَّرَابُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَأَتَى آتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَمَا شَعَرْتُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ فَمَا قَالُوا: حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْأَلَ، فَقَالُوا: يَا أَنَسُ اكْفِ مَا بَقِيَ فِي إِنَائِكَ، فَوَاللَّهِ [[في أ: "فرأيته".]] مَا عَادُوا فِيهَا، وَمَا هِيَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَهِيَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ. [[المسند (٣/١٨١)]]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ-عَنْ أَنَسٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كنتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرّمت الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، قَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت، فَجرت فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرقها. فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا -أَوْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتل فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. [[هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ [[في د، ر: "عبد الحميد".]] حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُدِيرُ الْكَأْسَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَأَبِي دُجَانة، حَتَّى مَالَتْ رُؤُوسُهُمْ مِنْ خَليط بُسْر وَتَمْرٍ. فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت! قَالَ: فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِجٌ، حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَابَ، وَكَسَرْنَا الْقِلَالَ، وَتَوَضَّأَ بَعْضُنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضُنَا، وَأَصَبْنَا مِنْ طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ﴾ [[زيادة من ر.]] الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمعتَه مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ -أَوْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، مَا كُنَّا نَكْذِبُ، وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِبُ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنحوه.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحر، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَيّ الْخَمْرَ، والكُوبَة، وَالْقِنِّينَ. وَإِيَّاكُمْ والغُبيراء فَإِنَّهَا ثُلُثُ خَمْرِ الْعَالَمِ". [[المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ [[في ر: "نافع".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْرِ". قَالَ يَزِيدُ: الْقِنِّينُ: الْبَرَابِطُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠) : "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول".]]
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ -وَهُوَ النَّبِيلُ-أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ". قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (٢/١٧١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ -مَوْلَاهُمْ-وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعِهَا، ومُبتاعها، وَعَاصِرِهَا، ومُعتصرها، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكُلِ ثَمَنِهَا".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، بِهِ. [[المسند (٢/٢٥) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا أَبُو طِعْمة، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمِرْبَدِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكُنْتُ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَتَنَحَّيْتُ لَهُ، فَكَانَ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمِرْبَدَ، فَإِذَا بِزُقَاقٍ عَلَى الْمِرْبَدِ فِيهَا خَمْرٌ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ-: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُدْيَةِ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا عَرَفْتُ الْمُدْيَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ -فَأَمَرَ بِالزِّقَاقِ فَشُقَّتْ، ثُمَّ قَالَ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ وَشَارِبُهَا، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَآكِلُ ثَمَنِهَا". [[المسند (٢/٧١) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرة بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأَرْهَفْتُ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ: "اغْدُ عليَّ بِهَا". فَفَعَلْتُ فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ. [[المسند (٢/١٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "رواه أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، وَابْنُ لَهِيعة، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْلَانِيِّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَمٌّ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ، فَنَهَيْتُهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّيْتُ [[في أ: "فلقيت".]] ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْخَمْرِ وَثَمَنِهَا، فَقَالَ: هِيَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا مَعْشَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، لَأُنْزِلَ فِيكُمْ كَمَا أُنْزِلَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولَعمري لَهُوَ أَشُدُّ عَلَيْكُمْ، قَالَ ثَابِتٌ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ عَنِ الْخَمْرِ، إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُحْتَبٍ حَلّ حُبْوَته ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ فَلْيَأْتِنَا بِهَا". فَجَعَلُوا يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: عِنْدِي رَاوِيَةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: عِنْدِي زقٌّ أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْمَعُوهُ بِبَقِيعِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ آذِنُونِي". فَفَعَلُوا، ثُمَّ آذَنُوهُ فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَمَشَيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيَّ، فَأَلْحَقَنَا أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَنِي عَنْ شِمَالِهِ، وَجَعَلَ أَبَا [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بَكْرٍ فِي مَكَانِي. ثُمَّ لَحِقَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَّرَنِي، وَجَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَمَشَى بَيْنَهُمَا. حَتَّى إِذَا وَقَفَ عَلَى الْخَمْرِ قَالَ لِلنَّاسِ: "أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ [[في ر: "هذا".]] قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْخَمْرُ. قَالَ: "صَدَقْتُمْ". قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا". ثُمَّ دَعَا بِسِكِّينٍ فَقَالَ: "اشْحَذُوهَا". فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرِقُ بِهَا الزِّقَاقَ، قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: فِي هَذِهِ الزِّقَاقِ مَنْفَعَةٌ، قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا فِيهَا مِنْ سَخَطِهِ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا".
قَالَ ابْنُ وَهْب: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِماك، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَضَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ حَتَّى انْتَشَيْنَا، فَتَفَاخَرْنَا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ. فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَحْي جَزُور، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا. [[في د، ر: "مفزورة".]] فَنَزَلَتْ آيَةُ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) ولفظه عنده. "أنزلت في أربع آيات". وصحيح مسلم برقم (١٧٤٨) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، شَرِبُوا فَلَمَّا أن ثمل عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنَّ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ يُرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا بِي، أَخِي فُلَانٌ -وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ [[في د، أ: "ضغائن فيقول".]] وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا صَنَعَ هَذَا بِي، حَتَّى وَقَعَتِ [[في أ: "حتى إذا وقعت".]] الضَّغَائِنُ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ إلى آخر الآية".]] فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ، وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]]
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ صَاعِقَةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجرْمي، عَنْ أَبِي تُمَيْلَة، عَنْ سَلَامٍ مَوْلَى حَفْصٍ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُود عَلَى شَرَابٍ لَنَا، وَنَحْنُ رَمْلة، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَعِنْدَنَا بَاطِيَةٌ لَنَا، وَنَحْنُ نَشْرَبُ الْخَمْرَ حِلًّا إِذْ قُمْتُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، إِذْ نَزْلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ؟ فَجِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقَرَأْتُهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ ؟ قَالَ: وَبَعْضُ الْقَوْمِ شَربته فِي يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضَهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ بِالْإِنَاءِ تَحْتَ شَفَتِهِ الْعُلْيَا، كَمَا يَفْعَلُ الْحَجَّامُ، ثُمَّ صَبُّوا مَا فِي بَاطِيَتِهِمْ [[في أ: "باطنهم".]] فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٢) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقة بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرْنَا ابْنُ عُيَينة، عن عمرو، عن جابر قَالَ: صَبَّح نَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ، فَقُتلوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ صَحِيحِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٨) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ [[في ر: "بن".]] عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الْخَمْرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثم قُتِلُوا شُهَدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: فَقَدْ مَاتَ بَعْضُ الَّذِينَ قُتِلُوا وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ فِي سِيَاقَتِهِ غَرَابَةٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالُوا: كَيْفَ بِمَنْ كَانَ يَشْرَبُهَا قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدار، غُنْدَر [[في ر، أ: "بندار عن غندر".]] عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوٌ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[مسند الطيالسي برقم (٧١٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْخَمْرَ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَبِيعُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحُمِّلَ مِنْهَا بِمَالٍ فَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حَرُمَتْ فَوَضَعَهَا حَيْثُ انْتَهَى عَلَى تَلّ، وَسَجَّى عَلَيْهَا بِأَكْسِيَةٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ قَالَ: "أَجَلْ" قَالَ: لِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَنِ ابْتَعْتُهَا مِنْهُ؟ قَالَ: "لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] رَدُّهَا". قَالَ: لِي أَنْ أُهْدِيَهَا إِلَى مَنْ يُكَافِئُنِي مِنْهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَإِنَّ فِيهَا مَالًا لِيَتَامَى فِي حِجْرِي؟ قال: "إذ أَتَانَا مَالُ الْبَحْرِينِ فَأْتِنَا نعوّضُ أَيْتَامَكَ مِنْ مَالِهِمْ". ثُمَّ نَادَى بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْأَوْعِيَةُ نَنْتَفِعُ بِهَا؟. قَالَ: "فَحُلُّوا أَوْكِيَتَهَا". فَانْصَبَّتْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [[مسند أبي يعلى (٣/٤٠٤) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٩٨٠) "مجمع البحرين" من طريق جعفر بن حميد به.
قال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "في إسنادهما يعقوب القمي، وعيسى بن جارية وفيهما كلام وقد وثقا".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ أَبِي هُبيرة -وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّاد الْأَنْصَارِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا". قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: "لَا".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (٣/١١٩) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (١٢٩٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالَ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ: "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، وَالْمَزَامِيرَ، والزَّفْن، والكِبَارات -يَعْنِي الْبَرَابِطَ--وَالزَّمَّارَاتِ -يَعْنِي بِهِ الدُّفَّ-وَالطَّنَابِيرَ-وَالشِّعْرَ، وَالْخَمْرَ مَرَّةً لِمَنْ طَعِمَهَا. أَقْسَمَ اللَّهُ بِيَمِينِهِ وَعِزَّةِ حَيْله مَنْ شَرِبَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأُعَطِّشَنَّهُ [[في أ: "إلا عطشته".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأَسْقِيَنَّهُ إِيَّاهَا فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ".
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارث؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيب حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَأَنَّمَا كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فَسُلِبَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الْخَبَالِ". قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ جَهَنَّمَ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [[المسند (٢/١٧٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٧) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الجَنَدي-يَقُولُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَخمَّر خَمْر، وَكُلُّ مُسْكِر حَرَام، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسقيه مِنْ طِينة الخَبَال". قيل: وما طينة الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الخبال"
تفرد أَبُو دَاوُدَ. [[سنن أبي داود (٣٦٨٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرمها فِي الْآخِرَةِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ. [[مسند الشافعي برقم (١٧٦٣) "بدائع المنن" وصحيح البخاري برقم (٥٥٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مُسكر خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمنها وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ". [[صحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسار؛ أنه سمع سالم بن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، والمُدْمِن الْخَمْرَ، والمنَّان بِمَا أَعْطَى".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَري، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٢٣٤٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ منَّان وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ". [[المسند (٣/٤٤) .]]
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في ر: "أسلم".]] عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ. وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحسين الجَعْفِي، عن زائدة، عن بن ابْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَمُجَاهِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ، وَلَا منَّان، وَلَا وَلَدُ زنْيَة". [[المسند (٢/٢٠٣) .]]
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[المسند (٢/١٦٤) .]] وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدر وَغَيْرِهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ نُبَيْط بْنِ شُرَيط، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ [[في ر: "يعلم".]] أَحَدًا تَابَعَ شُعْبَةَ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ. [[المسند (٢/٢٠١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٤٩١٤)]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِجَابَانَ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا لِسَالِمٍ مِنْ جَابَانَ وَلَا نُبَيْطٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ، فَعَلقته امْرَأَةٌ غَوية، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِشَهَادَةٍ. فَدَخَلَ مَعَهَا، فطفقت كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِشَهَادَةٍ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَليّ أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ تَشْرَبَ هَذَا الْخَمْرَ. فَسَقَتْهُ كَأْسًا، فَقَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِم حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [[السنن الكبرى (٨/٢٨٧) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يزيد، عن الزهري به. وقد خولف يونس بن يزيد خالفه عمر بن سعيد بن السرحة، فرواه عن الزهري مرفوعا، كما سيأتي في رواية ابن أبي الدنيا.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ "ذَمُّ الْمُسْكِرِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ مَرْفُوعًا [[ذم المسكر برقم (١) ورواية يونس بن يزيد أرجح من رواية عمر بن سعيد بن السرحة، فقد لينه بعض الأئمة. قالوا: "وأحاديثه عن الزهري ليست بمستقيمة".]] وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ سَرِقَةً حِينَ يَسْرِقُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ". [[صحيح البخاري برقم (٦٨١٠) وصحيح مسلم برقم (٥٧) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِماك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمَّا حُوّلت الْقِبْلَةُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [[المسند (١/٢٩٥) .]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٤٣] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْران الدَّبَّاغُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الْعَطَّارَ-عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "من شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا، وَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ من طِينة الخَبَال". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ". [[المسند (٦/٤٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٦٩) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجاله ثقات".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٤٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٣) .]]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهِجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَهَاتَانِ الْكَعْبَتَانِ الْمُوَسَّمَتَانِ اللتان تزجران [[في ر: "الموسمتان الذين يزجران" وهذا على لغة من يلزم المثنى الألف.]] زجرًا، فإنهما مَيْسِر العَجَم". [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.]]
5:92وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقِمَارُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَطْرَنج مِنَ الْمَيْسِرِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيس بْنِ مَرْحُومٍ، عَنْ حَاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ [[في أ: "الأعمشي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ -قَالَ سُفْيَانُ: أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ-قَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقِمَارِ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ.
ورُوي عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ [[في أ: "حبيب مثله".]] وَقَالَا حَتَّى الْكَعَابِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ، وَقَالَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ، كَانُوا يَتَقَامَرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْن: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: الْمَيْسِرُ وَالضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالثِّمَارِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَاب الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ". حديث غريب. [[وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٧) ، وقال: "وقال أبي: هذا حديث باطل وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".]] وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هُوَ النَّرْدُ، الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمه". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠) .]] وفي موطأ مالك ومسند أحمد، وسنني أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [[الموطأ (٢/٩٥٨) والمسند (٤/٣٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤٩٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٦٢) .]] وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [[في أ: "علي بن إبراهيم" وهو خطأ.]] حَدَّثَنَا الجُعَيْد، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَطْمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبِرْنِي، مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "عن النبي".]] ﷺ؟ فقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بالقَيْح وَدَمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي". [[المسند (٥/٣٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١١٣) : "فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".]]
وَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْأَنْصَابُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدَهَا.
وَأَمَّا الْأَزْلَامُ فَقَالُوا أَيْضًا: هِيَ قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ سَخَط مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِثْمٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الرِّجْسِ، أَيِ اتْرُكُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَهَذَا تَرْغِيبٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَتَرْهِيبٌ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي [بَيَانِ] [[زيادة من أ.]] تَحْرِيمِ الْخَمْرِ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج [[في د، ر: "شريج".]] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ أَبِي وَهْب مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ [الْبَقَرَةِ:٢١٩] . فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَرُمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، حَتَّى كَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المهاجرين، أمَّ أصحابه [[في ر: "الصحابة".]] في الْمَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ، حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. وَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [وَنَاسٌ] [[زيادة من أ.]] مَاتُوا عَلَى سَرَفِهِمْ [[في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم".]] كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمُيْسِرَ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/٣٥١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرة، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيّن لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكَانَ [[في أ: "حتى كان".]] مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدَعِي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. [[في أ: "انتهينا انتهينا".]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعي وَعَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ -وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ شُرَحبيل الْهَمْدَانِيُّ-عَنْ عُمَر، بِهِ. وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ سِوَاهُ، قَالَ أَبُو زُرْعَة: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ. [[المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، والحِنْطَة، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذَ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ الْمِصْرِيِّ -يعني أبا طعمة قَارِئَ مِصْرَ -قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْتَفِعُ بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] . فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ: [[في أ: "فنزلت".]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ". [[مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَة قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ -أَوْ: مِنْ دَوْسٍ-فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ " فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، بِمَاذَا أَمَرْتَهُ؟ " فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا. قَالَ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا". فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْب، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ. [[المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧)]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةً [[في أ: "ﷺ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً".]] مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ جَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ وَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ شُحُوم الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَأَذَابُوهُ، وَبَاعُوهُ، وَاللَّهُ حَرّم الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا". [[وفي إسناده انقطاع.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن غنم، عن تميم الداري به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا رَوْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرام قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم: أَنَّ الدَّارِيَّ كَانَ يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرّمت جَاءَ بِرَاوِيَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ضَحِكَ فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] أَشْعَرْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَّا [[في أ: "أفلا".]] أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، انْطَلَقُوا إِلَى مَا حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ". [[المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) ، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ كَيسان أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ [[في أ: "أن أباه قد أخبره".]] أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ خَمْرٌ فِي الزُّقَاقِ، يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ، فَأَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ طَيِّبٍ [[في أ: "جيد".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا كَيْسَانُ، إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: فَأَبِيعُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحَرُمَ ثَمَنُهَا". فَانْطَلَقَ كَيْسَانُ إِلَى الزُّقَاقِ، فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهَا ثُمَّ هَرَاقَهَا. [[المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "فيه نافع بن كيسان وهو مستور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ [[في ر: "بن".]] أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْب، وسُهَيْل بْنَ بَيْضَاءَ، وَنَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَا أَسْقِيهِمْ، حَتَّى كَادَ الشَّرَابُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَأَتَى آتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَمَا شَعَرْتُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ فَمَا قَالُوا: حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْأَلَ، فَقَالُوا: يَا أَنَسُ اكْفِ مَا بَقِيَ فِي إِنَائِكَ، فَوَاللَّهِ [[في أ: "فرأيته".]] مَا عَادُوا فِيهَا، وَمَا هِيَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَهِيَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ. [[المسند (٣/١٨١)]]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ-عَنْ أَنَسٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كنتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرّمت الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، قَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت، فَجرت فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرقها. فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا -أَوْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتل فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. [[هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ [[في د، ر: "عبد الحميد".]] حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُدِيرُ الْكَأْسَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَأَبِي دُجَانة، حَتَّى مَالَتْ رُؤُوسُهُمْ مِنْ خَليط بُسْر وَتَمْرٍ. فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت! قَالَ: فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِجٌ، حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَابَ، وَكَسَرْنَا الْقِلَالَ، وَتَوَضَّأَ بَعْضُنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضُنَا، وَأَصَبْنَا مِنْ طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ﴾ [[زيادة من ر.]] الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمعتَه مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ -أَوْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، مَا كُنَّا نَكْذِبُ، وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِبُ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنحوه.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحر، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَيّ الْخَمْرَ، والكُوبَة، وَالْقِنِّينَ. وَإِيَّاكُمْ والغُبيراء فَإِنَّهَا ثُلُثُ خَمْرِ الْعَالَمِ". [[المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ [[في ر: "نافع".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْرِ". قَالَ يَزِيدُ: الْقِنِّينُ: الْبَرَابِطُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠) : "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول".]]
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ -وَهُوَ النَّبِيلُ-أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ". قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (٢/١٧١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ -مَوْلَاهُمْ-وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعِهَا، ومُبتاعها، وَعَاصِرِهَا، ومُعتصرها، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكُلِ ثَمَنِهَا".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، بِهِ. [[المسند (٢/٢٥) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا أَبُو طِعْمة، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمِرْبَدِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكُنْتُ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَتَنَحَّيْتُ لَهُ، فَكَانَ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمِرْبَدَ، فَإِذَا بِزُقَاقٍ عَلَى الْمِرْبَدِ فِيهَا خَمْرٌ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ-: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُدْيَةِ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا عَرَفْتُ الْمُدْيَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ -فَأَمَرَ بِالزِّقَاقِ فَشُقَّتْ، ثُمَّ قَالَ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ وَشَارِبُهَا، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَآكِلُ ثَمَنِهَا". [[المسند (٢/٧١) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرة بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأَرْهَفْتُ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ: "اغْدُ عليَّ بِهَا". فَفَعَلْتُ فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ. [[المسند (٢/١٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "رواه أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، وَابْنُ لَهِيعة، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْلَانِيِّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَمٌّ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ، فَنَهَيْتُهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّيْتُ [[في أ: "فلقيت".]] ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْخَمْرِ وَثَمَنِهَا، فَقَالَ: هِيَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا مَعْشَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، لَأُنْزِلَ فِيكُمْ كَمَا أُنْزِلَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولَعمري لَهُوَ أَشُدُّ عَلَيْكُمْ، قَالَ ثَابِتٌ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ عَنِ الْخَمْرِ، إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُحْتَبٍ حَلّ حُبْوَته ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ فَلْيَأْتِنَا بِهَا". فَجَعَلُوا يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: عِنْدِي رَاوِيَةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: عِنْدِي زقٌّ أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْمَعُوهُ بِبَقِيعِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ آذِنُونِي". فَفَعَلُوا، ثُمَّ آذَنُوهُ فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَمَشَيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيَّ، فَأَلْحَقَنَا أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَنِي عَنْ شِمَالِهِ، وَجَعَلَ أَبَا [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بَكْرٍ فِي مَكَانِي. ثُمَّ لَحِقَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَّرَنِي، وَجَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَمَشَى بَيْنَهُمَا. حَتَّى إِذَا وَقَفَ عَلَى الْخَمْرِ قَالَ لِلنَّاسِ: "أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ [[في ر: "هذا".]] قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْخَمْرُ. قَالَ: "صَدَقْتُمْ". قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا". ثُمَّ دَعَا بِسِكِّينٍ فَقَالَ: "اشْحَذُوهَا". فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرِقُ بِهَا الزِّقَاقَ، قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: فِي هَذِهِ الزِّقَاقِ مَنْفَعَةٌ، قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا فِيهَا مِنْ سَخَطِهِ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا".
قَالَ ابْنُ وَهْب: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِماك، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَضَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ حَتَّى انْتَشَيْنَا، فَتَفَاخَرْنَا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ. فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَحْي جَزُور، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا. [[في د، ر: "مفزورة".]] فَنَزَلَتْ آيَةُ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) ولفظه عنده. "أنزلت في أربع آيات". وصحيح مسلم برقم (١٧٤٨) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، شَرِبُوا فَلَمَّا أن ثمل عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنَّ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ يُرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا بِي، أَخِي فُلَانٌ -وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ [[في د، أ: "ضغائن فيقول".]] وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا صَنَعَ هَذَا بِي، حَتَّى وَقَعَتِ [[في أ: "حتى إذا وقعت".]] الضَّغَائِنُ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ إلى آخر الآية".]] فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ، وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]]
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ صَاعِقَةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجرْمي، عَنْ أَبِي تُمَيْلَة، عَنْ سَلَامٍ مَوْلَى حَفْصٍ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُود عَلَى شَرَابٍ لَنَا، وَنَحْنُ رَمْلة، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَعِنْدَنَا بَاطِيَةٌ لَنَا، وَنَحْنُ نَشْرَبُ الْخَمْرَ حِلًّا إِذْ قُمْتُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، إِذْ نَزْلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ؟ فَجِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقَرَأْتُهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ ؟ قَالَ: وَبَعْضُ الْقَوْمِ شَربته فِي يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضَهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ بِالْإِنَاءِ تَحْتَ شَفَتِهِ الْعُلْيَا، كَمَا يَفْعَلُ الْحَجَّامُ، ثُمَّ صَبُّوا مَا فِي بَاطِيَتِهِمْ [[في أ: "باطنهم".]] فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٢) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقة بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرْنَا ابْنُ عُيَينة، عن عمرو، عن جابر قَالَ: صَبَّح نَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ، فَقُتلوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ صَحِيحِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٨) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ [[في ر: "بن".]] عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الْخَمْرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثم قُتِلُوا شُهَدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: فَقَدْ مَاتَ بَعْضُ الَّذِينَ قُتِلُوا وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ فِي سِيَاقَتِهِ غَرَابَةٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالُوا: كَيْفَ بِمَنْ كَانَ يَشْرَبُهَا قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدار، غُنْدَر [[في ر، أ: "بندار عن غندر".]] عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوٌ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[مسند الطيالسي برقم (٧١٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْخَمْرَ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَبِيعُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحُمِّلَ مِنْهَا بِمَالٍ فَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حَرُمَتْ فَوَضَعَهَا حَيْثُ انْتَهَى عَلَى تَلّ، وَسَجَّى عَلَيْهَا بِأَكْسِيَةٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ قَالَ: "أَجَلْ" قَالَ: لِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَنِ ابْتَعْتُهَا مِنْهُ؟ قَالَ: "لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] رَدُّهَا". قَالَ: لِي أَنْ أُهْدِيَهَا إِلَى مَنْ يُكَافِئُنِي مِنْهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَإِنَّ فِيهَا مَالًا لِيَتَامَى فِي حِجْرِي؟ قال: "إذ أَتَانَا مَالُ الْبَحْرِينِ فَأْتِنَا نعوّضُ أَيْتَامَكَ مِنْ مَالِهِمْ". ثُمَّ نَادَى بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْأَوْعِيَةُ نَنْتَفِعُ بِهَا؟. قَالَ: "فَحُلُّوا أَوْكِيَتَهَا". فَانْصَبَّتْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [[مسند أبي يعلى (٣/٤٠٤) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٩٨٠) "مجمع البحرين" من طريق جعفر بن حميد به.
قال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "في إسنادهما يعقوب القمي، وعيسى بن جارية وفيهما كلام وقد وثقا".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ أَبِي هُبيرة -وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّاد الْأَنْصَارِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا". قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: "لَا".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (٣/١١٩) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (١٢٩٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالَ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ: "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، وَالْمَزَامِيرَ، والزَّفْن، والكِبَارات -يَعْنِي الْبَرَابِطَ--وَالزَّمَّارَاتِ -يَعْنِي بِهِ الدُّفَّ-وَالطَّنَابِيرَ-وَالشِّعْرَ، وَالْخَمْرَ مَرَّةً لِمَنْ طَعِمَهَا. أَقْسَمَ اللَّهُ بِيَمِينِهِ وَعِزَّةِ حَيْله مَنْ شَرِبَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأُعَطِّشَنَّهُ [[في أ: "إلا عطشته".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأَسْقِيَنَّهُ إِيَّاهَا فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ".
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارث؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيب حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَأَنَّمَا كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فَسُلِبَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الْخَبَالِ". قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ جَهَنَّمَ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [[المسند (٢/١٧٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٧) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الجَنَدي-يَقُولُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَخمَّر خَمْر، وَكُلُّ مُسْكِر حَرَام، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسقيه مِنْ طِينة الخَبَال". قيل: وما طينة الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الخبال"
تفرد أَبُو دَاوُدَ. [[سنن أبي داود (٣٦٨٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرمها فِي الْآخِرَةِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ. [[مسند الشافعي برقم (١٧٦٣) "بدائع المنن" وصحيح البخاري برقم (٥٥٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مُسكر خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمنها وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ". [[صحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسار؛ أنه سمع سالم بن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، والمُدْمِن الْخَمْرَ، والمنَّان بِمَا أَعْطَى".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَري، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٢٣٤٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ منَّان وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ". [[المسند (٣/٤٤) .]]
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في ر: "أسلم".]] عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ. وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحسين الجَعْفِي، عن زائدة، عن بن ابْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَمُجَاهِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ، وَلَا منَّان، وَلَا وَلَدُ زنْيَة". [[المسند (٢/٢٠٣) .]]
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[المسند (٢/١٦٤) .]] وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدر وَغَيْرِهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ نُبَيْط بْنِ شُرَيط، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ [[في ر: "يعلم".]] أَحَدًا تَابَعَ شُعْبَةَ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ. [[المسند (٢/٢٠١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٤٩١٤)]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِجَابَانَ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا لِسَالِمٍ مِنْ جَابَانَ وَلَا نُبَيْطٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ، فَعَلقته امْرَأَةٌ غَوية، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِشَهَادَةٍ. فَدَخَلَ مَعَهَا، فطفقت كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِشَهَادَةٍ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَليّ أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ تَشْرَبَ هَذَا الْخَمْرَ. فَسَقَتْهُ كَأْسًا، فَقَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِم حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [[السنن الكبرى (٨/٢٨٧) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يزيد، عن الزهري به. وقد خولف يونس بن يزيد خالفه عمر بن سعيد بن السرحة، فرواه عن الزهري مرفوعا، كما سيأتي في رواية ابن أبي الدنيا.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ "ذَمُّ الْمُسْكِرِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ مَرْفُوعًا [[ذم المسكر برقم (١) ورواية يونس بن يزيد أرجح من رواية عمر بن سعيد بن السرحة، فقد لينه بعض الأئمة. قالوا: "وأحاديثه عن الزهري ليست بمستقيمة".]] وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ سَرِقَةً حِينَ يَسْرِقُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ". [[صحيح البخاري برقم (٦٨١٠) وصحيح مسلم برقم (٥٧) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِماك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمَّا حُوّلت الْقِبْلَةُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [[المسند (١/٢٩٥) .]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٤٣] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْران الدَّبَّاغُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الْعَطَّارَ-عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "من شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا، وَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ من طِينة الخَبَال". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ". [[المسند (٦/٤٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٦٩) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجاله ثقات".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٤٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٣) .]]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهِجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَهَاتَانِ الْكَعْبَتَانِ الْمُوَسَّمَتَانِ اللتان تزجران [[في ر: "الموسمتان الذين يزجران" وهذا على لغة من يلزم المثنى الألف.]] زجرًا، فإنهما مَيْسِر العَجَم". [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.]]
5:93لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقِمَارُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَطْرَنج مِنَ الْمَيْسِرِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيس بْنِ مَرْحُومٍ، عَنْ حَاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ [[في أ: "الأعمشي".]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ -قَالَ سُفْيَانُ: أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ-قَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقِمَارِ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ.
ورُوي عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ [[في أ: "حبيب مثله".]] وَقَالَا حَتَّى الْكَعَابِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ، وَقَالَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ، كَانُوا يَتَقَامَرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْن: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: الْمَيْسِرُ وَالضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالثِّمَارِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ.
رَوَاهُنَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَاب الْمَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ". حديث غريب. [[وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٩٧) ، وقال: "وقال أبي: هذا حديث باطل وهو من علي بن يزيد، وعثمان لا بأس به".]] وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هُوَ النَّرْدُ، الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيدة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشير فَكَأَنَّمَا صَبَغ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمه". [[صحيح مسلم برقم (٢٢٦٠) .]] وفي موطأ مالك ومسند أحمد، وسنني أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [[الموطأ (٢/٩٥٨) والمسند (٤/٣٩٤) وسنن أبي داود برقم (٤٩٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٦٢) .]] وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [[في أ: "علي بن إبراهيم" وهو خطأ.]] حَدَّثَنَا الجُعَيْد، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَطْمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبِرْنِي، مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "عن النبي".]] ﷺ؟ فقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بالقَيْح وَدَمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي". [[المسند (٥/٣٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١١٣) : "فيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".]]
وَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْأَنْصَابُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدَهَا.
وَأَمَّا الْأَزْلَامُ فَقَالُوا أَيْضًا: هِيَ قِدَاحٌ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ سَخَط مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِثْمٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الرِّجْسِ، أَيِ اتْرُكُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَهَذَا تَرْغِيبٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَتَرْهِيبٌ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي [بَيَانِ] [[زيادة من أ.]] تَحْرِيمِ الْخَمْرِ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج [[في د، ر: "شريج".]] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ أَبِي وَهْب مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ [الْبَقَرَةِ:٢١٩] . فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَرُمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، حَتَّى كَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المهاجرين، أمَّ أصحابه [[في ر: "الصحابة".]] في الْمَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ، حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. وَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [وَنَاسٌ] [[زيادة من أ.]] مَاتُوا عَلَى سَرَفِهِمْ [[في ر: "شربهم"، وفي أ: "فرشهم".]] كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمُيْسِرَ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/٣٥١) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرة، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيّن لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَكَانَ [[في أ: "حتى كان".]] مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدَعِي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. [[في أ: "انتهينا انتهينا".]]
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعي وَعَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ -وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ شُرَحبيل الْهَمْدَانِيُّ-عَنْ عُمَر، بِهِ. وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ سِوَاهُ، قَالَ أَبُو زُرْعَة: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ. [[المسند (١/٥٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦) .]]
