QuraanOnline

Tafsir · تفسير ابن كثير

Al-Hajj

ٱلْحَجّ

Ibn Kathir (d. 774 AH) · Surah 22 · 78 verses

22:1

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَجِّ [وَهِيَ مَكِّيَّةٌ] [[زيادة من ت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ بِمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَزَلَازِلِهَا وَأَحْوَالِهِا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي زَلْزَلَةِ السَّاعَةِ: هَلْ هِيَ بَعْدَ قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ نَشُورِهِمْ إِلَى عَرصَات الْقِيَامَةِ؟ أَوْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ زَلْزَلَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ قِيَامِ النَّاسِ مَنْ أَجْدَاثِهِمْ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً * وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٤، ١٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤ -٦] . فَقَالَ قَائِلُونَ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ كَائِنَةٌ فِي آخِرِ عُمُرِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ أَحْوَالِ السَّاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَة فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ، قَالَ: قَبْلَ السَّاعَةِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ، وعُبَيْد بْنِ عُمَيْر، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بن جَرِيرٍ مُسْتَنَدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الصُّور، من رواية إسماعيل ابن رَافِعٍ قَاضِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ الصُّور، فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيه، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى العَرش، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الصُّورُ؟ قَالَ: "قَرْنٌ" قَالَ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: "قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نفخات، الأولى نفخة الفزع، وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْق، وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ [[في ت: "والنفخة الثالثة".]] الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فَيَقُولُ: انفخ نَفْخَةَ الْفَزَعِ. فيفزعُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَأْمُرُهُ فَيَمُدُّهَا وَيُطَوِّلُهَا وَلَا يَفْتُرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] فَيُسير اللَّهُ الْجِبَالَ، فَتَكُونُ سَرَابًا وتُرج الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٦ -٨] ، فَتَكُونُ الْأَرْضُ، كَالسَّفِينَةِ الْمُوبِقَةِ [[في ت: "المرسية".]] فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ تَكْفَؤُهَا بِأَهْلِهَا، وَكَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ تُرَجِّحُهُ الْأَرْوَاحُ. فَيَمْتَدُّ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا، فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ. وَيَشِيبُ [[في ت، أ: "وتشيب".]] الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً، حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ، فَتَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، فَتَرْجِعُ، وَيُوَلِّي [[في ت: "وتولي".]] النَّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ [[في ت: "التنادي".]] * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غَافِرٍ: ٣٢، ٣٣] فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذِ انْصَدَعَتِ الْأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأوا أَمْرًا عَظِيمًا، فَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وخُسفَ قَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطت عَنْهُمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ [[في ت: "ما".]] شَاءَ اللَّهُ﴾ [النَّمْلِ: ٨٧] ؟ قَالَ: أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٧/٨٥) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[حديث الصور سبق عند تفسير الآية ٧٣ من سورة الأنعام.]] مُطَوَّلًا جِدًّا. وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ [[في ت: "الزلزلة له".]] كَائِنَةٌ قَبْلَ يَوْمِ السَّاعَةِ، وَأُضِيفَتْ إِلَى السَّاعَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، كَمَا يُقَالُ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هَوْلٌ وَفَزَعٌ وَزِلْزَالٌ وَبِلْبَالٌ، كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ، بَعْدَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقُبُورِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا [[في ت: "عن".]] قَتَادَةُ، عن الحسن، عن عمران [ابن] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] حُصَين؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَقَدْ تَفَاوَتَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ السَّيْرُ، رَفَعَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ صَوْتَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُهُ بِذَلِكَ حَثْوا المُطي، وَعَرَفُوا أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلٍ يَقُولُهُ، فَلَمَّا تَأَشَّهُوا حَوْلَهُ قَالَ: " أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكَ؟ يَوْمَ يُنَادَى آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيُنَادِيهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: يَا آدَمُ، ابْعَثْ بَعْثَكَ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ". قَالَ فَأَبْلَسَ أَصْحَابُهُ حَتَّى مَا أَوْضَحُوا بِضَاحِكَةٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: "أَبْشِرُوا وَاعْمَلُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَمَعَ [[في ت: "مع".]] خَليقتين مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ" قَالَ: فسُرّي عَنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ القَطَّان-عَنْ هِشَامٍ-وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ-عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٤/٤٣٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٦٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٠) .]] بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ [[في ت: "وقال".]] التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُدعان، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْن؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ [[في ت: "يا أيها الذين آمنوا" وهو خطأ.]] اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ، قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ " فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ" فَأَنْشَأَ الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَارِبُوا وسَدِّدوا، فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ" قَالَ: "فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ تَمَّتْ وَإِلَّا كُمّلت مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ وَالْأُمَمُ إِلَّا كَمَثَلِ الرَّقمة فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ [[في ت: "وكالشامة".]] فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ" ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أهل الجنة" فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرُوا، قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَقَالَ الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا؟ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣١٦٨) والمسند (٤/٤٣٢) .]] ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عمران بن الحصين [[في ت: "ابن حصين".]] ، فذكره. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لَمَّا قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ العُسرة وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَ مَا شَارَفَ الْمَدِينَةَ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [[تفسير الطبري (١٧/٨٦) .]] ، فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ ابْنِ جُدْعَان، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ الطَبَّاع، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ -[يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] الْمَعْمَرِيَّ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَنْسٍ قَالَ: نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَذَكَرَ -يَعْنِي: نَحْوَ سِيَاقِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ-غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ هَلَكَ مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ، مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ [[تفسير الطبري (١٧/٨٧) .]] . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْعَوَّامِ-حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ [[في ت: "ابن حبان".]] ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَلَا [[في ت: "قال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِيهِ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَفَرِحُوا، وَزَادَ أَيْضًا: "وَإِنَّمَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (٢٢٣٥) "كشف الأستار" حدثنا أبو بكر بن إسحاق عن سعد بن سليمان به، وقال: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي في المجمع (٧/٦٩) : "قلت في الصحيح بعضه، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة".]] . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ -أَرَاهُ قَالَ-تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ [[في ت: "وتسعون".]] . فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين [[في ت: "وتسعون".]] ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤١) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٣٤٨، ٧٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٩) .]] . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ [[في ت: "عمارة".]] بْنُ مُحَمَّدٍ -ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ-وَعُبَيْدَةَ الْمَعْنَى، كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا [يُنَادِي] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] : يَا آدَمُ، إِنْ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَبْعَثَ بَعْثًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ آدَمُ: يَا رَبِّ، مَنْ هُمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: مَنْ هَذَا النَّاجِي مِنَّا بَعْدَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] : "هَلْ تَدْرُونَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي صَدْرِ الْبَعِيرِ" [[المسند (١/٣٨٨) .]] . انْفَرَدَ بِهَذَا السَّنَدِ وَهَذَا السِّيَاقِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفاة عُرَاةً غُرْلًا". قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الْأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكَ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[المسند (٦/٥٣) وصحيح البخاري برقم (٦٥٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٥) .]] . الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا أَمَّا عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يِثْقُلَ أَوْ يَخِفَّ، فَلَا. وَأَمَّا عِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فَإِمَّا يُعْطَى بِيَمِينِهِ أَوْ يُعْطَى بِشَمَالِهِ، فَلَا. وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُق مِنَ النَّارِ فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، وَيَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ ذَلِكَ الْعُنُقُ: وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: وُكِّلْتُ بِمَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَوُكِّلْتُ بِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَوُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" قَالَ: "فَيَنْطَوِي [[في ت: "وينطوي".]] عَلَيْهِمْ، وَيَرْمِيهِمْ فِي غَمَرَاتٍ، وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشِّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ يأخُذْنَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ، سَلِّم، سَلِّم. فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومكَوّر [[في أ: "ومكبوب".]] فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ [[في ت: "وجوههم".]] " [[المسند (٦/١١٠) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْآثَارُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: أَمْرٌ كَبِيرٌ، وَخَطْبٌ جَلِيلٌ، وَطَارِقٌ مُفْظِعٌ، وَحَادِثٌ هَائِلٌ، وَكَائِنٌ عَجِيبٌ. وَالزِّلْزَالُ [[في ت: "والزلازل".]] : هُوَ مَا يَحْصُلُ لِلنُّفُوسِ مِنَ الْفَزَعِ، وَالرُّعْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ : هَذَا مِنْ بَابِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُفَسِّرًا لَهُ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: تَشْتَغِلُ لِهَوْلِ مَا تَرَى عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهَا، وَالَّتِي هِيَ أَشْفَقُ النَّاسِ عَلَيْهِ، تَدْهَشُ عَنْهُ فِي حَالِ إِرْضَاعِهَا لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ ، وَلَمْ يَقِلْ: "مُرْضِعٍ" وَقَالَ: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: عَنْ رَضِيعِهَا قَبْلَ فِطَامِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أَيْ: قَبْلَ تَمَامِهِ لِشِدَّةِ الْهَوْلِ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ وَقُرِئَ: "سَكْرَى" أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ الَّذِي [قَدْ] [[زيادة من ت.]] صَارُوا فِيهِ قَدْ دَهِشَتْ عُقُولُهُمْ، وَغَابَتْ أَذْهَانُهُمْ، فَمَنْ رَآهُمْ حَسَبَ أَنَّهُمْ سُكارى، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
22:2

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَجِّ [وَهِيَ مَكِّيَّةٌ] [[زيادة من ت.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ بِمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَزَلَازِلِهَا وَأَحْوَالِهِا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي زَلْزَلَةِ السَّاعَةِ: هَلْ هِيَ بَعْدَ قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ نَشُورِهِمْ إِلَى عَرصَات الْقِيَامَةِ؟ أَوْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ زَلْزَلَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ قِيَامِ النَّاسِ مَنْ أَجْدَاثِهِمْ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً * وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٤، ١٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤ -٦] . فَقَالَ قَائِلُونَ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ كَائِنَةٌ فِي آخِرِ عُمُرِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ أَحْوَالِ السَّاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَة فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ، قَالَ: قَبْلَ السَّاعَةِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ، وعُبَيْد بْنِ عُمَيْر، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بن جَرِيرٍ مُسْتَنَدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الصُّور، من رواية إسماعيل ابن رَافِعٍ قَاضِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ الصُّور، فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيه، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى العَرش، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الصُّورُ؟ قَالَ: "قَرْنٌ" قَالَ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: "قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نفخات، الأولى نفخة الفزع، وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْق، وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ [[في ت: "والنفخة الثالثة".]] الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فَيَقُولُ: انفخ نَفْخَةَ الْفَزَعِ. فيفزعُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَأْمُرُهُ فَيَمُدُّهَا وَيُطَوِّلُهَا وَلَا يَفْتُرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] فَيُسير اللَّهُ الْجِبَالَ، فَتَكُونُ سَرَابًا وتُرج الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ٦ -٨] ، فَتَكُونُ الْأَرْضُ، كَالسَّفِينَةِ الْمُوبِقَةِ [[في ت: "المرسية".]] فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ تَكْفَؤُهَا بِأَهْلِهَا، وَكَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ تُرَجِّحُهُ الْأَرْوَاحُ. فَيَمْتَدُّ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا، فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ. وَيَشِيبُ [[في ت، أ: "وتشيب".]] الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً، حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ، فَتَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، فَتَرْجِعُ، وَيُوَلِّي [[في ت: "وتولي".]] النَّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ [[في ت: "التنادي".]] * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غَافِرٍ: ٣٢، ٣٣] فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذِ انْصَدَعَتِ الْأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأوا أَمْرًا عَظِيمًا، فَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وخُسفَ قَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطت عَنْهُمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ [[في ت: "ما".]] شَاءَ اللَّهُ﴾ [النَّمْلِ: ٨٧] ؟ قَالَ: أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٧/٨٥) .]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [[حديث الصور سبق عند تفسير الآية ٧٣ من سورة الأنعام.]] مُطَوَّلًا جِدًّا. وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ [[في ت: "الزلزلة له".]] كَائِنَةٌ قَبْلَ يَوْمِ السَّاعَةِ، وَأُضِيفَتْ إِلَى السَّاعَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، كَمَا يُقَالُ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هَوْلٌ وَفَزَعٌ وَزِلْزَالٌ وَبِلْبَالٌ، كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ، بَعْدَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقُبُورِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا [[في ت: "عن".]] قَتَادَةُ، عن الحسن، عن عمران [ابن] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] حُصَين؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَقَدْ تَفَاوَتَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ السَّيْرُ، رَفَعَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ صَوْتَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُهُ بِذَلِكَ حَثْوا المُطي، وَعَرَفُوا أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلٍ يَقُولُهُ، فَلَمَّا تَأَشَّهُوا حَوْلَهُ قَالَ: " أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكَ؟ يَوْمَ يُنَادَى آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيُنَادِيهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: يَا آدَمُ، ابْعَثْ بَعْثَكَ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ". قَالَ فَأَبْلَسَ أَصْحَابُهُ حَتَّى مَا أَوْضَحُوا بِضَاحِكَةٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: "أَبْشِرُوا وَاعْمَلُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَمَعَ [[في ت: "مع".]] خَليقتين مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ" قَالَ: فسُرّي عَنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّار، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ القَطَّان-عَنْ هِشَامٍ-وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ-عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٤/٤٣٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٦٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٠) .]] بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ [[في ت: "وقال".]] التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُدعان، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْن؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ [[في ت: "يا أيها الذين آمنوا" وهو خطأ.]] اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ، قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ " فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ" فَأَنْشَأَ الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَارِبُوا وسَدِّدوا، فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ" قَالَ: "فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ تَمَّتْ وَإِلَّا كُمّلت مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ وَالْأُمَمُ إِلَّا كَمَثَلِ الرَّقمة فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ [[في ت: "وكالشامة".]] فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ" ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أهل الجنة" فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرُوا، قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَقَالَ الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا؟ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣١٦٨) والمسند (٤/٤٣٢) .]] ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عمران بن الحصين [[في ت: "ابن حصين".]] ، فذكره. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لَمَّا قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ العُسرة وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَ مَا شَارَفَ الْمَدِينَةَ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [[تفسير الطبري (١٧/٨٦) .]] ، فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ ابْنِ جُدْعَان، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ الطَبَّاع، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ -[يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] الْمَعْمَرِيَّ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَنْسٍ قَالَ: نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَذَكَرَ -يَعْنِي: نَحْوَ سِيَاقِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ-غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ هَلَكَ مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ، مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ [[تفسير الطبري (١٧/٨٧) .]] . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْعَوَّامِ-حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ [[في ت: "ابن حبان".]] ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَلَا [[في ت: "قال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِيهِ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَفَرِحُوا، وَزَادَ أَيْضًا: "وَإِنَّمَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (٢٢٣٥) "كشف الأستار" حدثنا أبو بكر بن إسحاق عن سعد بن سليمان به، وقال: "لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي في المجمع (٧/٦٩) : "قلت في الصحيح بعضه، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة".]] . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ -أَرَاهُ قَالَ-تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ [[في ت: "وتسعون".]] . فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين [[في ت: "وتسعون".]] ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: "شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤١) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٣٤٨، ٧٤٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٩) .]] . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ [[في ت: "عمارة".]] بْنُ مُحَمَّدٍ -ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ-وَعُبَيْدَةَ الْمَعْنَى، كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا [يُنَادِي] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] : يَا آدَمُ، إِنْ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَبْعَثَ بَعْثًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ آدَمُ: يَا رَبِّ، مَنْ هُمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: مَنْ هَذَا النَّاجِي مِنَّا بَعْدَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] : "هَلْ تَدْرُونَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي صَدْرِ الْبَعِيرِ" [[المسند (١/٣٨٨) .]] . انْفَرَدَ بِهَذَا السَّنَدِ وَهَذَا السِّيَاقِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفاة عُرَاةً غُرْلًا". قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الْأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكَ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[المسند (٦/٥٣) وصحيح البخاري برقم (٦٥٢٧) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٥) .]] . الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا أَمَّا عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يِثْقُلَ أَوْ يَخِفَّ، فَلَا. وَأَمَّا عِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فَإِمَّا يُعْطَى بِيَمِينِهِ أَوْ يُعْطَى بِشَمَالِهِ، فَلَا. وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُق مِنَ النَّارِ فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، وَيَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ ذَلِكَ الْعُنُقُ: وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: وُكِّلْتُ بِمَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَوُكِّلْتُ بِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَوُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" قَالَ: "فَيَنْطَوِي [[في ت: "وينطوي".]] عَلَيْهِمْ، وَيَرْمِيهِمْ فِي غَمَرَاتٍ، وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشِّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ يأخُذْنَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ، سَلِّم، سَلِّم. فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومكَوّر [[في أ: "ومكبوب".]] فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ [[في ت: "وجوههم".]] " [[المسند (٦/١١٠) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْآثَارُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: أَمْرٌ كَبِيرٌ، وَخَطْبٌ جَلِيلٌ، وَطَارِقٌ مُفْظِعٌ، وَحَادِثٌ هَائِلٌ، وَكَائِنٌ عَجِيبٌ. وَالزِّلْزَالُ [[في ت: "والزلازل".]] : هُوَ مَا يَحْصُلُ لِلنُّفُوسِ مِنَ الْفَزَعِ، وَالرُّعْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ : هَذَا مِنْ بَابِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُفَسِّرًا لَهُ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: تَشْتَغِلُ لِهَوْلِ مَا تَرَى عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهَا، وَالَّتِي هِيَ أَشْفَقُ النَّاسِ عَلَيْهِ، تَدْهَشُ عَنْهُ فِي حَالِ إِرْضَاعِهَا لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ ، وَلَمْ يَقِلْ: "مُرْضِعٍ" وَقَالَ: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: عَنْ رَضِيعِهَا قَبْلَ فِطَامِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أَيْ: قَبْلَ تَمَامِهِ لِشِدَّةِ الْهَوْلِ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ وَقُرِئَ: "سَكْرَى" أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ الَّذِي [قَدْ] [[زيادة من ت.]] صَارُوا فِيهِ قَدْ دَهِشَتْ عُقُولُهُمْ، وَغَابَتْ أَذْهَانُهُمْ، فَمَنْ رَآهُمْ حَسَبَ أَنَّهُمْ سُكارى، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
22:3