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، والحِنْطَة، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٩) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٢) .]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذَ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنِ الْمِصْرِيِّ -يعني أبا طعمة قَارِئَ مِصْرَ -قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢١٩] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْتَفِعُ بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] . فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ: [[في أ: "فنزلت".]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ". [[مسند الطيالسي برقم (١٩٥٧) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَة قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ -أَوْ: مِنْ دَوْسٍ-فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ " فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا فُلَانُ، بِمَاذَا أَمَرْتَهُ؟ " فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا. قَالَ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا". فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْب، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ. [[المسند (١/٢٣٠) والموطأ (٢/٨٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٧٩) وسنن النسائي (٧/٣٠٧)]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةً [[في أ: "ﷺ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً".]] مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ جَاءَ بِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ وَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ شُحُوم الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَأَذَابُوهُ، وَبَاعُوهُ، وَاللَّهُ حَرّم الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا". [[وفي إسناده انقطاع.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٥٧) من طريق زيد بن أخزم، عن أبي بكر الحنفي، عن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن غنم، عن تميم الداري به.]]
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا رَوْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرام قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم: أَنَّ الدَّارِيَّ كَانَ يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرّمت جَاءَ بِرَاوِيَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ضَحِكَ فَقَالَ [[في أ: "وقال".]] أَشْعَرْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَّا [[في أ: "أفلا".]] أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، انْطَلَقُوا إِلَى مَا حُرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه، فباعوه به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ". [[المسند (٤/٢٢٦) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) ، "فيه شهر وحديثه حسن وفيه كلام".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ كَيسان أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ [[في أ: "أن أباه قد أخبره".]] أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ خَمْرٌ فِي الزُّقَاقِ، يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ، فَأَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ طَيِّبٍ [[في أ: "جيد".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا كَيْسَانُ، إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ". قَالَ: فَأَبِيعُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحَرُمَ ثَمَنُهَا". فَانْطَلَقَ كَيْسَانُ إِلَى الزُّقَاقِ، فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهَا ثُمَّ هَرَاقَهَا. [[المسند (٤/٣٣٧) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "فيه نافع بن كيسان وهو مستور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ [[في ر: "بن".]] أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْب، وسُهَيْل بْنَ بَيْضَاءَ، وَنَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَا أَسْقِيهِمْ، حَتَّى كَادَ الشَّرَابُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَأَتَى آتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَمَا شَعَرْتُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ فَمَا قَالُوا: حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْأَلَ، فَقَالُوا: يَا أَنَسُ اكْفِ مَا بَقِيَ فِي إِنَائِكَ، فَوَاللَّهِ [[في أ: "فرأيته".]] مَا عَادُوا فِيهَا، وَمَا هِيَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْبُسْرُ، وَهِيَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ. [[المسند (٣/١٨١)]]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ-عَنْ أَنَسٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كنتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرّمت الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، قَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت، فَجرت فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرقها. فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا -أَوْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتل فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. [[هذا لفظ مسلم في صحيحه برقم (١٩٨٠) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ [[في د، ر: "عبد الحميد".]] حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُدِيرُ الْكَأْسَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَأَبِي دُجَانة، حَتَّى مَالَتْ رُؤُوسُهُمْ مِنْ خَليط بُسْر وَتَمْرٍ. فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرّمت! قَالَ: فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِجٌ، حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَابَ، وَكَسَرْنَا الْقِلَالَ، وَتَوَضَّأَ بَعْضُنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضُنَا، وَأَصَبْنَا مِنْ طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ﴾ [[زيادة من ر.]] الْآيَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمعتَه مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ -أَوْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، مَا كُنَّا نَكْذِبُ، وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِبُ. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٨) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٩٢٢) "كشف الأستار" من طريق عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنحوه.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحر، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَيّ الْخَمْرَ، والكُوبَة، وَالْقِنِّينَ. وَإِيَّاكُمْ والغُبيراء فَإِنَّهَا ثُلُثُ خَمْرِ الْعَالَمِ". [[المسند (٤/٤٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "فيه عبيد الله بن زحر وثقة أبو زرعه والنسائي وضعفه الجمهور".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ [[في ر: "نافع".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ والمزْر، والكُوبة والقِنّين. وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْرِ". قَالَ يَزِيدُ: الْقِنِّينُ: الْبَرَابِطُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٢/١٦٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٤٠) : "فيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع وهو مجهول".]]
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ -وَهُوَ النَّبِيلُ-أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ". قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا [[المسند (٢/١٧١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي طُعْمَةَ -مَوْلَاهُمْ-وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعِهَا، ومُبتاعها، وَعَاصِرِهَا، ومُعتصرها، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكُلِ ثَمَنِهَا".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، بِهِ. [[المسند (٢/٢٥) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٤) وسنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا أَبُو طِعْمة، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمِرْبَدِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكُنْتُ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَتَنَحَّيْتُ لَهُ، فَكَانَ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمِرْبَدَ، فَإِذَا بِزُقَاقٍ عَلَى الْمِرْبَدِ فِيهَا خَمْرٌ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ-: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُدْيَةِ -قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا عَرَفْتُ الْمُدْيَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ -فَأَمَرَ بِالزِّقَاقِ فَشُقَّتْ، ثُمَّ قَالَ: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ وَشَارِبُهَا، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَآكِلُ ثَمَنِهَا". [[المسند (٢/٧١) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرة بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأَرْهَفْتُ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ: "اغْدُ عليَّ بِهَا". فَفَعَلْتُ فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلَّا شَقَقْتُهُ. [[المسند (٢/١٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٥٤) : "رواه أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، وَابْنُ لَهِيعة، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْلَانِيِّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَمٌّ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ، فَنَهَيْتُهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّيْتُ [[في أ: "فلقيت".]] ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْخَمْرِ وَثَمَنِهَا، فَقَالَ: هِيَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا مَعْشَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ لَوْ كَانَ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، لَأُنْزِلَ فِيكُمْ كَمَا أُنْزِلَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ، وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولَعمري لَهُوَ أَشُدُّ عَلَيْكُمْ، قَالَ ثَابِتٌ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ عَنِ الْخَمْرِ، إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُحْتَبٍ حَلّ حُبْوَته ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرِ فَلْيَأْتِنَا بِهَا". فَجَعَلُوا يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: عِنْدِي رَاوِيَةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: عِنْدِي زقٌّ أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْمَعُوهُ بِبَقِيعِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ آذِنُونِي". فَفَعَلُوا، ثُمَّ آذَنُوهُ فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَمَشَيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيَّ، فَأَلْحَقَنَا أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَنِي عَنْ شِمَالِهِ، وَجَعَلَ أَبَا [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بَكْرٍ فِي مَكَانِي. ثُمَّ لَحِقَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَّرَنِي، وَجَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَمَشَى بَيْنَهُمَا. حَتَّى إِذَا وَقَفَ عَلَى الْخَمْرِ قَالَ لِلنَّاسِ: "أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ [[في ر: "هذا".]] قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْخَمْرُ. قَالَ: "صَدَقْتُمْ". قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا". ثُمَّ دَعَا بِسِكِّينٍ فَقَالَ: "اشْحَذُوهَا". فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرِقُ بِهَا الزِّقَاقَ، قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: فِي هَذِهِ الزِّقَاقِ مَنْفَعَةٌ، قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا فِيهَا مِنْ سَخَطِهِ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا".
قَالَ ابْنُ وَهْب: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٦) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سِماك، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَضَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ حَتَّى انْتَشَيْنَا، فَتَفَاخَرْنَا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ. فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَحْي جَزُور، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا. [[في د، ر: "مفزورة".]] فَنَزَلَتْ آيَةُ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ] ﴾ [[زيادة من ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) ولفظه عنده. "أنزلت في أربع آيات". وصحيح مسلم برقم (١٧٤٨) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، شَرِبُوا فَلَمَّا أن ثمل عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنَّ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ يُرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا بِي، أَخِي فُلَانٌ -وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ [[في د، أ: "ضغائن فيقول".]] وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا صَنَعَ هَذَا بِي، حَتَّى وَقَعَتِ [[في أ: "حتى إذا وقعت".]] الضَّغَائِنُ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ إلى آخر الآية".]] فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ، وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ﴾ [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".]]
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ صَاعِقَةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ. [[السنن الكبرى (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَف، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجرْمي، عَنْ أَبِي تُمَيْلَة، عَنْ سَلَامٍ مَوْلَى حَفْصٍ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُود عَلَى شَرَابٍ لَنَا، وَنَحْنُ رَمْلة، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَعِنْدَنَا بَاطِيَةٌ لَنَا، وَنَحْنُ نَشْرَبُ الْخَمْرَ حِلًّا إِذْ قُمْتُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، إِذْ نَزْلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ؟ فَجِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقَرَأْتُهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾ ؟ قَالَ: وَبَعْضُ الْقَوْمِ شَربته فِي يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضَهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ بِالْإِنَاءِ تَحْتَ شَفَتِهِ الْعُلْيَا، كَمَا يَفْعَلُ الْحَجَّامُ، ثُمَّ صَبُّوا مَا فِي بَاطِيَتِهِمْ [[في أ: "باطنهم".]] فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا. [[تفسير الطبري (١٠/٥٧٢) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقة بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرْنَا ابْنُ عُيَينة، عن عمرو، عن جابر قَالَ: صَبَّح نَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ، فَقُتلوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ صَحِيحِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦١٨) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ [[في ر: "بن".]] عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الْخَمْرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثم قُتِلُوا شُهَدَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: فَقَدْ مَاتَ بَعْضُ الَّذِينَ قُتِلُوا وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ فِي سِيَاقَتِهِ غَرَابَةٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالُوا: كَيْفَ بِمَنْ كَانَ يَشْرَبُهَا قَبْلَ أَنْ تَحْرُمَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بُنْدار، غُنْدَر [[في ر، أ: "بندار عن غندر".]] عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوٌ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[مسند الطيالسي برقم (٧١٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥١) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يُعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْخَمْرَ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَبِيعُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحُمِّلَ مِنْهَا بِمَالٍ فَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حَرُمَتْ فَوَضَعَهَا حَيْثُ انْتَهَى عَلَى تَلّ، وَسَجَّى عَلَيْهَا بِأَكْسِيَةٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؟ قَالَ: "أَجَلْ" قَالَ: لِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَنِ ابْتَعْتُهَا مِنْهُ؟ قَالَ: "لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] رَدُّهَا". قَالَ: لِي أَنْ أُهْدِيَهَا إِلَى مَنْ يُكَافِئُنِي مِنْهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَإِنَّ فِيهَا مَالًا لِيَتَامَى فِي حِجْرِي؟ قال: "إذ أَتَانَا مَالُ الْبَحْرِينِ فَأْتِنَا نعوّضُ أَيْتَامَكَ مِنْ مَالِهِمْ". ثُمَّ نَادَى بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْأَوْعِيَةُ نَنْتَفِعُ بِهَا؟. قَالَ: "فَحُلُّوا أَوْكِيَتَهَا". فَانْصَبَّتْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [[مسند أبي يعلى (٣/٤٠٤) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٩٨٠) "مجمع البحرين" من طريق جعفر بن حميد به.
قال الهيثمي في المجمع (٤/٨٨) : "في إسنادهما يعقوب القمي، وعيسى بن جارية وفيهما كلام وقد وثقا".]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ أَبِي هُبيرة -وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّاد الْأَنْصَارِيُّ-عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: "أَهْرِقْهَا". قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: "لَا".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (٣/١١٩) وصحيح مسلم برقم (١٩٨٣) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (١٢٩٤) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قَالَ: هِيَ فِي التَّوْرَاةِ: "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، وَالْمَزَامِيرَ، والزَّفْن، والكِبَارات -يَعْنِي الْبَرَابِطَ--وَالزَّمَّارَاتِ -يَعْنِي بِهِ الدُّفَّ-وَالطَّنَابِيرَ-وَالشِّعْرَ، وَالْخَمْرَ مَرَّةً لِمَنْ طَعِمَهَا. أَقْسَمَ اللَّهُ بِيَمِينِهِ وَعِزَّةِ حَيْله مَنْ شَرِبَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأُعَطِّشَنَّهُ [[في أ: "إلا عطشته".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمْتُهَا لَأَسْقِيَنَّهُ إِيَّاهَا فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ".
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارث؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيب حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَأَنَّمَا كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فَسُلِبَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُكْرًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الْخَبَالِ". قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ جَهَنَّمَ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [[المسند (٢/١٧٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٧) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الجَنَدي-يَقُولُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَخمَّر خَمْر، وَكُلُّ مُسْكِر حَرَام، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسقيه مِنْ طِينة الخَبَال". قيل: وما طينة الْخَبَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طينة الخبال"
تفرد أَبُو دَاوُدَ. [[سنن أبي داود (٣٦٨٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرمها فِي الْآخِرَةِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ. [[مسند الشافعي برقم (١٧٦٣) "بدائع المنن" وصحيح البخاري برقم (٥٥٧٥) وصحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مُسكر خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمنها وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ". [[صحيح مسلم برقم (٢٠٠٣) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسار؛ أنه سمع سالم بن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، والمُدْمِن الْخَمْرَ، والمنَّان بِمَا أَعْطَى".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَري، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٢٣٤٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٨٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن عبد الله بن وهب به.]]
وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ منَّان وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ". [[المسند (٣/٤٤) .]]
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في ر: "أسلم".]] عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ. وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحسين الجَعْفِي، عن زائدة، عن بن ابْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَمُجَاهِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، بِهِ. [[سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠) .]]
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِن خَمْرٍ، وَلَا منَّان، وَلَا وَلَدُ زنْيَة". [[المسند (٢/٢٠٣) .]]
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[المسند (٢/١٦٤) .]] وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدر وَغَيْرِهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ نُبَيْط بْنِ شُرَيط، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ [[في ر: "يعلم".]] أَحَدًا تَابَعَ شُعْبَةَ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ. [[المسند (٢/٢٠١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٤٩١٤)]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِجَابَانَ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا لِسَالِمٍ مِنْ جَابَانَ وَلَا نُبَيْطٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ، فَعَلقته امْرَأَةٌ غَوية، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِشَهَادَةٍ. فَدَخَلَ مَعَهَا، فطفقت كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِشَهَادَةٍ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَليّ أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ تَشْرَبَ هَذَا الْخَمْرَ. فَسَقَتْهُ كَأْسًا، فَقَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِم حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [[السنن الكبرى (٨/٢٨٧) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يزيد، عن الزهري به. وقد خولف يونس بن يزيد خالفه عمر بن سعيد بن السرحة، فرواه عن الزهري مرفوعا، كما سيأتي في رواية ابن أبي الدنيا.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ "ذَمُّ الْمُسْكِرِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ مَرْفُوعًا [[ذم المسكر برقم (١) ورواية يونس بن يزيد أرجح من رواية عمر بن سعيد بن السرحة، فقد لينه بعض الأئمة. قالوا: "وأحاديثه عن الزهري ليست بمستقيمة".]] وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ سَرِقَةً حِينَ يَسْرِقُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ". [[صحيح البخاري برقم (٦٨١٠) وصحيح مسلم برقم (٥٧) .]]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِماك، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمَّا حُوّلت الْقِبْلَةُ قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [[المسند (١/٢٩٥) .]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:١٤٣] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْران الدَّبَّاغُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الْعَطَّارَ-عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "من شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، إِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا، وَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ من طِينة الخَبَال". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ". [[المسند (٦/٤٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٦٩) : "فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجاله ثقات".]]
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٤٥٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٣) .]]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْهِجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَهَاتَانِ الْكَعْبَتَانِ الْمُوَسَّمَتَانِ اللتان تزجران [[في ر: "الموسمتان الذين يزجران" وهذا على لغة من يلزم المثنى الألف.]] زجرًا، فإنهما مَيْسِر العَجَم". [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.]]
5:94يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ
قَالَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ الضَّعِيفُ مِنَ الصَّيْدِ وَصَغِيرِهِ، يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا يَتَنَاوَلُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقْرَبُوهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يَعْنِي: صِغَارَ الصَّيْدِ وَفِرَاخَهُ ﴿وَرِمَاحِكُمْ﴾ يَعْنِي: كِبَارَهُ.
وَقَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيَّان: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُمْرة الحُدَيْبِيَّة، فَكَانَتِ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ وَالصَّيْدُ تَغْشَاهُمْ [[في ر: "يغشاهم".]] فِي رِحَالِهِمْ، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فِيمَا خَلَا فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ تَعَالَى يَبْتَلِيهِمْ بِالصَّيْدِ يَغْشَاهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِهِ بِالْأَيْدِي وَالرِّمَاحِ سِرًّا وَجَهْرًا [[في ر: "جهرًا وسرًا".]] لِيُظْهِرَ طَاعَةَ مَنْ يُطِيعُ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ:١٢] .
* *
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بَعْدَ هَذَا الْإِعْلَامِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّقَدُّمِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وَهَذَا تَحْرِيمٌ مِنْهُ تَعَالَى لِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَنُهِيَ عَنْ تَعَاطِيهِ فِيهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الْمَأْكُولَ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْكُولِ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِهَا أَيْضًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسُ فَواسِق يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ والحَرَم [[في ر: "الحرام".]] الغُراب وَالْحِدَأَةُ، والعَقْرب، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُور". [[صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨) .]]
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاح: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ". أَخْرَجَاهُ. [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٦) وصحيح مسلم برقم (١١٩٩) .]]
وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ. قَالَ أَيُّوبُ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: فَالْحَيَّةُ؟ قال: الحية لا شك فِيهَا، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي قَتْلِهَا. [[صحيح مسلم برقم (١١٩٩) .]]
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ -كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ-مَنْ أَلْحَقَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبَ، والسَّبْعُ، والنِّمْر، والفَهْد؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَشْمَلُ هَذِهِ السِّبَاعَ الْعَادِيَةَ كُلَّهَا. وَاسْتَأْنَسَ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَعَا عَلَى عُتْبَةَ [[في ر: "عتبية".]] بْنِ أَبِي لَهَبٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ سَلِّط عَلَيْهِ [[في ر: "عليهم".]] كَلْبَكَ بِالشَّامِ" [[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٢/٣٣٩) مِنْ طَرِيقِ زهير بن العلاء، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ به مرسلا وذكر قصة. ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٦٣) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بن عروة بن الزبير، عن أبيه وذكر قصة. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٣٨) من طريق عباس بن الفضل، عَنِ الْأُسُودِ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ بن أبي عقرب عن أبيه به وذكر قصة.]] فَأَكَلَهُ السَّبُعُ بِالزَّرْقَاءِ، قَالُوا: فَإِنْ قَتَلَ مَا عَدَاهُنَّ فَدَاها كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَهِرِّ الْبَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صِغَارُ هَذِهِ الْخَمْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَصِغَارُ الْمُلْحَقِ بِهَا مِنَ السِّبَاعِ الْعَوَادِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من ر.]] يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِغَارِهِ وَكِبَارِهِ. وَجَعَلَ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ كَوْنَهَا لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالذِّئْبَ؛ لِأَنَّهُ كَلْبٌ بَرِّيٌّ، فَإِنْ قَتَلَ غَيْرَهُمَا فَدَاه، إِلَّا أَنْ يَصُولَ عَلَيْهِ سَبُعٌ غَيْرُهُمَا فَيَقْتُلُهُ فَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ.
وَقَالَ زُفَر بْنُ الْهُذَيْلِ: يَفْدِي مَا سِوَى ذَلِكَ وَإِنْ صَالَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمُرَادُ بِالْغُرَابِ هَاهُنَا الْأَبْقَعُ [[في ر: "المراد بالأبقع هاهنا الغراب".]] وَهُوَ الَّذِي فِي بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ بَيَاضٌ، دُونَ الْأَدْرَعِ وَهُوَ الْأَسْوَدُ، وَالْأَعْصَمِ وَهُوَ الْأَبْيَضُ؛ لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ يَحْيَى القَطَّان، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ الْغُرَابَ إِلَّا إِذَا صَالَ عَلَيْهِ وَآذَاهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر وَطَائِفَةٌ: لَا يَقْتُلُهُ بَلْ يَرْمِيهِ. وَيُرْوَى مَثَلُهُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَدْ رَوَى هُشَيْم: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ، فَقَالَ: "الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، والفُوَيْسِقَة، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالسَّبُعَ العادي".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هشيم. وابن ماجه، عن أبي كريم [[في ر: "كريب".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٤٨) وسنن الترمذي برقم (٨٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٨٩) .]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا يُحْكَمُ [[في ر: "نحكم".]] عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأً، إِنَّمَا يُحْكَمُ [[في ر: "نحكم".]] عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا.
وَهَذَا مَذْهَبٌ غَرِيبٌ عَنْ طَاوُسٍ، وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ بِالْمُتَعَمِّدِ هُنَا [[في ر: "هاهنا".]] الْقَاصِدُ إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، النَّاسِي لِإِحْرَامِهِ. فَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ مَعَ ذِكْرِهِ لِإِحْرَامِهِ، فَذَاكَ أَمْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكْفُرَ، وَقَدْ بَطُلَ إِحْرَامُهُ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنْهُ. وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ أَيْضًا. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعَامِدَ وَالنَّاسِيَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: دَلَّ [[في ر: "تدل".]] الْكِتَابُ عَلَى الْعَامِدِ، وَجَرَتِ السُّنَّةُ عَلَى النَّاسِي، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ وَعَلَى تَأْثِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مِنْ أَحْكَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْكَامِ أَصْحَابِهِ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْخَطَأِ، كَمَا دَلَّ الْكِتَابُ عَلَيْهِ فِي العَمْد، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ، وَالْإِتْلَافُ مَضْمُونٌ فِي الْعَمْدِ وَفِي النِّسْيَانِ، لَكِنَّ الْمُتَعَمِّدَ مَأْثُومٌ وَالْمُخْطِئَ غَيْرُ مَلُوم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا: "فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ".
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ مِنْ مِثْلِ مَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ مِثْلِيًّا أَوْ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، قَالَ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهِ هَدْيًا. وَالَّذِي حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَةُ فِي الْمِثْلِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ، وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وذكْرُ قَضَايَا الصَّحَابَةِ وَأَسَانِيدُهَا مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا فَقَدْ حَكَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ بِثَمَنِهِ، يُحْمَلُ إِلَى مَكَّةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَزَاءِ فِي الْمَثَلِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ فِي غَيْرِ الْمَثَلِ، عَدْلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَاتِلِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يكون أحد الحكمين؟ على قولين: أَحَدُهُمَا: " لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَّهم فِي حُكْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -هُوَ ابْنُ بُرْقَان-عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْران؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى أَبَا بَكْرٍ قَالَ: قَتَلْتُ صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَمَا تَرَى عليَّ مِنَ الْجَزَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: مَا تَرَى فِيمَا [[في ر: "فيها".]] قَالَ؟ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَتَيْتُكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُكَ، فَإِذَا أَنْتَ تَسْأَلُ غَيْرَكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا تُنْكِرُ؟ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَشَاوَرْتُ صَاحِبِي حَتَّى إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَمْرٍ أَمَرْنَاكَ بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَيْمُونٍ وَبَيْنَ الصِّدِّيقِ، وَمِثْلُهُ يُحْتَمَلُ هَاهُنَا. فَبَيَّنَ لَهُ الصِّدِّيقُ الْحُكْمَ بِرِفْقٍ وتُؤدَة، لَمَّا رَآهُ أَعْرَابِيًّا جَاهِلًا وَإِنَّمَا دَوَاءُ الْجَهْلِ التَّعْلِيمُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُعْتَرِضُ مَنْسُوبًا إِلَى الْعِلْمِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيع بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصة بْنِ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ اقْتَدْنَا رَوَاحِلَنَا نَتَمَاشَى نَتَحَدَّثُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ غَدَاةٍ إِذْ سَنَحَ لَنَا ظَبْيٌ -أَوْ: بَرِحَ-فَرَمَاهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَنَا بِحَجَرٍ فَمَا أَخْطَأَ خُشَّاءه فَرَكِبَ رَدْعه مَيِّتًا، قَالَ: فَعَظَّمْنا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ خَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ: وَإِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ قُلْب فِضَّةٍ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ-فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى صَاحِبِهِ فَكَلَّمَهُ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: أَعَمْدًا قَتَلْتَهُ أَمْ خَطَأً؟ قَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ تَعَمَّدْتُ رَمْيَهُ، وَمَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَشْرَكْتَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، اعْمَدْ إِلَى شَاةٍ فَاذْبَحْهَا وَتَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا وَاسْتَبْقِ إِهَابَهَا. قَالَ: فَقُمْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَيُّهَا الرَّجُلُ، عَظّم شَعَائِرَ اللَّهِ، فَمَا دَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُفْتِيكَ حَتَّى سَأَلَ صَاحِبَهُ: اعْمَدْ إِلَى نَاقَتِكَ فَانْحَرْهَا، فَفَعَلَ [[في ر: "فلعل".]] ذَاكَ. قَالَ قَبِيصَةُ: وَلَا أَذْكُرُ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: فَبَلَغَ عُمَرَ مَقَالَتِي، فَلَمْ يَفْجَأْنَا مِنْهُ إِلَّا وَمَعَهُ الدِّرَّةُ. قَالَ: فَعَلَا صَاحِبِي ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَقَتَلْتَ فِي الْحَرَمِ وسفَّهت الْحُكْمَ؟ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عليَّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا أُحِلُّ لَكَ الْيَوْمَ شَيْئًا يحْرُم عَلَيْكَ مِنِّي، قَالَ: يَا قَبِيصَةَ بْنَ جَابِرٍ، إِنِّي أَرَاكَ شَابَّ السِّنِّ، فَسِيحَ الصَّدْرِ، بَيِّنَ اللِّسَانِ، وَإِنَّ الشَّابَّ يَكُونُ فِيهِ تِسْعَةُ أَخْلَاقٍ حَسَنَةٍ وَخُلُقٌ سَيِّئٌ، فَيُفْسِدُ الخلقُ السَّيِّئُ الأخلاقَ الْحَسَنَةَ، فَإِيَّاكَ وَعَثَرَاتِ الشَّبَابِ.
وَقَدْ رَوَى هُشَيْم هَذِهِ الْقِصَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ، بِنَحْوِهِ. وَرَوَاهَا أَيْضًا عَنْ حُصَيْن، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ، بِنَحْوِهِ. وَذَكَرَهَا مرسلة عن عُمَر: بن بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرين.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو جَرِيرٍ البَجَلِيّ قَالَ: أَصَبْتُ ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: ائْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِكَ فَلْيَحْكُمَا عَلَيْكَ. فَأَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَسَعْدًا، فَحَكَمَا عَلَيَّ بتَيْس أَعْفَرَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنة، عَنْ مُخارق، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: أَوَطَأَ أَرْبَدُ ظَبْيًا فَقَتَلْتُهُ [[في د، ر: "فقتله".]] وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَتَى عُمَرَ؛ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: احْكُمْ مَعِي، فَحَكَمَا فِيهِ جَدْيًا، قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْقَاتِلِ أَحَدِ الْحَكَمَيْنِ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تُسْتَأْنَفُ [[في ر: "يستأنف".]] الْحُكُومَةُ فِي كُلِّ مَا يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ ذَوَا عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ مِنْ قَبْلِهِ الصَّحَابَةُ، أَوْ يَكْتَفِي بِأَحْكَامِ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُتْبَعُ فِي ذَلِكَ مَا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ [[في ر: "صاحبه".]] وَجَعَلَاهُ شَرْعًا مُقَرَّرًا لَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ [[في ر: "به".]] الصَّحَابَةُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى عَدْلَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرَدٍ، سَوَاءٌ وُجِدَ لِلصَّحَابَةِ فِي مِثْلِهِ حُكْمٌ أَمْ لَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أَيْ: وَاصِلًا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْمُرَادُ وُصُولُهُ إِلَى الْحَرَمِ، بِأَنْ يُذْبَحَ هُنَاكَ، وَيُفَرَّقَ لَحْمُهُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النعَم أَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ "أَوْ" فَإِنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ.
فَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى الْقِيمَةِ، فيُقوّم الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَّادٍ، وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَوَّمُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، ثُمَّ يُشْتَرَى بِهِ طَعَامٌ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ، فَيُصْرَفُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُطعِم كُلُّ مِسْكين مُدَّيْن، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مُدّ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ [[في ر: "أو قلنا التخيير".]] صَامَ عَنْ [[في ر: "من".]] إِطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ صَاعٍ يَوْمًا. كَمَا فِي جَزَاءِ الْمُتَرَفِّهِ بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ كعب بن عُجْرَة أن يقسم فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، والفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ هَذَا الْإِطْعَامِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَحَلُّهُ الْحَرَمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُطْعَمُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ، أَوْ أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ فِي الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.
ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ:
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالَ: إِذَا أَصَابَ المحرمُ الصيدَ حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، فَإِنْ وَجَدَ جَزَاءَهُ، ذَبَحَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَظَرَ كَمْ ثَمَنُهُ، ثُمَّ قُوّم ثَمَنُهُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، قَالَ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ، أَنَّهُ إِذْ وُجِدَ الطَّعَامُ وُجِدَ جَزَاؤُهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ إِذَا [[في ر: "فإذا".]] قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ، حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ. فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَإِنْ قَتَلَ إبِلا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا. وَإِنَّ قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حمارَ وَحْشٍ أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَزَادَ: وَالطَّعَامُ مُدٌّ مُدّ تشبَعهم. [[في ر: "شبعهم".]]
وَقَالَ جَابِرٌ الجُعْفي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالُوا: إِنَّمَا الطَّعَامُ لِمَنْ لَا يَبْلُغُ الْهَدْيَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَكَذَا رَوَى ابْنُ جُرَيْج عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّي أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ -فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ-وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي: هِيَ عَلَى الْخِيَارِ. وَهُوَ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أَيْ: أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ لِيَذُوقَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ الَّذِي ارْتَكَبَ فِيهِ الْمُخَالَفَةَ ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أَيْ: فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَاتَّبَعَ شَرْعَ اللَّهِ، وَلَمْ يَرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿َ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَبُلُوغِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِلَيْهِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
قَالَ ابْنُ جُرَيْج، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قَالَ: عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ﴿َ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ؟ قَالَ: وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ قَالَ: قُلْتُ: فَهَلْ فِي الْعَوْدِ حَدُّ تَعْلَمُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُلْتُ: فَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ؟ قَالَ: لَا هُوَ ذَنْبٌ أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ يَفْتَدِي. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/٤٨) .]]
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ.
ثُمَّ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ [[في ر: "والثانية والثالثة".]] وَإِنْ تَكَرَّرَ مَا تَكَرَّرَ، سَوَاءٌ الْخَطَأُ فِي ذَلِكَ وَالْعَمْدُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ خَطَأً، وَهُوَ مُحْرِمٌ، يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ كُلَّمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ قَتْلَهُ عَمْدًا يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ عَادَ يُقَالُ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ جَمِيعًا، عَنْ هِشَامٍ -هُوَ ابْنُ حَسَّانٍ-عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَصَابَ صَيْدًا فحُكم [[في د، ر: "يحكم".]] عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ، قَالَ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَهَكَذَا قَالَ شُرَيْح، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي. رَوَاهُنَّ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي الْمُعَلَّى، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا، فَتَجَوَّزَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ مَنِيعٌ فِي سُلْطَانِهِ لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ، وَلَا مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ مَانِعٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ، لَهُ الْعِزَّةُ وَالْمَنَعَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ ذُو مُعَاقَبَةٍ لِمَنْ عَصَاهُ على معصيته إياه.