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ، وَأَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، مُعْرِضًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، مُتَّبِعًا فِي قَوْلِهِ وَإِنْكَارِهِ وَكُفْرِهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلَالِ [[في ت: "الضلالة".]] وَالْبِدَعِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْحَقِّ، الْمُتَّبِعِينَ لِلْبَاطِلِ، يَتْرُكُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَيَتَّبِعُونَ أَقْوَالَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ، الدُّعَاةِ إِلَى الْبِدَعِ بِالْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي شَأْنِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، أَيْ: عِلْمٍ صَحِيحٍ، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ. مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ، يَعْنِي: كُتِبَ عَلَيْهِ كِتَابَةً قَدَرِيَّةً ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ أَيِ: اتَّبَعَهُ وَقَلَّدَهُ، ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: يُضِلُّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَقُودُهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، وَهُوَ الْحَارُّ الْمُؤْلِمُ الْمُزْعِجُ الْمُقْلِقُ. وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ أَبِي مَالِكٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَكَذَلِكَ [[في ف: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ [[في ت، ف: "ابن مسلم".]] الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْمَحْرَمِ أَبُو قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْمَعْمَرُ [[في ت: "المعتمر".]] ، حَدَّثَنَا أَبُو كَعْبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: قَالَ خَبِيثٌ مِنْ خُبثاء قُرَيْشٍ: أَخْبِرْنَا [[في ت: "حدثنا".]] عَنْ رَبِّكُمْ، مِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ هُوَ، أَوْ مِنْ نُحَاسٍ هُوَ؟ فَقَعْقَعَتِ السَّمَاءُ قَعْقَعَةً -وَالْقَعْقَعَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الرَّعْدُ-فَإِذَا قِحْف رَأَسِهِ سَاقِطٌ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ رَبِّكَ: مَنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ مِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.
22:4

كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ، وَأَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، مُعْرِضًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، مُتَّبِعًا فِي قَوْلِهِ وَإِنْكَارِهِ وَكُفْرِهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلَالِ [[في ت: "الضلالة".]] وَالْبِدَعِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْحَقِّ، الْمُتَّبِعِينَ لِلْبَاطِلِ، يَتْرُكُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَيَتَّبِعُونَ أَقْوَالَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ، الدُّعَاةِ إِلَى الْبِدَعِ بِالْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي شَأْنِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، أَيْ: عِلْمٍ صَحِيحٍ، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ. مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ، يَعْنِي: كُتِبَ عَلَيْهِ كِتَابَةً قَدَرِيَّةً ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ أَيِ: اتَّبَعَهُ وَقَلَّدَهُ، ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: يُضِلُّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَقُودُهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، وَهُوَ الْحَارُّ الْمُؤْلِمُ الْمُزْعِجُ الْمُقْلِقُ. وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ أَبِي مَالِكٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَكَذَلِكَ [[في ف: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ [[في ت، ف: "ابن مسلم".]] الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْمَحْرَمِ أَبُو قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْمَعْمَرُ [[في ت: "المعتمر".]] ، حَدَّثَنَا أَبُو كَعْبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: قَالَ خَبِيثٌ مِنْ خُبثاء قُرَيْشٍ: أَخْبِرْنَا [[في ت: "حدثنا".]] عَنْ رَبِّكُمْ، مِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ هُوَ، أَوْ مِنْ نُحَاسٍ هُوَ؟ فَقَعْقَعَتِ السَّمَاءُ قَعْقَعَةً -وَالْقَعْقَعَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الرَّعْدُ-فَإِذَا قِحْف رَأَسِهِ سَاقِطٌ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ رَبِّكَ: مَنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ مِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.
22:5

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَالِفَ لِلْبَعْثِ، الْمُنْكِرَ لِلْمَعَادِ، ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ، بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ [[في ت: "بما شاهد من بين يديه للخلق"، وفي ف: "بما يشاهده من بين يديه للخلق".]] ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أَيْ: فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ وَهُوَ الْمَعَادُ وَقِيَامُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أَيْ: أَصْلُ بَرْئه [[في ت، ف: "تربه".]] لَكُمْ مِنْ تُرَابٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيْ: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَذَلِكَ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَقَةً حَمْرَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَتَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ مُضْغَةً -قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ-ثُمَّ يُشْرَعُ فِي التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، فَيُصَوَّرُ مِنْهَا رَأْسٌ وَيَدَانِ، وَصَدْرٌ وَبَطْنٌ، وَفَخْذَانِ وَرِجْلَانِ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ. فَتَارَةً تُسقطها الْمَرْأَةُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، وَتَارَةً تُلْقِيهَا وَقَدْ صَارَتْ ذَاتَ شَكْلٍ وَتَخْطِيطٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أَيْ: كَمَا تُشَاهِدُونَهَا، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: وَتَارَةً تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ لَا تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ وَلَا تُسْقِطُهَا، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ السَّقْطُ مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهِيَ مُضْغَةٌ، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكًا فَنَفَخَ [[في أ: "فينفخ".]] فِيهَا الرَّوْحَ، وَسَوَّاهَا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف، أ: "الله تعالى".]] ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرٍ وَأَنْثَى، وَكَتَبَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-:"إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمع فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ: بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ علقمة، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: النُّطْفَةُ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ، أَخَذَهَا [[في هـ، ت، ف: "جاءها"، والمثبت من الدر المنثور ٣/٣٤٥.]] مَلَكٌ بِكَفِّهِ قَالَ [[في ت، ف: "فقال".]] : يَا رَبِّ، مخلقة أو غير مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: "غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ" لَمْ تَكُنْ نَسَمَةٌ، وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا. وَإنْ قِيلَ: "مُخَلَّقَةٌ"، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ وَمَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ [[في ف: "تموت".]] ؟ قَالَ: فَيُقَالُ لِلنُّطْفَةِ: مَنْ رَبُّكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فَيُقَالُ: مَنْ رَازِقُكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فيقال له: اذهب إلى الْكِتَابِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ فِيهِ قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ. قَالَ: فَتُخْلَقُ فَتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا، وَتَأْكُلُ رِزْقَهَا، وَتَطَأُ أَثَرَهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا مَاتَتْ، فَدُفِنَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، ثُمَّ تَلَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فَإِذَا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ فَكَانَتْ نَسَمَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ -يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ-قَالَ: "يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، وَيَكْتُبَانِ، فَيَقُولُ: أَذَكَرٌ أَمْ أَنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْتَقَصُ [[في ف: "ولا ينقص".]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنِ أَبِي الطُّفَيل، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ أَيْ: ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوَاسِّهِ، وَبَطْشِهِ وَعَقْلِهِ. ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ الْقُوَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَلْطُفُ [[في أ: "ويتلطف".]] بِهِ، وَيَحْنُنْ عَلَيْهِ وَالِدِّيَةُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أَيْ: يَتَكَامَلُ [[في ت: "تتكامل".]] الْقُوَى وَيَتَزَايَدُ، وَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ ، أَيْ: فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقَوَاهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ والهَرَم وَضَعْفُ الْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ، وَتَنَاقُصُ الْأَحْوَالِ مِنَ الخَرَف [[في ت، ف، أ: "من الحزن".]] وَضَعْفِ الْفِكْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِكَيْلا [[في ت: "لا".]] يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [أَحْمَدُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ [[في أ: "ابن أبي عاصم".]] ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ أَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ ابن حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ، كُتِبَتْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ [[في ت، ف: "لوالديه".]] وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ جَرَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَلَمُ أُمِرَ الْمَلِكَانِ اللَّذَانِ مَعَهُ أَنْ يَحْفَظَا وَأَنْ يُشَدِّدَا، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سنة في الْإِسْلَامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا الثَّلَاثِ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ. فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ، خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ. فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَّغَ الثَّمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ" [[مسند أبي يعلى (٦/٣٥٢) .]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَمَعَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ [[في ت، ف: "العاملي".]] ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا، مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ [[في ف: "البرص والجذام".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّن اللَّهُ حِسَابَهُ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أسير اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ [[المسند (٢/٨٩) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عبد الله بن عمر بن الخطاب، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ [[المسند (٢/٨٩)]] . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَبِي ذَرَّةَ [[في هـ، ت، ف: "أبي بردة"، والتصويب من كتب الرجال.]] الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْري، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ [[في ت: "أو الجذام أو البرص".]] ..... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءً [[المسند (٣/٢١٧) وفي إسناده يوسف بن أبي ذرة وهو ضعيف.]] . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ت: "عبد الله بن مالك".]] ، عَنِ أَبِي قَتَادَةَ العُذْري، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحِسَابَ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أَسِيرَ اللَّهِ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في أ: "السموات".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوُزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسُمي أسير اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" [[مسند البزار برقم (٣٥٨٨) "كشف الأستار".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً﴾ : هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الْهَامِدَةَ، وَهِيَ القحلَة الَّتِي لَا نَبْتَ فِيهَا وَلَا شَيْءَ [[في ت: "التي لا ينبت فيهات شيئا".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: غَبْرَاءُ مُتَهَشِّمَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَيْتَةٌ. ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أَيْ: تَحَرَّكَتْ وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ لَمَّا سَكَنَ فِيهَا الثَّرَى، ثُمَّ أَنْبَتَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْفُنُونِ، مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، وَأَشْتَاتِ النَّبَاتَاتِ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا، وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا وَمَنَافِعِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرِّيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [أَيْ: كَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ وَأَنْبَتَ مِنْهَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ؛ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] ، ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] فَـ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أَيْ: كَائِنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي قُبُورِهِمْ رِمَمًا، وَيُوجِدُهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨ -٨٠] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ [[في ت: "لكثيرة".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهز [[في ت: "يزيد".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا يَعْلَى عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُس [[في ت: "عدس"، وفي ف، أ: "عدي".]] ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزين الْعُقَيْلِيِّ -وَاسْمُهُ لَقِيط بْنُ عَامِرٍ [[في ت: "ليث بن أبي عامر".]] -أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ مُخْليا بِهِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَاللَّهُ أَعْظَمُ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا [[في أ: "ممحلا".]] " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١١) وسنن أبي داود برقم (٤٧٣١) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٠) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ أَبِي رَزين العُقَيْلي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: "أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ من أرضك مُجْدبةً، ثم مررت بها مُخْصِبَةً؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "كَذَلِكَ النُّشُورُ" [[المسند (٤/١١)]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيس [[في ف، أ: "عيسى".]] بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْر بْنُ أَبِي السُّمَيْط، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ -دَخَلَ الْجَنَّةَ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
22:6

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَالِفَ لِلْبَعْثِ، الْمُنْكِرَ لِلْمَعَادِ، ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ، بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ [[في ت: "بما شاهد من بين يديه للخلق"، وفي ف: "بما يشاهده من بين يديه للخلق".]] ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أَيْ: فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ وَهُوَ الْمَعَادُ وَقِيَامُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أَيْ: أَصْلُ بَرْئه [[في ت، ف: "تربه".]] لَكُمْ مِنْ تُرَابٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيْ: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَذَلِكَ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَقَةً حَمْرَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَتَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ مُضْغَةً -قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ-ثُمَّ يُشْرَعُ فِي التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، فَيُصَوَّرُ مِنْهَا رَأْسٌ وَيَدَانِ، وَصَدْرٌ وَبَطْنٌ، وَفَخْذَانِ وَرِجْلَانِ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ. فَتَارَةً تُسقطها الْمَرْأَةُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، وَتَارَةً تُلْقِيهَا وَقَدْ صَارَتْ ذَاتَ شَكْلٍ وَتَخْطِيطٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أَيْ: كَمَا تُشَاهِدُونَهَا، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: وَتَارَةً تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ لَا تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ وَلَا تُسْقِطُهَا، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ السَّقْطُ مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهِيَ مُضْغَةٌ، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكًا فَنَفَخَ [[في أ: "فينفخ".]] فِيهَا الرَّوْحَ، وَسَوَّاهَا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف، أ: "الله تعالى".]] ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرٍ وَأَنْثَى، وَكَتَبَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-:"إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمع فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ: بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ علقمة، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: النُّطْفَةُ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ، أَخَذَهَا [[في هـ، ت، ف: "جاءها"، والمثبت من الدر المنثور ٣/٣٤٥.]] مَلَكٌ بِكَفِّهِ قَالَ [[في ت، ف: "فقال".]] : يَا رَبِّ، مخلقة أو غير مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: "غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ" لَمْ تَكُنْ نَسَمَةٌ، وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا. وَإنْ قِيلَ: "مُخَلَّقَةٌ"، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ وَمَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ [[في ف: "تموت".]] ؟ قَالَ: فَيُقَالُ لِلنُّطْفَةِ: مَنْ رَبُّكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فَيُقَالُ: مَنْ رَازِقُكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فيقال له: اذهب إلى الْكِتَابِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ فِيهِ قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ. قَالَ: فَتُخْلَقُ فَتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا، وَتَأْكُلُ رِزْقَهَا، وَتَطَأُ أَثَرَهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا مَاتَتْ، فَدُفِنَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، ثُمَّ تَلَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فَإِذَا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ فَكَانَتْ نَسَمَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ -يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ-قَالَ: "يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، وَيَكْتُبَانِ، فَيَقُولُ: أَذَكَرٌ أَمْ أَنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْتَقَصُ [[في ف: "ولا ينقص".]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنِ أَبِي الطُّفَيل، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ أَيْ: ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوَاسِّهِ، وَبَطْشِهِ وَعَقْلِهِ. ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ الْقُوَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَلْطُفُ [[في أ: "ويتلطف".]] بِهِ، وَيَحْنُنْ عَلَيْهِ وَالِدِّيَةُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أَيْ: يَتَكَامَلُ [[في ت: "تتكامل".]] الْقُوَى وَيَتَزَايَدُ، وَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ ، أَيْ: فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقَوَاهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ والهَرَم وَضَعْفُ الْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ، وَتَنَاقُصُ الْأَحْوَالِ مِنَ الخَرَف [[في ت، ف، أ: "من الحزن".]] وَضَعْفِ الْفِكْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِكَيْلا [[في ت: "لا".]] يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [أَحْمَدُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ [[في أ: "ابن أبي عاصم".]] ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ أَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ ابن حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ، كُتِبَتْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ [[في ت، ف: "لوالديه".]] وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ جَرَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَلَمُ أُمِرَ الْمَلِكَانِ اللَّذَانِ مَعَهُ أَنْ يَحْفَظَا وَأَنْ يُشَدِّدَا، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سنة في الْإِسْلَامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا الثَّلَاثِ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ. فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ، خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ. فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَّغَ الثَّمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ" [[مسند أبي يعلى (٦/٣٥٢) .]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَمَعَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ [[في ت، ف: "العاملي".]] ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا، مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ [[في ف: "البرص والجذام".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّن اللَّهُ حِسَابَهُ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أسير اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ [[المسند (٢/٨٩) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عبد الله بن عمر بن الخطاب، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ [[المسند (٢/٨٩)]] . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَبِي ذَرَّةَ [[في هـ، ت، ف: "أبي بردة"، والتصويب من كتب الرجال.]] الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْري، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ [[في ت: "أو الجذام أو البرص".]] ..... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءً [[المسند (٣/٢١٧) وفي إسناده يوسف بن أبي ذرة وهو ضعيف.]] . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ت: "عبد الله بن مالك".]] ، عَنِ أَبِي قَتَادَةَ العُذْري، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحِسَابَ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أَسِيرَ اللَّهِ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في أ: "السموات".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوُزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسُمي أسير اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" [[مسند البزار برقم (٣٥٨٨) "كشف الأستار".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً﴾ : هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الْهَامِدَةَ، وَهِيَ القحلَة الَّتِي لَا نَبْتَ فِيهَا وَلَا شَيْءَ [[في ت: "التي لا ينبت فيهات شيئا".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: غَبْرَاءُ مُتَهَشِّمَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَيْتَةٌ. ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أَيْ: تَحَرَّكَتْ وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ لَمَّا سَكَنَ فِيهَا الثَّرَى، ثُمَّ أَنْبَتَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْفُنُونِ، مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، وَأَشْتَاتِ النَّبَاتَاتِ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا، وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا وَمَنَافِعِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرِّيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [أَيْ: كَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ وَأَنْبَتَ مِنْهَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ؛ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] ، ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] فَـ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أَيْ: كَائِنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي قُبُورِهِمْ رِمَمًا، وَيُوجِدُهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨ -٨٠] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ [[في ت: "لكثيرة".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهز [[في ت: "يزيد".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا يَعْلَى عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُس [[في ت: "عدس"، وفي ف، أ: "عدي".]] ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزين الْعُقَيْلِيِّ -وَاسْمُهُ لَقِيط بْنُ عَامِرٍ [[في ت: "ليث بن أبي عامر".]] -أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ مُخْليا بِهِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَاللَّهُ أَعْظَمُ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا [[في أ: "ممحلا".]] " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١١) وسنن أبي داود برقم (٤٧٣١) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٠) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ أَبِي رَزين العُقَيْلي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: "أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ من أرضك مُجْدبةً، ثم مررت بها مُخْصِبَةً؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "كَذَلِكَ النُّشُورُ" [[المسند (٤/١١)]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيس [[في ف، أ: "عيسى".]] بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْر بْنُ أَبِي السُّمَيْط، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ -دَخَلَ الْجَنَّةَ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
22:7

وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُخَالِفَ لِلْبَعْثِ، الْمُنْكِرَ لِلْمَعَادِ، ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ، بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ بَدْئِهِ لِلْخَلْقِ [[في ت: "بما شاهد من بين يديه للخلق"، وفي ف: "بما يشاهده من بين يديه للخلق".]] ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أَيْ: فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ وَهُوَ الْمَعَادُ وَقِيَامُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أَيْ: أَصْلُ بَرْئه [[في ت، ف: "تربه".]] لَكُمْ مِنْ تُرَابٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيْ: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَذَلِكَ، يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَقَةً حَمْرَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَتَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ مُضْغَةً -قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ لَا شَكْلَ فِيهَا وَلَا تَخْطِيطَ-ثُمَّ يُشْرَعُ فِي التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، فَيُصَوَّرُ مِنْهَا رَأْسٌ وَيَدَانِ، وَصَدْرٌ وَبَطْنٌ، وَفَخْذَانِ وَرِجْلَانِ، وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ. فَتَارَةً تُسقطها الْمَرْأَةُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ وَالتَّخْطِيطِ، وَتَارَةً تُلْقِيهَا وَقَدْ صَارَتْ ذَاتَ شَكْلٍ وَتَخْطِيطٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أَيْ: كَمَا تُشَاهِدُونَهَا، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: وَتَارَةً تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ لَا تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ وَلَا تُسْقِطُهَا، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قَالَ: هُوَ السَّقْطُ مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهِيَ مُضْغَةٌ، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا مَلَكًا فَنَفَخَ [[في أ: "فينفخ".]] فِيهَا الرَّوْحَ، وَسَوَّاهَا كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف، أ: "الله تعالى".]] ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرٍ وَأَنْثَى، وَكَتَبَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-:"إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمع فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلَمَّاتٍ: بِكَتْبِ عَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَرِزْقِهِ، وَشَقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ علقمة، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: النُّطْفَةُ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ، أَخَذَهَا [[في هـ، ت، ف: "جاءها"، والمثبت من الدر المنثور ٣/٣٤٥.]] مَلَكٌ بِكَفِّهِ قَالَ [[في ت، ف: "فقال".]] : يَا رَبِّ، مخلقة أو غير مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: "غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ" لَمْ تَكُنْ نَسَمَةٌ، وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا. وَإنْ قِيلَ: "مُخَلَّقَةٌ"، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَوْ أَنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُ؟ وَمَا الْأَثَرُ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ [[في ف: "تموت".]] ؟ قَالَ: فَيُقَالُ لِلنُّطْفَةِ: مَنْ رَبُّكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فَيُقَالُ: مَنْ رَازِقُكِ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. فيقال له: اذهب إلى الْكِتَابِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ فِيهِ قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ. قَالَ: فَتُخْلَقُ فَتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا، وَتَأْكُلُ رِزْقَهَا، وَتَطَأُ أَثَرَهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا مَاتَتْ، فَدُفِنَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، ثُمَّ تَلَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فَإِذَا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ فَكَانَتْ نَسَمَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ -يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ-قَالَ: "يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، وَيَكْتُبَانِ، فَيَقُولُ: أَذَكَرٌ أَمْ أَنْثَى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ وَيَكْتُبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْتَقَصُ [[في ف: "ولا ينقص".]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنِ أَبِي الطُّفَيل، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦٤٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ أَيْ: ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوَاسِّهِ، وَبَطْشِهِ وَعَقْلِهِ. ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ الْقُوَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَلْطُفُ [[في أ: "ويتلطف".]] بِهِ، وَيَحْنُنْ عَلَيْهِ وَالِدِّيَةُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أَيْ: يَتَكَامَلُ [[في ت: "تتكامل".]] الْقُوَى وَيَتَزَايَدُ، وَيَصِلُ إِلَى عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ ، أَيْ: فِي حَالِ شَبَابِهِ وَقَوَاهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ والهَرَم وَضَعْفُ الْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ، وَتَنَاقُصُ الْأَحْوَالِ مِنَ الخَرَف [[في ت، ف، أ: "من الحزن".]] وَضَعْفِ الْفِكْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِكَيْلا [[في ت: "لا".]] يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] . وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [أَحْمَدُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ [[في أ: "ابن أبي عاصم".]] ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ أَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ ابن حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ، كُتِبَتْ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ [[في ت، ف: "لوالديه".]] وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ جَرَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَلَمُ أُمِرَ الْمَلِكَانِ اللَّذَانِ مَعَهُ أَنْ يَحْفَظَا وَأَنْ يُشَدِّدَا، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سنة في الْإِسْلَامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا الثَّلَاثِ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ. فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ، خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ. فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَّغَ الثَّمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ" [[مسند أبي يعلى (٦/٣٥٢) .]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَمَعَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ [[في ت، ف: "العاملي".]] ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا، مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ [[في ف: "البرص والجذام".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّن اللَّهُ حِسَابَهُ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أسير اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ [[المسند (٢/٨٩) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عبد الله بن عمر بن الخطاب، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ [[المسند (٢/٨٩)]] . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَبِي ذَرَّةَ [[في هـ، ت، ف: "أبي بردة"، والتصويب من كتب الرجال.]] الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْري، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ [[في ت: "أو الجذام أو البرص".]] ..... وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءً [[المسند (٣/٢١٧) وفي إسناده يوسف بن أبي ذرة وهو ضعيف.]] . وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ت: "عبد الله بن مالك".]] ، عَنِ أَبِي قَتَادَةَ العُذْري، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحِسَابَ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسمي أَسِيرَ اللَّهِ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في أ: "السموات".]] ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوُزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ غَفَر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وسُمي أسير اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَشُفِّعَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" [[مسند البزار برقم (٣٥٨٨) "كشف الأستار".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً﴾ : هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الْهَامِدَةَ، وَهِيَ القحلَة الَّتِي لَا نَبْتَ فِيهَا وَلَا شَيْءَ [[في ت: "التي لا ينبت فيهات شيئا".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: غَبْرَاءُ مُتَهَشِّمَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَيْتَةٌ. ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أَيْ: تَحَرَّكَتْ وَحَيِيَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ لَمَّا سَكَنَ فِيهَا الثَّرَى، ثُمَّ أَنْبَتَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْفُنُونِ، مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ، وَأَشْتَاتِ النَّبَاتَاتِ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا، وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا وَمَنَافِعِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنِ الْمَنْظَرِ طَيِّبِ الرِّيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [أَيْ: كَمَا أَحْيَا الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ وَأَنْبَتَ مِنْهَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ؛ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] ، ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩] فَـ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أَيْ: كَائِنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي قُبُورِهِمْ رِمَمًا، وَيُوجِدُهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨ -٨٠] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ [[في ت: "لكثيرة".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهز [[في ت: "يزيد".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا يَعْلَى عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُس [[في ت: "عدس"، وفي ف، أ: "عدي".]] ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزين الْعُقَيْلِيِّ -وَاسْمُهُ لَقِيط بْنُ عَامِرٍ [[في ت: "ليث بن أبي عامر".]] -أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ مُخْليا بِهِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَاللَّهُ أَعْظَمُ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا [[في أ: "ممحلا".]] " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١١) وسنن أبي داود برقم (٤٧٣١) وسنن ابن ماجه برقم (١٨٠) .]] . ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ أَبِي رَزين العُقَيْلي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: "أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ من أرضك مُجْدبةً، ثم مررت بها مُخْصِبَةً؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "كَذَلِكَ النُّشُورُ" [[المسند (٤/١١)]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيس [[في ف، أ: "عيسى".]] بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْر بْنُ أَبِي السُّمَيْط، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ -دَخَلَ الْجَنَّةَ. [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ف، أ.]] .
22:8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الضُّلَّالِ الْجُهَّالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَيْ: بِلَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَلَا نَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالْهَوَى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: مُسْتَكْبِرًا عَنِ الْحَقِّ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: لَاوِيَ عُنُقِهِ، وَهِيَ رَقَبَتُهُ، يَعْنِي: يُعْرِضُ عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ رقَبَته اسْتِكْبَارًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٣٨، ٣٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦١] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٥] : وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لُقْمَانَ: ١٨] أَيْ: تُمِيلُهُ عَنْهُمُ اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُقْصَدُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَامَ التَّعْلِيلِ. ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُعَانِدِينَ [[في ت، ف: "المعاندون".]] ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّ هَذَا الْفَاعِلَ لِهَذَا إِنَّمَا جَبَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الَّذِي يَجْعَلُهُ مِمَّنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وَهُوَ الْإِهَانَةُ وَالذُّلُّ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَكْبَرَ عَنِ آيَاتِ اللَّهِ لَقَّاه اللَّهُ الْمَذَلَّةَ فِي الدُّنْيَا، وَعَاقَبَهُ فِيهَا قَبْلَ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُ هَمّه وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُ هَذَا تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٧ -٥٠] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدَهُمْ يُحرق فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ.
22:9

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الضُّلَّالِ الْجُهَّالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَيْ: بِلَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَلَا نَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالْهَوَى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: مُسْتَكْبِرًا عَنِ الْحَقِّ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: لَاوِيَ عُنُقِهِ، وَهِيَ رَقَبَتُهُ، يَعْنِي: يُعْرِضُ عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ رقَبَته اسْتِكْبَارًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٣٨، ٣٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦١] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٥] : وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لُقْمَانَ: ١٨] أَيْ: تُمِيلُهُ عَنْهُمُ اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُقْصَدُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَامَ التَّعْلِيلِ. ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُعَانِدِينَ [[في ت، ف: "المعاندون".]] ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّ هَذَا الْفَاعِلَ لِهَذَا إِنَّمَا جَبَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الَّذِي يَجْعَلُهُ مِمَّنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وَهُوَ الْإِهَانَةُ وَالذُّلُّ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَكْبَرَ عَنِ آيَاتِ اللَّهِ لَقَّاه اللَّهُ الْمَذَلَّةَ فِي الدُّنْيَا، وَعَاقَبَهُ فِيهَا قَبْلَ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُ هَمّه وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُ هَذَا تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٧ -٥٠] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدَهُمْ يُحرق فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ.
22:10

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الضُّلَّالِ الْجُهَّالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَيْ: بِلَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَلَا نَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالْهَوَى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: مُسْتَكْبِرًا عَنِ الْحَقِّ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: لَاوِيَ عُنُقِهِ، وَهِيَ رَقَبَتُهُ، يَعْنِي: يُعْرِضُ عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ رقَبَته اسْتِكْبَارًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٣٨، ٣٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦١] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٥] : وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لُقْمَانَ: ١٨] أَيْ: تُمِيلُهُ عَنْهُمُ اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ : قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُقْصَدُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَامَ التَّعْلِيلِ. ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُعَانِدِينَ [[في ت، ف: "المعاندون".]] ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّ هَذَا الْفَاعِلَ لِهَذَا إِنَّمَا جَبَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الَّذِي يَجْعَلُهُ مِمَّنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وَهُوَ الْإِهَانَةُ وَالذُّلُّ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَكْبَرَ عَنِ آيَاتِ اللَّهِ لَقَّاه اللَّهُ الْمَذَلَّةَ فِي الدُّنْيَا، وَعَاقَبَهُ فِيهَا قَبْلَ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُ هَمّه وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُ هَذَا تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٧ -٥٠] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدَهُمْ يُحرق فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ.
22:11

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ : عَلَى شَكٍّ [[في ت: "على شدة".]] . وَقَالَ غَيْرُهُمْ: عَلَى طَرَفٍ. وَمِنْهُ حَرْفُ الْجَبَلِ، أَيْ: طَرَفَهُ، أَيْ: دَخَلَ فِي الدِّينِ عَلَى طَرَفٍ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُحِبُّهُ اسْتَقَرَّ، وَإِلَّا انْشَمَرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في ف: "ابن أبي بكر".]] ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقدم الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، ونُتِجَت خيلُه، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ. وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ تُنتَج [[في ت، ف: "ينتج".]] خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ سُوءٌ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ القُمِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فيُسْلِمون، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ غَيث وَعَامَ خِصْبٍ وَعَامَ وَلَادٍ حَسَنٍ، قَالُوا: "إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ، فتمَسَّكُوا بِهِ". وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جُدوبة وَعَامَ وِلَادٍ سَوء وَعَامَ قَحْطٍ، قَالُوا: "مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدم الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَرْضٌ وَبِيئَةٌ [[في هـ، ت: "وهم أرض دونه" والمثبت من ف، أ.]] ، فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمُهُ، ونُتِجت فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كنتُ عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا". وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ -وَالْفِتْنَةُ: الْبَلَاءُ-أَيْ: وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ المدينة، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً، وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كُنْتُ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا. وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ. وَهَكَذَا ذَكَرَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُريج، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الْمُنَافِقُ، إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ، انْقَلَبَ فَلَا يُقِيمُ عَلَى الْعِبَادَةِ إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ، فَإِنْ [[في ت، ف، أ: "فإذا".]] أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوِ اخْتِبَارٌ أَوْ ضِيقٌ، تَرَكَ دِينَهُ وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أَيِ: ارْتَدَّ كَافِرًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ أَيْ: فَلَا هُوَ حَصَل مِنَ الدُّنْيَا عَلَى شَيْءٍ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ فِيهَا فِي غَايَةِ الشَّقَاءِ وَالْإِهَانَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: هَذِهِ هِيَ الْخَسَارَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالصَّفْقَةُ الْخَاسِرَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، يَسْتَغِيثُ بِهَا وَيَسْتَنْصِرُهَا وَيَسْتَرْزِقُهَا، وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ. يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أَيْ: ضَرَرُهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ فِيهَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَضَرَرُهُ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ، يَعْنِي: بِئْسَ هَذَا الَّذِي دَعَا بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَوْلًى، يَعْنِي: وَلِيًّا وَنَاصِرًا، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وَهُوَ الْمُخَالِطُ وَالْمُعَاشِرُ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ: لَبِئْسَ ابْنُ الْعَمِّ وَالصَّاحِبُ مَنْ يَعْبُدُ [اللَّهَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَلَى حَرْفٍ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَثَنُ، أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
22:12