5:95يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ
قَالَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ الضَّعِيفُ مِنَ الصَّيْدِ وَصَغِيرِهِ، يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا يَتَنَاوَلُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقْرَبُوهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يَعْنِي: صِغَارَ الصَّيْدِ وَفِرَاخَهُ ﴿وَرِمَاحِكُمْ﴾ يَعْنِي: كِبَارَهُ.
وَقَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيَّان: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُمْرة الحُدَيْبِيَّة، فَكَانَتِ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ وَالصَّيْدُ تَغْشَاهُمْ [[في ر: "يغشاهم".]] فِي رِحَالِهِمْ، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فِيمَا خَلَا فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ تَعَالَى يَبْتَلِيهِمْ بِالصَّيْدِ يَغْشَاهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِهِ بِالْأَيْدِي وَالرِّمَاحِ سِرًّا وَجَهْرًا [[في ر: "جهرًا وسرًا".]] لِيُظْهِرَ طَاعَةَ مَنْ يُطِيعُ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ:١٢] .
* *
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي بَعْدَ هَذَا الْإِعْلَامِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّقَدُّمِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وَهَذَا تَحْرِيمٌ مِنْهُ تَعَالَى لِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَنُهِيَ عَنْ تَعَاطِيهِ فِيهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الْمَأْكُولَ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْكُولِ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِهَا أَيْضًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسُ فَواسِق يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ والحَرَم [[في ر: "الحرام".]] الغُراب وَالْحِدَأَةُ، والعَقْرب، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُور". [[صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨) .]]
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاح: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ". أَخْرَجَاهُ. [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٦) وصحيح مسلم برقم (١١٩٩) .]]
وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ. قَالَ أَيُّوبُ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: فَالْحَيَّةُ؟ قال: الحية لا شك فِيهَا، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي قَتْلِهَا. [[صحيح مسلم برقم (١١٩٩) .]]
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ -كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ-مَنْ أَلْحَقَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبَ، والسَّبْعُ، والنِّمْر، والفَهْد؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَشْمَلُ هَذِهِ السِّبَاعَ الْعَادِيَةَ كُلَّهَا. وَاسْتَأْنَسَ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَعَا عَلَى عُتْبَةَ [[في ر: "عتبية".]] بْنِ أَبِي لَهَبٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ سَلِّط عَلَيْهِ [[في ر: "عليهم".]] كَلْبَكَ بِالشَّامِ" [[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٢/٣٣٩) مِنْ طَرِيقِ زهير بن العلاء، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ به مرسلا وذكر قصة. ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٦٣) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بن عروة بن الزبير، عن أبيه وذكر قصة. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٣٨) من طريق عباس بن الفضل، عَنِ الْأُسُودِ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ بن أبي عقرب عن أبيه به وذكر قصة.]] فَأَكَلَهُ السَّبُعُ بِالزَّرْقَاءِ، قَالُوا: فَإِنْ قَتَلَ مَا عَدَاهُنَّ فَدَاها كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَهِرِّ الْبَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صِغَارُ هَذِهِ الْخَمْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَصِغَارُ الْمُلْحَقِ بِهَا مِنَ السِّبَاعِ الْعَوَادِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من ر.]] يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِغَارِهِ وَكِبَارِهِ. وَجَعَلَ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ كَوْنَهَا لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالذِّئْبَ؛ لِأَنَّهُ كَلْبٌ بَرِّيٌّ، فَإِنْ قَتَلَ غَيْرَهُمَا فَدَاه، إِلَّا أَنْ يَصُولَ عَلَيْهِ سَبُعٌ غَيْرُهُمَا فَيَقْتُلُهُ فَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ.
وَقَالَ زُفَر بْنُ الْهُذَيْلِ: يَفْدِي مَا سِوَى ذَلِكَ وَإِنْ صَالَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمُرَادُ بِالْغُرَابِ هَاهُنَا الْأَبْقَعُ [[في ر: "المراد بالأبقع هاهنا الغراب".]] وَهُوَ الَّذِي فِي بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ بَيَاضٌ، دُونَ الْأَدْرَعِ وَهُوَ الْأَسْوَدُ، وَالْأَعْصَمِ وَهُوَ الْأَبْيَضُ؛ لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ يَحْيَى القَطَّان، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ الْغُرَابَ إِلَّا إِذَا صَالَ عَلَيْهِ وَآذَاهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر وَطَائِفَةٌ: لَا يَقْتُلُهُ بَلْ يَرْمِيهِ. وَيُرْوَى مَثَلُهُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَدْ رَوَى هُشَيْم: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ، فَقَالَ: "الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، والفُوَيْسِقَة، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالسَّبُعَ العادي".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هشيم. وابن ماجه، عن أبي كريم [[في ر: "كريب".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٤٨) وسنن الترمذي برقم (٨٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٨٩) .]]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا يُحْكَمُ [[في ر: "نحكم".]] عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأً، إِنَّمَا يُحْكَمُ [[في ر: "نحكم".]] عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا.
وَهَذَا مَذْهَبٌ غَرِيبٌ عَنْ طَاوُسٍ، وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ بِالْمُتَعَمِّدِ هُنَا [[في ر: "هاهنا".]] الْقَاصِدُ إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، النَّاسِي لِإِحْرَامِهِ. فَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ مَعَ ذِكْرِهِ لِإِحْرَامِهِ، فَذَاكَ أَمْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكْفُرَ، وَقَدْ بَطُلَ إِحْرَامُهُ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنْهُ. وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ أَيْضًا. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعَامِدَ وَالنَّاسِيَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: دَلَّ [[في ر: "تدل".]] الْكِتَابُ عَلَى الْعَامِدِ، وَجَرَتِ السُّنَّةُ عَلَى النَّاسِي، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ وَعَلَى تَأْثِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مِنْ أَحْكَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْكَامِ أَصْحَابِهِ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْخَطَأِ، كَمَا دَلَّ الْكِتَابُ عَلَيْهِ فِي العَمْد، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ، وَالْإِتْلَافُ مَضْمُونٌ فِي الْعَمْدِ وَفِي النِّسْيَانِ، لَكِنَّ الْمُتَعَمِّدَ مَأْثُومٌ وَالْمُخْطِئَ غَيْرُ مَلُوم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا: "فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ".
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ مِنْ مِثْلِ مَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ مِثْلِيًّا أَوْ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، قَالَ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهِ هَدْيًا. وَالَّذِي حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَةُ فِي الْمِثْلِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ، وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وذكْرُ قَضَايَا الصَّحَابَةِ وَأَسَانِيدُهَا مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا فَقَدْ حَكَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ بِثَمَنِهِ، يُحْمَلُ إِلَى مَكَّةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَزَاءِ فِي الْمَثَلِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ فِي غَيْرِ الْمَثَلِ، عَدْلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَاتِلِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يكون أحد الحكمين؟ على قولين: أَحَدُهُمَا: " لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَّهم فِي حُكْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -هُوَ ابْنُ بُرْقَان-عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْران؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى أَبَا بَكْرٍ قَالَ: قَتَلْتُ صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَمَا تَرَى عليَّ مِنَ الْجَزَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: مَا تَرَى فِيمَا [[في ر: "فيها".]] قَالَ؟ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَتَيْتُكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُكَ، فَإِذَا أَنْتَ تَسْأَلُ غَيْرَكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا تُنْكِرُ؟ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَشَاوَرْتُ صَاحِبِي حَتَّى إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَمْرٍ أَمَرْنَاكَ بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَيْمُونٍ وَبَيْنَ الصِّدِّيقِ، وَمِثْلُهُ يُحْتَمَلُ هَاهُنَا. فَبَيَّنَ لَهُ الصِّدِّيقُ الْحُكْمَ بِرِفْقٍ وتُؤدَة، لَمَّا رَآهُ أَعْرَابِيًّا جَاهِلًا وَإِنَّمَا دَوَاءُ الْجَهْلِ التَّعْلِيمُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُعْتَرِضُ مَنْسُوبًا إِلَى الْعِلْمِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيع بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصة بْنِ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ اقْتَدْنَا رَوَاحِلَنَا نَتَمَاشَى نَتَحَدَّثُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ غَدَاةٍ إِذْ سَنَحَ لَنَا ظَبْيٌ -أَوْ: بَرِحَ-فَرَمَاهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَنَا بِحَجَرٍ فَمَا أَخْطَأَ خُشَّاءه فَرَكِبَ رَدْعه مَيِّتًا، قَالَ: فَعَظَّمْنا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ خَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ: وَإِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ قُلْب فِضَّةٍ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ-فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى صَاحِبِهِ فَكَلَّمَهُ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: أَعَمْدًا قَتَلْتَهُ أَمْ خَطَأً؟ قَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ تَعَمَّدْتُ رَمْيَهُ، وَمَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَشْرَكْتَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، اعْمَدْ إِلَى شَاةٍ فَاذْبَحْهَا وَتَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا وَاسْتَبْقِ إِهَابَهَا. قَالَ: فَقُمْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَيُّهَا الرَّجُلُ، عَظّم شَعَائِرَ اللَّهِ، فَمَا دَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُفْتِيكَ حَتَّى سَأَلَ صَاحِبَهُ: اعْمَدْ إِلَى نَاقَتِكَ فَانْحَرْهَا، فَفَعَلَ [[في ر: "فلعل".]] ذَاكَ. قَالَ قَبِيصَةُ: وَلَا أَذْكُرُ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: فَبَلَغَ عُمَرَ مَقَالَتِي، فَلَمْ يَفْجَأْنَا مِنْهُ إِلَّا وَمَعَهُ الدِّرَّةُ. قَالَ: فَعَلَا صَاحِبِي ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَقَتَلْتَ فِي الْحَرَمِ وسفَّهت الْحُكْمَ؟ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عليَّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا أُحِلُّ لَكَ الْيَوْمَ شَيْئًا يحْرُم عَلَيْكَ مِنِّي، قَالَ: يَا قَبِيصَةَ بْنَ جَابِرٍ، إِنِّي أَرَاكَ شَابَّ السِّنِّ، فَسِيحَ الصَّدْرِ، بَيِّنَ اللِّسَانِ، وَإِنَّ الشَّابَّ يَكُونُ فِيهِ تِسْعَةُ أَخْلَاقٍ حَسَنَةٍ وَخُلُقٌ سَيِّئٌ، فَيُفْسِدُ الخلقُ السَّيِّئُ الأخلاقَ الْحَسَنَةَ، فَإِيَّاكَ وَعَثَرَاتِ الشَّبَابِ.
وَقَدْ رَوَى هُشَيْم هَذِهِ الْقِصَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ، بِنَحْوِهِ. وَرَوَاهَا أَيْضًا عَنْ حُصَيْن، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ، بِنَحْوِهِ. وَذَكَرَهَا مرسلة عن عُمَر: بن بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرين.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو جَرِيرٍ البَجَلِيّ قَالَ: أَصَبْتُ ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: ائْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِكَ فَلْيَحْكُمَا عَلَيْكَ. فَأَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَسَعْدًا، فَحَكَمَا عَلَيَّ بتَيْس أَعْفَرَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنة، عَنْ مُخارق، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: أَوَطَأَ أَرْبَدُ ظَبْيًا فَقَتَلْتُهُ [[في د، ر: "فقتله".]] وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَتَى عُمَرَ؛ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: احْكُمْ مَعِي، فَحَكَمَا فِيهِ جَدْيًا، قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْقَاتِلِ أَحَدِ الْحَكَمَيْنِ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تُسْتَأْنَفُ [[في ر: "يستأنف".]] الْحُكُومَةُ فِي كُلِّ مَا يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ ذَوَا عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ مِنْ قَبْلِهِ الصَّحَابَةُ، أَوْ يَكْتَفِي بِأَحْكَامِ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُتْبَعُ فِي ذَلِكَ مَا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ [[في ر: "صاحبه".]] وَجَعَلَاهُ شَرْعًا مُقَرَّرًا لَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ [[في ر: "به".]] الصَّحَابَةُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى عَدْلَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرَدٍ، سَوَاءٌ وُجِدَ لِلصَّحَابَةِ فِي مِثْلِهِ حُكْمٌ أَمْ لَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أَيْ: وَاصِلًا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْمُرَادُ وُصُولُهُ إِلَى الْحَرَمِ، بِأَنْ يُذْبَحَ هُنَاكَ، وَيُفَرَّقَ لَحْمُهُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النعَم أَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ "أَوْ" فَإِنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ.
فَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى الْقِيمَةِ، فيُقوّم الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَّادٍ، وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَوَّمُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، ثُمَّ يُشْتَرَى بِهِ طَعَامٌ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ، فَيُصْرَفُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُطعِم كُلُّ مِسْكين مُدَّيْن، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مُدّ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ [[في ر: "أو قلنا التخيير".]] صَامَ عَنْ [[في ر: "من".]] إِطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ صَاعٍ يَوْمًا. كَمَا فِي جَزَاءِ الْمُتَرَفِّهِ بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ كعب بن عُجْرَة أن يقسم فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، والفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ هَذَا الْإِطْعَامِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَحَلُّهُ الْحَرَمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُطْعَمُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ، أَوْ أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ فِي الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.
ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ:
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالَ: إِذَا أَصَابَ المحرمُ الصيدَ حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، فَإِنْ وَجَدَ جَزَاءَهُ، ذَبَحَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَظَرَ كَمْ ثَمَنُهُ، ثُمَّ قُوّم ثَمَنُهُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، قَالَ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ، أَنَّهُ إِذْ وُجِدَ الطَّعَامُ وُجِدَ جَزَاؤُهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ إِذَا [[في ر: "فإذا".]] قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ، حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ. فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَإِنْ قَتَلَ إبِلا أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا. وَإِنَّ قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حمارَ وَحْشٍ أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَزَادَ: وَالطَّعَامُ مُدٌّ مُدّ تشبَعهم. [[في ر: "شبعهم".]]
وَقَالَ جَابِرٌ الجُعْفي، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قَالُوا: إِنَّمَا الطَّعَامُ لِمَنْ لَا يَبْلُغُ الْهَدْيَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَكَذَا رَوَى ابْنُ جُرَيْج عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّي أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ -فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ-وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي: هِيَ عَلَى الْخِيَارِ. وَهُوَ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أَيْ: أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ لِيَذُوقَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ الَّذِي ارْتَكَبَ فِيهِ الْمُخَالَفَةَ ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أَيْ: فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَاتَّبَعَ شَرْعَ اللَّهِ، وَلَمْ يَرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿َ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَبُلُوغِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِلَيْهِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
قَالَ ابْنُ جُرَيْج، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قَالَ: عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ﴿َ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ؟ قَالَ: وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ قَالَ: قُلْتُ: فَهَلْ فِي الْعَوْدِ حَدُّ تَعْلَمُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُلْتُ: فَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ؟ قَالَ: لَا هُوَ ذَنْبٌ أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ يَفْتَدِي. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/٤٨) .]]
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ.
ثُمَّ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ [[في ر: "والثانية والثالثة".]] وَإِنْ تَكَرَّرَ مَا تَكَرَّرَ، سَوَاءٌ الْخَطَأُ فِي ذَلِكَ وَالْعَمْدُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ خَطَأً، وَهُوَ مُحْرِمٌ، يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ كُلَّمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ قَتْلَهُ عَمْدًا يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ عَادَ يُقَالُ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ جَمِيعًا، عَنْ هِشَامٍ -هُوَ ابْنُ حَسَّانٍ-عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَصَابَ صَيْدًا فحُكم [[في د، ر: "يحكم".]] عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ، قَالَ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَهَكَذَا قَالَ شُرَيْح، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي. رَوَاهُنَّ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي الْمُعَلَّى، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا، فَتَجَوَّزَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ مَنِيعٌ فِي سُلْطَانِهِ لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ، وَلَا مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ مَانِعٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ، لَهُ الْعِزَّةُ وَالْمَنَعَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُ ذُو مُعَاقَبَةٍ لِمَنْ عَصَاهُ على معصيته إياه.
5:96أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ [[في د: "قال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يَعْنِي: مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ: صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاك قَالَ: حُدِّثتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قُذِفَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فَقَالَ: اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ.
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا. [[تفسير الطبري (١١/٦٩) .]]
حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السُّرِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا".
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَقَفَ بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة: [[تفسير الطبري (١١/٧٠) .]] حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ: مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وقوله: ﴿ُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: مَنْفَعَةً وقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وَهُوَ جَمْعُ سيَّار. قَالَ عِكْرِمَةُ: لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ وَلِلسَّيَّارَةِ: السَفْر. [[في د: "للسفر".]]
وَقَالَ غَيْرُهُ: الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ، وَ ﴿طَعَامُهُ﴾ مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ ومُلِّح وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، والسُّدِّي وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَل السَّاحِلِ، فأمَّر عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فجُمع ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مَزْوَدَيْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً. فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِب، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [[الموطأ (٢/٩٣٠) .]]
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتة، ثُمَّ قَالَ: لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا. وَلَقَدْ رأيتُنا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْب عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدْر كَالثَّوْرِ، أَوْ: كقَدْر الثَّوْرِ، قَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْب عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عبيدة، والله أعلم. [[صحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمة -مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ-وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلّ مَيْتَتُهُ".
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّان، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[مسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" والمسند للإمام أحمد (٢/٢٣٧) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) .]] بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو المُهَزّم -هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ-سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ -أَوْ عُمْرَةٍ-فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْل جَراد، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا، فَقُلْنَا: مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ" [[المسند (٢/٣٠٦) وسنن أبي داود برقم (١٨٥٤) وسنن الترمذي برقم (٨٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٢٢) .]]
أَبُو المُهَزّم ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَمَّال، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلاثة، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أهْلك كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وأفسدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ". فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَة الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ". قَالَ هَاشِمٌ: قَالَ زِيَادٌ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ. تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ. [[سنن ابن ماجة برقم (٣٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٦٤، ٦٥) : "هذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم، أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق هارون بن عبد الله، وقال: لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضعفه موسى بن محمد".]]
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿طَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا؛ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "نهى عن قتل الضفدع". [[المسند (٣/٤٥٣) وسنن أبي داود برقم (٥٢٦٩) وسنن النسائي (٧/٢١٠) .]] وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وَقَالَ: نَقِيقُها تَسْبِيحٌ. [[لم أجده عند البحث في سنن النسائي ولعلى أتداركه فيما بعد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٨٥٢) من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنِ عبد الله بن عمرو به.]]
وَقَالَ آخَرُونَ: يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا، فَقِيلَ: يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ. وَقِيلَ: مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي -هُوَ ابْنُ قَانِعٍ-حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا صِدْتُموه وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ".
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَهُوَ مُنْكَرٌ. [[ونكارته؛ لمخالفته الاية والأحاديث الصحيحة مثل حديث: "هو الطهور ماؤه"، وحديث العنبر.]]
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، بِحَدِيثِ "العَنْبَر" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَبِحَدِيثِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أحِلَّت لَنَا ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَرُوِيَ [[مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) ومسند أحمد (٢/٩٧) ومضى تخريجه عند الآية: ٣ من هذه السورة.]] مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أَيْ: فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ [[في د: "فحرام".]] عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ. فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ [[في د: "التحريم".]] فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أثمَ وغَرم، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ. [[الاستذكار لابن عبد البر (١١/٣١٢) .]]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "صَيْد البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تُصِيدوه
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ. بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا صَادَ [[في د: "صاده".]] حَلال صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ، فَقَدْ ذَهَبَ [[في د: "فذهبا".]] ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا. حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ -فِي رِوَايَةٍ-وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلال، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ. ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لأوجعتُ لَكَ رَأْسَكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أميَّة، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَالَ: هِيَ مُبْهَمَةٌ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كل حال.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِلَيْهِ ذهب الثوري، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَالْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؛ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحَشِيًا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ -أَوْ: بوَدّان-فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّه عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُم".
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٥، ٢٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١١٩٣) .]] قَالُوا: فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْش، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ. ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا". وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ. [[صحيح البخاري برقم (٢٩١٤، ٥٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (١١٩٦) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَب، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ-يَقُولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ -قَالَ سَعِيدٌ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ-مَا لَمْ تُصِيدوه أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٥١) وسنن الترمذي برقم (٨٤٦) وسنن النسائي (٥/١٨٧) .]]
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بالعَرْج، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أوَلا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. [[الموطأ (١/٣٥٤)]] [[لم يتعرض الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لتفسير بقية الآيات، كما في جميع النسخ المخطوطة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأنه قد تطرق إلى تفسير معانيها في متشابهتها في سورة البقرة.]]
5:97۞جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَـٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ [[في د: "قال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يَعْنِي: مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ: صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاك قَالَ: حُدِّثتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قُذِفَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فَقَالَ: اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ.
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا. [[تفسير الطبري (١١/٦٩) .]]
حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السُّرِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا".
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَقَفَ بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة: [[تفسير الطبري (١١/٧٠) .]] حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ: مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وقوله: ﴿ُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: مَنْفَعَةً وقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وَهُوَ جَمْعُ سيَّار. قَالَ عِكْرِمَةُ: لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ وَلِلسَّيَّارَةِ: السَفْر. [[في د: "للسفر".]]
وَقَالَ غَيْرُهُ: الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ، وَ ﴿طَعَامُهُ﴾ مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ ومُلِّح وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، والسُّدِّي وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَل السَّاحِلِ، فأمَّر عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فجُمع ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مَزْوَدَيْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً. فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِب، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [[الموطأ (٢/٩٣٠) .]]
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتة، ثُمَّ قَالَ: لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا. وَلَقَدْ رأيتُنا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْب عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدْر كَالثَّوْرِ، أَوْ: كقَدْر الثَّوْرِ، قَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْب عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عبيدة، والله أعلم. [[صحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمة -مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ-وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلّ مَيْتَتُهُ".
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّان، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[مسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" والمسند للإمام أحمد (٢/٢٣٧) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) .]] بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو المُهَزّم -هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ-سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ -أَوْ عُمْرَةٍ-فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْل جَراد، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا، فَقُلْنَا: مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ" [[المسند (٢/٣٠٦) وسنن أبي داود برقم (١٨٥٤) وسنن الترمذي برقم (٨٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٢٢) .]]
أَبُو المُهَزّم ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَمَّال، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلاثة، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أهْلك كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وأفسدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ". فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَة الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ". قَالَ هَاشِمٌ: قَالَ زِيَادٌ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ. تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ. [[سنن ابن ماجة برقم (٣٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٦٤، ٦٥) : "هذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم، أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق هارون بن عبد الله، وقال: لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضعفه موسى بن محمد".]]
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿طَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا؛ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "نهى عن قتل الضفدع". [[المسند (٣/٤٥٣) وسنن أبي داود برقم (٥٢٦٩) وسنن النسائي (٧/٢١٠) .]] وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وَقَالَ: نَقِيقُها تَسْبِيحٌ. [[لم أجده عند البحث في سنن النسائي ولعلى أتداركه فيما بعد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٨٥٢) من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنِ عبد الله بن عمرو به.]]
وَقَالَ آخَرُونَ: يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا، فَقِيلَ: يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ. وَقِيلَ: مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي -هُوَ ابْنُ قَانِعٍ-حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا صِدْتُموه وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ".
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَهُوَ مُنْكَرٌ. [[ونكارته؛ لمخالفته الاية والأحاديث الصحيحة مثل حديث: "هو الطهور ماؤه"، وحديث العنبر.]]
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، بِحَدِيثِ "العَنْبَر" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَبِحَدِيثِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أحِلَّت لَنَا ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَرُوِيَ [[مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) ومسند أحمد (٢/٩٧) ومضى تخريجه عند الآية: ٣ من هذه السورة.]] مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أَيْ: فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ [[في د: "فحرام".]] عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ. فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ [[في د: "التحريم".]] فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أثمَ وغَرم، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ. [[الاستذكار لابن عبد البر (١١/٣١٢) .]]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "صَيْد البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تُصِيدوه
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ. بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا صَادَ [[في د: "صاده".]] حَلال صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ، فَقَدْ ذَهَبَ [[في د: "فذهبا".]] ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا. حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ -فِي رِوَايَةٍ-وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلال، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ. ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لأوجعتُ لَكَ رَأْسَكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أميَّة، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَالَ: هِيَ مُبْهَمَةٌ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كل حال.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِلَيْهِ ذهب الثوري، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَالْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؛ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحَشِيًا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ -أَوْ: بوَدّان-فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّه عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُم".
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٥، ٢٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١١٩٣) .]] قَالُوا: فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْش، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ. ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا". وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ. [[صحيح البخاري برقم (٢٩١٤، ٥٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (١١٩٦) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَب، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ-يَقُولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ -قَالَ سَعِيدٌ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ-مَا لَمْ تُصِيدوه أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٥١) وسنن الترمذي برقم (٨٤٦) وسنن النسائي (٥/١٨٧) .]]
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بالعَرْج، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أوَلا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. [[الموطأ (١/٣٥٤)]] [[لم يتعرض الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لتفسير بقية الآيات، كما في جميع النسخ المخطوطة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأنه قد تطرق إلى تفسير معانيها في متشابهتها في سورة البقرة.]]
5:98ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ [[في د: "قال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يَعْنِي: مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ: صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاك قَالَ: حُدِّثتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قُذِفَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فَقَالَ: اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ.
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا. [[تفسير الطبري (١١/٦٩) .]]
حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السُّرِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا".
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَقَفَ بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة: [[تفسير الطبري (١١/٧٠) .]] حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ: مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وقوله: ﴿ُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: مَنْفَعَةً وقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وَهُوَ جَمْعُ سيَّار. قَالَ عِكْرِمَةُ: لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ وَلِلسَّيَّارَةِ: السَفْر. [[في د: "للسفر".]]
وَقَالَ غَيْرُهُ: الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ، وَ ﴿طَعَامُهُ﴾ مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ ومُلِّح وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، والسُّدِّي وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَل السَّاحِلِ، فأمَّر عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فجُمع ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مَزْوَدَيْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً. فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِب، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [[الموطأ (٢/٩٣٠) .]]
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتة، ثُمَّ قَالَ: لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا. وَلَقَدْ رأيتُنا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْب عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدْر كَالثَّوْرِ، أَوْ: كقَدْر الثَّوْرِ، قَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْب عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عبيدة، والله أعلم. [[صحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمة -مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ-وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلّ مَيْتَتُهُ".
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّان، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[مسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" والمسند للإمام أحمد (٢/٢٣٧) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) .]] بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو المُهَزّم -هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ-سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ -أَوْ عُمْرَةٍ-فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْل جَراد، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا، فَقُلْنَا: مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ" [[المسند (٢/٣٠٦) وسنن أبي داود برقم (١٨٥٤) وسنن الترمذي برقم (٨٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٢٢) .]]
أَبُو المُهَزّم ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَمَّال، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلاثة، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أهْلك كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وأفسدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ". فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَة الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ". قَالَ هَاشِمٌ: قَالَ زِيَادٌ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ. تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ. [[سنن ابن ماجة برقم (٣٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٦٤، ٦٥) : "هذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم، أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق هارون بن عبد الله، وقال: لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضعفه موسى بن محمد".]]
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿طَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا؛ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "نهى عن قتل الضفدع". [[المسند (٣/٤٥٣) وسنن أبي داود برقم (٥٢٦٩) وسنن النسائي (٧/٢١٠) .]] وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وَقَالَ: نَقِيقُها تَسْبِيحٌ. [[لم أجده عند البحث في سنن النسائي ولعلى أتداركه فيما بعد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٨٥٢) من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنِ عبد الله بن عمرو به.]]
وَقَالَ آخَرُونَ: يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا، فَقِيلَ: يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ. وَقِيلَ: مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي -هُوَ ابْنُ قَانِعٍ-حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا صِدْتُموه وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ".
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَهُوَ مُنْكَرٌ. [[ونكارته؛ لمخالفته الاية والأحاديث الصحيحة مثل حديث: "هو الطهور ماؤه"، وحديث العنبر.]]
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، بِحَدِيثِ "العَنْبَر" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَبِحَدِيثِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أحِلَّت لَنَا ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَرُوِيَ [[مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) ومسند أحمد (٢/٩٧) ومضى تخريجه عند الآية: ٣ من هذه السورة.]] مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أَيْ: فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ [[في د: "فحرام".]] عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ. فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ [[في د: "التحريم".]] فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أثمَ وغَرم، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ. [[الاستذكار لابن عبد البر (١١/٣١٢) .]]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "صَيْد البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تُصِيدوه
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ. بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا صَادَ [[في د: "صاده".]] حَلال صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ، فَقَدْ ذَهَبَ [[في د: "فذهبا".]] ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا. حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ -فِي رِوَايَةٍ-وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلال، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ. ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لأوجعتُ لَكَ رَأْسَكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أميَّة، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَالَ: هِيَ مُبْهَمَةٌ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كل حال.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِلَيْهِ ذهب الثوري، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَالْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؛ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحَشِيًا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ -أَوْ: بوَدّان-فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّه عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُم".
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٥، ٢٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١١٩٣) .]] قَالُوا: فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْش، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ. ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا". وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ. [[صحيح البخاري برقم (٢٩١٤، ٥٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (١١٩٦) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَب، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ-يَقُولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ -قَالَ سَعِيدٌ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ-مَا لَمْ تُصِيدوه أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٥١) وسنن الترمذي برقم (٨٤٦) وسنن النسائي (٥/١٨٧) .]]
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بالعَرْج، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أوَلا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. [[الموطأ (١/٣٥٤)]] [[لم يتعرض الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لتفسير بقية الآيات، كما في جميع النسخ المخطوطة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأنه قد تطرق إلى تفسير معانيها في متشابهتها في سورة البقرة.]]
5:99مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ [[في د: "قال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يَعْنِي: مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ: صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاك قَالَ: حُدِّثتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَز، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قُذِفَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فَقَالَ: اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ.
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا. [[تفسير الطبري (١١/٦٩) .]]
حَدَّثَنَا هَنَّاد بْنُ السُّرِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا".
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَقَفَ بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة: [[تفسير الطبري (١١/٧٠) .]] حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قَالَ: طَعَامُهُ: مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا.
وقوله: ﴿ُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: مَنْفَعَةً وقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وَهُوَ جَمْعُ سيَّار. قَالَ عِكْرِمَةُ: لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ وَلِلسَّيَّارَةِ: السَفْر. [[في د: "للسفر".]]
وَقَالَ غَيْرُهُ: الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ، وَ ﴿طَعَامُهُ﴾ مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ ومُلِّح وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، والسُّدِّي وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَل السَّاحِلِ، فأمَّر عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فجُمع ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مَزْوَدَيْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً. فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِب، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [[الموطأ (٢/٩٣٠) .]]
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتة، ثُمَّ قَالَ: لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا. وَلَقَدْ رأيتُنا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْب عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدْر كَالثَّوْرِ، أَوْ: كقَدْر الثَّوْرِ، قَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْب عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عبيدة، والله أعلم. [[صحيح مسلم برقم (١٩٣٥) .]] وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمة -مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ-وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الحِلّ مَيْتَتُهُ".
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّان، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[مسند الشافعي برقم (٢٥) "بدائع المنن" والمسند للإمام أحمد (٢/٢٣٧) وسنن أبي داود برقم (٨٣) وسنن الترمذي برقم (٦٩) وسنن النسائي (١/٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١١١) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩) .]] بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو المُهَزّم -هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ-سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجٍّ -أَوْ عُمْرَةٍ-فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْل جَراد، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا، فَقُلْنَا: مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ" [[المسند (٢/٣٠٦) وسنن أبي داود برقم (١٨٥٤) وسنن الترمذي برقم (٨٥٠) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٢٢) .]]