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ : عَلَى شَكٍّ [[في ت: "على شدة".]] . وَقَالَ غَيْرُهُمْ: عَلَى طَرَفٍ. وَمِنْهُ حَرْفُ الْجَبَلِ، أَيْ: طَرَفَهُ، أَيْ: دَخَلَ فِي الدِّينِ عَلَى طَرَفٍ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُحِبُّهُ اسْتَقَرَّ، وَإِلَّا انْشَمَرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في ف: "ابن أبي بكر".]] ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقدم الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، ونُتِجَت خيلُه، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ. وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ تُنتَج [[في ت، ف: "ينتج".]] خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ سُوءٌ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ القُمِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فيُسْلِمون، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ غَيث وَعَامَ خِصْبٍ وَعَامَ وَلَادٍ حَسَنٍ، قَالُوا: "إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ، فتمَسَّكُوا بِهِ". وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جُدوبة وَعَامَ وِلَادٍ سَوء وَعَامَ قَحْطٍ، قَالُوا: "مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدم الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَرْضٌ وَبِيئَةٌ [[في هـ، ت: "وهم أرض دونه" والمثبت من ف، أ.]] ، فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمُهُ، ونُتِجت فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كنتُ عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا". وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ -وَالْفِتْنَةُ: الْبَلَاءُ-أَيْ: وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ المدينة، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً، وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كُنْتُ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا. وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ. وَهَكَذَا ذَكَرَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُريج، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الْمُنَافِقُ، إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ، انْقَلَبَ فَلَا يُقِيمُ عَلَى الْعِبَادَةِ إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ، فَإِنْ [[في ت، ف، أ: "فإذا".]] أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوِ اخْتِبَارٌ أَوْ ضِيقٌ، تَرَكَ دِينَهُ وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أَيِ: ارْتَدَّ كَافِرًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ أَيْ: فَلَا هُوَ حَصَل مِنَ الدُّنْيَا عَلَى شَيْءٍ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ فِيهَا فِي غَايَةِ الشَّقَاءِ وَالْإِهَانَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: هَذِهِ هِيَ الْخَسَارَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالصَّفْقَةُ الْخَاسِرَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، يَسْتَغِيثُ بِهَا وَيَسْتَنْصِرُهَا وَيَسْتَرْزِقُهَا، وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ. يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أَيْ: ضَرَرُهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ فِيهَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَضَرَرُهُ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ، يَعْنِي: بِئْسَ هَذَا الَّذِي دَعَا بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَوْلًى، يَعْنِي: وَلِيًّا وَنَاصِرًا، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وَهُوَ الْمُخَالِطُ وَالْمُعَاشِرُ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ: لَبِئْسَ ابْنُ الْعَمِّ وَالصَّاحِبُ مَنْ يَعْبُدُ [اللَّهَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَلَى حَرْفٍ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَثَنُ، أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
22:13

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ : عَلَى شَكٍّ [[في ت: "على شدة".]] . وَقَالَ غَيْرُهُمْ: عَلَى طَرَفٍ. وَمِنْهُ حَرْفُ الْجَبَلِ، أَيْ: طَرَفَهُ، أَيْ: دَخَلَ فِي الدِّينِ عَلَى طَرَفٍ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُحِبُّهُ اسْتَقَرَّ، وَإِلَّا انْشَمَرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر [[في ف: "ابن أبي بكر".]] ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقدم الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، ونُتِجَت خيلُه، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ. وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ تُنتَج [[في ت، ف: "ينتج".]] خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ سُوءٌ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ القُمِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فيُسْلِمون، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ غَيث وَعَامَ خِصْبٍ وَعَامَ وَلَادٍ حَسَنٍ، قَالُوا: "إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ، فتمَسَّكُوا بِهِ". وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جُدوبة وَعَامَ وِلَادٍ سَوء وَعَامَ قَحْطٍ، قَالُوا: "مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدم الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَرْضٌ وَبِيئَةٌ [[في هـ، ت: "وهم أرض دونه" والمثبت من ف، أ.]] ، فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمُهُ، ونُتِجت فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كنتُ عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا". وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ -وَالْفِتْنَةُ: الْبَلَاءُ-أَيْ: وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ المدينة، وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً، وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كُنْتُ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا. وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ. وَهَكَذَا ذَكَرَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُريج، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الْمُنَافِقُ، إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ، انْقَلَبَ فَلَا يُقِيمُ عَلَى الْعِبَادَةِ إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ، فَإِنْ [[في ت، ف، أ: "فإذا".]] أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوِ اخْتِبَارٌ أَوْ ضِيقٌ، تَرَكَ دِينَهُ وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أَيِ: ارْتَدَّ كَافِرًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ أَيْ: فَلَا هُوَ حَصَل مِنَ الدُّنْيَا عَلَى شَيْءٍ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ فِيهَا فِي غَايَةِ الشَّقَاءِ وَالْإِهَانَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: هَذِهِ هِيَ الْخَسَارَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالصَّفْقَةُ الْخَاسِرَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، يَسْتَغِيثُ بِهَا وَيَسْتَنْصِرُهَا وَيَسْتَرْزِقُهَا، وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ. يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أَيْ: ضَرَرُهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ فِيهَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَضَرَرُهُ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ، يَعْنِي: بِئْسَ هَذَا الَّذِي دَعَا بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَوْلًى، يَعْنِي: وَلِيًّا وَنَاصِرًا، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وَهُوَ الْمُخَالِطُ وَالْمُعَاشِرُ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ: لَبِئْسَ ابْنُ الْعَمِّ وَالصَّاحِبُ مَنْ يَعْبُدُ [اللَّهَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَلَى حَرْفٍ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَثَنُ، أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
22:14

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ

لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ الْأَشْقِيَاءَ، عَطَفَ بِذِكْرِ الْأَبْرَارِ السُّعَدَاءِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَصَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَفْعَالِهِمْ، فَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، [وَتَرَكُوا الْمُنْكَرَاتِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَأَوْرَثَهُمْ ذَلِكَ سُكْنَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ، فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ. وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَضَلَّ أُولَئِكَ، وَهَدَى هَؤُلَاءِ، قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
22:15

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أَيْ: بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَيْ: سَمَاءِ بَيْتِهِ، ﴿ثُمَّ ليَقْطَعْ﴾ يَقُولُ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿فَلْيَمْدُدْ [[في ت: "وليمدد".]] بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَيْ: لِيَتَوَصَّلْ إِلَى بُلُوغِ السَّمَاءِ، فَإِنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا يَأْتِي مُحَمَّدًا مِنَ السَّمَاءِ، ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ ذَلِكَ عَنْهُ، إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَبْلَغُ فِي التَّهَكُّمِ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى: مَنْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِنَاصِرٍ مُحَمَّدًا وَكِتَابَهُ وَدِينَهُ، فَلْيَذْهَبْ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِظَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُ لَا مَحَالَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ٥١، ٥٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ [[في ت: "محمدا".]] ﷺ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَشْفِي ذَلِكَ مَا يَجِدُ فِي صَدْرِهِ مِنَ الْغَيْظِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ﴾ أَيِ: الْقُرْآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَاضِحَاتٍ فِي لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، حُجَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أَيْ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ [[في ت: "وله الحجة".]] الْقَاطِعَةُ فِي ذَلِكَ، ﴿لَا [[في ت: "ولا".]] يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٣] ، أَمَّا هُوَ فَلِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَعِلْمِهِ وَقَهْرِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
22:16

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أَيْ: بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَيْ: سَمَاءِ بَيْتِهِ، ﴿ثُمَّ ليَقْطَعْ﴾ يَقُولُ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿فَلْيَمْدُدْ [[في ت: "وليمدد".]] بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَيْ: لِيَتَوَصَّلْ إِلَى بُلُوغِ السَّمَاءِ، فَإِنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا يَأْتِي مُحَمَّدًا مِنَ السَّمَاءِ، ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ ذَلِكَ عَنْهُ، إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَأَبْلَغُ فِي التَّهَكُّمِ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى: مَنْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِنَاصِرٍ مُحَمَّدًا وَكِتَابَهُ وَدِينَهُ، فَلْيَذْهَبْ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِظَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُ لَا مَحَالَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ٥١، ٥٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ [[في ت: "محمدا".]] ﷺ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَشْفِي ذَلِكَ مَا يَجِدُ فِي صَدْرِهِ مِنَ الْغَيْظِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ﴾ أَيِ: الْقُرْآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَاضِحَاتٍ فِي لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، حُجَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أَيْ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ [[في ت: "وله الحجة".]] الْقَاطِعَةُ فِي ذَلِكَ، ﴿لَا [[في ت: "ولا".]] يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٣] ، أَمَّا هُوَ فَلِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَعِلْمِهِ وَقَهْرِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
22:17

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ أَهْلِ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ -وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" التَّعْرِيفَ بِهِمْ، واختلافَ النَّاسِ فِيهِمْ-وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ [[في ت: "بالعذاب".]] ، فَيُدْخِلُ مَنْ آمَنَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ [[في ت، أ: "إلى".]] النَّارَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، حَفِيظٌ لِأَقْوَالِهِمْ، عليم بسرائرهم، وما تُكِن ضمائرهم.
22:18

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ [[في ت: "سجد".]] لِعَظَمَتِهِ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا وَكَرْهًا وَسُجُودُ [كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا] [[زيادة من ف.]] يَخْتَصُّ بِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا [[في ت: "يرى".]] إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٨] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَقْطَارِ السموات، وَالْحَيَوَانَاتِ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ : إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ عَلَى التَّنْصِيصِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عُبدت مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا تَسْجُدُ لِخَالِقِهَا، وَأَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ مُسَخَّرَةٌ ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٧] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، ثُمَّ تُسْتَأْمَرُ فَيُوشِكُ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩) .]] . وَفِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ خَلْقان مِنْ خَلْق اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَجَلى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ [[في ف، أ: "خضع".]] لَهُ" [[المسند (٤/٢٦٧) وسنن أبي داود برقم (١١٧٧) وسنن النسائي (١٤١١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ، إِلَّا يَقَعُ لِلَّهِ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ، ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ. وَأَمَّا الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ فَسُجُودُهُمَا بفَيء ظِلَالِهِمَا [[في ت: "فسجودها على ظلالها".]] عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فسجدتُ فسجَدَت الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فسمعتُها وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِيَ بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عباس: فقرأ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَد، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يقولُ مثلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٣) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ أَيِ: الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ [[في ف، أ: "الحيوانات".]] مَنَابِرَ [[ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ [[في ف: "خيرا".]] وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْ رَاكِبِهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا مُخْتَارًا مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أَيْ: مِمَّنِ امْتَنَعَ وَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَدَّاحُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ لَعَلِّيٍّ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَشِيئَةِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خَلَقَكَ اللَّهُ كَمَا يَشَاءُ أَوْ كَمَا شِئْتَ [[في ت، ف: "لما يشاء أو لما شئت".]] ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ. قَالَ: فَيُمَرِّضُكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ. قَالَ: فَيَشْفِيكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ. قَالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شِئْتَ أَوْ حَيْثُ يَشَاءُ؟ قَالَ: بَلْ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لضربتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ بِالسَّيْفِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ [[في ف: "فاعتزل".]] الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ. أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وأمِرتُ بِالسُّجُودِ فأبيتُ، فَلِيَ النَّارُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (٨١) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا مَشْرَح بْنُ هَاعَانَ [[في أ: "عاهان".]] أَبُو مُصعب الْمُعَافِرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقَبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى سَائِرِ الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ بِهِمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١٥١) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٢) وسنن الترمذي برقم (٥٧٨) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "لَيْسَ بِقَوِيٍّ [[في ف: "ليس هو بقوي".]] " وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ لَهِيعة قَدْ صَرح فِيهِ بِالسَّمَاعِ، وَأَكْثَرُ مَا نَقَموا عَلَيْهِ تدليسه. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرح، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِب [[في ف، أ: "جيب".]] ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُضِّلت سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ". ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ أسندَ هَذَا، يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَصِحُّ [[المراسيل برقم (٧٨) .]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَنَانٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الْجَهْمِ: أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٣١٧) من طريق نافع عن رجل من أهل مصر أنه صلى مع عمر بن الخطاب فذكر مثله.]] . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ العُتَقيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَين، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي المُفَصّل، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ [[سنن أبي داود برقم (١٤٠١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٧) .]] . فَهَذِهِ [[في ف: "فهو".]] شَوَاهِدُ يَشُدّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
22:19

۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ [[في ت: "عن".]] حَدِيثِ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيه، وعتبةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣) .]] . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلز عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ الإسلامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، وَأَنْزَلَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ . وَكَذَا رَوَى العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: مُصدق وَمُكَذِّبٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ. وَقَالَ -فِي رِوَايَةٍ: هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، قَالَتِ النَّارَ: اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ. وقولُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وخذلانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَسَن؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أَيْ: فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أَيْ: إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] [[زيادة من ف، أ.]] هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَذُوبُ [[في ف: "يذوب".]] جُلُودُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ: تَسَاقَطَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطالَقاني، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ [[في ت، ف: "زيد".]] ، عَنِ أَبِي السَّمْح، عَنِ ابْنِ [[في ت: "أبي".]] حُجَيرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنْ الْحَمِيمَ ليُصَب عَلَى رُءُوسِهِمْ، فينفُد الجمجمةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ [[في أ: "فيسلت".]] مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ [[تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢) .]] ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَاريّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن السُّرِّيّ قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبتين مِنْ حَرَارَتِهِ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب بِهَا رَأْسَهُ، فَيُفرغ [[في ت، ف: "فيقرع".]] دِمَاغَهُ، ثُمَّ يُفرغ [[في ت: "يقرع".]] الْإِنَاءَ مِنْ دِمَاغِهِ، فَيَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ دِمَاغِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع فِي [[في ت: "على".]] الْأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أقَلُّوه مِنَ الْأَرْضِ" [[المسند (٣/٢٩) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "عن".]] دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ ضُرب الجبلُ بمِقْمَع مِنْ حَدِيدٍ، لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ، وَلَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاق فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا" [[المسند (٣/٨٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قَالَ: يُضْرَبُونَ بِهَا، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَيَدْعُونَ [[في ت، ف: "فيدعو".]] بِالثُّبُورِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ : قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ أَبِي ظِبْيان، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ. وَقَالَ الفُضيل [[في ت: "الفضل".]] بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ مَا طَمِعُوا فِي الْخُرُوجِ، إِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُمْ لَهَبُهَا، وَتَرُدُّهُمْ [[في ف: "ويردهم".]] مَقَامِعُهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٠] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُهَانُونَ بِالْعَذَابِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
22:20

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ [[في ت: "عن".]] حَدِيثِ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيه، وعتبةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣) .]] . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلز عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ الإسلامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، وَأَنْزَلَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ . وَكَذَا رَوَى العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: مُصدق وَمُكَذِّبٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ. وَقَالَ -فِي رِوَايَةٍ: هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، قَالَتِ النَّارَ: اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ. وقولُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وخذلانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَسَن؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أَيْ: فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أَيْ: إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] [[زيادة من ف، أ.]] هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَذُوبُ [[في ف: "يذوب".]] جُلُودُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ: تَسَاقَطَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطالَقاني، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ [[في ت، ف: "زيد".]] ، عَنِ أَبِي السَّمْح، عَنِ ابْنِ [[في ت: "أبي".]] حُجَيرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنْ الْحَمِيمَ ليُصَب عَلَى رُءُوسِهِمْ، فينفُد الجمجمةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ [[في أ: "فيسلت".]] مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ [[تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢) .]] ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَاريّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن السُّرِّيّ قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبتين مِنْ حَرَارَتِهِ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب بِهَا رَأْسَهُ، فَيُفرغ [[في ت، ف: "فيقرع".]] دِمَاغَهُ، ثُمَّ يُفرغ [[في ت: "يقرع".]] الْإِنَاءَ مِنْ دِمَاغِهِ، فَيَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ دِمَاغِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع فِي [[في ت: "على".]] الْأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أقَلُّوه مِنَ الْأَرْضِ" [[المسند (٣/٢٩) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "عن".]] دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ ضُرب الجبلُ بمِقْمَع مِنْ حَدِيدٍ، لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ، وَلَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاق فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا" [[المسند (٣/٨٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قَالَ: يُضْرَبُونَ بِهَا، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَيَدْعُونَ [[في ت، ف: "فيدعو".]] بِالثُّبُورِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ : قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ أَبِي ظِبْيان، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ. وَقَالَ الفُضيل [[في ت: "الفضل".]] بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ مَا طَمِعُوا فِي الْخُرُوجِ، إِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُمْ لَهَبُهَا، وَتَرُدُّهُمْ [[في ف: "ويردهم".]] مَقَامِعُهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٠] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُهَانُونَ بِالْعَذَابِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
22:21

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ [[في ت: "عن".]] حَدِيثِ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيه، وعتبةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣) .]] . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلز عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ الإسلامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، وَأَنْزَلَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ . وَكَذَا رَوَى العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: مُصدق وَمُكَذِّبٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ. وَقَالَ -فِي رِوَايَةٍ: هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، قَالَتِ النَّارَ: اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ. وقولُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وخذلانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَسَن؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أَيْ: فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أَيْ: إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] [[زيادة من ف، أ.]] هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَذُوبُ [[في ف: "يذوب".]] جُلُودُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ: تَسَاقَطَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطالَقاني، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ [[في ت، ف: "زيد".]] ، عَنِ أَبِي السَّمْح، عَنِ ابْنِ [[في ت: "أبي".]] حُجَيرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنْ الْحَمِيمَ ليُصَب عَلَى رُءُوسِهِمْ، فينفُد الجمجمةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ [[في أ: "فيسلت".]] مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ [[تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢) .]] ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَاريّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن السُّرِّيّ قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبتين مِنْ حَرَارَتِهِ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب بِهَا رَأْسَهُ، فَيُفرغ [[في ت، ف: "فيقرع".]] دِمَاغَهُ، ثُمَّ يُفرغ [[في ت: "يقرع".]] الْإِنَاءَ مِنْ دِمَاغِهِ، فَيَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ دِمَاغِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع فِي [[في ت: "على".]] الْأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أقَلُّوه مِنَ الْأَرْضِ" [[المسند (٣/٢٩) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "عن".]] دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ ضُرب الجبلُ بمِقْمَع مِنْ حَدِيدٍ، لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ، وَلَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاق فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا" [[المسند (٣/٨٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قَالَ: يُضْرَبُونَ بِهَا، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَيَدْعُونَ [[في ت، ف: "فيدعو".]] بِالثُّبُورِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ : قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ أَبِي ظِبْيان، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ. وَقَالَ الفُضيل [[في ت: "الفضل".]] بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ مَا طَمِعُوا فِي الْخُرُوجِ، إِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُمْ لَهَبُهَا، وَتَرُدُّهُمْ [[في ف: "ويردهم".]] مَقَامِعُهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٠] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُهَانُونَ بِالْعَذَابِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
22:22

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ [[في ت: "عن".]] حَدِيثِ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيه، وعتبةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣) .]] . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلز عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ الإسلامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، وَأَنْزَلَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ . وَكَذَا رَوَى العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: مُصدق وَمُكَذِّبٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ. وَقَالَ -فِي رِوَايَةٍ: هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، قَالَتِ النَّارَ: اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ. وقولُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وخذلانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَسَن؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أَيْ: فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أَيْ: إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] [[زيادة من ف، أ.]] هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَذُوبُ [[في ف: "يذوب".]] جُلُودُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ: تَسَاقَطَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطالَقاني، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ [[في ت، ف: "زيد".]] ، عَنِ أَبِي السَّمْح، عَنِ ابْنِ [[في ت: "أبي".]] حُجَيرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنْ الْحَمِيمَ ليُصَب عَلَى رُءُوسِهِمْ، فينفُد الجمجمةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ [[في أ: "فيسلت".]] مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ [[تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢) .]] ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَاريّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن السُّرِّيّ قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبتين مِنْ حَرَارَتِهِ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب بِهَا رَأْسَهُ، فَيُفرغ [[في ت، ف: "فيقرع".]] دِمَاغَهُ، ثُمَّ يُفرغ [[في ت: "يقرع".]] الْإِنَاءَ مِنْ دِمَاغِهِ، فَيَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ دِمَاغِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع فِي [[في ت: "على".]] الْأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أقَلُّوه مِنَ الْأَرْضِ" [[المسند (٣/٢٩) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "عن".]] دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ ضُرب الجبلُ بمِقْمَع مِنْ حَدِيدٍ، لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ، وَلَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاق فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا" [[المسند (٣/٨٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قَالَ: يُضْرَبُونَ بِهَا، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَيَدْعُونَ [[في ت، ف: "فيدعو".]] بِالثُّبُورِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ : قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ أَبِي ظِبْيان، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُضِيءُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ. وَقَالَ الفُضيل [[في ت: "الفضل".]] بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ مَا طَمِعُوا فِي الْخُرُوجِ، إِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُمْ لَهَبُهَا، وَتَرُدُّهُمْ [[في ف: "ويردهم".]] مَقَامِعُهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٠] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُهَانُونَ بِالْعَذَابِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
22:23

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ

لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ حَالِهِمْ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال وَالْحَرِيقِ وَالْأَغْلَالِ، وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الثِّيَابِ مِنَ النَّارِ، ذَكَرَ حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ -نَسْأَلُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ-فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: تتخَرّق فِي أَكْنَافِهَا وَأَرْجَائِهَا وَجَوَانِبِهَا، وَتَحْتَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا وَأَيْنَ شَاءُوا، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ مِنَ الْحِلْيَةِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أَيْ: فِي أَيْدِيهِمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ: "تَبْلُغُ الحِلْيَة مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوء" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَلَكًا لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ لسميتُه، يَصُوغُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحُلِيَّ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَوْ أُبْرِزَ قُلْب مِنْهَا -أَيْ: سِوَارٌ مِنْهَا-لَرَدَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ، كَمَا تَرُدُّ [[في ف: "يرد".]] الشَّمْسُ نُورَ الْقَمَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ : فِي مُقَابَلَةِ ثِيَابِ أَهْلِ النَّارِ الَّتِي فُصِّلَتْ لَهُمْ، لِبَاسُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَرِيرِ، إِسْتَبْرَقِهِ وسُنْدُسه، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢١، ٢٢] ، وَفِي الصَّحِيحِ: "لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ" [[الحديث في صحيح البخاري برقم (٥٤٢٦) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة رضي الله عنه.]] . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وَمَنْ لَمْ يَلْبَسِ الْحَرِيرَ فِي الْآخِرَةِ، لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦] ، فَهُدُوْا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَسْمَعُونَ فِيهِ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٧٥] ، لَا كَمَا يُهَانُ أَهْلُ النَّارِ بِالْكَلَامِ الَّذِي يُرَوّعون بِهِ [[في ت: "يوبخون فيه"، وفي ف، أ: "يوبخون به".]] وَيُقَرَّعُونَ بِهِ، يُقَالُ لَهُمْ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أَيْ: إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَحْمَدُونَ فِيهِ رَبَّهُمْ، عَلَى مَا أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَنْعَمَ بِهِ وَأَسْدَاهُ إِلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّهُمْ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أَيِ: الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أَيِ: الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا. وَكُلُّ هَذَا لَا يُنَافِي ما ذكرناه، والله أعلم.
22:24

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ

لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ حَالِهِمْ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال وَالْحَرِيقِ وَالْأَغْلَالِ، وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الثِّيَابِ مِنَ النَّارِ، ذَكَرَ حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ -نَسْأَلُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ-فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: تتخَرّق فِي أَكْنَافِهَا وَأَرْجَائِهَا وَجَوَانِبِهَا، وَتَحْتَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا وَأَيْنَ شَاءُوا، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ مِنَ الْحِلْيَةِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أَيْ: فِي أَيْدِيهِمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ: "تَبْلُغُ الحِلْيَة مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوء" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَلَكًا لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ لسميتُه، يَصُوغُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحُلِيَّ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَوْ أُبْرِزَ قُلْب مِنْهَا -أَيْ: سِوَارٌ مِنْهَا-لَرَدَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ، كَمَا تَرُدُّ [[في ف: "يرد".]] الشَّمْسُ نُورَ الْقَمَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ : فِي مُقَابَلَةِ ثِيَابِ أَهْلِ النَّارِ الَّتِي فُصِّلَتْ لَهُمْ، لِبَاسُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَرِيرِ، إِسْتَبْرَقِهِ وسُنْدُسه، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢١، ٢٢] ، وَفِي الصَّحِيحِ: "لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ" [[الحديث في صحيح البخاري برقم (٥٤٢٦) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة رضي الله عنه.]] . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وَمَنْ لَمْ يَلْبَسِ الْحَرِيرَ فِي الْآخِرَةِ، لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦] ، فَهُدُوْا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَسْمَعُونَ فِيهِ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٧٥] ، لَا كَمَا يُهَانُ أَهْلُ النَّارِ بِالْكَلَامِ الَّذِي يُرَوّعون بِهِ [[في ت: "يوبخون فيه"، وفي ف، أ: "يوبخون به".]] وَيُقَرَّعُونَ بِهِ، يُقَالُ لَهُمْ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أَيْ: إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَحْمَدُونَ فِيهِ رَبَّهُمْ، عَلَى مَا أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَنْعَمَ بِهِ وَأَسْدَاهُ إِلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّهُمْ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أَيِ: الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أَيِ: الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا. وَكُلُّ هَذَا لَا يُنَافِي ما ذكرناه، والله أعلم.
22:25

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ فِي صَدّهم الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فِيهِ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمُ أَوْلِيَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣٤] . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ [عَلَى] [[زيادة من ت.]] أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] ، وَقَالَ: هَاهُنَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيْ: وَمِنْ صِفَتِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمُ أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَيْ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] أَيْ: وَمِنْ صِفَتِهِمُ أَنَّهُمْ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [أَيْ: يَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْعَا سَوَاءً، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُقِيمِ فِيهِ وَالنَّائِي عَنْهُ الْبَعِيدِ الدَّارِ مِنْهُ، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ ] [[زيادة من ف.]] وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ النَّاسِ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ وَسُكْنَاهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قَالَ: يَنْزِلُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ : أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْمَنَازِلِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ [بْنِ أَسْلَمَ] [[زيادة من أ.]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُهُ وَغَيْرُ أَهْلِهِ. وَهَذِهِ المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهَويه بِمَسْجِدِ الخِيف، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ [[في ت: "حاضرا".]] أَيْضًا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[في ف: "رضي الله عنه"، وفي أ: "رضي الله تعالى عنه".]] إِلَى أَنَّ رِبَاعَ مَكَّةَ تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَتُؤَجَّرُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَين، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ [[في ف: "بدارك".]] بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقيل مِنْ رِبَاعٍ". ثُمَّ قَالَ: "لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ". وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرّج فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٦٧٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.]] [وَبِمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِمَكَّةَ، فَجَعَلَهَا سِجْنًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. وَذَهَبَ إِسْحَاقُ بن راهَويه إلا أَنَّهَا تُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ. وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهَويه بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، عن عيسى ابن يُونُسَ، عَنْ عُمَر بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَين [[في ت: "جبير"، وفي ف، أ: "حيوة".]] ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلة قَالَ: تُوُفي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا] [[زيادة من ت، ف، أ.]] السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ [[سنن ابن ماجه برقم (٣١٠٧) وهو مرسل.]] . وَقَالَ عَبْدُ الرزاق ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ دَوْرِ مَكَّةَ وَلَا كِرَاؤُهَا. وَقَالَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كان ينهي عن تُبوّب دُورُ مَكَّةَ؛ لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصاتها، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوّب دَارَهُ سُهَيل بْنُ عَمْرٍو، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ لِي ظَهْرِي قَالَ: فَذَلِكَ إِذًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَتَّخِذُوا لِدَوْرِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ يَشَاءُ [[في ت، ف: "شاء".]] . قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمر، عَمَّنْ سَمِعَ عَطَاءً يَقُولُ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ ، قَالَ: يَنْزِلُونَ حَيْثُ شَاءُوا. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا [[في ف، أ: "مرفوعا".]] مَنْ أَكَلَ كِرَاءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أَكَلَ نَارًا [[سنن الدارقطني (٢/٣٠٠)]] . "وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [فِيمَا نَقَلَهُ صَالِحٌ ابْنُهُ] [[زيادة من ف، أ.]] فَقَالَ: تُمَلَّكُ وَتُوَرَّثُ وَلَا تُؤَجَّرُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: الْبَاءُ هَاهُنَا زَائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٠] أَيْ: تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ [[في ف، أ: "بإلحاد بظلم".]] ﴾ تَقْدِيرُهُ إِلْحَادًا، وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى: ضَمنَتْ بِرِزْقِ عِيَالِنَا أرْماحُنا ... بَيْنَ المَرَاجِل، والصّريحَ الْأَجْرَدِ [[البيت في تفسير الطبري (١٧/١٠٣) غير منسوب.]] وَقَالَ الْآخَرُ: بوَاد يَمانِ يُنْبتُ الشَّثّ صَدْرُهُ ... وَأسْفَله بالمَرْخ والشَّبَهَان ... وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الْفِعْلَ هَاهُنَا مَعْنَى "يَهُمّ"، وَلِهَذَا [[في ف: "ولذا".]] عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ أَيْ: يَهُمّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ مِنَ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أَيْ: عَامِدًا قَاصِدًا أَنَّهُ ظُلْمٌ لَيْسَ بِمُتَأَوِّلٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ [[في ت: "جرير".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ [التَّعَمُّدُ] [[زيادة من ف، أ.]] . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ يُعْبَدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ هُوَ أَنْ تَستحلَ مِنَ الْحَرَمِ مَا حَرّم اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ لِسَانٍ أَوْ قَتْلٍ، فَتَظْلِمَ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ، وَتَقْتُلَ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ [لَهُ] [[زيادة من أ.]] الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ : يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا. وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْحَرَمِ أَنَّهُ يعاقَب الْبَادِي فِيهِ الشَّرَّ، إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ السُّدِّي: أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّة يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ-فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا أَرَادَ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ، وَهُوَ بعَدَن أبينَ، أَذَاقَهُ [[في ت، ف، أ: "لأذاقه".]] اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ رَفَعَهُ لَنَا، وَأَنَا لَا أَرْفَعُهُ لَكُمْ. قَالَ يَزِيدُ: هُوَ قَدْ رَفَعَهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، بِهِ [[المسند (١/٤٢٨)]] . [قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ] [[زيادة من ف، أ.]] صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقْفُهُ أَشْبَهُ مِنْ رَفْعِهِ؛ وَلِهَذَا صَمم شُعْبَةُ عَلَى وَقْفه مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّيُّ، عَنْ مُرَّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بعَدَن أبينَ هَمّ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِهَذَا الْبَيْتِ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحم. وَقَالَ سُفْيَانُ [الثَّوْرِيُّ] [[زيادة من ف.]] ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ "إِلْحَادٌ فِيهِ"، لَا وَاللَّهِ، وَبِلَى وَاللَّهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مثله. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: شَتْمُ الْخَادِمِ ظُلْمٌ فَمَا فوقَه. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: تِجَارَةُ الْأَمِيرِ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: بَيْعُ الطَّعَامِ [بِمَكَّةَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] إِلْحَادٌ. وَقَالَ حَبِيبُ [[في ت: "جندب".]] بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: الْمُحْتَكِرُ بِمَكَّةَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ بَاذَانَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ؛ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ" [[ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٢٠) ، والفاكهي في تاريخ مكة برقم (١٧٧١) من طريق أبي عاصم به.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْر [[في ت، ف: "بكر".]] ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُهَاجِرٌ وَالْآخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَافْتَخَرُوا فِي الْأَنْسَابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وهَرَب إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي: مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بِإِلْحَادٍ يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَهَذِهِ الْآثَارُ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ، ولكنْ هُو أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَمَّا هَمَّ أَصْحَابُ الْفِيلِ عَلَى تَخْرِيبِ الْبَيْتِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الْفِيلِ: ٤، ٥] ، أَيْ: دمَّرهم وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ؛ وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِف بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ" الْحَدِيثَ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢١١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسة، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى عبدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عبدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي حَرَم اللَّهِ، فَإِنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "إِنَّهُ سيلحدُ فِيهِ رَجُلٌ مَنْ قُرَيْشٍ، لَوْ تُوزَن ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَجَحَتْ"، فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ [[المسند (٢/١٣٦)]] . وَقَالَ أَيْضًا [فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ] [[زيادة من ف، أ.]] : حَدَّثَنَا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى عبدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ابنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الحِجْر فَقَالَ: يَا بْنَ الزُّبَيْرِ، إِيَّاكَ والإلحادَ فِي الْحَرَمِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لسَمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَحِلُّهَا وَيَحِلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَوْ وُزنت ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا". قَالَ: فَانْظُرْ لَا تَكُنْ [[في ت: "لا يكون" وفي ف: "لا تكون".]] هُوَ [[المسند (٢١٩١٢) .]] . وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ.
22:26