أَبُو المُهَزّم ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَمَّال، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلاثة، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أهْلك كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وأفسدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ". فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَة الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ". قَالَ هَاشِمٌ: قَالَ زِيَادٌ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ. تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ. [[سنن ابن ماجة برقم (٣٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٦٤، ٦٥) : "هذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم، أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق هارون بن عبد الله، وقال: لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضعفه موسى بن محمد".]]
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿طَعَامُهُ﴾ كُلُّ مَا فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا؛ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "نهى عن قتل الضفدع". [[المسند (٣/٤٥٣) وسنن أبي داود برقم (٥٢٦٩) وسنن النسائي (٧/٢١٠) .]] وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وَقَالَ: نَقِيقُها تَسْبِيحٌ. [[لم أجده عند البحث في سنن النسائي ولعلى أتداركه فيما بعد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٨٥٢) من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنِ عبد الله بن عمرو به.]]
وَقَالَ آخَرُونَ: يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا، فَقِيلَ: يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُؤْكَلُ. وَقِيلَ: مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي -هُوَ ابْنُ قَانِعٍ-حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا صِدْتُموه وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ".
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَهُوَ مُنْكَرٌ. [[ونكارته؛ لمخالفته الاية والأحاديث الصحيحة مثل حديث: "هو الطهور ماؤه"، وحديث العنبر.]]
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، بِحَدِيثِ "العَنْبَر" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَبِحَدِيثِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أحِلَّت لَنَا ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ".
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَرُوِيَ [[مسند الشافعي برقم (١٧٣٤) ومسند أحمد (٢/٩٧) ومضى تخريجه عند الآية: ٣ من هذه السورة.]] مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أَيْ: فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ [[في د: "فحرام".]] عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ. فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ [[في د: "التحريم".]] فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أثمَ وغَرم، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ-وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ. [[الاستذكار لابن عبد البر (١١/٣١٢) .]]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "صَيْد البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تُصِيدوه
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ. بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا صَادَ [[في د: "صاده".]] حَلال صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ، فَقَدْ ذَهَبَ [[في د: "فذهبا".]] ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا. حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ -فِي رِوَايَةٍ-وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلال، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ. ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لأوجعتُ لَكَ رَأْسَكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أميَّة، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ. وَقَالَ: هِيَ مُبْهَمَةٌ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كل حال.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِلَيْهِ ذهب الثوري، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ -فِي رِوَايَةٍ-وَالْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؛ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحَشِيًا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ -أَوْ: بوَدّان-فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّه عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُم".
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ [[صحيح البخاري برقم (١٨٢٥، ٢٥٧٣) وصحيح مسلم برقم (١١٩٣) .]] قَالُوا: فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْش، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ. ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا". وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ. [[صحيح البخاري برقم (٢٩١٤، ٥٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (١١٩٦) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَب، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ-يَقُولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ -قَالَ سَعِيدٌ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ-مَا لَمْ تُصِيدوه أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ. [[سنن أبي داود برقم (١٨٥١) وسنن الترمذي برقم (٨٤٦) وسنن النسائي (٥/١٨٧) .]]
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بالعَرْج، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أوَلا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي. [[الموطأ (١/٣٥٤)]] [[لم يتعرض الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لتفسير بقية الآيات، كما في جميع النسخ المخطوطة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأنه قد تطرق إلى تفسير معانيها في متشابهتها في سورة البقرة.]]
5:100قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أَيْ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْقَلِيلَ الْحَلَالَ النَّافِعَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْحَرَامِ الضَّارِّ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مِمَّا كَثُر وألْهَى".
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ البَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْر، حَدَّثَنَا الحَوْطِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعان [[في د: "يعلى".]] بْنُ رِفاعة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أمامة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". [[ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/٢٠١) وابن الأثير في أسد الغابة (١/٢٨٤) من طريق معان بن رفاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن به، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وللفاضل عداب الحمش رسالة في الذب عن ثعلبة بن حاطب بين فيها نكارة هذه القصة وتوسع في ذلك.]]
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: يَا ذَوِي الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَتَجَنَّبُوا الْحَرَامَ وَدَعُوهُ، وَاقْنَعُوا بِالْحَلَالِ وَاكْتَفُوا بِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَسْأَلُوا ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالتَّنْقِيبِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ أُظْهِرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُبْلغني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ". [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٦٠) والترمذي في السنن برقم (٣٨٩٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسيأتي سياقه.]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُنْذِر بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أبي، حدثنا شعبة، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطبة مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "فَلَانٌ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾
رَوَاهُ النَّضْر وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢١) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٤٨٦، ٧٢٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) والمسند (٣/٢١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَحَدَّثَنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سألوه حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُوا الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَأَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَر، فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا وَجَدْتُ كُلًّا لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ يُلاحي فَيُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". قَالَ: ثُمَّ قَامَ عُمَرُ -أَوْ قَالَ: فَأَنْشَأَ عُمَرُ-فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رِبَّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا عَائِذًا بِاللَّهِ -أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ-مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لم أَرَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ". أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٠) وصحيح البخاري برقم (٧٠٩١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) .]]
وَرَوَاهُ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ-قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا رَأَيْتُ وَلَدًا أَعَقَّ مِنْكَ قَطُّ، أَكُنْتَ تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قارفَتْ مَا قارفَ أهلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحُهَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ للحقتُه. [[رواه الطبري في تفسيره (١١/١٠٢) من طريق معمر به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَضْبَانُ مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَبِي [[في د: "أين أنا".]] ؟ فَقَالَ: "فِي النَّارِ" فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وشرْك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا. قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [[تفسير الطبري (١١/١٠٣) .]] إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [[في د: "إسناد جيد".]]
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ [[في د: "ذكرها".]] مُرْسَلَةً غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ أَسْبَاطٌ عن السُّدِّي أنه قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قَالَ: غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: "سَلُونِي، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأَتُكُمْ بِهِ". فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافة، وَكَانَ يُطْعَن فِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ فَلَانٌ"، فَدَعَاهُ لِأَبِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِكَ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعاهرِ الحَجَر".
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الفَضْل بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَة، حَدَّثَنَا أَبُو الجُويرية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضل ناقتُه: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا. تَفَرَّدَ [[في د: "رواه".]] بِهِ الْبُخَارِيُّ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَان الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَريّ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ-عَنْ [[في د: "وعن".]] عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [[في د: "أفي".]] كُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ. فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ.
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ وَرْدَانَ، بِهِ [[المسند (١/١١٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٤)]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الهَجَرِيّ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ" فَقَالَ رَجُلٌ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى عَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: فُلَانٌ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ مَا أَطَقْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -وَقَالَ: فَقَامَ مِحْصَن الْأَسَدِيُّ-وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ: عُكَاشة بن محْصن-وهو أشبه. [[تفسير الطبري (١١/١٠٥) .]] وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرحمن ابن أَبِي الْغَمْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: فَغَلقَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسْكَتَ وَاسْتَغْضَبَ، وَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنَا ذَا، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَاذَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَقُولَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَوْ قَلَتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، أَلَا إِنَّهُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَئِمَّةُ الحَرَج، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْهَا مَوْضِعَ خُفٍّ، لَوَقَعْتُمْ فِيهِ" قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٧) .]] فِي إِسْنَادِهِ ضَعُفٌ.
وَظَاهِرُ [[في د: "فظاهر".]] الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي إِذَا عَلِمَ بِهَا الشَّخْصُ سَاءَتْهُ، فَالْأَوْلَى الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَتَرَكُهَا. وَمَا أَحْسَنَ الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاج قَالَ: سَمِعْتُ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ مَوْلَى الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ زَائِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ" الْحَدِيثَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (١/٣٩٥) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦٠) وسنن الترمذي برقم (٣٨٩٦) .]] -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنِ الْوَلِيدِ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ إِسْرَائِيلَ-عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا حِينَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى الرَّسُولِ تُبَيَّن لَكُمْ، وَذَلِكَ [عَلَى اللَّهِ] [[زيادة من د.]] يَسِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ [[في د: "وقوله".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ قبل ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
وقيل: المراد بقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأْنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْهَا، فلعلَّه قَدْ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ [[في د: "أو تعسير".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مُجْمَلَةً فَسَأَلْتُمْ عَنْ بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها. [[في د: "إليه".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: مَا لَمْ يَذْكُرْهُ [[في د: "لم يذكرها".]] فِي كِتَابِهِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ، فَاسْكُتُوا أَنْتُمْ عَنْهَا كَمَا سَكَتَ عَنْهَا. وَفِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تُرِكْتُم؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ". [[صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) .]]
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وحَرَّم أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيان فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا". [[رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٣) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا.]]
ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أَيْ: قَدْ سَأَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا قومٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَأُجِيبُوا عَنْهَا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ، أَيْ: بِسَبَبِهَا، أَيْ: بُيِّنَتْ لَهُمْ وَلَمْ [[في د: "فلم".]] يَنْتَفِعُوا بِهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ.
قَالَ، العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا قَوْمِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ [[في د: "فقال".]] رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فأغْضبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا [[في د: "لما".]] اسْتَطَعْتُمْ، وإذًا لَكَفَرْتُمْ، فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ نَهَاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلَتِ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهَا بِتَغْلِيظٍ [[في د: "لتغليظ".]] سَاءَكُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ انْتَظَرُوا، فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُمْ تِبْيَانَهُ [[في د: "بيانه".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ، نَادَى النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَامًا وَاحِدًا أَمْ كُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا بَلْ عَامًا وَاحِدًا، وَلَوْ قُلْتُ: كُلَّ عَامٍ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ". ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [[في د: " إلى قوم بها كافرين " وهو خطأ".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قَالَ: هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالِحَامِ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ [[في د: "قال بعدها".]] "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحَيْرَةٍ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا"، قَالَ: وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير.
يَعْنِي عِكْرِمَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِ وُقُوعِ الْآيَاتِ، كَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يُجْرِيَ لَهُمْ أَنْهَارًا، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَمَا سَأَلَتِ الْيَهُودُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٩-١١١] .
5:101يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أَيْ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْقَلِيلَ الْحَلَالَ النَّافِعَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْحَرَامِ الضَّارِّ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مِمَّا كَثُر وألْهَى".
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ البَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْر، حَدَّثَنَا الحَوْطِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعان [[في د: "يعلى".]] بْنُ رِفاعة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أمامة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". [[ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/٢٠١) وابن الأثير في أسد الغابة (١/٢٨٤) من طريق معان بن رفاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن به، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وللفاضل عداب الحمش رسالة في الذب عن ثعلبة بن حاطب بين فيها نكارة هذه القصة وتوسع في ذلك.]]
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: يَا ذَوِي الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَتَجَنَّبُوا الْحَرَامَ وَدَعُوهُ، وَاقْنَعُوا بِالْحَلَالِ وَاكْتَفُوا بِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَسْأَلُوا ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالتَّنْقِيبِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ أُظْهِرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُبْلغني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ". [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٦٠) والترمذي في السنن برقم (٣٨٩٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسيأتي سياقه.]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُنْذِر بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أبي، حدثنا شعبة، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطبة مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "فَلَانٌ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾
رَوَاهُ النَّضْر وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢١) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٤٨٦، ٧٢٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) والمسند (٣/٢١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَحَدَّثَنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سألوه حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُوا الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَأَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَر، فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا وَجَدْتُ كُلًّا لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ يُلاحي فَيُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". قَالَ: ثُمَّ قَامَ عُمَرُ -أَوْ قَالَ: فَأَنْشَأَ عُمَرُ-فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رِبَّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا عَائِذًا بِاللَّهِ -أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ-مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لم أَرَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ". أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٠) وصحيح البخاري برقم (٧٠٩١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) .]]
وَرَوَاهُ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ-قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا رَأَيْتُ وَلَدًا أَعَقَّ مِنْكَ قَطُّ، أَكُنْتَ تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قارفَتْ مَا قارفَ أهلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحُهَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ للحقتُه. [[رواه الطبري في تفسيره (١١/١٠٢) من طريق معمر به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَضْبَانُ مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَبِي [[في د: "أين أنا".]] ؟ فَقَالَ: "فِي النَّارِ" فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وشرْك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا. قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [[تفسير الطبري (١١/١٠٣) .]] إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [[في د: "إسناد جيد".]]
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ [[في د: "ذكرها".]] مُرْسَلَةً غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ أَسْبَاطٌ عن السُّدِّي أنه قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قَالَ: غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: "سَلُونِي، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأَتُكُمْ بِهِ". فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافة، وَكَانَ يُطْعَن فِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ فَلَانٌ"، فَدَعَاهُ لِأَبِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِكَ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعاهرِ الحَجَر".
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الفَضْل بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَة، حَدَّثَنَا أَبُو الجُويرية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضل ناقتُه: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا. تَفَرَّدَ [[في د: "رواه".]] بِهِ الْبُخَارِيُّ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَان الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَريّ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ-عَنْ [[في د: "وعن".]] عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [[في د: "أفي".]] كُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ. فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ.
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ وَرْدَانَ، بِهِ [[المسند (١/١١٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٤)]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الهَجَرِيّ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ" فَقَالَ رَجُلٌ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى عَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: فُلَانٌ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ مَا أَطَقْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -وَقَالَ: فَقَامَ مِحْصَن الْأَسَدِيُّ-وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ: عُكَاشة بن محْصن-وهو أشبه. [[تفسير الطبري (١١/١٠٥) .]] وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرحمن ابن أَبِي الْغَمْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: فَغَلقَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسْكَتَ وَاسْتَغْضَبَ، وَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنَا ذَا، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَاذَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَقُولَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَوْ قَلَتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، أَلَا إِنَّهُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَئِمَّةُ الحَرَج، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْهَا مَوْضِعَ خُفٍّ، لَوَقَعْتُمْ فِيهِ" قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٧) .]] فِي إِسْنَادِهِ ضَعُفٌ.
وَظَاهِرُ [[في د: "فظاهر".]] الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي إِذَا عَلِمَ بِهَا الشَّخْصُ سَاءَتْهُ، فَالْأَوْلَى الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَتَرَكُهَا. وَمَا أَحْسَنَ الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاج قَالَ: سَمِعْتُ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ مَوْلَى الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ زَائِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ" الْحَدِيثَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (١/٣٩٥) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦٠) وسنن الترمذي برقم (٣٨٩٦) .]] -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنِ الْوَلِيدِ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ إِسْرَائِيلَ-عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا حِينَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى الرَّسُولِ تُبَيَّن لَكُمْ، وَذَلِكَ [عَلَى اللَّهِ] [[زيادة من د.]] يَسِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ [[في د: "وقوله".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ قبل ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
وقيل: المراد بقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأْنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْهَا، فلعلَّه قَدْ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ [[في د: "أو تعسير".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مُجْمَلَةً فَسَأَلْتُمْ عَنْ بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها. [[في د: "إليه".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: مَا لَمْ يَذْكُرْهُ [[في د: "لم يذكرها".]] فِي كِتَابِهِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ، فَاسْكُتُوا أَنْتُمْ عَنْهَا كَمَا سَكَتَ عَنْهَا. وَفِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تُرِكْتُم؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ". [[صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) .]]
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وحَرَّم أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيان فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا". [[رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٣) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا.]]
ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أَيْ: قَدْ سَأَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا قومٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَأُجِيبُوا عَنْهَا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ، أَيْ: بِسَبَبِهَا، أَيْ: بُيِّنَتْ لَهُمْ وَلَمْ [[في د: "فلم".]] يَنْتَفِعُوا بِهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ.
قَالَ، العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا قَوْمِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ [[في د: "فقال".]] رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فأغْضبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا [[في د: "لما".]] اسْتَطَعْتُمْ، وإذًا لَكَفَرْتُمْ، فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ نَهَاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلَتِ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهَا بِتَغْلِيظٍ [[في د: "لتغليظ".]] سَاءَكُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ انْتَظَرُوا، فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُمْ تِبْيَانَهُ [[في د: "بيانه".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ، نَادَى النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَامًا وَاحِدًا أَمْ كُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا بَلْ عَامًا وَاحِدًا، وَلَوْ قُلْتُ: كُلَّ عَامٍ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ". ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [[في د: " إلى قوم بها كافرين " وهو خطأ".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قَالَ: هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالِحَامِ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ [[في د: "قال بعدها".]] "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحَيْرَةٍ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا"، قَالَ: وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير.
يَعْنِي عِكْرِمَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِ وُقُوعِ الْآيَاتِ، كَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يُجْرِيَ لَهُمْ أَنْهَارًا، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَمَا سَأَلَتِ الْيَهُودُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٩-١١١] .
5:102قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ أَيْ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْقَلِيلَ الْحَلَالَ النَّافِعَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْحَرَامِ الضَّارِّ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا قَلَّ وكَفَى، خَيْرٌ مِمَّا كَثُر وألْهَى".
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ البَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْر، حَدَّثَنَا الحَوْطِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعان [[في د: "يعلى".]] بْنُ رِفاعة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أمامة أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ". [[ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/٢٠١) وابن الأثير في أسد الغابة (١/٢٨٤) من طريق معان بن رفاعة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عبد الرحمن به، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وللفاضل عداب الحمش رسالة في الذب عن ثعلبة بن حاطب بين فيها نكارة هذه القصة وتوسع في ذلك.]]
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: يَا ذَوِي الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَتَجَنَّبُوا الْحَرَامَ وَدَعُوهُ، وَاقْنَعُوا بِالْحَلَالِ وَاكْتَفُوا بِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَسْأَلُوا ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالتَّنْقِيبِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ أُظْهِرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُبْلغني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ". [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٨٦٠) والترمذي في السنن برقم (٣٨٩٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسيأتي سياقه.]]
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُنْذِر بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أبي، حدثنا شعبة، عن مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطبة مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "فَلَانٌ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾
رَوَاهُ النَّضْر وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢١) .]] وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٦٤٨٦، ٧٢٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) والمسند (٣/٢١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٦) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَحَدَّثَنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سألوه حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُوا الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَأَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَر، فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا وَجَدْتُ كُلًّا لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ يُلاحي فَيُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". قَالَ: ثُمَّ قَامَ عُمَرُ -أَوْ قَالَ: فَأَنْشَأَ عُمَرُ-فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رِبَّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا عَائِذًا بِاللَّهِ -أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ-مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لم أَرَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ". أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٠) وصحيح البخاري برقم (٧٠٩١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٩) .]]
وَرَوَاهُ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ-قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا رَأَيْتُ وَلَدًا أَعَقَّ مِنْكَ قَطُّ، أَكُنْتَ تَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قارفَتْ مَا قارفَ أهلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحُهَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ للحقتُه. [[رواه الطبري في تفسيره (١١/١٠٢) من طريق معمر به.]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا قَيْس، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَضْبَانُ مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَبِي [[في د: "أين أنا".]] ؟ فَقَالَ: "فِي النَّارِ" فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وشرْك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا. قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [[تفسير الطبري (١١/١٠٣) .]] إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [[في د: "إسناد جيد".]]
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ [[في د: "ذكرها".]] مُرْسَلَةً غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ أَسْبَاطٌ عن السُّدِّي أنه قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قَالَ: غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: "سَلُونِي، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأَتُكُمْ بِهِ". فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافة، وَكَانَ يُطْعَن فِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ فَلَانٌ"، فَدَعَاهُ لِأَبِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِكَ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعاهرِ الحَجَر".
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الفَضْل بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَة، حَدَّثَنَا أَبُو الجُويرية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضل ناقتُه: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا. تَفَرَّدَ [[في د: "رواه".]] بِهِ الْبُخَارِيُّ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٢) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَان الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَريّ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ-عَنْ [[في د: "وعن".]] عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [[في د: "أفي".]] كُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ. فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ.
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ وَرْدَانَ، بِهِ [[المسند (١/١١٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٨٨٤)]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الهَجَرِيّ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ" فَقَالَ رَجُلٌ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى عَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: فُلَانٌ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ مَا أَطَقْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ.
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -وَقَالَ: فَقَامَ مِحْصَن الْأَسَدِيُّ-وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ: عُكَاشة بن محْصن-وهو أشبه. [[تفسير الطبري (١١/١٠٥) .]] وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرحمن ابن أَبِي الْغَمْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: فَغَلقَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسْكَتَ وَاسْتَغْضَبَ، وَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: "مَنِ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنَا ذَا، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَاذَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَقُولَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَوْ قَلَتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، أَلَا إِنَّهُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَئِمَّةُ الحَرَج، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَحْلَلْتُ لَكُمْ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْهَا مَوْضِعَ خُفٍّ، لَوَقَعْتُمْ فِيهِ" قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. [[تفسير الطبري (١١/١٠٧) .]] فِي إِسْنَادِهِ ضَعُفٌ.
وَظَاهِرُ [[في د: "فظاهر".]] الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي إِذَا عَلِمَ بِهَا الشَّخْصُ سَاءَتْهُ، فَالْأَوْلَى الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَتَرَكُهَا. وَمَا أَحْسَنَ الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاج قَالَ: سَمِعْتُ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ مَوْلَى الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ زَائِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ" الْحَدِيثَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (١/٣٩٥) وسنن أبي داود برقم (٤٨٦٠) وسنن الترمذي برقم (٣٨٩٦) .]] -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنِ الْوَلِيدِ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ إِسْرَائِيلَ-عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا حِينَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى الرَّسُولِ تُبَيَّن لَكُمْ، وَذَلِكَ [عَلَى اللَّهِ] [[زيادة من د.]] يَسِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ [[في د: "وقوله".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ قبل ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
وقيل: المراد بقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأْنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْهَا، فلعلَّه قَدْ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ [[في د: "أو تعسير".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرّم فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مُجْمَلَةً فَسَأَلْتُمْ عَنْ بيانها حينئذ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها. [[في د: "إليه".]] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أَيْ: مَا لَمْ يَذْكُرْهُ [[في د: "لم يذكرها".]] فِي كِتَابِهِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ، فَاسْكُتُوا أَنْتُمْ عَنْهَا كَمَا سَكَتَ عَنْهَا. وَفِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تُرِكْتُم؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ". [[صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) .]]
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وحَرَّم أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيان فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا". [[رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٣) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا.]]
ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أَيْ: قَدْ سَأَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا قومٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَأُجِيبُوا عَنْهَا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ، أَيْ: بِسَبَبِهَا، أَيْ: بُيِّنَتْ لَهُمْ وَلَمْ [[في د: "فلم".]] يَنْتَفِعُوا بِهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ.
قَالَ، العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا قَوْمِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ". فَقَامَ [[في د: "فقال".]] رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فأغْضبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا [[في د: "لما".]] اسْتَطَعْتُمْ، وإذًا لَكَفَرْتُمْ، فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ نَهَاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلَتِ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ، فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهَا بِتَغْلِيظٍ [[في د: "لتغليظ".]] سَاءَكُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ انْتَظَرُوا، فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُمْ تِبْيَانَهُ [[في د: "بيانه".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ، نَادَى النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَامًا وَاحِدًا أَمْ كُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا بَلْ عَامًا وَاحِدًا، وَلَوْ قُلْتُ: كُلَّ عَامٍ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ". ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [[في د: " إلى قوم بها كافرين " وهو خطأ".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قَالَ: هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالِحَامِ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ [[في د: "قال بعدها".]] "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحَيْرَةٍ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا"، قَالَ: وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ رواه ابن جرير.
يَعْنِي عِكْرِمَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِ وُقُوعِ الْآيَاتِ، كَمَا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يُجْرِيَ لَهُمْ أَنْهَارًا، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَمَا سَأَلَتِ الْيَهُودُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٩-١١١] .
5:103مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسان، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب قَالَ: "الْبَحِيرَةُ": الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحْلبها [[في د: "عليها".]] أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَ"السَّائِبَةُ": كَانُوا يسيبونَها لِآلِهَتِهِمْ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ -قَالَ: وَقَالَ [[في د: "فقال".]] أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ عمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يجُرّ قُصْبَه فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ"-و"الْوَصِيلَةُ": النَّاقَةُ الْبِكْرُ، تُبَكّر فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ، ثُمَّ تُثَنّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ، إِنْ وَصَلَتْ إحْدَاهما بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذكَر. و"الْحَامُ": فَحْلُ الْإِبِلِ يَضربُ الضرّابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوه لِلطَّوَاغِيتِ، وَأَعْفَوْهُ عَنِ الحَمْل، فَلَمْ يُحْمَل عَلَيْهِ شَيْءٌ، وسَمّوه [[في د: "ويسموه".]] الْحَامِيَ.
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٦) .]]
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا يُخْبِرُ بِهَذَا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣) .]]
قَالَ الْحَاكِمُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْت، عَنِ الزُّهْرِيِّ. كَذَا حَكَاهُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمُزَنِيُّ فِي "الْأَطْرَافِ" وَسَكَتَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ. وَفِيمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَأَبَا جَعْفَرِ بْنَ جَرِيرٍ رَوَيَاهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عن الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ. [[المسند (٢/٣٦٦) وتفسير الطبري (١١/١١٦) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الكِرْماني، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ جَهَنَّم يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبه، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٤) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حدثنا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الجَوْن: "يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرو بْنَ لُحَيّ بْنِ قَمعَةَ بْنِ خِنْدف يَجُرُّ قُصْبه فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِهِ مِنْكَ". فَقَالَ أَكْثَمُ: تَخْشَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [[في د: "قال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا إِنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيّر دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ". ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْلِهِ. [[تفسير الطبري (١١/١١٧) ورواه ابن هشام في السيرة النبوية (١/٧٨) من طريق محمد بن إسحاق به.]]
لَيْسَ هَذَانَ الطَّرِيقَانِ فِي الْكُتُبِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُجَمِّع، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إن أَوَّلَ مَنْ سَيَّب السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ، أَبُو خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث عائشة وأبي هريرة المتقدمين، وانظر كلام الشيخ ناصر الألباني في السلسة الصحيحة برقم (١٦٧٧) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَأَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ". قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَمْرُو بْنُ لُحَيّ أَخُو بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبه فِي النَّارِ، يُؤذي رِيحُهُ أَهْلَ النَّارِ. وَإِنِّي لَأَعْرِفُ أَوَّلَ مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِرَ". قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلج، كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُمَا، وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا، ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ وَهُمَا يَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا وَيَخْبِطَانِهِ [[في د: "ويطآنه".]] بِأَخْفَافِهِمَا". [[تفسير عبد الرزاق (١/١٩١) ورواه الطبري في تفسيره (١١/١٢٠) من طريق عبد الرزاق به.]]
فَعَمْرُو هَذَا هُوَ ابْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَة، أَحَدُ رُؤَسَاءِ خُزَاعَةَ، الَّذِينَ ولَوا الْبَيْتَ بَعْدَ جَرْهم. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَأَدْخَلَ الْأَصْنَامَ إِلَى الْحِجَازِ، وَدَعَا الرَّعَاعَ مِنَ النَّاسِ إِلَى عِبَادَتِهَا وَالتَّقَرُّبِ بِهَا، وَشَرَعَ لَهُمْ هَذِهِ الشَّرَائِعَ الْجَاهِلِيَّةَ فِي الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْبَحِيرَةُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُن نَظَرُوا إِلَى الْخَامِسِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأَكَلَهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ. وَإِنْ كَانَ [[في د: "كانت".]] أُنْثَى جَدَعُوا آذَانَهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ.
وَذَكَرَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا السَّائِبَةُ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مِنَ الْغَنَمِ نَحْوَ مَا فُسِّرَ مِنَ الْبَحِيرَةِ، إِلَّا أَنَّهَا مَا وُلِدَتْ مِنْ وَلَدٍ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سِتَّةِ أَوْلَادٍ كَانَ عَلَى هَيْئَتِهَا، فَإِذَا وَلَدَتِ السَّابِعَ ذَكَرًا أَوْ ذَكَرَيْنِ، ذَبَحُوهُ، فَأَكَلَهُ رِجَالُهُمْ دُونَ نِسَائِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: السَّائِبَةُ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ مِنَ الْوَلَدِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيّبت فَلَمْ تُرْكَبْ، وَلَمْ يُجَزّ وَبَرُهَا، وَلَمْ يَحْلِبْ لَبَنَهَا إِلَّا الضَّيْفُ.
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: السَّائِبَةُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ فَقُضيت حَاجَتُهُ، سَيَّب مِنْ مَالِهِ نَاقَةً أَوْ غَيْرَهَا، فَجَعَلَهَا لِلطَّوَاغِيتِ. فَمَا وَلَدَتْ مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا.
وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا قُضيت حَاجَتُهُ أَوْ عُوفي مِنْ مَرَضٍ أَوْ كَثُرَ مَالُهُ سَيَّب شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِلْأَوْثَانِ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنَ النَّاسِ عُوقب بِعُقُوبَةٍ [[في د: "يغربه".]] فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الشَّاةُ إِذَا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أُبْطُنٍ نَظَرُوا إِلَى السَّابِعِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى اسْتَحْيَوْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُمَا وَقَالُوا: وَصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ﴿وَلا وَصِيلَةٍ﴾ قَالَ: فَالْوَصِيلَةُ مِنَ الْإِبِلِ، كَانَتِ النَّاقَةُ تَبْتَكِرُ بِأُنْثَى، ثُمَّ تُثَنَّى بِأُنْثَى، فَسَمَّوْهَا الْوَصِيلَةَ، وَيَقُولُونَ: وَصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، فَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْوَصِيلَةُ مِنَ الْغَنَمِ: إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ، تَوْأَمَيْنِ تَوْأَمَيْنِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، سُمِّيَتِ الْوَصِيلَةَ وَتُرِكَتْ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، جُعِلَتْ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ. وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكُوا فِيهَا.
وَأَمَّا الْحَامُ، فَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا لقح فحله عشرًا، قيل حام، فاتركوه.
وَكَذَا قَالَ أَبُو رَوْقٍ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا الْحَامِ فَالْفَحْلُ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا وُلد لِوَلَدِهِ قَالُوا: حَمى هَذَا ظَهْرَهُ، فَلَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَا يَجُزُّونَ لَهُ وَبَرًا، وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ حِمَى رَعْيٍ، وَمِنْ حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَمَّا الْحَامِ فَمِنَ الْإِبِلِ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْإِبِلِ، فَإِذَا انْقَضَى ضِرَابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ وَسَيَّبُوهُ.
وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الجُشَمي، عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَة قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي خَلْقان مِنَ الثِّيَابِ، فَقَالَ لِي: "هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟ " قُلْتُ [[في د: "فقلت".]] نَعَمْ. قَالَ: "مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ " قَالَ: فَقُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ، مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: "فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فلْيُرَ عَلَيْكَ". ثُمَّ قَالَ: "تُنْتِجُ إِبِلُكَ وَافِيَةً آذَانُهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "وَهَلْ تُنْتِجُ الْإِبِلُ إِلَّا كَذَلِكَ؟ " قَالَ: "فَلَعَلَّكَ تَأْخُذُ الْمُوسَى فَتَقْطَعُ آذَانَ طَائِفَةٍ مِنْهَا وَتَقُولُ: هَذِهِ بَحِيرٌ، وَتَشُقُّ آذَانَ طَائِفَةٍ مِنْهَا، وَتَقُولُ: هَذِهِ حَرَمٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، إِنَّ كُلَّ مَا آتَاكَ اللَّهُ لَكَ حِلٌّ"، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ أَمَّا الْبَحِيرَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَجْدَعُونَ آذَانَهَا، فَلَا تَنْتَفِعُ امْرَأَتُهُ وَلَا بَنَاتُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِصُوفِهَا وَلَا أَوْبَارِهَا وَلَا أَشْعَارِهَا وَلَا أَلْبَانِهَا، فَإِذَا مَاتَتِ اشْتَرَكُوا فِيهَا. وَأَمَّا السَّائِبَةُ: فَهِيَ الَّتِي يُسَيِّبُونَ لِآلِهَتِهِمْ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَيُسَيِّبُونَهَا، وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ: فَالشَّاةُ تَلِدُ سِتَّةَ أَبْطُنٍ، فَإِذَا وَلَدَتِ السَّابِعَ [[في د: "وتلد السابع".]] جُدِعَتْ وَقُطِعَ قَرْنُهَا، فَيَقُولُونَ: قَدْ وَصَلَتْ، فَلَا يَذْبَحُونَهَا وَلَا تُضْرَبُ وَلَا تُمْنَعُ مَهْمَا وَرَدَتْ عَلَى حَوْضٍ. هَكَذَا يَذْكُرُ تَفْسِيرَ ذَلِكَ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ. [[ورواه الطبري في تفسيره (١١/١٢٢) من طريق شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أبيه به.]]
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ [[في د: "وروى الحديث".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ تفسير هذه [[المسند (٤/١٣٦) .]] والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: مَا شَرَعَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَلَا هِيَ عِنْدَهُ قُرْبَةٌ، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ افْتَرَوْا ذَلِكَ [[في د: "ولكن افتروه المشركون".]] وَجَعَلُوهُ شَرْعًا لَهُمْ وَقُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أَيْ: إِذَا دُعُوا إِلَى دِينِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ وَمَا أَوجَبَهُ وتَرْك مَا حَرَّمَهُ، قَالُوا: يَكْفِينَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ الآباءَ وَالْأَجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالْمَسَالِكِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أَيْ: لا يفهمون حقًا، ولا يَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ يَتْبَعُونَهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ لَا يَتْبَعُهُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْهُمْ، وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
5:104وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسان، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب قَالَ: "الْبَحِيرَةُ": الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحْلبها [[في د: "عليها".]] أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَ"السَّائِبَةُ": كَانُوا يسيبونَها لِآلِهَتِهِمْ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ -قَالَ: وَقَالَ [[في د: "فقال".]] أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ عمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يجُرّ قُصْبَه فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ"-و"الْوَصِيلَةُ": النَّاقَةُ الْبِكْرُ، تُبَكّر فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ، ثُمَّ تُثَنّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ، إِنْ وَصَلَتْ إحْدَاهما بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذكَر. و"الْحَامُ": فَحْلُ الْإِبِلِ يَضربُ الضرّابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوه لِلطَّوَاغِيتِ، وَأَعْفَوْهُ عَنِ الحَمْل، فَلَمْ يُحْمَل عَلَيْهِ شَيْءٌ، وسَمّوه [[في د: "ويسموه".]] الْحَامِيَ.
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٦) .]]
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا يُخْبِرُ بِهَذَا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٣) .]]
قَالَ الْحَاكِمُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْت، عَنِ الزُّهْرِيِّ. كَذَا حَكَاهُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمُزَنِيُّ فِي "الْأَطْرَافِ" وَسَكَتَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ. وَفِيمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَأَبَا جَعْفَرِ بْنَ جَرِيرٍ رَوَيَاهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عن الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ. [[المسند (٢/٣٦٦) وتفسير الطبري (١١/١١٦) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الكِرْماني، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ جَهَنَّم يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبه، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٢٤) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حدثنا هَنَّاد، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الجَوْن: "يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرو بْنَ لُحَيّ بْنِ قَمعَةَ بْنِ خِنْدف يَجُرُّ قُصْبه فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِهِ مِنْكَ". فَقَالَ أَكْثَمُ: تَخْشَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ [[في د: "قال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا إِنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيّر دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ". ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْلِهِ. [[تفسير الطبري (١١/١١٧) ورواه ابن هشام في السيرة النبوية (١/٧٨) من طريق محمد بن إسحاق به.]]
لَيْسَ هَذَانَ الطَّرِيقَانِ فِي الْكُتُبِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُجَمِّع، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إن أَوَّلَ مَنْ سَيَّب السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ، أَبُو خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[المسند (١/٤٤٦) وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث عائشة وأبي هريرة المتقدمين، وانظر كلام الشيخ ناصر الألباني في السلسة الصحيحة برقم (١٦٧٧) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَأَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ". قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَمْرُو بْنُ لُحَيّ أَخُو بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبه فِي النَّارِ، يُؤذي رِيحُهُ أَهْلَ النَّارِ. وَإِنِّي لَأَعْرِفُ أَوَّلَ مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِرَ". قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلج، كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ، فَجَدَعَ آذَانَهُمَا، وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا، ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ وَهُمَا يَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا وَيَخْبِطَانِهِ [[في د: "ويطآنه".]] بِأَخْفَافِهِمَا". [[تفسير عبد الرزاق (١/١٩١) ورواه الطبري في تفسيره (١١/١٢٠) من طريق عبد الرزاق به.]]
فَعَمْرُو هَذَا هُوَ ابْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَة، أَحَدُ رُؤَسَاءِ خُزَاعَةَ، الَّذِينَ ولَوا الْبَيْتَ بَعْدَ جَرْهم. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَأَدْخَلَ الْأَصْنَامَ إِلَى الْحِجَازِ، وَدَعَا الرَّعَاعَ مِنَ النَّاسِ إِلَى عِبَادَتِهَا وَالتَّقَرُّبِ بِهَا، وَشَرَعَ لَهُمْ هَذِهِ الشَّرَائِعَ الْجَاهِلِيَّةَ فِي الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْبَحِيرَةُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُن نَظَرُوا إِلَى الْخَامِسِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأَكَلَهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ. وَإِنْ كَانَ [[في د: "كانت".]] أُنْثَى جَدَعُوا آذَانَهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ.
وَذَكَرَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا السَّائِبَةُ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مِنَ الْغَنَمِ نَحْوَ مَا فُسِّرَ مِنَ الْبَحِيرَةِ، إِلَّا أَنَّهَا مَا وُلِدَتْ مِنْ وَلَدٍ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سِتَّةِ أَوْلَادٍ كَانَ عَلَى هَيْئَتِهَا، فَإِذَا وَلَدَتِ السَّابِعَ ذَكَرًا أَوْ ذَكَرَيْنِ، ذَبَحُوهُ، فَأَكَلَهُ رِجَالُهُمْ دُونَ نِسَائِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: السَّائِبَةُ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ مِنَ الْوَلَدِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيّبت فَلَمْ تُرْكَبْ، وَلَمْ يُجَزّ وَبَرُهَا، وَلَمْ يَحْلِبْ لَبَنَهَا إِلَّا الضَّيْفُ.
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: السَّائِبَةُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ فَقُضيت حَاجَتُهُ، سَيَّب مِنْ مَالِهِ نَاقَةً أَوْ غَيْرَهَا، فَجَعَلَهَا لِلطَّوَاغِيتِ. فَمَا وَلَدَتْ مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا.
وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا قُضيت حَاجَتُهُ أَوْ عُوفي مِنْ مَرَضٍ أَوْ كَثُرَ مَالُهُ سَيَّب شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِلْأَوْثَانِ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنَ النَّاسِ عُوقب بِعُقُوبَةٍ [[في د: "يغربه".]] فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الشَّاةُ إِذَا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أُبْطُنٍ نَظَرُوا إِلَى السَّابِعِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى اسْتَحْيَوْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُمَا وَقَالُوا: وَصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ﴿وَلا وَصِيلَةٍ﴾ قَالَ: فَالْوَصِيلَةُ مِنَ الْإِبِلِ، كَانَتِ النَّاقَةُ تَبْتَكِرُ بِأُنْثَى، ثُمَّ تُثَنَّى بِأُنْثَى، فَسَمَّوْهَا الْوَصِيلَةَ، وَيَقُولُونَ: وَصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، فَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْوَصِيلَةُ مِنَ الْغَنَمِ: إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ، تَوْأَمَيْنِ تَوْأَمَيْنِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، سُمِّيَتِ الْوَصِيلَةَ وَتُرِكَتْ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، جُعِلَتْ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ. وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكُوا فِيهَا.
وَأَمَّا الْحَامُ، فَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا لقح فحله عشرًا، قيل حام، فاتركوه.
وَكَذَا قَالَ أَبُو رَوْقٍ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا الْحَامِ فَالْفَحْلُ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا وُلد لِوَلَدِهِ قَالُوا: حَمى هَذَا ظَهْرَهُ، فَلَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَا يَجُزُّونَ لَهُ وَبَرًا، وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ حِمَى رَعْيٍ، وَمِنْ حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَمَّا الْحَامِ فَمِنَ الْإِبِلِ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْإِبِلِ، فَإِذَا انْقَضَى ضِرَابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ وَسَيَّبُوهُ.
وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الجُشَمي، عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَة قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي خَلْقان مِنَ الثِّيَابِ، فَقَالَ لِي: "هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟ " قُلْتُ [[في د: "فقلت".]] نَعَمْ. قَالَ: "مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ " قَالَ: فَقُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ، مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: "فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فلْيُرَ عَلَيْكَ". ثُمَّ قَالَ: "تُنْتِجُ إِبِلُكَ وَافِيَةً آذَانُهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "وَهَلْ تُنْتِجُ الْإِبِلُ إِلَّا كَذَلِكَ؟ " قَالَ: "فَلَعَلَّكَ تَأْخُذُ الْمُوسَى فَتَقْطَعُ آذَانَ طَائِفَةٍ مِنْهَا وَتَقُولُ: هَذِهِ بَحِيرٌ، وَتَشُقُّ آذَانَ طَائِفَةٍ مِنْهَا، وَتَقُولُ: هَذِهِ حَرَمٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، إِنَّ كُلَّ مَا آتَاكَ اللَّهُ لَكَ حِلٌّ"، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ أَمَّا الْبَحِيرَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَجْدَعُونَ آذَانَهَا، فَلَا تَنْتَفِعُ امْرَأَتُهُ وَلَا بَنَاتُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِصُوفِهَا وَلَا أَوْبَارِهَا وَلَا أَشْعَارِهَا وَلَا أَلْبَانِهَا، فَإِذَا مَاتَتِ اشْتَرَكُوا فِيهَا. وَأَمَّا السَّائِبَةُ: فَهِيَ الَّتِي يُسَيِّبُونَ لِآلِهَتِهِمْ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَيُسَيِّبُونَهَا، وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ: فَالشَّاةُ تَلِدُ سِتَّةَ أَبْطُنٍ، فَإِذَا وَلَدَتِ السَّابِعَ [[في د: "وتلد السابع".]] جُدِعَتْ وَقُطِعَ قَرْنُهَا، فَيَقُولُونَ: قَدْ وَصَلَتْ، فَلَا يَذْبَحُونَهَا وَلَا تُضْرَبُ وَلَا تُمْنَعُ مَهْمَا وَرَدَتْ عَلَى حَوْضٍ. هَكَذَا يَذْكُرُ تَفْسِيرَ ذَلِكَ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ. [[ورواه الطبري في تفسيره (١١/١٢٢) من طريق شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أبيه به.]]
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ [[في د: "وروى الحديث".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ تفسير هذه [[المسند (٤/١٣٦) .]] والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: مَا شَرَعَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَلَا هِيَ عِنْدَهُ قُرْبَةٌ، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ افْتَرَوْا ذَلِكَ [[في د: "ولكن افتروه المشركون".]] وَجَعَلُوهُ شَرْعًا لَهُمْ وَقُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أَيْ: إِذَا دُعُوا إِلَى دِينِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ وَمَا أَوجَبَهُ وتَرْك مَا حَرَّمَهُ، قَالُوا: يَكْفِينَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ الآباءَ وَالْأَجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالْمَسَالِكِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أَيْ: لا يفهمون حقًا، ولا يَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ يَتْبَعُونَهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ لَا يَتْبَعُهُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْهُمْ، وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
5:105يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلِحُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَفْعَلُوا الْخَيْرَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَهُ لَا يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ بَعِيدًا.
قَالَ العَوْفي عن ابن عباس عند تفسر هَذِهِ الْآيَةِ: يَقُولُ تَعَالَى: إِذَا مَا الْعَبْدُ أَطَاعَنِي فِيمَا أَمَرْتُهُ بِهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ [[في د: "ونهيته عنه".]] فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ ضَلَّ بَعْدَهُ، إِذَا عَمِلَ بِمَا أَمَرْتُهُ بِهِ.
وَكَذَا [[في د: "وهكذا".]] رَوَى الْوَالِبِيُّ عَنْهُ. وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِل بْنُ حَيان. فَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: فَيُجَازِي [[في د: "ليجازي".]] كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فَشَرٌّ.
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مسْتَدلٌّ [[في د: "وليس فيها دليل".]] عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِذَا كَانَ فِعْلُ ذَلِكَ مُمْكِنًا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[في د: "قال أحمد".]] رَحِمَهُ اللَّهُ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْر -يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ-حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْس قَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَيُّهَا [[في د: "يا أيها".]] النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَعُمَّهُمْ بعِقَابه". قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ والكَذِب، فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبُ [[في د: "يجانب".]] الْإِيمَانَ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، وَغَيْرُهُمْ [[المسند (١/٥) وسنن أبي داود برقم (٤٣٣٨) وسنن الترمذي برقم (٢١٦٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٥٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٠٥) .]] مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الصِّدِّيقِ [[رواه أبو يعلى في المسند (١/١١٨) من طريق شعبة، عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم به موقوفًا.]] وَقَدْ رَجَّحَ رَفْعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ [[العلل للدارقطني (١/٢٥٣) .]] وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مطولا في مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَالَقَاني، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ [[في د: "ابن الحارث".]] اللَّخْمِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْباني [[في د: "الشعثاني".]] قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِي فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ: أيَّة آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من د.]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سألتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "بَلِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرة، وإعجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعِ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مثلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ" -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَزَادَ غَيْرُ عُتْبَةَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا؟ قَالَ: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ".
ثُمَّ قَالَ [[في د: "فقال".]] التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ. [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣٤١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠١٤) وتفسير الطبري (١١/١٤٥) .]]
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ [[في د: "سئل عن قوله".]] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَمَانِهَا، إِنَّهَا الْيَوْمَ [[في د: "ليس زمانها اليوم".]] مَقْبُولَةٌ. وَلَكِنَّهُ قَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُهَا، تَأْمُرُونَ فَيُصْنَعُ بِكُمْ كَذَا وَكَذَا -أَوْ قَالَ: فَلَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ-فَحِينَئِذٍ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾
وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا، فَكَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ اللَّهِ: أَلَا أَقُومُ فَآمُرَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقَالَ آخَرُ إِلَى جَنْبِهِ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] [[زيادة من د.]] عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَسَمِعَهَا [[في د: "فردها".]] ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَهْ، لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ بَعْدُ [[في د: "تأويلها".]] إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ [[في د: "نزل".]] وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَمِنْهُ آيٌ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السَّاعَةِ عَلَى ما ذكر من الساعة، ومنه آي يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً، وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تلْبَسوا شِيعًا، وَلَمْ يَذُق بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأْمُرُوا وَانْهُوا. فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ، وألبسْتُم شِيَعًا، وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَامْرُؤٌ وَنَفْسُهُ، عِنْدَ ذَلِكَ جَاءَنَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٤٣) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرفة، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوّار، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْح، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عِقَالٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: لَوْ جَلَسْتَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ وَلَمْ تَنْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَا لِأَصْحَابِي إِنَّ [[في د: "لأن".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَكُنَّا نَحْنُ الشُّهُودُ وَأَنْتُمُ الغُيّب، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا، إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ. [[تفسير الطبري (١١/١٣٩) .]]
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ سوَّار بْنِ شَبِيب قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، إِذْ أَتَاهُ [[في د: "فأتاه".]] رَجُلٌ جَليد فِي الْعَيْنِ، شَدِيدُ اللِّسَانِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَسْرَعَ فِيهِ، وَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ لَا يَأْلُو [[في د: "ولا يألو".]] وَكُلُّهُمْ بَغِيضٌ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ دَناءة، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَأَيُّ دَنَاءَةٍ تُرِيدُ أكثرَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَسْتُ إِيَّاكَ أَسْأَلُ، إِنَّمَا أَسْأَلُ الشَّيْخَ. فَأَعَادَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَعَلَّكَ ترى، لا أبالك، أَنِّي سَآمُرُكَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقْتُلُهُمْ! عظْهم وَانْهَهُمْ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ نَفْسك [[في د: "بنفسك".]] فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا المعتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي مَازِنٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جُلُوسٌ، فَقَرَأَ أَحَدُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ فَقَالَ أكْبَرهم [[في د: "أكثرهم".]] لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ الْيَوْمَ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الحُسَين، حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جُبَير بْنِ نُفير قَالَ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنِّي لأصغرُ الْقَوْمِ، فَتَذَاكَرُوا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقُلْتُ أَنَا: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؟ فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: تَنْزِعُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا تُعَرِفُهَا، وَلَا تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا!! حَتَّى تَمَنَّيْتُ [[في د: "فتمنيت".]] أَنِّي لَمْ أَكُنْ تكلمتُ، وَأَقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمَّا حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حَدَثُ [[في د: "حديث".]] السِّنِّ، وَإِنَّكَ نَزَعْتَ بِآيَةٍ وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ؟ وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ، إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ. [[تفسير الطبري (١١/١٤٢) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا ضَمْرَة بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى، وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ، إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي العُمَيْس، عَنْ أَبِي البَخْتَري، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ: إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ، فَجُعِلتْ مَسْجِدًا، وَظَهَرَ لُبْسُ العَصْب، فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ.
5:106يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى حُكْمٍ عَزِيزٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ رَوَاهُ العَوْفي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ [[في د: "وقاله".]] حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ -وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، فِيمَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ-: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ؛ وَمَنِ ادَّعَى النَّسْخَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: "شَهَادَةُ اثْنَيْنِ"، حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامه. وَقِيلَ: دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وَصَفَ الِاثْنَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ [[في د: "قاله".]] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: رُوي عَنْ عُبيدة، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادةَ، ومُقاتل بْنِ حَيَّان، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى: ذَلِكَ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ حَي [[في د: "من أهل".]] الْمُوصِي. وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعِدَّةٍ غَيْرِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ، وشُرَيْح، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي مِجْلزَ، والسُّديِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيِ: الْمُرَادُ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُوصِي، يَكُونُ الْمُرَادُ هَاهُنَا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَةِ الْمُوصِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: سَافَرْتُمْ، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وَهَذَانَ شَرْطَانِ لِجَوَازِ اسْتِشْهَادِ الذِّمِّيِّينَ عِنْدَ فَقْدِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني [[في د: "اليهود والنصارى".]] إِلَّا فِي سَفَرٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ إِلَّا فِي وَصِيَّةٍ.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إِفْرَادِهِ، وَخَالَفَهُ الثَّلَاثَةُ فَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شهادة أهل الذمة على المسلمين. وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سفر، إنما هي في المسلمين. [[تفسير الطبري (١١/١٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَرْضُ حَرْبٌ، وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسخت الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، أَوْ يُشْهِدَهُمَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيط قَالَ: سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ [[في د: "قال ابن مسعود في هذه الآية".]] هَذَا رَجُلٌ سَافَرَ وَمَعَهُ مَالٌ، فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ ثَالِثٌ مَعَهُمَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا الْوَصْفَانِ: الْوِصَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، كَمَا فِي قِصَّةِ تَمِيم الدَّارِيِّ، وعَدِيّ بْنِ بَدَّاء، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا آنِفًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابنُ جَرِيرٍ كَوْنَهُمَا شَاهِدَيْنَ، قَالَ: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُكْمًا يَحْلِفُ فِيهِ الشَّاهِدُ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى قِيَاسِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِشَهَادَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَقَدِ اغْتُفِرَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ الرِّيبَةِ حَلِفَ هَذَا الشَّاهِدُ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قَالَ [الْعَوْفِيُّ، عَنِ] [[زيادة من د.]] ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَقَتَادَةُ، وعِكْرِمة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَعْنِي صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ أَهْلِ دِينِهِمَا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنْ يُقَامَ هَذَانَ الشَّاهِدَانِ [[في د: "أن قيامها".]] بَعْدَ صَلَاةٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِيهَا بِحَضْرَتِهِمْ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَحْلِفَانِ [[في د: "يحلفان".]] بِاللَّهِ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أَيْ: إِنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ مِنْهُمَا رِيبَةٌ، أَنَّهُمَا قَدْ خَانَا أَوْ غَلَّا فَيَحْلِفَانِ حِينَئِذٍ بِاللَّهِ ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أَيْ: بِأَيْمَانِنَا. قَالَهُ مُقاتِل بْنُ حَيَّانَ ﴿ثَمَنًا﴾ أَيْ: لَا نَعْتَاضُ عَنْهُ بِعِوَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إِلَيْنَا لَا نُحَابِيهِ، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهَا، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهَا.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ" مَجْرُورًا عَلَى الْقَسَمِ. رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، عن عامر الشعبي.
وحَكَي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهُ"، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ فَعَلْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، مِنْ تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ، أَوْ تَبْدِيلِهَا، أَوْ تَغْيِيرِهَا [[في د: "وتغييرها".]] أَوْ كَتْمِهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ وَتَحَقَّقَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ، أَنَّهُمَا خَانَا أَوْ غَلا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ إِلَيْهِمَا، وَظَهَرَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: "اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ". ورُوي عَنْ عَلِيٍّ، وأُبيّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَرَؤُوهَا: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ الفَرْوِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٢٣٧) ووافقه الذهبي.]]
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلِين". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلان"، حَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ.
فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يَكُونُ الْمَعْنَى بِذَلِكَ: أَيْ مَتَى تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ وَلِيَكُونَا مِنْ أوْلى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ الْمَالَ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أَيْ: لِقَوْلِنَا: إِنَّهُمَا خَانَا أحقُّ وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أَيْ: فِيمَا قُلْنَا مِنَ الْخِيَانَةِ ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنَّا قَدْ كَذَبْنَا عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا التَّحْلِيفُ لِلْوَرَثَةِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، كَمَا يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ إِذَا ظَهَرَ لَوْث [[في د: "اللوث".]] فِي جَانِبِ الْقَاتِلِ، فَيُقْسِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ "الْقَسَامَةِ" مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بَاذَانَ -يَعْنِي: أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قَالَ: بَرئ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَديّ بْنِ بَدَّاء. وَكَانَا [[في د: "فكانا".]] نَصْرَانِيَّيْنِ، يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: بُدَيْل بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمُلْكَ، وَهُوَ عُظْم [[في د: "أعظم".]] تِجَارَتِهِ. فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ -قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ، فبعناه بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا. وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إِلَيْنَا غَيْرَهُ-قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَدَفَعْتُ [[في د: "وأديت".]] إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ [[في د: "عليه".]] أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا، فنزعتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدي بْنِ بَدَّاء.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ فَذَكَرَهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٩) وتفسير الطبري (١١/١٨٦) .]] -وَعِنْدَهُ: فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّم بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَحَلَفَا. فَنزعَتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ، وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ، وَقَدْ رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحبهم. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ. [[سنن الترمذي برقم (٣٦٠٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٦٠) وأصله في صحيح البخاري برقم (٢٧٨٠) لكن البخاري لم يذكره تحديثًا وإنما حكاية قول.]]
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، كُوفِيٌّ، قِيلَ: إِنَّهُ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً غيرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ. وَذَكَرُوا أَنَّ التَّحْلِيفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَكَذَا ذَكَرَهَا مُرْسَلَةً: مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهَا فِي السَّلَفِ وَصِحَّتِهَا.
وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا [[في د: "من الشواهد لها أيضا".]] مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بدَقُوقا، قَالَ: فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ -يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-فَأَخْبَرَاهُ [[في د: "فأخبره".]] وَقَدَّمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدّلا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ. قَالَ: فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِدَقُوقَا. [[في د: "به".]] [[تفسير الطبري (١١/١٦٥) .]]
وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
فَقَوْلُهُ: "هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ [[في د: "الذي كان على عهده".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" الظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ قِصَّةَ تَمِيمٍ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِسْلَامَ تَمِيم بْنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُتَأَخِّرًا، يَحْتَاجُ مُدَّعِي نَسْخِهِ إِلَى دَلِيلٍ فَاصِلٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، يُوصِي وَيُشْهِدُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، قَالَ: هَذَا فِي الْحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فِي السَّفَرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هَذَا الرَّجُلُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فِي سَفَرِهِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْعُو رَجُلَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَيُوصِي إِلَيْهِمَا، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمَا مِيرَاثَهُ فَيَقْبَلَانِ بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ الْوَصِيَّةَ وَعَرَفُوا [مَالَ صَاحِبِهِمْ] [[زيادة من د.]] تَرَكُوا الرَّجُلَيْنِ [[في د: "تركوهما".]] وَإِنِ ارْتَابُوا رَفَعُوهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى العلْجين حِينَ انتُهى بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وخَوّنوهما [[في د: "وضربوهما".]] فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بعد صلاتهما في دِينِهِمَا، فَيَحْلِفَانِ: بِاللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ: أَنَّ صَاحِبَهُمْ لَبِهَذَا أَوْصَى، وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُما فَضَحْتُكُما فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ، وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٧٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هُشيْم، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَا إِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ الْوَفَاةُ فِي سَفَرٍ، فَلْيُشْهِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْوَرَثَةُ قُبل قَوْلُهُمَا، وَإِنِ اتَّهَمُوهُمَا أُحْلِفَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا كَتَمْنَا وَلَا كَذَبْنَا وَلَا خُنَّا وَلَا غَيَّرنا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا اسْتَحْلَفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاللَّهِ: مَا اشْتَرَيْنَا بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا. فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَةٌ، وَإِنَّا لَمْ نَعْتَدِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يَقُولُ: إِنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يَقُولُ: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شَهَادَةَ الكافرَيْن، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَوْلِيَاءِ.
وَهَكَذَا رَوَى العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ.
وَهَكَذَا قَرَّر [[في د: "أورد".]] هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينِ وَالسَّلَفِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أَيْ: شَرْعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ مِنْ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَقَدِ اسْتُرِيبَ بِهِمَا، أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَتِهِمَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيْ: يَكُونُ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ [[في د: "بها".]] عَلَى وَجْهِهَا، هُوَ تَعْظِيمُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلَالُهُ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ [[في د: "فيستحقون".]] مَا يَدْعُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أَيْ: وَأَطِيعُوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ شريعته.
5:107فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى حُكْمٍ عَزِيزٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ رَوَاهُ العَوْفي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ [[في د: "وقاله".]] حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ -وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، فِيمَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ-: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ؛ وَمَنِ ادَّعَى النَّسْخَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: "شَهَادَةُ اثْنَيْنِ"، حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامه. وَقِيلَ: دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وَصَفَ الِاثْنَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ [[في د: "قاله".]] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: رُوي عَنْ عُبيدة، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادةَ، ومُقاتل بْنِ حَيَّان، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى: ذَلِكَ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ حَي [[في د: "من أهل".]] الْمُوصِي. وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعِدَّةٍ غَيْرِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ، وشُرَيْح، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي مِجْلزَ، والسُّديِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيِ: الْمُرَادُ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُوصِي، يَكُونُ الْمُرَادُ هَاهُنَا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَةِ الْمُوصِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: سَافَرْتُمْ، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وَهَذَانَ شَرْطَانِ لِجَوَازِ اسْتِشْهَادِ الذِّمِّيِّينَ عِنْدَ فَقْدِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني [[في د: "اليهود والنصارى".]] إِلَّا فِي سَفَرٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ إِلَّا فِي وَصِيَّةٍ.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إِفْرَادِهِ، وَخَالَفَهُ الثَّلَاثَةُ فَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شهادة أهل الذمة على المسلمين. وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سفر، إنما هي في المسلمين. [[تفسير الطبري (١١/١٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَرْضُ حَرْبٌ، وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسخت الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، أَوْ يُشْهِدَهُمَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيط قَالَ: سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ [[في د: "قال ابن مسعود في هذه الآية".]] هَذَا رَجُلٌ سَافَرَ وَمَعَهُ مَالٌ، فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ ثَالِثٌ مَعَهُمَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا الْوَصْفَانِ: الْوِصَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، كَمَا فِي قِصَّةِ تَمِيم الدَّارِيِّ، وعَدِيّ بْنِ بَدَّاء، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا آنِفًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابنُ جَرِيرٍ كَوْنَهُمَا شَاهِدَيْنَ، قَالَ: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُكْمًا يَحْلِفُ فِيهِ الشَّاهِدُ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى قِيَاسِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِشَهَادَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَقَدِ اغْتُفِرَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ الرِّيبَةِ حَلِفَ هَذَا الشَّاهِدُ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قَالَ [الْعَوْفِيُّ، عَنِ] [[زيادة من د.]] ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَقَتَادَةُ، وعِكْرِمة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَعْنِي صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ أَهْلِ دِينِهِمَا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنْ يُقَامَ هَذَانَ الشَّاهِدَانِ [[في د: "أن قيامها".]] بَعْدَ صَلَاةٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِيهَا بِحَضْرَتِهِمْ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَحْلِفَانِ [[في د: "يحلفان".]] بِاللَّهِ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أَيْ: إِنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ مِنْهُمَا رِيبَةٌ، أَنَّهُمَا قَدْ خَانَا أَوْ غَلَّا فَيَحْلِفَانِ حِينَئِذٍ بِاللَّهِ ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أَيْ: بِأَيْمَانِنَا. قَالَهُ مُقاتِل بْنُ حَيَّانَ ﴿ثَمَنًا﴾ أَيْ: لَا نَعْتَاضُ عَنْهُ بِعِوَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إِلَيْنَا لَا نُحَابِيهِ، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهَا، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهَا.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ" مَجْرُورًا عَلَى الْقَسَمِ. رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، عن عامر الشعبي.
وحَكَي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهُ"، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ فَعَلْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، مِنْ تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ، أَوْ تَبْدِيلِهَا، أَوْ تَغْيِيرِهَا [[في د: "وتغييرها".]] أَوْ كَتْمِهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ وَتَحَقَّقَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ، أَنَّهُمَا خَانَا أَوْ غَلا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ إِلَيْهِمَا، وَظَهَرَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: "اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ". ورُوي عَنْ عَلِيٍّ، وأُبيّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَرَؤُوهَا: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ الفَرْوِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٢٣٧) ووافقه الذهبي.]]
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلِين". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلان"، حَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ.
فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يَكُونُ الْمَعْنَى بِذَلِكَ: أَيْ مَتَى تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ وَلِيَكُونَا مِنْ أوْلى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ الْمَالَ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أَيْ: لِقَوْلِنَا: إِنَّهُمَا خَانَا أحقُّ وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أَيْ: فِيمَا قُلْنَا مِنَ الْخِيَانَةِ ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنَّا قَدْ كَذَبْنَا عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا التَّحْلِيفُ لِلْوَرَثَةِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، كَمَا يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ إِذَا ظَهَرَ لَوْث [[في د: "اللوث".]] فِي جَانِبِ الْقَاتِلِ، فَيُقْسِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ "الْقَسَامَةِ" مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بَاذَانَ -يَعْنِي: أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قَالَ: بَرئ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَديّ بْنِ بَدَّاء. وَكَانَا [[في د: "فكانا".]] نَصْرَانِيَّيْنِ، يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: بُدَيْل بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمُلْكَ، وَهُوَ عُظْم [[في د: "أعظم".]] تِجَارَتِهِ. فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ -قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ، فبعناه بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا. وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إِلَيْنَا غَيْرَهُ-قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَدَفَعْتُ [[في د: "وأديت".]] إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ [[في د: "عليه".]] أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا، فنزعتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدي بْنِ بَدَّاء.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ فَذَكَرَهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٩) وتفسير الطبري (١١/١٨٦) .]] -وَعِنْدَهُ: فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّم بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَحَلَفَا. فَنزعَتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ، وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ، وَقَدْ رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحبهم. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ. [[سنن الترمذي برقم (٣٦٠٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٦٠) وأصله في صحيح البخاري برقم (٢٧٨٠) لكن البخاري لم يذكره تحديثًا وإنما حكاية قول.]]
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، كُوفِيٌّ، قِيلَ: إِنَّهُ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً غيرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ. وَذَكَرُوا أَنَّ التَّحْلِيفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَكَذَا ذَكَرَهَا مُرْسَلَةً: مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهَا فِي السَّلَفِ وَصِحَّتِهَا.
وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا [[في د: "من الشواهد لها أيضا".]] مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بدَقُوقا، قَالَ: فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ -يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-فَأَخْبَرَاهُ [[في د: "فأخبره".]] وَقَدَّمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدّلا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ. قَالَ: فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِدَقُوقَا. [[في د: "به".]] [[تفسير الطبري (١١/١٦٥) .]]
وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
فَقَوْلُهُ: "هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ [[في د: "الذي كان على عهده".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" الظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ قِصَّةَ تَمِيمٍ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِسْلَامَ تَمِيم بْنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُتَأَخِّرًا، يَحْتَاجُ مُدَّعِي نَسْخِهِ إِلَى دَلِيلٍ فَاصِلٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، يُوصِي وَيُشْهِدُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، قَالَ: هَذَا فِي الْحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فِي السَّفَرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هَذَا الرَّجُلُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فِي سَفَرِهِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْعُو رَجُلَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَيُوصِي إِلَيْهِمَا، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمَا مِيرَاثَهُ فَيَقْبَلَانِ بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ الْوَصِيَّةَ وَعَرَفُوا [مَالَ صَاحِبِهِمْ] [[زيادة من د.]] تَرَكُوا الرَّجُلَيْنِ [[في د: "تركوهما".]] وَإِنِ ارْتَابُوا رَفَعُوهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى العلْجين حِينَ انتُهى بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وخَوّنوهما [[في د: "وضربوهما".]] فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بعد صلاتهما في دِينِهِمَا، فَيَحْلِفَانِ: بِاللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ: أَنَّ صَاحِبَهُمْ لَبِهَذَا أَوْصَى، وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُما فَضَحْتُكُما فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ، وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٧٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هُشيْم، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَا إِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ الْوَفَاةُ فِي سَفَرٍ، فَلْيُشْهِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْوَرَثَةُ قُبل قَوْلُهُمَا، وَإِنِ اتَّهَمُوهُمَا أُحْلِفَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا كَتَمْنَا وَلَا كَذَبْنَا وَلَا خُنَّا وَلَا غَيَّرنا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا اسْتَحْلَفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاللَّهِ: مَا اشْتَرَيْنَا بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا. فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَةٌ، وَإِنَّا لَمْ نَعْتَدِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يَقُولُ: إِنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يَقُولُ: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شَهَادَةَ الكافرَيْن، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَوْلِيَاءِ.
وَهَكَذَا رَوَى العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ.
وَهَكَذَا قَرَّر [[في د: "أورد".]] هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينِ وَالسَّلَفِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أَيْ: شَرْعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ مِنْ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَقَدِ اسْتُرِيبَ بِهِمَا، أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَتِهِمَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيْ: يَكُونُ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ [[في د: "بها".]] عَلَى وَجْهِهَا، هُوَ تَعْظِيمُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلَالُهُ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ [[في د: "فيستحقون".]] مَا يَدْعُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أَيْ: وَأَطِيعُوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ شريعته.
5:108ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى حُكْمٍ عَزِيزٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ رَوَاهُ العَوْفي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ [[في د: "وقاله".]] حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ -وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، فِيمَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ-: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ؛ وَمَنِ ادَّعَى النَّسْخَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: "شَهَادَةُ اثْنَيْنِ"، حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامه. وَقِيلَ: دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وَصَفَ الِاثْنَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ [[في د: "قاله".]] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: رُوي عَنْ عُبيدة، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادةَ، ومُقاتل بْنِ حَيَّان، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى: ذَلِكَ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ حَي [[في د: "من أهل".]] الْمُوصِي. وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعِدَّةٍ غَيْرِهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ، وشُرَيْح، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي مِجْلزَ، والسُّديِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيِ: الْمُرَادُ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُوصِي، يَكُونُ الْمُرَادُ هَاهُنَا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَةِ الْمُوصِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: سَافَرْتُمْ، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وَهَذَانَ شَرْطَانِ لِجَوَازِ اسْتِشْهَادِ الذِّمِّيِّينَ عِنْدَ فَقْدِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني [[في د: "اليهود والنصارى".]] إِلَّا فِي سَفَرٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ إِلَّا فِي وَصِيَّةٍ.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إِفْرَادِهِ، وَخَالَفَهُ الثَّلَاثَةُ فَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شهادة أهل الذمة على المسلمين. وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سفر، إنما هي في المسلمين. [[تفسير الطبري (١١/١٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَرْضُ حَرْبٌ، وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسخت الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، أَوْ يُشْهِدَهُمَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيط قَالَ: سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ [[في د: "قال ابن مسعود في هذه الآية".]] هَذَا رَجُلٌ سَافَرَ وَمَعَهُ مَالٌ، فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ ثَالِثٌ مَعَهُمَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا الْوَصْفَانِ: الْوِصَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، كَمَا فِي قِصَّةِ تَمِيم الدَّارِيِّ، وعَدِيّ بْنِ بَدَّاء، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا آنِفًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابنُ جَرِيرٍ كَوْنَهُمَا شَاهِدَيْنَ، قَالَ: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُكْمًا يَحْلِفُ فِيهِ الشَّاهِدُ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى قِيَاسِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِشَهَادَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَقَدِ اغْتُفِرَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ الرِّيبَةِ حَلِفَ هَذَا الشَّاهِدُ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قَالَ [الْعَوْفِيُّ، عَنِ] [[زيادة من د.]] ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَقَتَادَةُ، وعِكْرِمة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَعْنِي صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ أَهْلِ دِينِهِمَا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنْ يُقَامَ هَذَانَ الشَّاهِدَانِ [[في د: "أن قيامها".]] بَعْدَ صَلَاةٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِيهَا بِحَضْرَتِهِمْ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَحْلِفَانِ [[في د: "يحلفان".]] بِاللَّهِ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أَيْ: إِنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ مِنْهُمَا رِيبَةٌ، أَنَّهُمَا قَدْ خَانَا أَوْ غَلَّا فَيَحْلِفَانِ حِينَئِذٍ بِاللَّهِ ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أَيْ: بِأَيْمَانِنَا. قَالَهُ مُقاتِل بْنُ حَيَّانَ ﴿ثَمَنًا﴾ أَيْ: لَا نَعْتَاضُ عَنْهُ بِعِوَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إِلَيْنَا لَا نُحَابِيهِ، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهَا، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهَا.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ" مَجْرُورًا عَلَى الْقَسَمِ. رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، عن عامر الشعبي.
وحَكَي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهُ"، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ فَعَلْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، مِنْ تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ، أَوْ تَبْدِيلِهَا، أَوْ تَغْيِيرِهَا [[في د: "وتغييرها".]] أَوْ كَتْمِهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ وَتَحَقَّقَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ، أَنَّهُمَا خَانَا أَوْ غَلا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ إِلَيْهِمَا، وَظَهَرَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: "اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ". ورُوي عَنْ عَلِيٍّ، وأُبيّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَرَؤُوهَا: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ الفَرْوِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [[المستدرك (٢/٢٣٧) ووافقه الذهبي.]]
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلِين". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلان"، حَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ.
فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يَكُونُ الْمَعْنَى بِذَلِكَ: أَيْ مَتَى تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ وَلِيَكُونَا مِنْ أوْلى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ الْمَالَ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أَيْ: لِقَوْلِنَا: إِنَّهُمَا خَانَا أحقُّ وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أَيْ: فِيمَا قُلْنَا مِنَ الْخِيَانَةِ ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنَّا قَدْ كَذَبْنَا عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا التَّحْلِيفُ لِلْوَرَثَةِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، كَمَا يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ إِذَا ظَهَرَ لَوْث [[في د: "اللوث".]] فِي جَانِبِ الْقَاتِلِ، فَيُقْسِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ "الْقَسَامَةِ" مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بَاذَانَ -يَعْنِي: أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قَالَ: بَرئ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَديّ بْنِ بَدَّاء. وَكَانَا [[في د: "فكانا".]] نَصْرَانِيَّيْنِ، يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: بُدَيْل بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمُلْكَ، وَهُوَ عُظْم [[في د: "أعظم".]] تِجَارَتِهِ. فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ -قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ، فبعناه بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا. وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إِلَيْنَا غَيْرَهُ-قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَدَفَعْتُ [[في د: "وأديت".]] إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ [[في د: "عليه".]] أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا، فنزعتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدي بْنِ بَدَّاء.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ فَذَكَرَهُ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٥٩) وتفسير الطبري (١١/١٨٦) .]] -وَعِنْدَهُ: فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّم بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَحَلَفَا. فَنزعَتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ، وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ، وَقَدْ رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحبهم. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ. [[سنن الترمذي برقم (٣٦٠٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٦٠) وأصله في صحيح البخاري برقم (٢٧٨٠) لكن البخاري لم يذكره تحديثًا وإنما حكاية قول.]]
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، كُوفِيٌّ، قِيلَ: إِنَّهُ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً غيرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ. وَذَكَرُوا أَنَّ التَّحْلِيفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَكَذَا ذَكَرَهَا مُرْسَلَةً: مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهَا فِي السَّلَفِ وَصِحَّتِهَا.
وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا [[في د: "من الشواهد لها أيضا".]] مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بدَقُوقا، قَالَ: فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ -يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-فَأَخْبَرَاهُ [[في د: "فأخبره".]] وَقَدَّمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدّلا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ. قَالَ: فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِدَقُوقَا. [[في د: "به".]] [[تفسير الطبري (١١/١٦٥) .]]
وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
فَقَوْلُهُ: "هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ [[في د: "الذي كان على عهده".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" الظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ قِصَّةَ تَمِيمٍ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِسْلَامَ تَمِيم بْنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُتَأَخِّرًا، يَحْتَاجُ مُدَّعِي نَسْخِهِ إِلَى دَلِيلٍ فَاصِلٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، يُوصِي وَيُشْهِدُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، قَالَ: هَذَا فِي الْحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فِي السَّفَرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هَذَا الرَّجُلُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فِي سَفَرِهِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْعُو رَجُلَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَيُوصِي إِلَيْهِمَا، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمَا مِيرَاثَهُ فَيَقْبَلَانِ بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ الْوَصِيَّةَ وَعَرَفُوا [مَالَ صَاحِبِهِمْ] [[زيادة من د.]] تَرَكُوا الرَّجُلَيْنِ [[في د: "تركوهما".]] وَإِنِ ارْتَابُوا رَفَعُوهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى العلْجين حِينَ انتُهى بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وخَوّنوهما [[في د: "وضربوهما".]] فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بعد صلاتهما في دِينِهِمَا، فَيَحْلِفَانِ: بِاللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ: أَنَّ صَاحِبَهُمْ لَبِهَذَا أَوْصَى، وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُما فَضَحْتُكُما فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ، وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [[تفسير الطبري (١١/١٧٥) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هُشيْم، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَا إِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ الْوَفَاةُ فِي سَفَرٍ، فَلْيُشْهِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْوَرَثَةُ قُبل قَوْلُهُمَا، وَإِنِ اتَّهَمُوهُمَا أُحْلِفَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا كَتَمْنَا وَلَا كَذَبْنَا وَلَا خُنَّا وَلَا غَيَّرنا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا اسْتَحْلَفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاللَّهِ: مَا اشْتَرَيْنَا بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا. فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَةٌ، وَإِنَّا لَمْ نَعْتَدِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يَقُولُ: إِنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يَقُولُ: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شَهَادَةَ الكافرَيْن، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَوْلِيَاءِ.
وَهَكَذَا رَوَى العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ.
وَهَكَذَا قَرَّر [[في د: "أورد".]] هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينِ وَالسَّلَفِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أَيْ: شَرْعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ مِنْ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَقَدِ اسْتُرِيبَ بِهِمَا، أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَتِهِمَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيْ: يَكُونُ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ [[في د: "بها".]] عَلَى وَجْهِهَا، هُوَ تَعْظِيمُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلَالُهُ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ [[في د: "فيستحقون".]] مَا يَدْعُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أَيْ: وَأَطِيعُوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ شريعته.
5:109۞يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا يُخَاطِبُ اللَّهُ بِهِ الْمُرْسَلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَمَّا أُجِيبُوا بِهِ مِنْ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ:٩٢، ٩٣] .
وَقَوْلُ الرُّسُلِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، والسُّدِّي: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا حَكَّام، حَدَّثَنَا عَنْبَسَة قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ نَزَلُوا مَنْزِلًا ذُهِلَتْ فِيهِ الْعُقُولُ، فَلَمَّا سُئِلُوا قَالُوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ثُمَّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ، فَشَهِدُوا عَلَى قَوْمِهِمْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ مَاذَا عَمِلُوا بَعْدَكُمْ؟ وَمَاذَا أَحْدَثُوا بَعْدَكُمْ؟ قَالُوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ يَقُولُونَ لِلرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ: لَا عِلْمَ لَنَا، إِلَّا عِلْمَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ اخْتَارَهُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ [[تفسير الطبري (١١/٢١١) .]] وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّأَدُّبِ مَعَ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ: لَا عِلْمَ لَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِكَ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَجَبْنَا وَعَرَفْنَا مَنْ أَجَابَنَا، وَلَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ كُنَّا إِنَّمَا نَطَّلِعُ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَا عِلْمَ لَنَا بِبَاطِنِهِ، وَأَنْتَ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُطَّلِعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَعِلْمُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِكَ كَلَا عِلْم، فَإِنَّكَ ﴿أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾
5:110إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ
يُذَكُرُ تَعَالَى مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَجْرَاهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أَيْ: فِي خَلْقِي إِيَّاكَ مِنْ أُمٍّ بِلَا ذَكَرٍ، وَجَعْلِي إِيَّاكَ آيَةً وَدَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِي عَلَى الْأَشْيَاءِ ﴿وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ حَيْثُ جَعلتُكَ لَهَا بُرْهَانًا عَلَى بَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ الظَّالِمُونَ الْجَاهِلُونَ إِلَيْهَا مِنَ الْفَاحِشَةِ، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وَهُوَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فِي صِغَرِكَ وَكِبَرِكَ، فَأَنْطَقْتُكَ فِي الْمَهْدِ صَغِيرًا، فَشَهِدْتَ بِبَرَاءَةِ أَمِّكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَاعْتَرَفْتَ لِي بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَخْبَرْتَ عَنْ رِسَالَتِي إِيَّاكَ وَدَعْوَتَكَ [[في د: "ودعوت".]] إِلَى عِبَادَتِي؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ أَيْ: تَدْعُو إِلَى اللَّهِ النَّاسَ فِي صِغَرِكَ وَكِبَرِكَ. وَضِمْنُ "تُكَلِّمُ" تَدْعُو؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ النَّاسَ فِي كُهُولَتِهِ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَيِ: الْخَطَّ وَالْفَهْمَ ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ وَهِيَ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْكِلِيمِ، وَقَدْ يَرِدُ لَفْظُ التَّوْرَاةِ فِي الْحَدِيثِ ويُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أَيْ: تُصَوِّرُهُ وَتُشَكِّلُهُ عَلَى هَيْئَةِ الطَّائِرِ بِإِذْنِي لَكَ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِي، أَيْ: فَتَنْفُخُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي شَكَّلْتَهَا بِإِذْنِي لَكَ فِي ذَلِكَ، فَتَكُونُ طيرًا ذَا رُوحٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ [[في د: "عليه".]] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أَيْ: تَدْعُوهُمْ فَيَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ -يَعْنِي ابْنَ مُصَرِّف-عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَيِيَ الْمَوْتَى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [سُورَةَ الْمُلْكِ] ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿الم. تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾
[سُورَةَ السَّجْدَةِ] . فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا مَدَحَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِسَبْعَةِ أَسْمَاءَ: يَا قَدِيمُ، يَا خَفِيُّ، يَا دَائِمُ، يَا فَرْدُ، يَا وَتْرُ، يَا أَحَدُ، يَا صَمَدُ -وَكَانَ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ دَعَا بِسَبْعَةٍ أُخَرَ: يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، يَا رَبِّ.
وَهَذَا أَثَرٌ عَجِيبٌ جِدًّا. [[وهو من أخبار بني إسرائيل التي لم يرد ما يؤيدها والأقرب بطلانها.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ فِي كَفِّي إِيَّاهُمْ عَنْكَ حِينَ جِئْتَهُمْ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَرِسَالَتِكَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوكَ وَاتَّهَمُوكَ بِأَنَّكَ سَاحِرٌ، وَسَعَوْا فِي قَتْلِكَ وَصَلْبِكَ، فَنَجَّيْتُكَ مِنْهُمْ، وَرَفَعْتُكَ [[في د: "فرفعتك".]] إليَّ، وَطَهَّرْتُكَ مِنْ دَنَسِهِمْ، وَكَفَيْتُكَ شَرَّهُمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِامْتِنَانَ كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ يَكُونُ هَذَا الِامْتِنَانُ وَاقِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي دَلَالَةً عَلَى وُقُوعِهِ لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا مِنْ أَسْرَارِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنْ جَعْلَ لَهُ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا. ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَحْيِ وَحَيُ إِلْهَامٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الْآيَةَ [الْقَصَصِ:٧] ، وَهَذَا [[في د: "وهو".]] وَحَيُ إِلْهَامٍ بِلَا خَوْفٍ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:٦٨، ٦٩] . وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا﴾ [أَيْ: بِاللَّهِ وَبِرَسُولِ اللَّهِ] [[زيادة من د.]] ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: أُلْهَمُوا ذَلِكَ فَامْتَثَلُوا مَا أُلْهَمُوا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ. عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ، وَقَالَ السُّدِّي: قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَتِكَ، فَدَعَوْتَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَاسْتَجَابُوا لَكَ وَانْقَادُوا [[في د: "فانقادوا".]] وَتَابَعُوكَ، فَقَالُوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾
5:111وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ
يُذَكُرُ تَعَالَى مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَجْرَاهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أَيْ: فِي خَلْقِي إِيَّاكَ مِنْ أُمٍّ بِلَا ذَكَرٍ، وَجَعْلِي إِيَّاكَ آيَةً وَدَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِي عَلَى الْأَشْيَاءِ ﴿وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ حَيْثُ جَعلتُكَ لَهَا بُرْهَانًا عَلَى بَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ الظَّالِمُونَ الْجَاهِلُونَ إِلَيْهَا مِنَ الْفَاحِشَةِ، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وَهُوَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فِي صِغَرِكَ وَكِبَرِكَ، فَأَنْطَقْتُكَ فِي الْمَهْدِ صَغِيرًا، فَشَهِدْتَ بِبَرَاءَةِ أَمِّكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَاعْتَرَفْتَ لِي بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَخْبَرْتَ عَنْ رِسَالَتِي إِيَّاكَ وَدَعْوَتَكَ [[في د: "ودعوت".]] إِلَى عِبَادَتِي؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ أَيْ: تَدْعُو إِلَى اللَّهِ النَّاسَ فِي صِغَرِكَ وَكِبَرِكَ. وَضِمْنُ "تُكَلِّمُ" تَدْعُو؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ النَّاسَ فِي كُهُولَتِهِ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَيِ: الْخَطَّ وَالْفَهْمَ ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ وَهِيَ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْكِلِيمِ، وَقَدْ يَرِدُ لَفْظُ التَّوْرَاةِ فِي الْحَدِيثِ ويُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أَيْ: تُصَوِّرُهُ وَتُشَكِّلُهُ عَلَى هَيْئَةِ الطَّائِرِ بِإِذْنِي لَكَ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِي، أَيْ: فَتَنْفُخُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي شَكَّلْتَهَا بِإِذْنِي لَكَ فِي ذَلِكَ، فَتَكُونُ طيرًا ذَا رُوحٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ [[في د: "عليه".]] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أَيْ: تَدْعُوهُمْ فَيَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ -يَعْنِي ابْنَ مُصَرِّف-عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَيِيَ الْمَوْتَى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [سُورَةَ الْمُلْكِ] ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿الم. تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾
[سُورَةَ السَّجْدَةِ] . فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا مَدَحَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِسَبْعَةِ أَسْمَاءَ: يَا قَدِيمُ، يَا خَفِيُّ، يَا دَائِمُ، يَا فَرْدُ، يَا وَتْرُ، يَا أَحَدُ، يَا صَمَدُ -وَكَانَ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ دَعَا بِسَبْعَةٍ أُخَرَ: يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، يَا رَبِّ.
وَهَذَا أَثَرٌ عَجِيبٌ جِدًّا. [[وهو من أخبار بني إسرائيل التي لم يرد ما يؤيدها والأقرب بطلانها.]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ فِي كَفِّي إِيَّاهُمْ عَنْكَ حِينَ جِئْتَهُمْ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَرِسَالَتِكَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوكَ وَاتَّهَمُوكَ بِأَنَّكَ سَاحِرٌ، وَسَعَوْا فِي قَتْلِكَ وَصَلْبِكَ، فَنَجَّيْتُكَ مِنْهُمْ، وَرَفَعْتُكَ [[في د: "فرفعتك".]] إليَّ، وَطَهَّرْتُكَ مِنْ دَنَسِهِمْ، وَكَفَيْتُكَ شَرَّهُمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِامْتِنَانَ كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ يَكُونُ هَذَا الِامْتِنَانُ وَاقِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي دَلَالَةً عَلَى وُقُوعِهِ لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا مِنْ أَسْرَارِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنْ جَعْلَ لَهُ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا. ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَحْيِ وَحَيُ إِلْهَامٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الْآيَةَ [الْقَصَصِ:٧] ، وَهَذَا [[في د: "وهو".]] وَحَيُ إِلْهَامٍ بِلَا خَوْفٍ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:٦٨، ٦٩] . وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا﴾ [أَيْ: بِاللَّهِ وَبِرَسُولِ اللَّهِ] [[زيادة من د.]] ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: أُلْهَمُوا ذَلِكَ فَامْتَثَلُوا مَا أُلْهَمُوا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ. عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ، وَقَالَ السُّدِّي: قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَتِكَ، فَدَعَوْتَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَاسْتَجَابُوا لَكَ وَانْقَادُوا [[في د: "فانقادوا".]] وَتَابَعُوكَ، فَقَالُوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾
5:112إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
هَذِهِ قِصَّةُ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ السُّورَةُ فَيُقَالُ: "سُورَةُ الْمَائِدَةِ". وَهِيَ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَجَابَ دُعَاءَهُ بِنُزُولِهَا، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ آيَةً وَدَلَالَةً مُعْجِزَةً بَاهِرَةً وَحُجَّةً قَاطِعَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْمَائِدَةِ [[في د: "قصتها".]] لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا يَعْرِفُهَا النَّصَارَى إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى [[في د: "المسيح".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ كَثِيرِينَ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: "هَلْ تَسْتَطيع رَبَّك" أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ ﴿أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .
وَالْمَائِدَةُ هِيَ: الْخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ [[في د: "لفقرهم".]] فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَاتُونَ مِنْهَا، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ.
قَالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فَأَجَابَهُمُ الْمَسِيحُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَائِلًا لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَسْأَلُوا هَذَا، فَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أَيْ: نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إِذَا شَاهَدْنَا نُزُولَهَا رِزْقًا لَنَا مِنَ السَّمَاءِ ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أَيْ: وَنَزْدَادَ إِيمَانًا بِكَ وَعِلْمًا بِرِسَالَتِكَ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: وَنَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَصِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قَالَ السُّدِّي: أَيْ نَتَّخِذُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي يَوْمًا نُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: عِظَةً لَنَا وَلِمَنْ بَعْدَنَا. وَقِيلَ: كَافِيَةً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أَيْ: دَلِيلًا تَنْصِبُهُ عَلَى قُدْرَتِكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى إِجَابَتِكَ دَعْوَتِي، فَيُصَدِّقُونِي فِيمَا أُبَلِّغُهُ عَنْكَ ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ رِزْقًا هَنِيئًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا تَعَبٍ ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: فَمَنْ كَذَّبَ بِهَا مِنْ أُمَّتِكَ يَا عِيسَى وَعَانَدَهَا ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ عَالَمَيْ زَمَانِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ:٤٦] ، [[في د، هـ: "يوم القيامة" وهو خطأ.]] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ عَوْف الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ القوَّاس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَآلُ فِرْعَوْنَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٣٣) .]]
ذِكْرُ أَخْبَارٍ رُوِيَت عَنِ السَّلَفِ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ:
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في د: "حدثنا ابن جرير".]] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْأَلُوهُ فَيُعْطِيكُمْ مَا سَأَلْتُمْ؟ فَإِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، قُلْتَ لَنَا: إِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأَحَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَطْعَمَنَا حِينَ نَفْرُغ طَعَامًا، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ عِيسَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطِيرُ بِمَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١١/٢٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهاب، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا عُقَيْل بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَائِدَةٍ يَحْمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزْعَة الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأَمَرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَزْعَة [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦١) وقال الترمذي: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا"]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَنِ ابن أبي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا وَلَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَدَّخِرُوا. قَالَ: فَخَانَ الْقَوْمُ وخَبئوا وَادَّخَرُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ شَأْنُ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا [[في د: "إنهم قالوا".]] عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَائِدَةً يَكُونُ عَلَيْهَا طَعَامٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ لَا يَنْفَدُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَخْبَؤوا، أَوْ تَخُونُوا، أَوْ تَرْفَعُوا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنِّي مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى خبَّؤوا وَرَفَعُوا وَخَانُوا، فَعُذِّبُوا عَذَابًا لَمْ يُعَذَّبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَإِنَّكُمْ -مَعْشَرَ الْعَرَبِ-كُنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، تَعْرِفُونَ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ، وَأَخْبَرَكُمْ أَنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى الْعَجَمِ، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَكْتَنِزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. وَأَيْمُ اللَّهِ، لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تَكْنِزُوهُمَا [[في د: "تكفروهما".]] وَيُعَذِّبُكُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) .]]
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شَاؤُوا. قَالَ: فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا وَقَالَ: "لَعَلَّهَا لَا تَنْزِلُ غَدًا". فَرُفِعَتْ.
وَقَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ، خِوَانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وَسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْنَمَا نَزَلُوا إِذَا شَاؤُوا. وَقَالَ خَصِيف، عَنْ عِكْرِمَةَ ومِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ سَمَكَةً وَأَرْغِفَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ طَعَامٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا. وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوْفِي: الْمَائِدَةُ سَمَكٌ فِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبِّه: أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأَكَلُوا مَا شَاؤُوا مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى، فَكَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَإِذَا أَكَلُوا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَ ذَلِكَ لِمِثْلِهِمْ. فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: نَزَّلَ عَلَيْهِمْ قُرْصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَأَحْوَاتٍ، وَحَشَا اللَّهُ بَيْنَ أَضْعَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ، فَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى أَكَلَ جَمِيعُهُمْ وَأَفْضَلُوا.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ ومَيْسَرَة، وَجَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن ميسرة قَالَ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا وُضِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْدِي بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ خُبْزُ الْمَائِدَةِ مِنَ الْأُرْزِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْس، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاس الْعَبْدَرِيُّ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِي، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْمَائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا وَقَالَ: اقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً، فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارهم فِيهَا. فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الْآيَةَ.
فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ [[في د: "ومال".]] وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَة حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ -فِيهَا: أَنَّهُ يُعَذِّبُ [[في د: "أن يعذب".]] مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمَيْنِ -وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَكَّارين، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ [[في د: "اللهم إني أعوذ بك".]] أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَجَزَاءً، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً.
فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرة بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى، وَالْحَوَارِيِّينَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، يَجدون رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ، وخَرَّ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [[في د: "لا يحتسبون".]] وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ يَنْظُرُونَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَأَقْبَلَ عِيسَى. وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ مُغَطَّي. قَالَ عِيسَى: مَنْ أَجْرَؤُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ؟ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَنُذَكِّرَ بِاسْمِهِ، وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بِالْكَشْفِ عَنْهَا. فَقَامَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى كَذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا وَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا، وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فِيهَا بَرَكَةً وَرِزْقًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَلَسَ [[في د: "وجلس".]] إِلَى السُّفْرَةِ وَتَنَاوَلَ الْمِنْدِيلَ، وَقَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ"، وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهَا سَمَكَةٌ [[في د: "فإذا هو بسمكة".]] ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُ، وَلَيْسَ فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا بُقُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الْكُرَّاثِ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ، وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَرَاتٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ.
فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْتَبِرُوا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ، وَتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ الْمَسَائِلِ؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ! فَقَالَ شَمْعُونُ: وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِهَا سُؤَالًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقة. فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ بِالْقُدْرَةِ الْعَالِيَةِ [[في د: "الغالبة".]] الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ [[في د: "باسم الله الرحمن الرحيم".]] وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمدكم مِنْهُ ويَزدكم، فَإِنَّهُ بَدِيعٌ قَادِرٌ شَاكِرٌ.
فَقَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُرينا آيَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ عِيسَى: سُبْحَانَ [[في د: "قال سبحان".]] اللَّهِ! أَمَا اكْتَفَيْتُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ فِي [[في د: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى تَسْأَلُوا فِيهَا آيَةً أُخْرَى؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى السَّمَكَةِ، فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَمَا كُنْتِ. فَأَحْيَاهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَاضْطَرَبَتْ وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظ كَمَا يَتَلَمَّظُ الْأَسَدُ، تَدُورُ عَيْنَاهَا لَهَا بَصِيصٌ، وَعَادَتْ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ مِنْهَا وَانْحَازُوا. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ الْآيَةَ، فَإِذَا أَرَاكُمُوهَا رَبُّكُمْ كَرِهْتُمُوهَا؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا بِمَا تَصْنَعُونَ! يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتِ. فَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ فِي خَلْقِهَا الْأَوَّلِ.
فَقَالُوا لِعِيسَى: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ فَقَالَ عِيسَى: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ! يَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْ طَلَبِهَا. فَلَمَّا رَأَى الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ امْتِنَاعَ نَبِيِّهِمْ [[في د: "عيس".]] مِنْهَا، خَافُوا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سَخْطة وَفِي أَكْلِهَا مَثُلةً، فَتَحَامَوْهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى دَعَا لَهَا الْفُقَرَاءَ والزَّمْنى، وَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهَا لَكُمْ، فَيَكُونُ [[في د: "ويكون".]] مَهْنَؤُها لَكُمْ، وَعُقُوبَتُهَا عَلَى غَيْرِكُمْ، وَافْتَتِحُوا أَكْلَكُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَاخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، يُصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ، وَنَظَرَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ إِذْ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا.
وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا نَدَامَةً، سَالَتْ مِنْهَا أَشْفَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ حَسْرَتُهَا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْمَمَاتِ، قَالَ: فَكَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْعَوْنَ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالصِّغَارُ [[في د: "والضعفاء".]] وَالْكِبَارُ، وَالْأَصِحَّاءُ وَالْمَرْضَى، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نَوَائِبَ، تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا. فَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ [[في د: "على ذلك".]] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُحَى [[في د: "النهار".]] فَلَا تَزَالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا قَامُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ. [[في د: "بينهم".]] بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تُوَارَى عَنْهُمْ.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ اجْعَلْ رِزْقِيَ الْمَائِدَةَ [[في د: "في المائدة".]] لِلْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ والزَّمنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ارْتَابَ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ مِنَ النَّاسِ، وغَمطُوا ذَلِكَ، حَتَّى شَكُّوا فِيهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَشَكَّكُوا فِيهَا النَّاسَ، وَأَذَاعُوا فِي أَمْرِهَا الْقَبِيحَ وَالْمُنْكَرَ، وَأَدْرَكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ، وَقَذَفَ وَسْوَاسَهُ فِي قُلُوبِ الْمُرْتَابِينَ [[في د: "الربانيين".]] حَتَّى قَالُوا لِعِيسَى: أَخْبِرْنَا عَنِ الْمَائِدَةِ، وَنُزُولِهَا مِنَ السَّمَاءِ أَحَقٌّ، فَإِنَّهُ قَدِ ارْتَابَ بِهَا بَشَرٌ مِنَّا كَثِيرٌ؟ فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلَكْتُمْ وَإِلَهِ الْمَسِيحِ! طَلَبْتُمُ الْمَائِدَةَ إِلَى نَبِيِّكُمْ أَنْ يَطْلُبَهَا لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَلَمَّا أَنْ فَعَلَ وَأَنْزَلَهَا عَلَيْكُمْ رَحْمَةً وَرِزْقًا، وَأَرَاكُمْ فِيهَا [[في د: "منها".]] الْآيَاتِ والعبَر كذَّبْتم بِهَا، وَشَكَّكْتُمْ فِيهَا، فَأَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ.
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي آخُذُ الْمُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ فَلَمَّا أَمْسَى الْمُرْتَابُونَ بِهَا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ، فَأَصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الْأَقْذَارَ فِي الْكَنَّاسَاتِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في تفسير القرطبي (٦/٣٦٩) من طريق زكريا بن حكيم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أبي عثمان النهدي، عن سلمان بنحوه، وقال القرطبي: "وفي هذا الحديث مقال ولا يصح من جهة إسناده".]] قَطَّعَه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ جَمَعْتُهُ أَنَا لَهُ لِيَكُونَ سِيَاقُهُ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيَّامَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِجَابَةً مِنَ اللَّهِ لِدَعْوَتِهِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ. فَرَوَى لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قَالَ: هُوَ مَثَلٌ ضُرب، وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ-حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَائِدَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ، أَبَوْهَا حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنزل عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: لَمْ تَنْزِلْ.
وَحَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ.
وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ مُتَوَاتِرًا، وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِنُزُولِهَا بِقَوْلِهِ [[في د: "في قوله".]] تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: وَوَعْدُ اللَّهُ وَوَعِيدُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-الصَّوَابُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَجَدَ الْمَائِدَةَ هُنَالِكَ مُرَصَّعَةً بِاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَمَاتَ وَهِيَ فِي الطَّرِيقِ، فَحُمِلَتْ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، فَرَآهَا النَّاسُ وَتَعَجَّبُوا مِنْهَا كَثِيرًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ النَّفِيسَةِ وَالْجَوَاهِرِ الْيَتِيمَةِ. وَيُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ قَالَ: "وَتَفْعَلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. قَالَ: " بَلْ بَابُ التوبة والرحمة".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[المسند (١/٢٤٢) والمستدرك (١/٥٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٢) من طريق سفيان به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
5:113قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ
هَذِهِ قِصَّةُ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ السُّورَةُ فَيُقَالُ: "سُورَةُ الْمَائِدَةِ". وَهِيَ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَجَابَ دُعَاءَهُ بِنُزُولِهَا، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ آيَةً وَدَلَالَةً مُعْجِزَةً بَاهِرَةً وَحُجَّةً قَاطِعَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْمَائِدَةِ [[في د: "قصتها".]] لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا يَعْرِفُهَا النَّصَارَى إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى [[في د: "المسيح".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ كَثِيرِينَ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: "هَلْ تَسْتَطيع رَبَّك" أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ ﴿أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .
وَالْمَائِدَةُ هِيَ: الْخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ [[في د: "لفقرهم".]] فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَاتُونَ مِنْهَا، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ.
قَالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فَأَجَابَهُمُ الْمَسِيحُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَائِلًا لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَسْأَلُوا هَذَا، فَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أَيْ: نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إِذَا شَاهَدْنَا نُزُولَهَا رِزْقًا لَنَا مِنَ السَّمَاءِ ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أَيْ: وَنَزْدَادَ إِيمَانًا بِكَ وَعِلْمًا بِرِسَالَتِكَ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: وَنَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَصِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قَالَ السُّدِّي: أَيْ نَتَّخِذُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي يَوْمًا نُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: عِظَةً لَنَا وَلِمَنْ بَعْدَنَا. وَقِيلَ: كَافِيَةً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أَيْ: دَلِيلًا تَنْصِبُهُ عَلَى قُدْرَتِكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى إِجَابَتِكَ دَعْوَتِي، فَيُصَدِّقُونِي فِيمَا أُبَلِّغُهُ عَنْكَ ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ رِزْقًا هَنِيئًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا تَعَبٍ ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: فَمَنْ كَذَّبَ بِهَا مِنْ أُمَّتِكَ يَا عِيسَى وَعَانَدَهَا ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ عَالَمَيْ زَمَانِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ:٤٦] ، [[في د، هـ: "يوم القيامة" وهو خطأ.]] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ عَوْف الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ القوَّاس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَآلُ فِرْعَوْنَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٣٣) .]]
ذِكْرُ أَخْبَارٍ رُوِيَت عَنِ السَّلَفِ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ:
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في د: "حدثنا ابن جرير".]] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْأَلُوهُ فَيُعْطِيكُمْ مَا سَأَلْتُمْ؟ فَإِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، قُلْتَ لَنَا: إِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأَحَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَطْعَمَنَا حِينَ نَفْرُغ طَعَامًا، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ عِيسَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطِيرُ بِمَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١١/٢٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهاب، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا عُقَيْل بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَائِدَةٍ يَحْمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزْعَة الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأَمَرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَزْعَة [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦١) وقال الترمذي: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا"]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَنِ ابن أبي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا وَلَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَدَّخِرُوا. قَالَ: فَخَانَ الْقَوْمُ وخَبئوا وَادَّخَرُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ شَأْنُ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا [[في د: "إنهم قالوا".]] عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَائِدَةً يَكُونُ عَلَيْهَا طَعَامٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ لَا يَنْفَدُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَخْبَؤوا، أَوْ تَخُونُوا، أَوْ تَرْفَعُوا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنِّي مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى خبَّؤوا وَرَفَعُوا وَخَانُوا، فَعُذِّبُوا عَذَابًا لَمْ يُعَذَّبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَإِنَّكُمْ -مَعْشَرَ الْعَرَبِ-كُنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، تَعْرِفُونَ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ، وَأَخْبَرَكُمْ أَنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى الْعَجَمِ، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَكْتَنِزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. وَأَيْمُ اللَّهِ، لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تَكْنِزُوهُمَا [[في د: "تكفروهما".]] وَيُعَذِّبُكُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) .]]
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شَاؤُوا. قَالَ: فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا وَقَالَ: "لَعَلَّهَا لَا تَنْزِلُ غَدًا". فَرُفِعَتْ.
وَقَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ، خِوَانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وَسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْنَمَا نَزَلُوا إِذَا شَاؤُوا. وَقَالَ خَصِيف، عَنْ عِكْرِمَةَ ومِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ سَمَكَةً وَأَرْغِفَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ طَعَامٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا. وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوْفِي: الْمَائِدَةُ سَمَكٌ فِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبِّه: أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأَكَلُوا مَا شَاؤُوا مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى، فَكَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَإِذَا أَكَلُوا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَ ذَلِكَ لِمِثْلِهِمْ. فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: نَزَّلَ عَلَيْهِمْ قُرْصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَأَحْوَاتٍ، وَحَشَا اللَّهُ بَيْنَ أَضْعَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ، فَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى أَكَلَ جَمِيعُهُمْ وَأَفْضَلُوا.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ ومَيْسَرَة، وَجَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن ميسرة قَالَ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا وُضِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْدِي بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ خُبْزُ الْمَائِدَةِ مِنَ الْأُرْزِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْس، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاس الْعَبْدَرِيُّ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِي، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْمَائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا وَقَالَ: اقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً، فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارهم فِيهَا. فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الْآيَةَ.
فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ [[في د: "ومال".]] وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَة حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ -فِيهَا: أَنَّهُ يُعَذِّبُ [[في د: "أن يعذب".]] مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمَيْنِ -وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَكَّارين، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ [[في د: "اللهم إني أعوذ بك".]] أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَجَزَاءً، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً.
فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرة بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى، وَالْحَوَارِيِّينَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، يَجدون رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ، وخَرَّ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [[في د: "لا يحتسبون".]] وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ يَنْظُرُونَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَأَقْبَلَ عِيسَى. وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ مُغَطَّي. قَالَ عِيسَى: مَنْ أَجْرَؤُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ؟ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَنُذَكِّرَ بِاسْمِهِ، وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بِالْكَشْفِ عَنْهَا. فَقَامَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى كَذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا وَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا، وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فِيهَا بَرَكَةً وَرِزْقًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَلَسَ [[في د: "وجلس".]] إِلَى السُّفْرَةِ وَتَنَاوَلَ الْمِنْدِيلَ، وَقَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ"، وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهَا سَمَكَةٌ [[في د: "فإذا هو بسمكة".]] ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُ، وَلَيْسَ فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا بُقُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الْكُرَّاثِ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ، وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَرَاتٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ.
فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْتَبِرُوا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ، وَتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ الْمَسَائِلِ؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ! فَقَالَ شَمْعُونُ: وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِهَا سُؤَالًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقة. فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ بِالْقُدْرَةِ الْعَالِيَةِ [[في د: "الغالبة".]] الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ [[في د: "باسم الله الرحمن الرحيم".]] وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمدكم مِنْهُ ويَزدكم، فَإِنَّهُ بَدِيعٌ قَادِرٌ شَاكِرٌ.
فَقَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُرينا آيَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ عِيسَى: سُبْحَانَ [[في د: "قال سبحان".]] اللَّهِ! أَمَا اكْتَفَيْتُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ فِي [[في د: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى تَسْأَلُوا فِيهَا آيَةً أُخْرَى؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى السَّمَكَةِ، فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَمَا كُنْتِ. فَأَحْيَاهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَاضْطَرَبَتْ وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظ كَمَا يَتَلَمَّظُ الْأَسَدُ، تَدُورُ عَيْنَاهَا لَهَا بَصِيصٌ، وَعَادَتْ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ مِنْهَا وَانْحَازُوا. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ الْآيَةَ، فَإِذَا أَرَاكُمُوهَا رَبُّكُمْ كَرِهْتُمُوهَا؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا بِمَا تَصْنَعُونَ! يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتِ. فَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ فِي خَلْقِهَا الْأَوَّلِ.
فَقَالُوا لِعِيسَى: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ فَقَالَ عِيسَى: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ! يَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْ طَلَبِهَا. فَلَمَّا رَأَى الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ امْتِنَاعَ نَبِيِّهِمْ [[في د: "عيس".]] مِنْهَا، خَافُوا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سَخْطة وَفِي أَكْلِهَا مَثُلةً، فَتَحَامَوْهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى دَعَا لَهَا الْفُقَرَاءَ والزَّمْنى، وَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهَا لَكُمْ، فَيَكُونُ [[في د: "ويكون".]] مَهْنَؤُها لَكُمْ، وَعُقُوبَتُهَا عَلَى غَيْرِكُمْ، وَافْتَتِحُوا أَكْلَكُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَاخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، يُصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ، وَنَظَرَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ إِذْ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا.
وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا نَدَامَةً، سَالَتْ مِنْهَا أَشْفَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ حَسْرَتُهَا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْمَمَاتِ، قَالَ: فَكَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْعَوْنَ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالصِّغَارُ [[في د: "والضعفاء".]] وَالْكِبَارُ، وَالْأَصِحَّاءُ وَالْمَرْضَى، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نَوَائِبَ، تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا. فَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ [[في د: "على ذلك".]] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُحَى [[في د: "النهار".]] فَلَا تَزَالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا قَامُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ. [[في د: "بينهم".]] بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تُوَارَى عَنْهُمْ.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ اجْعَلْ رِزْقِيَ الْمَائِدَةَ [[في د: "في المائدة".]] لِلْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ والزَّمنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ارْتَابَ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ مِنَ النَّاسِ، وغَمطُوا ذَلِكَ، حَتَّى شَكُّوا فِيهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَشَكَّكُوا فِيهَا النَّاسَ، وَأَذَاعُوا فِي أَمْرِهَا الْقَبِيحَ وَالْمُنْكَرَ، وَأَدْرَكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ، وَقَذَفَ وَسْوَاسَهُ فِي قُلُوبِ الْمُرْتَابِينَ [[في د: "الربانيين".]] حَتَّى قَالُوا لِعِيسَى: أَخْبِرْنَا عَنِ الْمَائِدَةِ، وَنُزُولِهَا مِنَ السَّمَاءِ أَحَقٌّ، فَإِنَّهُ قَدِ ارْتَابَ بِهَا بَشَرٌ مِنَّا كَثِيرٌ؟ فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلَكْتُمْ وَإِلَهِ الْمَسِيحِ! طَلَبْتُمُ الْمَائِدَةَ إِلَى نَبِيِّكُمْ أَنْ يَطْلُبَهَا لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَلَمَّا أَنْ فَعَلَ وَأَنْزَلَهَا عَلَيْكُمْ رَحْمَةً وَرِزْقًا، وَأَرَاكُمْ فِيهَا [[في د: "منها".]] الْآيَاتِ والعبَر كذَّبْتم بِهَا، وَشَكَّكْتُمْ فِيهَا، فَأَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ.
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي آخُذُ الْمُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ فَلَمَّا أَمْسَى الْمُرْتَابُونَ بِهَا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ، فَأَصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الْأَقْذَارَ فِي الْكَنَّاسَاتِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في تفسير القرطبي (٦/٣٦٩) من طريق زكريا بن حكيم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أبي عثمان النهدي، عن سلمان بنحوه، وقال القرطبي: "وفي هذا الحديث مقال ولا يصح من جهة إسناده".]] قَطَّعَه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ جَمَعْتُهُ أَنَا لَهُ لِيَكُونَ سِيَاقُهُ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيَّامَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِجَابَةً مِنَ اللَّهِ لِدَعْوَتِهِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ. فَرَوَى لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قَالَ: هُوَ مَثَلٌ ضُرب، وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ-حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَائِدَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ، أَبَوْهَا حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنزل عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: لَمْ تَنْزِلْ.
وَحَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ.
وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ مُتَوَاتِرًا، وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِنُزُولِهَا بِقَوْلِهِ [[في د: "في قوله".]] تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: وَوَعْدُ اللَّهُ وَوَعِيدُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-الصَّوَابُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَجَدَ الْمَائِدَةَ هُنَالِكَ مُرَصَّعَةً بِاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَمَاتَ وَهِيَ فِي الطَّرِيقِ، فَحُمِلَتْ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، فَرَآهَا النَّاسُ وَتَعَجَّبُوا مِنْهَا كَثِيرًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ النَّفِيسَةِ وَالْجَوَاهِرِ الْيَتِيمَةِ. وَيُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ قَالَ: "وَتَفْعَلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. قَالَ: " بَلْ بَابُ التوبة والرحمة".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[المسند (١/٢٤٢) والمستدرك (١/٥٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٢) من طريق سفيان به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
5:114قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ
هَذِهِ قِصَّةُ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ السُّورَةُ فَيُقَالُ: "سُورَةُ الْمَائِدَةِ". وَهِيَ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَجَابَ دُعَاءَهُ بِنُزُولِهَا، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ آيَةً وَدَلَالَةً مُعْجِزَةً بَاهِرَةً وَحُجَّةً قَاطِعَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْمَائِدَةِ [[في د: "قصتها".]] لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا يَعْرِفُهَا النَّصَارَى إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى [[في د: "المسيح".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ كَثِيرِينَ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: "هَلْ تَسْتَطيع رَبَّك" أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ ﴿أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .
وَالْمَائِدَةُ هِيَ: الْخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ [[في د: "لفقرهم".]] فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَاتُونَ مِنْهَا، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ.
قَالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فَأَجَابَهُمُ الْمَسِيحُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَائِلًا لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَسْأَلُوا هَذَا، فَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أَيْ: نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إِذَا شَاهَدْنَا نُزُولَهَا رِزْقًا لَنَا مِنَ السَّمَاءِ ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أَيْ: وَنَزْدَادَ إِيمَانًا بِكَ وَعِلْمًا بِرِسَالَتِكَ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: وَنَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَصِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قَالَ السُّدِّي: أَيْ نَتَّخِذُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي يَوْمًا نُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: عِظَةً لَنَا وَلِمَنْ بَعْدَنَا. وَقِيلَ: كَافِيَةً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أَيْ: دَلِيلًا تَنْصِبُهُ عَلَى قُدْرَتِكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى إِجَابَتِكَ دَعْوَتِي، فَيُصَدِّقُونِي فِيمَا أُبَلِّغُهُ عَنْكَ ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ رِزْقًا هَنِيئًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا تَعَبٍ ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: فَمَنْ كَذَّبَ بِهَا مِنْ أُمَّتِكَ يَا عِيسَى وَعَانَدَهَا ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ عَالَمَيْ زَمَانِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ:٤٦] ، [[في د، هـ: "يوم القيامة" وهو خطأ.]] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ عَوْف الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ القوَّاس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَآلُ فِرْعَوْنَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٣٣) .]]
ذِكْرُ أَخْبَارٍ رُوِيَت عَنِ السَّلَفِ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ:
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في د: "حدثنا ابن جرير".]] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْأَلُوهُ فَيُعْطِيكُمْ مَا سَأَلْتُمْ؟ فَإِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، قُلْتَ لَنَا: إِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأَحَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَطْعَمَنَا حِينَ نَفْرُغ طَعَامًا، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ عِيسَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطِيرُ بِمَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١١/٢٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهاب، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا عُقَيْل بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَائِدَةٍ يَحْمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزْعَة الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأَمَرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَزْعَة [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦١) وقال الترمذي: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا"]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَنِ ابن أبي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا وَلَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَدَّخِرُوا. قَالَ: فَخَانَ الْقَوْمُ وخَبئوا وَادَّخَرُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ شَأْنُ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا [[في د: "إنهم قالوا".]] عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَائِدَةً يَكُونُ عَلَيْهَا طَعَامٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ لَا يَنْفَدُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَخْبَؤوا، أَوْ تَخُونُوا، أَوْ تَرْفَعُوا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنِّي مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى خبَّؤوا وَرَفَعُوا وَخَانُوا، فَعُذِّبُوا عَذَابًا لَمْ يُعَذَّبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَإِنَّكُمْ -مَعْشَرَ الْعَرَبِ-كُنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، تَعْرِفُونَ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ، وَأَخْبَرَكُمْ أَنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى الْعَجَمِ، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَكْتَنِزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. وَأَيْمُ اللَّهِ، لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تَكْنِزُوهُمَا [[في د: "تكفروهما".]] وَيُعَذِّبُكُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) .]]
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شَاؤُوا. قَالَ: فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا وَقَالَ: "لَعَلَّهَا لَا تَنْزِلُ غَدًا". فَرُفِعَتْ.
وَقَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ، خِوَانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وَسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْنَمَا نَزَلُوا إِذَا شَاؤُوا. وَقَالَ خَصِيف، عَنْ عِكْرِمَةَ ومِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ سَمَكَةً وَأَرْغِفَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ طَعَامٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا. وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوْفِي: الْمَائِدَةُ سَمَكٌ فِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبِّه: أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأَكَلُوا مَا شَاؤُوا مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى، فَكَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَإِذَا أَكَلُوا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَ ذَلِكَ لِمِثْلِهِمْ. فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: نَزَّلَ عَلَيْهِمْ قُرْصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَأَحْوَاتٍ، وَحَشَا اللَّهُ بَيْنَ أَضْعَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ، فَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى أَكَلَ جَمِيعُهُمْ وَأَفْضَلُوا.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ ومَيْسَرَة، وَجَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن ميسرة قَالَ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا وُضِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْدِي بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ خُبْزُ الْمَائِدَةِ مِنَ الْأُرْزِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْس، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاس الْعَبْدَرِيُّ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِي، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْمَائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا وَقَالَ: اقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً، فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارهم فِيهَا. فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الْآيَةَ.
فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ [[في د: "ومال".]] وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَة حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ -فِيهَا: أَنَّهُ يُعَذِّبُ [[في د: "أن يعذب".]] مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمَيْنِ -وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَكَّارين، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ [[في د: "اللهم إني أعوذ بك".]] أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَجَزَاءً، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً.
فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرة بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى، وَالْحَوَارِيِّينَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، يَجدون رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ، وخَرَّ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [[في د: "لا يحتسبون".]] وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ يَنْظُرُونَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَأَقْبَلَ عِيسَى. وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ مُغَطَّي. قَالَ عِيسَى: مَنْ أَجْرَؤُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ؟ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَنُذَكِّرَ بِاسْمِهِ، وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بِالْكَشْفِ عَنْهَا. فَقَامَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى كَذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا وَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا، وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فِيهَا بَرَكَةً وَرِزْقًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَلَسَ [[في د: "وجلس".]] إِلَى السُّفْرَةِ وَتَنَاوَلَ الْمِنْدِيلَ، وَقَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ"، وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهَا سَمَكَةٌ [[في د: "فإذا هو بسمكة".]] ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُ، وَلَيْسَ فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا بُقُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الْكُرَّاثِ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ، وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَرَاتٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ.
فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْتَبِرُوا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ، وَتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ الْمَسَائِلِ؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ! فَقَالَ شَمْعُونُ: وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِهَا سُؤَالًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقة. فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ بِالْقُدْرَةِ الْعَالِيَةِ [[في د: "الغالبة".]] الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ [[في د: "باسم الله الرحمن الرحيم".]] وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمدكم مِنْهُ ويَزدكم، فَإِنَّهُ بَدِيعٌ قَادِرٌ شَاكِرٌ.
فَقَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُرينا آيَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ عِيسَى: سُبْحَانَ [[في د: "قال سبحان".]] اللَّهِ! أَمَا اكْتَفَيْتُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ فِي [[في د: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى تَسْأَلُوا فِيهَا آيَةً أُخْرَى؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى السَّمَكَةِ، فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَمَا كُنْتِ. فَأَحْيَاهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَاضْطَرَبَتْ وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظ كَمَا يَتَلَمَّظُ الْأَسَدُ، تَدُورُ عَيْنَاهَا لَهَا بَصِيصٌ، وَعَادَتْ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ مِنْهَا وَانْحَازُوا. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ الْآيَةَ، فَإِذَا أَرَاكُمُوهَا رَبُّكُمْ كَرِهْتُمُوهَا؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا بِمَا تَصْنَعُونَ! يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتِ. فَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ فِي خَلْقِهَا الْأَوَّلِ.
فَقَالُوا لِعِيسَى: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ فَقَالَ عِيسَى: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ! يَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْ طَلَبِهَا. فَلَمَّا رَأَى الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ امْتِنَاعَ نَبِيِّهِمْ [[في د: "عيس".]] مِنْهَا، خَافُوا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سَخْطة وَفِي أَكْلِهَا مَثُلةً، فَتَحَامَوْهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى دَعَا لَهَا الْفُقَرَاءَ والزَّمْنى، وَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهَا لَكُمْ، فَيَكُونُ [[في د: "ويكون".]] مَهْنَؤُها لَكُمْ، وَعُقُوبَتُهَا عَلَى غَيْرِكُمْ، وَافْتَتِحُوا أَكْلَكُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَاخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، يُصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ، وَنَظَرَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ إِذْ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا.
وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا نَدَامَةً، سَالَتْ مِنْهَا أَشْفَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ حَسْرَتُهَا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْمَمَاتِ، قَالَ: فَكَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْعَوْنَ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالصِّغَارُ [[في د: "والضعفاء".]] وَالْكِبَارُ، وَالْأَصِحَّاءُ وَالْمَرْضَى، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نَوَائِبَ، تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا. فَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ [[في د: "على ذلك".]] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُحَى [[في د: "النهار".]] فَلَا تَزَالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا قَامُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ. [[في د: "بينهم".]] بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تُوَارَى عَنْهُمْ.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ اجْعَلْ رِزْقِيَ الْمَائِدَةَ [[في د: "في المائدة".]] لِلْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ والزَّمنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ارْتَابَ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ مِنَ النَّاسِ، وغَمطُوا ذَلِكَ، حَتَّى شَكُّوا فِيهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَشَكَّكُوا فِيهَا النَّاسَ، وَأَذَاعُوا فِي أَمْرِهَا الْقَبِيحَ وَالْمُنْكَرَ، وَأَدْرَكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ، وَقَذَفَ وَسْوَاسَهُ فِي قُلُوبِ الْمُرْتَابِينَ [[في د: "الربانيين".]] حَتَّى قَالُوا لِعِيسَى: أَخْبِرْنَا عَنِ الْمَائِدَةِ، وَنُزُولِهَا مِنَ السَّمَاءِ أَحَقٌّ، فَإِنَّهُ قَدِ ارْتَابَ بِهَا بَشَرٌ مِنَّا كَثِيرٌ؟ فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلَكْتُمْ وَإِلَهِ الْمَسِيحِ! طَلَبْتُمُ الْمَائِدَةَ إِلَى نَبِيِّكُمْ أَنْ يَطْلُبَهَا لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَلَمَّا أَنْ فَعَلَ وَأَنْزَلَهَا عَلَيْكُمْ رَحْمَةً وَرِزْقًا، وَأَرَاكُمْ فِيهَا [[في د: "منها".]] الْآيَاتِ والعبَر كذَّبْتم بِهَا، وَشَكَّكْتُمْ فِيهَا، فَأَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ.
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي آخُذُ الْمُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ فَلَمَّا أَمْسَى الْمُرْتَابُونَ بِهَا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ، فَأَصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الْأَقْذَارَ فِي الْكَنَّاسَاتِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في تفسير القرطبي (٦/٣٦٩) من طريق زكريا بن حكيم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أبي عثمان النهدي، عن سلمان بنحوه، وقال القرطبي: "وفي هذا الحديث مقال ولا يصح من جهة إسناده".]] قَطَّعَه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ جَمَعْتُهُ أَنَا لَهُ لِيَكُونَ سِيَاقُهُ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيَّامَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِجَابَةً مِنَ اللَّهِ لِدَعْوَتِهِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ. فَرَوَى لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قَالَ: هُوَ مَثَلٌ ضُرب، وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ-حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَائِدَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ، أَبَوْهَا حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنزل عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: لَمْ تَنْزِلْ.
وَحَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ.
وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ مُتَوَاتِرًا، وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِنُزُولِهَا بِقَوْلِهِ [[في د: "في قوله".]] تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: وَوَعْدُ اللَّهُ وَوَعِيدُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-الصَّوَابُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَجَدَ الْمَائِدَةَ هُنَالِكَ مُرَصَّعَةً بِاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَمَاتَ وَهِيَ فِي الطَّرِيقِ، فَحُمِلَتْ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، فَرَآهَا النَّاسُ وَتَعَجَّبُوا مِنْهَا كَثِيرًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ النَّفِيسَةِ وَالْجَوَاهِرِ الْيَتِيمَةِ. وَيُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ قَالَ: "وَتَفْعَلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. قَالَ: " بَلْ بَابُ التوبة والرحمة".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[المسند (١/٢٤٢) والمستدرك (١/٥٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٢) من طريق سفيان به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
5:115قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ
هَذِهِ قِصَّةُ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ السُّورَةُ فَيُقَالُ: "سُورَةُ الْمَائِدَةِ". وَهِيَ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَجَابَ دُعَاءَهُ بِنُزُولِهَا، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ آيَةً وَدَلَالَةً مُعْجِزَةً بَاهِرَةً وَحُجَّةً قَاطِعَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْمَائِدَةِ [[في د: "قصتها".]] لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا يَعْرِفُهَا النَّصَارَى إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وَهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى [[في د: "المسيح".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ كَثِيرِينَ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: "هَلْ تَسْتَطيع رَبَّك" أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ ﴿أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .
وَالْمَائِدَةُ هِيَ: الْخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ [[في د: "لفقرهم".]] فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةٌ كُلَّ يَوْمٍ يَقْتَاتُونَ مِنْهَا، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ.
قَالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فَأَجَابَهُمُ الْمَسِيحُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَائِلًا لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَسْأَلُوا هَذَا، فَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أَيْ: نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إِذَا شَاهَدْنَا نُزُولَهَا رِزْقًا لَنَا مِنَ السَّمَاءِ ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أَيْ: وَنَزْدَادَ إِيمَانًا بِكَ وَعِلْمًا بِرِسَالَتِكَ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أَيْ: وَنَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِكَ وَصِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قَالَ السُّدِّي: أَيْ نَتَّخِذُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي يَوْمًا نُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: عِظَةً لَنَا وَلِمَنْ بَعْدَنَا. وَقِيلَ: كَافِيَةً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أَيْ: دَلِيلًا تَنْصِبُهُ عَلَى قُدْرَتِكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى إِجَابَتِكَ دَعْوَتِي، فَيُصَدِّقُونِي فِيمَا أُبَلِّغُهُ عَنْكَ ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ رِزْقًا هَنِيئًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا تَعَبٍ ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: فَمَنْ كَذَّبَ بِهَا مِنْ أُمَّتِكَ يَا عِيسَى وَعَانَدَهَا ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مِنْ عَالَمَيْ زَمَانِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ:٤٦] ، [[في د، هـ: "يوم القيامة" وهو خطأ.]] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ عَوْف الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ القوَّاس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَآلُ فِرْعَوْنَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٣٣) .]]
ذِكْرُ أَخْبَارٍ رُوِيَت عَنِ السَّلَفِ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ:
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في د: "حدثنا ابن جرير".]] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْأَلُوهُ فَيُعْطِيكُمْ مَا سَأَلْتُمْ؟ فَإِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، قُلْتَ لَنَا: إِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأَحَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَطْعَمَنَا حِينَ نَفْرُغ طَعَامًا، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ عِيسَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطِيرُ بِمَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١١/٢٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهاب، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا عُقَيْل بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَائِدَةٍ يَحْمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزْعَة الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأَمَرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ"
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَزْعَة [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦١) وقال الترمذي: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا"]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَنِ ابن أبي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا وَلَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَدَّخِرُوا. قَالَ: فَخَانَ الْقَوْمُ وخَبئوا وَادَّخَرُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ شَأْنُ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا [[في د: "إنهم قالوا".]] عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَائِدَةً يَكُونُ عَلَيْهَا طَعَامٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ لَا يَنْفَدُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَخْبَؤوا، أَوْ تَخُونُوا، أَوْ تَرْفَعُوا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنِّي مُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى خبَّؤوا وَرَفَعُوا وَخَانُوا، فَعُذِّبُوا عَذَابًا لَمْ يُعَذَّبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَإِنَّكُمْ -مَعْشَرَ الْعَرَبِ-كُنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، تَعْرِفُونَ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ، وَأَخْبَرَكُمْ أَنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى الْعَجَمِ، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَكْتَنِزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. وَأَيْمُ اللَّهِ، لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تَكْنِزُوهُمَا [[في د: "تكفروهما".]] وَيُعَذِّبُكُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا. [[تفسير الطبري (١١/٢٢٨) .]]
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شَاؤُوا. قَالَ: فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا وَقَالَ: "لَعَلَّهَا لَا تَنْزِلُ غَدًا". فَرُفِعَتْ.
وَقَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ، خِوَانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وَسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْنَمَا نَزَلُوا إِذَا شَاؤُوا. وَقَالَ خَصِيف، عَنْ عِكْرِمَةَ ومِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ سَمَكَةً وَأَرْغِفَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ طَعَامٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا. وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوْفِي: الْمَائِدَةُ سَمَكٌ فِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ وَهْب بْنُ مُنَبِّه: أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَأَكَلُوا مَا شَاؤُوا مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى، فَكَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَإِذَا أَكَلُوا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَ ذَلِكَ لِمِثْلِهِمْ. فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّه: نَزَّلَ عَلَيْهِمْ قُرْصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَأَحْوَاتٍ، وَحَشَا اللَّهُ بَيْنَ أَضْعَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ، فَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى أَكَلَ جَمِيعُهُمْ وَأَفْضَلُوا.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ ومَيْسَرَة، وَجَرِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن ميسرة قَالَ: كَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا وُضِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْدِي بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ خُبْزُ الْمَائِدَةِ مِنَ الْأُرْزِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْس، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاس الْعَبْدَرِيُّ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِي، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْمَائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا وَقَالَ: اقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً، فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارهم فِيهَا. فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الْآيَةَ.
فِلْمًا رَأَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا، قَامَ فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ، وَجُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا، فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ وَحَاذَى الْأَصَابِعَ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ [[في د: "ومال".]] وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَة حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٌ تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ مُنْقَضَّةً مِنْ فَلَكِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ -فِيهَا: أَنَّهُ يُعَذِّبُ [[في د: "أن يعذب".]] مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمَيْنِ -وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ مِنْ مَكَانِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَكَّارين، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ [[في د: "اللهم إني أعوذ بك".]] أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَجَزَاءً، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمُثْلَةً.
فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرة بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى، وَالْحَوَارِيِّينَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، يَجدون رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ، وخَرَّ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [[في د: "لا يحتسبون".]] وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ يَنْظُرُونَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَأَقْبَلَ عِيسَى. وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ مُغَطَّي. قَالَ عِيسَى: مَنْ أَجْرَؤُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ؟ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَنُذَكِّرَ بِاسْمِهِ، وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بِالْكَشْفِ عَنْهَا. فَقَامَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى كَذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا وَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا، وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فِيهَا بَرَكَةً وَرِزْقًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَلَسَ [[في د: "وجلس".]] إِلَى السُّفْرَةِ وَتَنَاوَلَ الْمِنْدِيلَ، وَقَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ"، وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهَا سَمَكَةٌ [[في د: "فإذا هو بسمكة".]] ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُ، وَلَيْسَ فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا بُقُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الْكُرَّاثِ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ، وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَرَاتٌ، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ.
فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْتَبِرُوا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ، وَتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ الْمَسَائِلِ؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ! فَقَالَ شَمْعُونُ: وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِهَا سُؤَالًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقة. فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ بِالْقُدْرَةِ الْعَالِيَةِ [[في د: "الغالبة".]] الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ [[في د: "باسم الله الرحمن الرحيم".]] وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمدكم مِنْهُ ويَزدكم، فَإِنَّهُ بَدِيعٌ قَادِرٌ شَاكِرٌ.
فَقَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُرينا آيَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ عِيسَى: سُبْحَانَ [[في د: "قال سبحان".]] اللَّهِ! أَمَا اكْتَفَيْتُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ فِي [[في د: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى تَسْأَلُوا فِيهَا آيَةً أُخْرَى؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى السَّمَكَةِ، فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَمَا كُنْتِ. فَأَحْيَاهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَاضْطَرَبَتْ وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظ كَمَا يَتَلَمَّظُ الْأَسَدُ، تَدُورُ عَيْنَاهَا لَهَا بَصِيصٌ، وَعَادَتْ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ مِنْهَا وَانْحَازُوا. فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ الْآيَةَ، فَإِذَا أَرَاكُمُوهَا رَبُّكُمْ كَرِهْتُمُوهَا؟ مَا أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا بِمَا تَصْنَعُونَ! يَا سَمَكَةُ، عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتِ. فَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ فِي خَلْقِهَا الْأَوَّلِ.
فَقَالُوا لِعِيسَى: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ فَقَالَ عِيسَى: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ! يَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مِنْ طَلَبِهَا. فَلَمَّا رَأَى الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ امْتِنَاعَ نَبِيِّهِمْ [[في د: "عيس".]] مِنْهَا، خَافُوا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سَخْطة وَفِي أَكْلِهَا مَثُلةً، فَتَحَامَوْهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى دَعَا لَهَا الْفُقَرَاءَ والزَّمْنى، وَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهَا لَكُمْ، فَيَكُونُ [[في د: "ويكون".]] مَهْنَؤُها لَكُمْ، وَعُقُوبَتُهَا عَلَى غَيْرِكُمْ، وَافْتَتِحُوا أَكْلَكُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَاخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، يُصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ، وَنَظَرَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهِ إِذْ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا.
وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا نَدَامَةً، سَالَتْ مِنْهَا أَشْفَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ حَسْرَتُهَا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْمَمَاتِ، قَالَ: فَكَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْعَوْنَ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالصِّغَارُ [[في د: "والضعفاء".]] وَالْكِبَارُ، وَالْأَصِحَّاءُ وَالْمَرْضَى، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نَوَائِبَ، تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا. فَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ [[في د: "على ذلك".]] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُحَى [[في د: "النهار".]] فَلَا تَزَالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا قَامُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ. [[في د: "بينهم".]] بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تُوَارَى عَنْهُمْ.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ اجْعَلْ رِزْقِيَ الْمَائِدَةَ [[في د: "في المائدة".]] لِلْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ والزَّمنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ارْتَابَ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ مِنَ النَّاسِ، وغَمطُوا ذَلِكَ، حَتَّى شَكُّوا فِيهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَشَكَّكُوا فِيهَا النَّاسَ، وَأَذَاعُوا فِي أَمْرِهَا الْقَبِيحَ وَالْمُنْكَرَ، وَأَدْرَكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ، وَقَذَفَ وَسْوَاسَهُ فِي قُلُوبِ الْمُرْتَابِينَ [[في د: "الربانيين".]] حَتَّى قَالُوا لِعِيسَى: أَخْبِرْنَا عَنِ الْمَائِدَةِ، وَنُزُولِهَا مِنَ السَّمَاءِ أَحَقٌّ، فَإِنَّهُ قَدِ ارْتَابَ بِهَا بَشَرٌ مِنَّا كَثِيرٌ؟ فَقَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلَكْتُمْ وَإِلَهِ الْمَسِيحِ! طَلَبْتُمُ الْمَائِدَةَ إِلَى نَبِيِّكُمْ أَنْ يَطْلُبَهَا لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَلَمَّا أَنْ فَعَلَ وَأَنْزَلَهَا عَلَيْكُمْ رَحْمَةً وَرِزْقًا، وَأَرَاكُمْ فِيهَا [[في د: "منها".]] الْآيَاتِ والعبَر كذَّبْتم بِهَا، وَشَكَّكْتُمْ فِيهَا، فَأَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ.
وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي آخُذُ الْمُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ فَلَمَّا أَمْسَى الْمُرْتَابُونَ بِهَا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ، فَأَصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الْأَقْذَارَ فِي الْكَنَّاسَاتِ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في تفسير القرطبي (٦/٣٦٩) من طريق زكريا بن حكيم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أبي عثمان النهدي، عن سلمان بنحوه، وقال القرطبي: "وفي هذا الحديث مقال ولا يصح من جهة إسناده".]] قَطَّعَه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ جَمَعْتُهُ أَنَا لَهُ لِيَكُونَ سِيَاقُهُ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيَّامَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِجَابَةً مِنَ اللَّهِ لِدَعْوَتِهِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ. فَرَوَى لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قَالَ: هُوَ مَثَلٌ ضُرب، وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ-حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَائِدَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ، أَبَوْهَا حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنزل عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: لَمْ تَنْزِلْ.
وَحَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ.
وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ مُتَوَاتِرًا، وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِنُزُولِهَا بِقَوْلِهِ [[في د: "في قوله".]] تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: وَوَعْدُ اللَّهُ وَوَعِيدُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-الصَّوَابُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَجَدَ الْمَائِدَةَ هُنَالِكَ مُرَصَّعَةً بِاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَمَاتَ وَهِيَ فِي الطَّرِيقِ، فَحُمِلَتْ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، فَرَآهَا النَّاسُ وَتَعَجَّبُوا مِنْهَا كَثِيرًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ النَّفِيسَةِ وَالْجَوَاهِرِ الْيَتِيمَةِ. وَيُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ قَالَ: "وَتَفْعَلُونَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. قَالَ: " بَلْ بَابُ التوبة والرحمة".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[المسند (١/٢٤٢) والمستدرك (١/٥٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٥٢) من طريق سفيان به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]
5:116وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ
هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليه السلام، قَائِلًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَضْرَةِ مَنِ اتَّخَذَهُ وَأَمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لِلنَّصَارَى وَتَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ. هَكَذَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ قَتَادَةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: هَذَا الْخِطَابُ وَالْجَوَابُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا. وَاحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ لُفْظُ الْمُضِيِّ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وَ ﴿إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾
وَهَذَانَ الدَّلِيلَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ، لِيَدُلَّ عَلَى الْوُقُوعِ وَالثُّبُوتِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ: التَّبَرِّي مِنْهُمْ وَرَدُّ الْمَشِيئَةِ فِيهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ عَلَى الشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالَّذِي [[في د: "فالذي".]] قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَدُلَّ عَلَى تَهْدِيدِ النَّصَارَى وَتَقْرِيعِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، ثُمَّ يُدْعَى بِعِيسَى فَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، فيقِر بِهَا، فيقولُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ١١٠] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتَى بِالنَّصَارَى فَيُسْأَلُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هُوَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قَالَ: فَيُطَوَّلُ شَعْرُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ. فَيُجَاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِقْدَارَ أَلْفِ عَامٍ، حَتَّى تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَيُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ، وَيُنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ"، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَزِيزٌ. [[تاريخ دمشق (١٩/١٢٨ القسم المخطوط) والمختصر لابن منظور (٢٩/٥٤) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذَا تَوْفِيقٌ لِلتَّأَدُّبِ فِي الْجَوَابِ الْكَامِلِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَلْقَى عِيسَى حُجَّتَهُ، ولقَّاه اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقَّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، بِنَحْوِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ صَدَرَ مِنِّي هَذَا فَقَدْ عَلِمْتَهُ يَا رَبِّ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمَّا قُلْتُهُ وَلَا أَرَدْتُهُ فِي نَفْسِي وَلَا أَضْمَرْتُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بِإِبْلَاغِهِ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَّا إِلَى الَّذِي أَرْسَلْتَنِي بِهِ وَأَمَرْتَنِي بِإِبْلَاغِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أَيْ: كُنْتُ أَشْهَدُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ حِينَ كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ فَأَمْلَاهُ عَلَى سُفْيَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ انْتَسَخْتُ مِنْ سُفْيَانَ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسى إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي شُعْبَةَ -وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٢٦٣٨) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٣٠٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ويتضمن التَّبَرِّيَ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَصَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًا كَبِيرًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ لَهَا شَأْنٌ [[في د: "نبأ".]] عَظِيمٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في د: "أن النبي".]] ﷺ قَامَ بِهَا لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ يُرَدِّدُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، حَدَّثَنِي فُليَت الْعَامِرِيُّ، عَنْ جَسْرة الْعَامِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا؟ قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُدَامة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَتْنِي جَسْرة بِنْتُ دَجَاجَةَ: أَنَّهَا انْطَلَقَتْ مُعْتَمِرَةً، فَانْتَهَتْ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَسَمِعَتْ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَصَلَّى بِالْقَوْمِ، ثُمَّ تَخَلَّفَ أَصْحَابٌ لَهُ يُصَلُّونَ، فَلَمَّا رَأَى قِيَامَهُمْ وَتَخَلُّفَهُمُ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمَ قَدْ أَخْلَوُا الْمَكَانَ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَصَلَّى، فَجِئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إليَّ بِيَمِينِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَامَ خَلْفِي وَخَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِشَمَالِهِ، فَقَامَ عَنْ شِمَالِهِ، فَقُمْنَا ثَلَاثَتُنَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَفْسِهِ، وَيَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْلُوَ. وَقَامَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا حَتَّى صَلَّى الْغَدَاةَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَوْمَأْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنْ سَلْهُ مَا أَرَادَ إِلَى مَا صَنَعَ الْبَارِحَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِهِ: لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قُمْتَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَعَكَ الْقُرْآنُ، لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: "دَعَوْتُ لِأُمَّتِي". قُلْتُ: فَمَاذَا أَجِبْتَ؟ -أَوْ مَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ؟ -قَالَ: "أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ طلْعة تَرَكُوا الصَّلَاةَ". قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "بَلَى". فانطلقتُ مُعْنقًا قَرِيبًا مِنْ قَذْفة بِحَجَرٍ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ تَبْعَثْ إِلَى النَّاسِ بِهَذَا نَكَلوا عَنِ الْعِبَادَةِ. فَنَادَاهُ أَنِ ارْجِعْ فَرَجَعَ، وَتِلْكَ الْآيَةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [[المسند (٥/١٤٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أن النبي ﷺ تَلَا قَوْلَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي". وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ-فَاسْأَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ. [[ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٠٢) من طريق يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بنحوه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا ابْنُ هُبَيْرة [[في د: "ابن ميسرة".]] أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الجَيْشاني يَقُولُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: غَابَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَلَمْ يَخْرُجْ، حَتَّى ظَنَّنَا أَنْ لَنْ يَخْرُجَ، فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَةً ظَنَنَّا أَنَّ نَفْسه قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي: مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقُلْتُ: مَا شِئْتَ أَيْ رَبِّ هُمْ خَلْقُكَ وَعِبَادُكَ. فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أُخْزِيكَ فِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مَعِي سَبْعُونَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: ادْعُ تُجب، وَسَلْ تُعْطَ". فَقُلْتُ لِرَسُولِهِ: أَوَمُعْطٍي رَبِّي سُؤْلِي؟ قَالَ: مَا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ، وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي وَلَا فَخْرَ، وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَنَا أَمْشِي حَيًّا صَحِيحًا، وَأَعْطَانِي أَلَّا تَجُوعَ أُمَّتِي وَلَا تُغْلَبَ، وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَهُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي، وَأَعْطَانِي الْعِزَّ وَالنَّصْرَ وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا، وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْغَنِيمَةَ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شُدد عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". [[المسند (٥/٣٩٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٨٧) : "فيه ابن لهيعة وفيه كلام".]]
5:117مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ
هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليه السلام، قَائِلًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَضْرَةِ مَنِ اتَّخَذَهُ وَأَمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لِلنَّصَارَى وَتَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ. هَكَذَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ قَتَادَةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: هَذَا الْخِطَابُ وَالْجَوَابُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا. وَاحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ لُفْظُ الْمُضِيِّ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وَ ﴿إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾
وَهَذَانَ الدَّلِيلَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ، لِيَدُلَّ عَلَى الْوُقُوعِ وَالثُّبُوتِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ: التَّبَرِّي مِنْهُمْ وَرَدُّ الْمَشِيئَةِ فِيهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ عَلَى الشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالَّذِي [[في د: "فالذي".]] قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَدُلَّ عَلَى تَهْدِيدِ النَّصَارَى وَتَقْرِيعِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، ثُمَّ يُدْعَى بِعِيسَى فَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، فيقِر بِهَا، فيقولُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ١١٠] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتَى بِالنَّصَارَى فَيُسْأَلُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هُوَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قَالَ: فَيُطَوَّلُ شَعْرُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ. فَيُجَاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِقْدَارَ أَلْفِ عَامٍ، حَتَّى تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَيُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ، وَيُنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ"، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَزِيزٌ. [[تاريخ دمشق (١٩/١٢٨ القسم المخطوط) والمختصر لابن منظور (٢٩/٥٤) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذَا تَوْفِيقٌ لِلتَّأَدُّبِ فِي الْجَوَابِ الْكَامِلِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَلْقَى عِيسَى حُجَّتَهُ، ولقَّاه اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقَّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، بِنَحْوِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ صَدَرَ مِنِّي هَذَا فَقَدْ عَلِمْتَهُ يَا رَبِّ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمَّا قُلْتُهُ وَلَا أَرَدْتُهُ فِي نَفْسِي وَلَا أَضْمَرْتُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بِإِبْلَاغِهِ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَّا إِلَى الَّذِي أَرْسَلْتَنِي بِهِ وَأَمَرْتَنِي بِإِبْلَاغِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أَيْ: كُنْتُ أَشْهَدُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ حِينَ كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ فَأَمْلَاهُ عَلَى سُفْيَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ انْتَسَخْتُ مِنْ سُفْيَانَ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسى إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي شُعْبَةَ -وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٢٦٣٨) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٣٠٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ويتضمن التَّبَرِّيَ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَصَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًا كَبِيرًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ لَهَا شَأْنٌ [[في د: "نبأ".]] عَظِيمٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في د: "أن النبي".]] ﷺ قَامَ بِهَا لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ يُرَدِّدُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، حَدَّثَنِي فُليَت الْعَامِرِيُّ، عَنْ جَسْرة الْعَامِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا؟ قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُدَامة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَتْنِي جَسْرة بِنْتُ دَجَاجَةَ: أَنَّهَا انْطَلَقَتْ مُعْتَمِرَةً، فَانْتَهَتْ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَسَمِعَتْ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَصَلَّى بِالْقَوْمِ، ثُمَّ تَخَلَّفَ أَصْحَابٌ لَهُ يُصَلُّونَ، فَلَمَّا رَأَى قِيَامَهُمْ وَتَخَلُّفَهُمُ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمَ قَدْ أَخْلَوُا الْمَكَانَ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَصَلَّى، فَجِئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إليَّ بِيَمِينِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَامَ خَلْفِي وَخَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِشَمَالِهِ، فَقَامَ عَنْ شِمَالِهِ، فَقُمْنَا ثَلَاثَتُنَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَفْسِهِ، وَيَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْلُوَ. وَقَامَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا حَتَّى صَلَّى الْغَدَاةَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَوْمَأْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنْ سَلْهُ مَا أَرَادَ إِلَى مَا صَنَعَ الْبَارِحَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِهِ: لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قُمْتَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَعَكَ الْقُرْآنُ، لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: "دَعَوْتُ لِأُمَّتِي". قُلْتُ: فَمَاذَا أَجِبْتَ؟ -أَوْ مَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ؟ -قَالَ: "أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ طلْعة تَرَكُوا الصَّلَاةَ". قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "بَلَى". فانطلقتُ مُعْنقًا قَرِيبًا مِنْ قَذْفة بِحَجَرٍ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ تَبْعَثْ إِلَى النَّاسِ بِهَذَا نَكَلوا عَنِ الْعِبَادَةِ. فَنَادَاهُ أَنِ ارْجِعْ فَرَجَعَ، وَتِلْكَ الْآيَةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [[المسند (٥/١٤٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أن النبي ﷺ تَلَا قَوْلَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي". وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ-فَاسْأَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ. [[ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٠٢) من طريق يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بنحوه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا ابْنُ هُبَيْرة [[في د: "ابن ميسرة".]] أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الجَيْشاني يَقُولُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: غَابَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَلَمْ يَخْرُجْ، حَتَّى ظَنَّنَا أَنْ لَنْ يَخْرُجَ، فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَةً ظَنَنَّا أَنَّ نَفْسه قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي: مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقُلْتُ: مَا شِئْتَ أَيْ رَبِّ هُمْ خَلْقُكَ وَعِبَادُكَ. فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أُخْزِيكَ فِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مَعِي سَبْعُونَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: ادْعُ تُجب، وَسَلْ تُعْطَ". فَقُلْتُ لِرَسُولِهِ: أَوَمُعْطٍي رَبِّي سُؤْلِي؟ قَالَ: مَا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ، وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي وَلَا فَخْرَ، وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَنَا أَمْشِي حَيًّا صَحِيحًا، وَأَعْطَانِي أَلَّا تَجُوعَ أُمَّتِي وَلَا تُغْلَبَ، وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَهُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي، وَأَعْطَانِي الْعِزَّ وَالنَّصْرَ وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا، وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْغَنِيمَةَ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شُدد عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". [[المسند (٥/٣٩٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٨٧) : "فيه ابن لهيعة وفيه كلام".]]
5:118إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليه السلام، قَائِلًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَضْرَةِ مَنِ اتَّخَذَهُ وَأَمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لِلنَّصَارَى وَتَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ. هَكَذَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ قَتَادَةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
وَقَالَ السُّدِّي: هَذَا الْخِطَابُ وَالْجَوَابُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا. وَاحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ لُفْظُ الْمُضِيِّ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وَ ﴿إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾
وَهَذَانَ الدَّلِيلَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ، لِيَدُلَّ عَلَى الْوُقُوعِ وَالثُّبُوتِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ: التَّبَرِّي مِنْهُمْ وَرَدُّ الْمَشِيئَةِ فِيهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ عَلَى الشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ، كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالَّذِي [[في د: "فالذي".]] قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَدُلَّ عَلَى تَهْدِيدِ النَّصَارَى وَتَقْرِيعِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، ثُمَّ يُدْعَى بِعِيسَى فَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، فيقِر بِهَا، فيقولُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ١١٠] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتَى بِالنَّصَارَى فَيُسْأَلُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هُوَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قَالَ: فَيُطَوَّلُ شَعْرُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ. فَيُجَاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِقْدَارَ أَلْفِ عَامٍ، حَتَّى تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَيُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ، وَيُنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ"، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَزِيزٌ. [[تاريخ دمشق (١٩/١٢٨ القسم المخطوط) والمختصر لابن منظور (٢٩/٥٤) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذَا تَوْفِيقٌ لِلتَّأَدُّبِ فِي الْجَوَابِ الْكَامِلِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَلْقَى عِيسَى حُجَّتَهُ، ولقَّاه اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقَّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، بِنَحْوِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ صَدَرَ مِنِّي هَذَا فَقَدْ عَلِمْتَهُ يَا رَبِّ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمَّا قُلْتُهُ وَلَا أَرَدْتُهُ فِي نَفْسِي وَلَا أَضْمَرْتُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بِإِبْلَاغِهِ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَّا إِلَى الَّذِي أَرْسَلْتَنِي بِهِ وَأَمَرْتَنِي بِإِبْلَاغِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أَيْ: كُنْتُ أَشْهَدُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ حِينَ كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ فَأَمْلَاهُ عَلَى سُفْيَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ انْتَسَخْتُ مِنْ سُفْيَانَ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسى إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي شُعْبَةَ -وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، بِهِ. [[مسند الطيالسي برقم (٢٦٣٨) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٣٠٢٣) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ويتضمن التَّبَرِّيَ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَصَاحِبَةً وَوَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًا كَبِيرًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ لَهَا شَأْنٌ [[في د: "نبأ".]] عَظِيمٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في د: "أن النبي".]] ﷺ قَامَ بِهَا لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ يُرَدِّدُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، حَدَّثَنِي فُليَت الْعَامِرِيُّ، عَنْ جَسْرة الْعَامِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا؟ قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". [[المسند (٥/١٤٩) .]]
طَرِيقٌ أُخْرَى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُدَامة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَتْنِي جَسْرة بِنْتُ دَجَاجَةَ: أَنَّهَا انْطَلَقَتْ مُعْتَمِرَةً، فَانْتَهَتْ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَسَمِعَتْ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَصَلَّى بِالْقَوْمِ، ثُمَّ تَخَلَّفَ أَصْحَابٌ لَهُ يُصَلُّونَ، فَلَمَّا رَأَى قِيَامَهُمْ وَتَخَلُّفَهُمُ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمَ قَدْ أَخْلَوُا الْمَكَانَ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَصَلَّى، فَجِئْتُ فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إليَّ بِيَمِينِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَامَ خَلْفِي وَخَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِشَمَالِهِ، فَقَامَ عَنْ شِمَالِهِ، فَقُمْنَا ثَلَاثَتُنَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَفْسِهِ، وَيَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْلُوَ. وَقَامَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا حَتَّى صَلَّى الْغَدَاةَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَوْمَأْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنْ سَلْهُ مَا أَرَادَ إِلَى مَا صَنَعَ الْبَارِحَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِهِ: لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قُمْتَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَعَكَ الْقُرْآنُ، لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: "دَعَوْتُ لِأُمَّتِي". قُلْتُ: فَمَاذَا أَجِبْتَ؟ -أَوْ مَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ؟ -قَالَ: "أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ طلْعة تَرَكُوا الصَّلَاةَ". قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "بَلَى". فانطلقتُ مُعْنقًا قَرِيبًا مِنْ قَذْفة بِحَجَرٍ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ تَبْعَثْ إِلَى النَّاسِ بِهَذَا نَكَلوا عَنِ الْعِبَادَةِ. فَنَادَاهُ أَنِ ارْجِعْ فَرَجَعَ، وَتِلْكَ الْآيَةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [[المسند (٥/١٤٩) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أن النبي ﷺ تَلَا قَوْلَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي". وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ-فَاسْأَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ. [[ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٠٢) من طريق يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بنحوه.]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، حَدَّثَنَا ابْنُ هُبَيْرة [[في د: "ابن ميسرة".]] أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الجَيْشاني يَقُولُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: غَابَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَلَمْ يَخْرُجْ، حَتَّى ظَنَّنَا أَنْ لَنْ يَخْرُجَ، فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَةً ظَنَنَّا أَنَّ نَفْسه قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "إِنَّ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي: مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقُلْتُ: مَا شِئْتَ أَيْ رَبِّ هُمْ خَلْقُكَ وَعِبَادُكَ. فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أُخْزِيكَ فِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مَعِي سَبْعُونَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: ادْعُ تُجب، وَسَلْ تُعْطَ". فَقُلْتُ لِرَسُولِهِ: أَوَمُعْطٍي رَبِّي سُؤْلِي؟ قَالَ: مَا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ، وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي وَلَا فَخْرَ، وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَنَا أَمْشِي حَيًّا صَحِيحًا، وَأَعْطَانِي أَلَّا تَجُوعَ أُمَّتِي وَلَا تُغْلَبَ، وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَهُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي، وَأَعْطَانِي الْعِزَّ وَالنَّصْرَ وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا، وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْغَنِيمَةَ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شُدد عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". [[المسند (٥/٣٩٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٨٧) : "فيه ابن لهيعة وفيه كلام".]]
5:119قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ
يَقُولُ تَعَالَى مُجِيبًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [[في د: "لعيسى".]] فِيمَا أَنْهَاهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّبَرِّي مِنَ النَّصَارَى الْمُلْحِدِينَ، الْكَاذِبِينَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَمِنْ رَدِّ الْمَشِيئَةِ فِيهِمْ إِلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يَوْمَ يَنْفَعُ الْمُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهُمْ.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا لَا يَحُولون وَلَا يَزُولُونَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢] .
وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْآيَةِ مِنَ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ عُمَيْر أَبُو الْيَقْظَانِ -عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثُمَّ يَتَجَلَّى لهم الرب تَعَالَى فَيَقُولُ: سَلُونِي سَلُونِي أُعْطِكُمْ". قَالَ: "فَيَسْأَلُونَهُ [[في د: "فيسألون".]] الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أُحِلُّكُمْ دَارِي، وَأَنَالُكُمْ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ. فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا"، قَالَ: "فَيُشْهِدُهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ". [[ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/١٥٠) : حدثنا عبد الرحمن المحاربي، فذكره من حديث طويل، وعثمان بن عمير أبو اليقظان الكوفي قال الذهبي: ضعفوه -أي الأئمة- فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو أحمد الزبيدي: كان يؤمن بالرجعة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: "رديء المذهب، يؤمن بالرجعة، على أن الثقات قد رووا عنه مع ضعفه". ميزان الاعتدال (٣/٥٠) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَعْظَمُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦١] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ٢٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ، الْمَالِكُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا الْقَادِرُ عَلَيْهَا، فَالْجَمِيعُ ملْكه وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَفِي مَشِيئَتِهِ، فَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ، وَلَا عَدِيلَ، وَلَا وَالِدَ وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْب: سَمِعْتُ حُيَيّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦٣) عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ به، وقال: "هذا حديث حسن غريب".]]
5:120لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ
يَقُولُ تَعَالَى مُجِيبًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [[في د: "لعيسى".]] فِيمَا أَنْهَاهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّبَرِّي مِنَ النَّصَارَى الْمُلْحِدِينَ، الْكَاذِبِينَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَمِنْ رَدِّ الْمَشِيئَةِ فِيهِمْ إِلَى رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يَوْمَ يَنْفَعُ الْمُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهُمْ.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا لَا يَحُولون وَلَا يَزُولُونَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢] .
وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْآيَةِ مِنَ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْث، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ عُمَيْر أَبُو الْيَقْظَانِ -عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثُمَّ يَتَجَلَّى لهم الرب تَعَالَى فَيَقُولُ: سَلُونِي سَلُونِي أُعْطِكُمْ". قَالَ: "فَيَسْأَلُونَهُ [[في د: "فيسألون".]] الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أُحِلُّكُمْ دَارِي، وَأَنَالُكُمْ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ. فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا"، قَالَ: "فَيُشْهِدُهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ". [[ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/١٥٠) : حدثنا عبد الرحمن المحاربي، فذكره من حديث طويل، وعثمان بن عمير أبو اليقظان الكوفي قال الذهبي: ضعفوه -أي الأئمة- فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو أحمد الزبيدي: كان يؤمن بالرجعة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: "رديء المذهب، يؤمن بالرجعة، على أن الثقات قد رووا عنه مع ضعفه". ميزان الاعتدال (٣/٥٠) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أَيْ: هَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَعْظَمُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦١] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ٢٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ، الْمَالِكُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا الْقَادِرُ عَلَيْهَا، فَالْجَمِيعُ ملْكه وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَفِي مَشِيئَتِهِ، فَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ، وَلَا عَدِيلَ، وَلَا وَالِدَ وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْب: سَمِعْتُ حُيَيّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٦٣) عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ به، وقال: "هذا حديث حسن غريب".]]