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

هَذَا فِيهِ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ لِمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَشْرَكَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أسسّتْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بَوأ إِبْرَاهِيمَ مكانَ الْبَيْتِ، أَيْ: أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمَهُ لَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي بِنَائِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ قَبْلَهُ"، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في ف: "الصحيحين".]] عَنِ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بَيْتُ الْمَقْدِسِ". قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٥٢٠)]] . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيم﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٦، ٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٥] . وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ مِنَ الصِّحَاحِ وَالْآثَارِ، بِمَا أَغْنَى عَنِ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا [[انظر تفسير الآية: ١٢٥ من سورة البقرة.]] . وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ أَيِ: ابْنه عَلَى اسْمِي وَحْدِي، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنَ الشِّرْكِ، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أَيِ: اجْعَلْهُ خَالِصًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَالطَّائِفُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَخَصُّ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ سِوَاهَا، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أَيْ: فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فَقَرَنَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُشْرَعَانِ إِلَّا مُخْتَصَّيْنِ بِالْبَيْتِ، فَالطَّوَافُ عِنْدَهُ، وَالصَّلَاةُ إِلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَفِي الْحَرْبِ، وَفِي النَّافِلَةِ فِي السِّفْرِ، وَاللَّهُ أعلم. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أَيْ: نَادِ فِي النَّاسِ دَاعِيًا لَهُمُ إِلَى الْحَجِّ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ. فَذُكر أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُبْلِغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لَا يَنْفُذُهُمْ؟ فَقِيلَ: نَادِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ. فَقَامَ عَلَى مَقَامِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْحَجَرِ، وَقِيلَ: عَلَى الصَّفَا، وَقِيلَ: عَلَى أَبِي قُبَيس، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِبَالَ تَوَاضَعَتْ حَتَّى بَلَغَ الصَّوْتُ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ، وأسمَعَ مَن فِي الْأَرْحَامِ وَالْأَصْلَابِ، وَأَجَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ حَجَر ومَدَر وَشَجَرٍ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". هَذَا مَضْمُونُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْرَدَهَا ابْنُ جَرير، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُطَوّلة [[في ف: "بطوله".]] [[تفسير الطبري (١٧/١٠٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ قَدْ يَستدلّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، أفضلُ مِنَ الْحَجِّ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ، فَدَلَّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِمْ وَقُوَّةِ هِمَمِهِمْ وَشِدَّةِ عَزْمِهِمْ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ حَجَّ رَاكِبًا مَعَ كَمَالِ قُوَّتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يَعْنِي: طَرِيقٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَمِيقٍ﴾ أَيْ: بَعِيدٍ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ قَالَ فِي دُعَائِهِ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٧] فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَّا وَهُوَ يَحِنُّ إِلَى رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ وَالطَّوَافِ، فَالنَّاسُ يَقْصِدُونَهَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَالْأَقْطَارِ.
22:27

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ

هَذَا فِيهِ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ لِمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَشْرَكَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أسسّتْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بَوأ إِبْرَاهِيمَ مكانَ الْبَيْتِ، أَيْ: أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمَهُ لَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي بِنَائِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ قَبْلَهُ"، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في ف: "الصحيحين".]] عَنِ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بَيْتُ الْمَقْدِسِ". قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً" [[صحيح البخاري برقم (٣٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٥٢٠)]] . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيم﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٦، ٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٥] . وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ مِنَ الصِّحَاحِ وَالْآثَارِ، بِمَا أَغْنَى عَنِ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا [[انظر تفسير الآية: ١٢٥ من سورة البقرة.]] . وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ أَيِ: ابْنه عَلَى اسْمِي وَحْدِي، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنَ الشِّرْكِ، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أَيِ: اجْعَلْهُ خَالِصًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَالطَّائِفُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَخَصُّ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ سِوَاهَا، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أَيْ: فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فَقَرَنَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُشْرَعَانِ إِلَّا مُخْتَصَّيْنِ بِالْبَيْتِ، فَالطَّوَافُ عِنْدَهُ، وَالصَّلَاةُ إِلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَفِي الْحَرْبِ، وَفِي النَّافِلَةِ فِي السِّفْرِ، وَاللَّهُ أعلم. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أَيْ: نَادِ فِي النَّاسِ دَاعِيًا لَهُمُ إِلَى الْحَجِّ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ. فَذُكر أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُبْلِغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لَا يَنْفُذُهُمْ؟ فَقِيلَ: نَادِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ. فَقَامَ عَلَى مَقَامِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْحَجَرِ، وَقِيلَ: عَلَى الصَّفَا، وَقِيلَ: عَلَى أَبِي قُبَيس، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِبَالَ تَوَاضَعَتْ حَتَّى بَلَغَ الصَّوْتُ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ، وأسمَعَ مَن فِي الْأَرْحَامِ وَالْأَصْلَابِ، وَأَجَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ حَجَر ومَدَر وَشَجَرٍ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". هَذَا مَضْمُونُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْرَدَهَا ابْنُ جَرير، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُطَوّلة [[في ف: "بطوله".]] [[تفسير الطبري (١٧/١٠٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ قَدْ يَستدلّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، أفضلُ مِنَ الْحَجِّ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ، فَدَلَّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِمْ وَقُوَّةِ هِمَمِهِمْ وَشِدَّةِ عَزْمِهِمْ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ حَجَّ رَاكِبًا مَعَ كَمَالِ قُوَّتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يَعْنِي: طَرِيقٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَمِيقٍ﴾ أَيْ: بَعِيدٍ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ قَالَ فِي دُعَائِهِ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٧] فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِلَّا وَهُوَ يَحِنُّ إِلَى رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ وَالطَّوَافِ، فَالنَّاسُ يَقْصِدُونَهَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَالْأَقْطَارِ.
22:28

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قَالَ: مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَمَّا مَنَافِعُ الْآخِرَةِ فَرِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ الدُّنْيَا فَمَا يُصِيبُونَ مِنْ مَنَافِعِ البُدْن وَالرِّبْحِ [[في ت، ف، أ: "والذبائح".]] وَالتِّجَارَاتِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهَا مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ قَالَ شُعْبَةُ [وهُشَيْم] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْ [أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيْامُ الْعَشْرِ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ بِهِ [[صحيح البخاري (٢/٤٥٧) "فتح".]] . وَيُرْوَى مِثْلُهُ عَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةِ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَإِبْرَاهِيمِ النَّخعي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَة، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيْامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ" قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ، يَخْرُجُ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[صحيح البخاري برقم (٩٦٩) وسنن أبي داود برقم (٢٤٣٨) وسنن الترمذي برقم (٧٥٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٧٢٧) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَصَّيْتُ هَذِهِ الطُّرُقَ، وَأَفْرَدْتُ لَهَا جُزْءًا عَلَى حِدَتِهِ [[سماه: "الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة".]] ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّان، أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أَيْامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ العملُ فِيهِنَّ، مِنْ هَذِهِ الْأَيْامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِمْ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ" [[المسند (٢/٧٥) .]] وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِنَحْوِهِ [[رواه أبو عوانة -كما في إرواء الغليل (٣٩٨١٣) عن الحافظ ابن حجر- من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما.]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيْامِ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا [[صحيح البخاري (٢/٤٥٧) "فتح".]] . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا هُوَ الْعَشْرُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الْفَجْرِ: ١، ٢] [[المسند (٣/٣٢٧) .]] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ هَذَا الْعَشْرَ [[سنن أبي داود برقم (٢٤٣٧) .]] . وَهَذَا الْعَشْرُ مُشْتَمِلٌ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: "أَحْتَسِبْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ" [[صحيح مسلم برقم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] . وَيَشْتَمِلُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَيْامِ عِنْدَ اللَّهِ [[رواه أحمد في المسند (٤/٣٥٠) وأبو داود في السنن برقم (١٧٦٥) من حديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه.]] . وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا الْعَشْرُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ أَيْامِ السَّنَةِ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَفَضَّلَهُ كَثِيرٌ عَلَى عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْرَعُ فِيهِ مَا يُشْرَعُ فِي ذَلِكَ، مِنْ صِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهِ، وَيَمْتَازُ هَذَا بِاخْتِصَاصِهِ بِأَدَاءِ فَرْضَ الْحَجِّ فِيهِ. وَقِيلَ: ذَاكَ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَتَوَسَّطَ آخَرُونَ فَقَالُوا: أَيْامُ هَذَا أَفْضَلُ، وَلَيَالِي ذَاكَ أَفْضَلُ. وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ شَمْلُ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلٌ ثَانٍ فِي الْأَيْامِ الْمَعْلُومَاتِ: قَالَ الْحَكَمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيْامٍ بَعْدَهُ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. قَوْلٌ ثَالِثٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلان، حَدَّثَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ هُنَّ جَمِيعُهُنَّ أَرْبَعَةُ أَيْامٍ، فَالْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَالْأَيْامُ الْمَعْدُودَاتُ ثَلَاثَةُ أَيْامِ يَوْمِ النَّحْرِ. هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَقَالَهُ [[في ت: "وقال".]] السُّدِّيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ وَالَّذِي قَبْلَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ يَعْنِي بِهِ: ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا. قَوْلٌ رَابِعٌ: إِنَّهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمٌ آخَرُ بَعْدَهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي [[في ت، ف: "وقال ابن وهب وحدثني".]] ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيْامُ التَّشْرِيقِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ يَعْنِي: الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، كَمَا فَصَّلَهَا تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَأَنَّهَا ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٤٣] . * * وَقَوْلُهُ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْأَضَاحِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَحَرَ هَدْيَهُ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَتُطْبَخُ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه.]] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: [قَالَ لِي مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ] [[زيادة من ف، أ.]] وَسَأَلْتُ اللَّيْثَ، فَقَالَ لي مثل ذلك. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فَرُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ شَاءَ أَكَلَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ نَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ هُشَيْم، عَنْ حُصَين، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ : هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ [[في ت: "قضيتم".]] الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [الْجُمُعَةِ: ١٠] . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَضَاحِيَّ يُتَصَدَّقُ مِنْهَا بِالنِّصْفِ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، فَجَزَّأَهَا نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ لِلْمُضَحِّي، وَنِصْفٌ لِلْفُقَرَاءِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهَا تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثٌ لَهُ، وَثُلُثٌ يُهْدِيهِ، وَثُلُثٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الْحَجِّ: ٣٦] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، قَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْمُضْطَرُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْبُؤْسُ، [وَالْفَقِيرُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْمُتَعَفِّفُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي لَا يَبْسُطُ يَدَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الزّمِن. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ الضَّرِيرُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ وَضْعُ [الْإِحْرَامِ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَى عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قَالَ: التَّفَثُ: الْمَنَاسِكُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: نَحْرَ مَا نَذَرَ مِنْ أَمْرِ البُدن. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ : [[زيادة من ت، ف، أ.]] نَذْرَ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ وَمَا نَذَرَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْحَجِّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَة، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قَالَ: الذَّبَائِحُ. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ كُلُّ نَذْرٍ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، قَالَ: [حَجَّهُمْ. وَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قَالَ:] [[زيادة من ت، ف،أ".]] نَذْرَ الْحَجِّ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ الْحَجَّ فَعَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ: الطواف بالبيت وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعَرَفَةُ، وَالْمُزْدَلِفَةُ، وَرَمِيُ الْجِمَارِ، عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوٌ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الطَّوَافَ الْوَاجِبَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَقْرَأُ سُورَةُ الْحَجِّ؟ يَقُولُ [[في ت: "فيقول".]] اللَّهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، فَإِنَّ آخِرَ الْمَنَاسِكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. قُلْتُ: وَهَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مِنَى يَوْمَ النَّحْرِ بَدَأَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ نَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ : فِيهِ مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الطَّوَافُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ [[في أ: "داخل".]] الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ أَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ، حِينَ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ؛ وَلِهَذَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الحِجْر، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَسْتَلِمِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتَمَّمَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ الْعَتِيقَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَني، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجْر، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من وَرَائِهِ [[ورواه ابن مردوية في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/٤١) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] : لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ يَوْمَ الْغَرَقِ زَمَانَ نُوحٍ. وَقَالَ خَصِيف: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح وَلَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يُرِده أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا هَلَكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٣٢) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أخبرني اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ النَّجَّارِيِّ [[في ف: "المحاربي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٣١٧٠) وفيه "هذا حديث حسن صحيح" وأظنه خطأ.]] . وَقَالَ: إِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، مُرْسَلًا [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .
22:29

ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قَالَ: مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَمَّا مَنَافِعُ الْآخِرَةِ فَرِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ الدُّنْيَا فَمَا يُصِيبُونَ مِنْ مَنَافِعِ البُدْن وَالرِّبْحِ [[في ت، ف، أ: "والذبائح".]] وَالتِّجَارَاتِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهَا مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ قَالَ شُعْبَةُ [وهُشَيْم] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْ [أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيْامُ الْعَشْرِ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ بِهِ [[صحيح البخاري (٢/٤٥٧) "فتح".]] . وَيُرْوَى مِثْلُهُ عَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةِ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَإِبْرَاهِيمِ النَّخعي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَة، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيْامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ" قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ، يَخْرُجُ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[صحيح البخاري برقم (٩٦٩) وسنن أبي داود برقم (٢٤٣٨) وسنن الترمذي برقم (٧٥٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٧٢٧) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَصَّيْتُ هَذِهِ الطُّرُقَ، وَأَفْرَدْتُ لَهَا جُزْءًا عَلَى حِدَتِهِ [[سماه: "الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة".]] ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّان، أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أَيْامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ العملُ فِيهِنَّ، مِنْ هَذِهِ الْأَيْامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِمْ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ" [[المسند (٢/٧٥) .]] وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِنَحْوِهِ [[رواه أبو عوانة -كما في إرواء الغليل (٣٩٨١٣) عن الحافظ ابن حجر- من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما.]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيْامِ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا [[صحيح البخاري (٢/٤٥٧) "فتح".]] . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا هُوَ الْعَشْرُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الْفَجْرِ: ١، ٢] [[المسند (٣/٣٢٧) .]] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ هَذَا الْعَشْرَ [[سنن أبي داود برقم (٢٤٣٧) .]] . وَهَذَا الْعَشْرُ مُشْتَمِلٌ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: "أَحْتَسِبْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ" [[صحيح مسلم برقم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] . وَيَشْتَمِلُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَيْامِ عِنْدَ اللَّهِ [[رواه أحمد في المسند (٤/٣٥٠) وأبو داود في السنن برقم (١٧٦٥) من حديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه.]] . وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا الْعَشْرُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ أَيْامِ السَّنَةِ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَفَضَّلَهُ كَثِيرٌ عَلَى عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْرَعُ فِيهِ مَا يُشْرَعُ فِي ذَلِكَ، مِنْ صِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهِ، وَيَمْتَازُ هَذَا بِاخْتِصَاصِهِ بِأَدَاءِ فَرْضَ الْحَجِّ فِيهِ. وَقِيلَ: ذَاكَ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَتَوَسَّطَ آخَرُونَ فَقَالُوا: أَيْامُ هَذَا أَفْضَلُ، وَلَيَالِي ذَاكَ أَفْضَلُ. وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ شَمْلُ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلٌ ثَانٍ فِي الْأَيْامِ الْمَعْلُومَاتِ: قَالَ الْحَكَمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيْامٍ بَعْدَهُ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. قَوْلٌ ثَالِثٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلان، حَدَّثَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ هُنَّ جَمِيعُهُنَّ أَرْبَعَةُ أَيْامٍ، فَالْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَالْأَيْامُ الْمَعْدُودَاتُ ثَلَاثَةُ أَيْامِ يَوْمِ النَّحْرِ. هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَقَالَهُ [[في ت: "وقال".]] السُّدِّيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ وَالَّذِي قَبْلَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ يَعْنِي بِهِ: ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا. قَوْلٌ رَابِعٌ: إِنَّهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمٌ آخَرُ بَعْدَهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي [[في ت، ف: "وقال ابن وهب وحدثني".]] ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيْامُ التَّشْرِيقِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ يَعْنِي: الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، كَمَا فَصَّلَهَا تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَأَنَّهَا ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٤٣] . * * وَقَوْلُهُ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْأَضَاحِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَحَرَ هَدْيَهُ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَتُطْبَخُ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه.]] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: [قَالَ لِي مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ] [[زيادة من ف، أ.]] وَسَأَلْتُ اللَّيْثَ، فَقَالَ لي مثل ذلك. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فَرُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ شَاءَ أَكَلَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ نَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ هُشَيْم، عَنْ حُصَين، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ : هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ [[في ت: "قضيتم".]] الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [الْجُمُعَةِ: ١٠] . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَضَاحِيَّ يُتَصَدَّقُ مِنْهَا بِالنِّصْفِ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، فَجَزَّأَهَا نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ لِلْمُضَحِّي، وَنِصْفٌ لِلْفُقَرَاءِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهَا تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثٌ لَهُ، وَثُلُثٌ يُهْدِيهِ، وَثُلُثٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الْحَجِّ: ٣٦] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، قَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْمُضْطَرُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْبُؤْسُ، [وَالْفَقِيرُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْمُتَعَفِّفُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي لَا يَبْسُطُ يَدَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الزّمِن. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ الضَّرِيرُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ وَضْعُ [الْإِحْرَامِ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَى عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قَالَ: التَّفَثُ: الْمَنَاسِكُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: نَحْرَ مَا نَذَرَ مِنْ أَمْرِ البُدن. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ : [[زيادة من ت، ف، أ.]] نَذْرَ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ وَمَا نَذَرَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْحَجِّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَة، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قَالَ: الذَّبَائِحُ. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ كُلُّ نَذْرٍ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، قَالَ: [حَجَّهُمْ. وَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قَالَ:] [[زيادة من ت، ف،أ".]] نَذْرَ الْحَجِّ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ الْحَجَّ فَعَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ: الطواف بالبيت وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعَرَفَةُ، وَالْمُزْدَلِفَةُ، وَرَمِيُ الْجِمَارِ، عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوٌ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الطَّوَافَ الْوَاجِبَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَقْرَأُ سُورَةُ الْحَجِّ؟ يَقُولُ [[في ت: "فيقول".]] اللَّهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، فَإِنَّ آخِرَ الْمَنَاسِكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. قُلْتُ: وَهَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مِنَى يَوْمَ النَّحْرِ بَدَأَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ نَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ [[صحيح البخاري برقم (٣٢٩) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ : فِيهِ مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الطَّوَافُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ [[في أ: "داخل".]] الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ أَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ، حِينَ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ؛ وَلِهَذَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الحِجْر، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَسْتَلِمِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُتَمَّمَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ الْعَتِيقَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَني، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجْر، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من وَرَائِهِ [[ورواه ابن مردوية في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/٤١) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] : لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ يَوْمَ الْغَرَقِ زَمَانَ نُوحٍ. وَقَالَ خَصِيف: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح وَلَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يُرِده أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا هَلَكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٣٢) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أخبرني اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ النَّجَّارِيِّ [[في ف: "المحاربي".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٣١٧٠) وفيه "هذا حديث حسن صحيح" وأظنه خطأ.]] . وَقَالَ: إِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، مُرْسَلًا [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .
22:30

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي أَمَرْنَا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَمَا لِفَاعِلِهَا مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَمَنْ يَجْتَنِبُ مَعَاصِيَهُ وَمَحَارِمَهُ وَيَكُونُ ارْتِكَابُهَا عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أَيْ: فَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَثَوَابٌ جَزِيلٌ، فَكَمَا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، وَكَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ [اجْتِنَابِ] [[زيادة من أ.]] الْمَحْظُورَاتِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قَالَ: الْحُرْمَةُ: مَكَّةُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيهِ كُلِّهَا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: أَحْلَلْنَا [[في ت: "أحلت".]] لَكُمْ جَمِيعَ الْأَنْعَامِ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلَا سَائِبَةٍ، وَلَا وَصِيلَةٍ، وَلَا حَامٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ تَحْرِيمِ ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحَكَاهُ عَنْ قَتَادَةَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ : "مِنْ" هَاهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيِ: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ. وَقَرَنَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] بِقَوْلِ الزُّورِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ الزُّورِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ -وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ:-أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سكت [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ فَاتِكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ" ثَلَاثًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١٧٨) وسنن الترمذي برقم (٢٢٩٩) .]] ثُمَّ قَالَ: "غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سفيان العُصْفُرِيّ، عن أبيه، عن حبيب ابن النُّعْمَانِ الْأَسَدِيِّ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ [[في ت: "مقاتل".]] الْأَسَدِيِّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ: "عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [[المسند (٤/٣٢١) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: تَعْدِلُ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٧/١١٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الْبَاطِلِ قَصْدًا إِلَى الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا فِي ضَلَالِهِ وَهَلَاكِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْهُدَى فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَيْ: سَقَطَ مِنْهَا، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ ، أَيْ: تَقْطَعُهُ الطُّيُورُ فِي الْهَوَاءِ، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أَيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَنْ هَوَى فِيهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: "إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا تَوَفَّتْهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ، وَصَعِدُوا بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، بَلْ تُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا مِنْ هُنَاكَ". ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" [[انظر تفسير الآية: ٢٧]] بِحُرُوفِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَطُرُقِهِ. وَقَدْ ضَرَبَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا آخَرَ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ"، وَهُوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] [[زيادة من ف، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧١] .
22:31

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي أَمَرْنَا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَمَا لِفَاعِلِهَا مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَمَنْ يَجْتَنِبُ مَعَاصِيَهُ وَمَحَارِمَهُ وَيَكُونُ ارْتِكَابُهَا عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أَيْ: فَلَهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَثَوَابٌ جَزِيلٌ، فَكَمَا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، وَكَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ [اجْتِنَابِ] [[زيادة من أ.]] الْمَحْظُورَاتِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قَالَ: الْحُرْمَةُ: مَكَّةُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعَاصِيهِ كُلِّهَا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: أَحْلَلْنَا [[في ت: "أحلت".]] لَكُمْ جَمِيعَ الْأَنْعَامِ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلَا سَائِبَةٍ، وَلَا وَصِيلَةٍ، وَلَا حَامٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ تَحْرِيمِ ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحَكَاهُ عَنْ قَتَادَةَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ : "مِنْ" هَاهُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيِ: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ. وَقَرَنَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] بِقَوْلِ الزُّورِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ الزُّورِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ -وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ:-أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سكت [[صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ فَاتِكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ" ثَلَاثًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، بِهِ [[المسند (٤/١٧٨) وسنن الترمذي برقم (٢٢٩٩) .]] ثُمَّ قَالَ: "غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سفيان العُصْفُرِيّ، عن أبيه، عن حبيب ابن النُّعْمَانِ الْأَسَدِيِّ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ [[في ت: "مقاتل".]] الْأَسَدِيِّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ: "عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [[المسند (٤/٣٢١) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: تَعْدِلُ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ [[تفسير الطبري (١٧/١١٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُنْحَرِفِينَ عَنِ الْبَاطِلِ قَصْدًا إِلَى الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا فِي ضَلَالِهِ وَهَلَاكِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْهُدَى فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَيْ: سَقَطَ مِنْهَا، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ ، أَيْ: تَقْطَعُهُ الطُّيُورُ فِي الْهَوَاءِ، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أَيْ: بَعِيدٍ مُهْلِكٍ لِمَنْ هَوَى فِيهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: "إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا تَوَفَّتْهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ، وَصَعِدُوا بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، بَلْ تُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا مِنْ هُنَاكَ". ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" [[انظر تفسير الآية: ٢٧]] بِحُرُوفِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَطُرُقِهِ. وَقَدْ ضَرَبَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى لِلْمُشْرِكِ مَثَلًا آخَرَ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ"، وَهُوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] [[زيادة من ف، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧١] .
22:32

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَوَامِرَهُ، ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ الْهَدَايَا وَالْبُدْنِ، كَمَا قَالَ الْحَكَمُ، عَنْ مقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا: اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ: الِاسْتِسْمَانُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِعْظَامُ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسمّنون. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري (١٠/٩) "فتح" معلقا.]] . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "دَمُ عفراءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوداوين". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٤١٧) ولم يقع لي في سنن ابن ماجه.]] . قَالُوا: وَالْعَفْرَاءُ هِيَ الْبَيْضَاءُ بَيَاضًا لَيْسَ بِنَاصِعٍ، فَالْبَيْضَاءُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَغَيْرُهَا يُجْزِئُ أَيْضًا؛ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٥٥٨) .]] . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحيل [[في ف: "فحل".]] يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[سنن أبي داود برقم (٢٧٩٦) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٦) وسنن النسائي (٧/٢٢١) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٢٨) .]] ، أَيْ: بِكَبْشٍ أَسْوَدَ [[في أ: "فيه نكتة سوداء".]] فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ [[لم يقع فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رافع وإنما من حديث عائشة وأبي هريرة برقم (٣١٢٢) وحديث أبي رافع رواه أحمد في المسند (٦/٨) .]] . قِيلَ: هُمَا الخَصِيَان. وَقِيلَ: اللَّذَانِ رُضَّ خُصْياهما، وَلَمْ يَقْطَعْهُمَا [[في ت: "ولم يقطعها"]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ [والموجوءين قيل: هما الخصيين] [[زيادة من من ت، ف، أ.]] [[سنن أبي داود برقم (٢٧٩٥) .]] . وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ إن نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَأَلَّا نُضَحِّيَ بمقابَلَة، وَلَا مدابَرَة، وَلَا شَرْقاء، وَلَا خَرْقاء. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[المسند (١/٨٠) ، وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٤) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٨) وسنن النسائي (٧/٢١٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٢) .]] . وَلَهُمْ عَنْهُ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن نُضحي [[في ت: "يضحي".]] بأعضب القرن والأذن [[المسند (١/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٥) وسنن الترمذي برقم (١٥٠٤) وسنن النسائي (٧/٢١٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٥) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْعَضْبُ: النصْف فَأَكْثَرُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنْ كُسر قَرْنُهَا الْأَعْلَى فَهِيَ قَصْمَاءُ، فَأَمَّا العَضْب فَهُوَ كَسْرُ الْأَسْفَلِ، وَعَضَبُ الْأُذُنِ قَطْعُ بَعْضِهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِذَلِكَ مُجْزِئَةٌ، لَكِنْ تُكْرَهُ. وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من ت.]] أَحْمَدُ: لَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنَ الْقَرْنِ لَمْ يُجَزِئْ، وَإِلَّا أَجَزَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ: فَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابَرَةُ: مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا. وَالشَّرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي قُطِعَتْ أُذُنُهَا طُولًا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَالْخَرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي خَرَقت السّمَةُ أُذُنُهَا خَرْقًا مُدَوّرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرها، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضها، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعها [[في ت، أ: "عرجها".]] ، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنقِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[المسند (٤/٢٨٤) وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٢) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٧) وسنن النسائي (٧/٢١٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٤) .]] . وَهَذِهِ الْعُيُوبُ تَنْقُصُ اللَّحْمَ، لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا عَنِ اسْتِكْمَالِ الرَّعْيِ؛ لِأَنَّ الشَّاءَ يَسْبِقُونَهَا إِلَى الْمَرْعَى، فَلِهَذَا لَا تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ [[في أ: "الأضحية".]] بِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَرِيضَةِ مَرَضًا يَسِيرًا، عَلَى قَوْلَيْنِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عُتبة بْنِ عَبْدٍ السّلَمي؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُصْفَرَةِ، والمستأصَلَة، والبَخْقاء، والمشيَّعة، وَالْكَسْرَاءِ [[في أ: "الكسرة".]] [[سنن أبي داود برقم (٢٨٠٣) .]] . فَالْمُصْفَرَّةُ قِيلَ: الْهَزِيلَةُ. وَقِيلَ: الْمُسْتَأْصَلَةُ الأذنُ. وَالْمُسْتَأْصَلَةُ: الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ. وَالْبَخْقَاءُ: هِيَ الْعَوْرَاءُ. وَالْمُشَيَّعَةُ: هِيَ الَّتِي لَا تَزَالُ تُشَيَّع خَلفَ الْغَنَمِ، وَلَا تَتْبَع لِضَعْفِهَا. وَالْكَسْرَاءُ: الْعَرْجَاءُ. فَهَذِهِ الْعُيُوبُ كُلُّهَا مَانعَةٌ [مِنَ الْإِجْزَاءِ، فَإِنْ طَرَأَ الْعَيْبُ] [[زيادة من ف، أ.]] بَعْدَ تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ عَيْبُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ رَوَى الإمامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ كَبْشًا أُضَحِّي بِهِ، فَعَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ الْأَلْيَةَ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ" [[المسند (٣/٣٢) .]] وَلِهَذَا [جَاءَ] [[زيادة من أ.]] فِي الْحَدِيثِ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ والأذن. أي: أن تكون الْهَدْيَةُ أَوِ الْأُضْحِيَّةُ سَمِينَةً حَسَنَةً ثَمِينَةً، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَهْدَى عُمَرُ نَجيبًا، فَأُعْطِيَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَهْدَيْتُ نُجَيْبًا، فأعطِيتُ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَفَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بدْنًا؟ قَالَ: "لَا انحَرْهَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٤٥) وسنن أبي داود برقم (١٧٥٦) .]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْبُدْنُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى: الْوُقُوفُ وَمُزْدَلِفَةُ وَالْجِمَارُ وَالرَّمْيُ وَالْبُدْنُ وَالْحَلْقُ: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْظَمُ الشَّعَائِرِ الْبَيْتُ. قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أَيْ: لَكُمْ فِي الْبُدْنِ مَنَافِعُ، مِنْ لَبَنِهَا، وَصُوفِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَرُكُوبِهَا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ : قَالَ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَالَ: مَا لَمْ يُسَمَّ بُدْنًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ، قَالَ: الرُّكُوبُ وَاللَّبَنُ وَالْوَلَدُ، فَإِذَا سُمّيت بَدنَةً أَوْ هَديًا، ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، [وَمُقَاتِلٌ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ هَدْيًا، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدنَة. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْحَكَ"، فِي الثَّانيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ [[صحيح البخاري برقم (١٦٩٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٣) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ألجئتَ إِلَيْهَا" [[صحيح مسلم برقم (١٣٢٣) .]] . وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَعْمَى، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَذْف، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً وَمَعَهَا وَلَدُهَا، فَقَالَ: لَا تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضُلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَاذْبَحْهَا وولدَها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أَيْ: مَحِل الْهَدْيِ وَانتِهَاؤُهُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَهُوَ الْكَعْبَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] ، وَقَالَ ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٥] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى "الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" قَرِيبًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في ت: "والله أعلم".]] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
22:33

لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَوَامِرَهُ، ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ الْهَدَايَا وَالْبُدْنِ، كَمَا قَالَ الْحَكَمُ، عَنْ مقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا: اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ: الِاسْتِسْمَانُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِعْظَامُ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسمّنون. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري (١٠/٩) "فتح" معلقا.]] . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "دَمُ عفراءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوداوين". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٢/٤١٧) ولم يقع لي في سنن ابن ماجه.]] . قَالُوا: وَالْعَفْرَاءُ هِيَ الْبَيْضَاءُ بَيَاضًا لَيْسَ بِنَاصِعٍ، فَالْبَيْضَاءُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَغَيْرُهَا يُجْزِئُ أَيْضًا؛ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٥٥٨) .]] . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحيل [[في ف: "فحل".]] يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[سنن أبي داود برقم (٢٧٩٦) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٦) وسنن النسائي (٧/٢٢١) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٢٨) .]] ، أَيْ: بِكَبْشٍ أَسْوَدَ [[في أ: "فيه نكتة سوداء".]] فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ [[لم يقع فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رافع وإنما من حديث عائشة وأبي هريرة برقم (٣١٢٢) وحديث أبي رافع رواه أحمد في المسند (٦/٨) .]] . قِيلَ: هُمَا الخَصِيَان. وَقِيلَ: اللَّذَانِ رُضَّ خُصْياهما، وَلَمْ يَقْطَعْهُمَا [[في ت: "ولم يقطعها"]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ [والموجوءين قيل: هما الخصيين] [[زيادة من من ت، ف، أ.]] [[سنن أبي داود برقم (٢٧٩٥) .]] . وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ إن نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَأَلَّا نُضَحِّيَ بمقابَلَة، وَلَا مدابَرَة، وَلَا شَرْقاء، وَلَا خَرْقاء. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[المسند (١/٨٠) ، وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٤) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٨) وسنن النسائي (٧/٢١٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٢) .]] . وَلَهُمْ عَنْهُ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن نُضحي [[في ت: "يضحي".]] بأعضب القرن والأذن [[المسند (١/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٥) وسنن الترمذي برقم (١٥٠٤) وسنن النسائي (٧/٢١٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٥) .]] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْعَضْبُ: النصْف فَأَكْثَرُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنْ كُسر قَرْنُهَا الْأَعْلَى فَهِيَ قَصْمَاءُ، فَأَمَّا العَضْب فَهُوَ كَسْرُ الْأَسْفَلِ، وَعَضَبُ الْأُذُنِ قَطْعُ بَعْضِهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِذَلِكَ مُجْزِئَةٌ، لَكِنْ تُكْرَهُ. وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من ت.]] أَحْمَدُ: لَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنَ الْقَرْنِ لَمْ يُجَزِئْ، وَإِلَّا أَجَزَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ: فَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابَرَةُ: مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا. وَالشَّرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي قُطِعَتْ أُذُنُهَا طُولًا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَالْخَرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي خَرَقت السّمَةُ أُذُنُهَا خَرْقًا مُدَوّرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرها، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضها، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعها [[في ت، أ: "عرجها".]] ، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنقِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ [[المسند (٤/٢٨٤) وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٢) وسنن الترمذي برقم (١٤٩٧) وسنن النسائي (٧/٢١٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٤) .]] . وَهَذِهِ الْعُيُوبُ تَنْقُصُ اللَّحْمَ، لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا عَنِ اسْتِكْمَالِ الرَّعْيِ؛ لِأَنَّ الشَّاءَ يَسْبِقُونَهَا إِلَى الْمَرْعَى، فَلِهَذَا لَا تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ [[في أ: "الأضحية".]] بِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَرِيضَةِ مَرَضًا يَسِيرًا، عَلَى قَوْلَيْنِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عُتبة بْنِ عَبْدٍ السّلَمي؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُصْفَرَةِ، والمستأصَلَة، والبَخْقاء، والمشيَّعة، وَالْكَسْرَاءِ [[في أ: "الكسرة".]] [[سنن أبي داود برقم (٢٨٠٣) .]] . فَالْمُصْفَرَّةُ قِيلَ: الْهَزِيلَةُ. وَقِيلَ: الْمُسْتَأْصَلَةُ الأذنُ. وَالْمُسْتَأْصَلَةُ: الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ. وَالْبَخْقَاءُ: هِيَ الْعَوْرَاءُ. وَالْمُشَيَّعَةُ: هِيَ الَّتِي لَا تَزَالُ تُشَيَّع خَلفَ الْغَنَمِ، وَلَا تَتْبَع لِضَعْفِهَا. وَالْكَسْرَاءُ: الْعَرْجَاءُ. فَهَذِهِ الْعُيُوبُ كُلُّهَا مَانعَةٌ [مِنَ الْإِجْزَاءِ، فَإِنْ طَرَأَ الْعَيْبُ] [[زيادة من ف، أ.]] بَعْدَ تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ عَيْبُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ رَوَى الإمامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ كَبْشًا أُضَحِّي بِهِ، فَعَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ الْأَلْيَةَ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ" [[المسند (٣/٣٢) .]] وَلِهَذَا [جَاءَ] [[زيادة من أ.]] فِي الْحَدِيثِ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ والأذن. أي: أن تكون الْهَدْيَةُ أَوِ الْأُضْحِيَّةُ سَمِينَةً حَسَنَةً ثَمِينَةً، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَهْدَى عُمَرُ نَجيبًا، فَأُعْطِيَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَهْدَيْتُ نُجَيْبًا، فأعطِيتُ بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَفَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بدْنًا؟ قَالَ: "لَا انحَرْهَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٤٥) وسنن أبي داود برقم (١٧٥٦) .]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْبُدْنُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى: الْوُقُوفُ وَمُزْدَلِفَةُ وَالْجِمَارُ وَالرَّمْيُ وَالْبُدْنُ وَالْحَلْقُ: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْظَمُ الشَّعَائِرِ الْبَيْتُ. قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أَيْ: لَكُمْ فِي الْبُدْنِ مَنَافِعُ، مِنْ لَبَنِهَا، وَصُوفِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَرُكُوبِهَا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ : قَالَ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَالَ: مَا لَمْ يُسَمَّ بُدْنًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ، قَالَ: الرُّكُوبُ وَاللَّبَنُ وَالْوَلَدُ، فَإِذَا سُمّيت بَدنَةً أَوْ هَديًا، ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، [وَمُقَاتِلٌ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ هَدْيًا، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إِنَّهَا بَدنَة. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْحَكَ"، فِي الثَّانيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ [[صحيح البخاري برقم (١٦٩٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٣) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ألجئتَ إِلَيْهَا" [[صحيح مسلم برقم (١٣٢٣) .]] . وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَعْمَى، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَذْف، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً وَمَعَهَا وَلَدُهَا، فَقَالَ: لَا تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضُلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَاذْبَحْهَا وولدَها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أَيْ: مَحِل الْهَدْيِ وَانتِهَاؤُهُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَهُوَ الْكَعْبَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] ، وَقَالَ ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٥] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى "الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" قَرِيبًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في ت: "والله أعلم".]] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
22:34

وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَزَل ذبحُ الْمَنَاسِكِ وإراقةُ الدِّمَاءِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعًا فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قَالَ: عِيدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذَبَحًا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ ، إِنَّهَا مَكَّةُ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ قَطُّ مَنْسَكًا غَيْرَهَا. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فسمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحهما [[صحيح البخاري برقم (٥٥٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا سَلام بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ الْمُجَاشِعِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ -وَهُوَ نُفَيْع بْنُ الْحَارِثِ-عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قُلْتُ -أَوْ: قَالُوا-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: "سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ". قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ" قَالُوا: فَالصُّوفُ؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ". وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ، بِهِ [[المسند (٤/٣٦٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أَيْ: مَعْبُودُكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَنوّعَت شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ ونَسخَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَالْجَمِيعُ يَدْعُونَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي [[في ت، أ: "يوحى".]] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [[في ت: "فاعبدوني".]] [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أَيْ: أَخْلِصُوا وَاسْتَسْلِمُوا لحُكْمه وَطَاعَتِهِ. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُطْمَئِنِّينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْوَجِلِينَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ [[في ت، ف، أ: "إدريس".]] : الْمُخْبِتُونَ [[في ت: "المختبتين".]] : الَّذِينَ لَا يَظلمون، وَإِذَا ظُلموا لَمْ يَنْتَصِرُوا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قَالَ: الْمُطْمَئِنِّينَ الرَّاضِينَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، الْمُسْتَسْلِمِينَ له. وَأَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: خَافَتْ مِنْهُ قلوبُهم، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَصَائِبِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ لَتَصْبِرُنَّ أَوْ لَتَهْلِكُنَّ. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ : قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْإِضَافَةِ. السبعةَ، وبقيةَ الْعَشْرَةِ أَيْضًا. وَقَرَأَ ابْنُ [[في ت: "أبو".]] السَّمَيْقَع: "والمقيمينَ الصَّلَاةَ" بِالنَّصْبِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ، وَإِنَّمَا حُذِفَتِ النُّونُ هَاهُنَا تَخْفِيفًا، وَلَوْ حُذِفَتْ لِلْإِضَافَةِ لَوَجَبَ خَفْضُ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ فَنُصِبَتْ. أَيِ: الْمُؤَدِّينَ حَقَّ اللَّهِ فِيمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أَيْ: وَيُنْفِقُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبِ الرِّزْقِ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَرِقَّائِهِمْ وَقُرَابَاتِهِمْ، وَفُقَرَائِهِمْ وَمَحَاوِيجِهِمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ مَعَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ. وَهَذِهِ بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُمْ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ "بَرَاءَةٌ" [فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[انظر تفسير الآية: ٦٧.]] .
22:35

ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَزَل ذبحُ الْمَنَاسِكِ وإراقةُ الدِّمَاءِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعًا فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قَالَ: عِيدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذَبَحًا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ ، إِنَّهَا مَكَّةُ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ قَطُّ مَنْسَكًا غَيْرَهَا. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فسمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحهما [[صحيح البخاري برقم (٥٥٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٩٦٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا سَلام بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ الْمُجَاشِعِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ -وَهُوَ نُفَيْع بْنُ الْحَارِثِ-عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قُلْتُ -أَوْ: قَالُوا-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: "سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ". قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ" قَالُوا: فَالصُّوفُ؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ". وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ، بِهِ [[المسند (٤/٣٦٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أَيْ: مَعْبُودُكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَنوّعَت شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ ونَسخَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَالْجَمِيعُ يَدْعُونَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي [[في ت، أ: "يوحى".]] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [[في ت: "فاعبدوني".]] [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أَيْ: أَخْلِصُوا وَاسْتَسْلِمُوا لحُكْمه وَطَاعَتِهِ. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُطْمَئِنِّينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْوَجِلِينَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ [[في ت، ف، أ: "إدريس".]] : الْمُخْبِتُونَ [[في ت: "المختبتين".]] : الَّذِينَ لَا يَظلمون، وَإِذَا ظُلموا لَمْ يَنْتَصِرُوا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قَالَ: الْمُطْمَئِنِّينَ الرَّاضِينَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، الْمُسْتَسْلِمِينَ له. وَأَحْسَنُ مَا يُفَسَّرُ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: خَافَتْ مِنْهُ قلوبُهم، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَصَائِبِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ لَتَصْبِرُنَّ أَوْ لَتَهْلِكُنَّ. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ : قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْإِضَافَةِ. السبعةَ، وبقيةَ الْعَشْرَةِ أَيْضًا. وَقَرَأَ ابْنُ [[في ت: "أبو".]] السَّمَيْقَع: "والمقيمينَ الصَّلَاةَ" بِالنَّصْبِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ، وَإِنَّمَا حُذِفَتِ النُّونُ هَاهُنَا تَخْفِيفًا، وَلَوْ حُذِفَتْ لِلْإِضَافَةِ لَوَجَبَ خَفْضُ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ فَنُصِبَتْ. أَيِ: الْمُؤَدِّينَ حَقَّ اللَّهِ فِيمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أَيْ: وَيُنْفِقُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبِ الرِّزْقِ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَرِقَّائِهِمْ وَقُرَابَاتِهِمْ، وَفُقَرَائِهِمْ وَمَحَاوِيجِهِمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ مَعَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ. وَهَذِهِ بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُمْ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ "بَرَاءَةٌ" [فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[انظر تفسير الآية: ٦٧.]] .
22:36

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْبُدْنِ، وَجَعَلَهَا مِنْ شَعَائِرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَهَا تُهْدَى إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مَا يُهْدَى [إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ] [[زيادة من أ.]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَةَ: [الْمَائِدَةِ: ٢] . قَالَ ابْنُ جُرَيج: قَالَ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ، قَالَ: الْبَقَرَةُ، وَالْبَعِيرُ. وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا الْبُدْنُ مِنَ الْإِبِلِ. قُلْتُ: أَمَّا إِطْلَاقُ البَدَنة عَلَى الْبَعِيرِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَقَرَةِ، عَلَى قَوْلَيْنِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا ذَلِكَ شَرْعًا كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُجزئ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [وَغَيْرِهِ] [[زيادة من أ.]] ، قَالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ إن نشتركَ في الأضاحي، البدنةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ [[صحيح مسلم برقم (١٣١٨) .]] . [وَقَالَ إسحاق بنُ رَاهَويه وَغَيْرُهُ: بَلْ تُجزئ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَعِيرُ عَنْ عَشَرَةٍ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمَا [[المسند (١/٢٧٥) وسنن النسائي (٧/٢٢٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سفر فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة".]] ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ ، أَيْ: ثَوَابٌ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْكَعْبِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا عَمِل ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هِرَاقه دَمٍ، وَإِنَّهُ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فطِيبُوا بِهَا نَفْسًا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وحَسنه [[سنن الترمذي برقم (١٤٩٣) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٢٦) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانَ أَبُو حَاتِمٍ [[في أ: "أبو حازم".]] يَسْتَدِينُ وَيَسُوقُ البُدْن، فَقِيلَ لَهُ: تَسْتَدِينُ وَتَسُوقُ الْبُدْنَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "ما أُنْفِقَتِ الوَرقَ فِي شَيْءٍ أفضلَ مِنْ نَحِيرَةٍ فِي يَوْمِ عِيدٍ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ [[سنن الدارقطني (٤/٢٨٢) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابن عباس.]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قَالَ: أَجْرٌ وَمَنَافِعُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: يَرْكَبُهَا وَيَحْلِبُهَا إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وَعَنِ [الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ.]] جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صليتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عيدَ الْأَضْحَى، فَلَمَّا انصَرَفَ أَتَى بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ، فَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهِ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمَّ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ [[المسند (٣/٣٥٦) وسنن أبي داود برقم (٢٨١٠) وسنن الترمذي برقم (١٥٢١) وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ".]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وأمته". ثم سمى الله وكبر وَذَبَحَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ١٦٢ من سورة "الأنعام".]] . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا ضَحَّى اشْتَرَى كَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَإِذَا صَلَّى وَخَطَبَ النَّاسَ أُتِيَ [[في ت: "أمر".]] بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ فَذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ بِالْمُدْيَةِ [[في ت، أ: "بالمدينة".]] ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعِهَا، مَنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ". ثُمَّ يُؤتى بِالْآخَرِ فَيَذْبَحُهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ" فيُطعمها جَمِيعًا الْمَسَاكِينَ، [وَيَأْكُلُ] [[زيادة من ف، أ.]] هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ [[المسند (٦/٨) وتقدم الحديث في هذه السورة.]] . وَقَالَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظِبْيَان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ ، قَالَ: قِيَامٌ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، مَعْقُولَةٌ يدُها الْيُسْرَى، يَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ [[في ف، أ: "والله أكبر، لا إله إلا الله".]] ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ". وَكَذَلِكَ رَوَى مُجَاهِدٌ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، والعَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَ هَذَا. وَقَالَ لَيْثٌ. عَنْ مُجَاهِدٍ: إِذَا عُقلت رِجْلُهَا الْيُسْرَى قَامَتْ عَلَى ثَلَاثٍ. ورَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْهُ، نَحْوَهُ [[في أ: "نحو هذا".]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تُعقل رِجْلٌ [[في ت، ف: "يعقل يدا".]] وَاحِدَةٌ فَتَكُونُ عَلَى ثَلَاثٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنته وَهُوَ يَنْحَرُهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (١٧١٣) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٠) .]] . وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه كَانُوا ينحَرون البُدْن معقولةَ الْيُسْرَى، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٧٦٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعة: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: قفْ مِنْ شِقِّهَا الْأَيْمَنِ، وانْحَر مِنْ شِقِّهَا الْأَيْسَرِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ، فِي صِفَةِ حِجَّةِ الوَدَاع، قَالَ فِيهِ: فَنَحَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنة، جَعَلَ [[في ت: "وجعل".]] يَطعَنُها بحَربة فِي يَدِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "صَوَافِنَ"، أَيْ: مُعقَّلة [[في ت، أ: "معلقة".]] قِيَامًا [[تفسير عبد الرزاق (٢/٣٣) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مَن قَرَأَهَا "صَوَافِنَ" قَالَ: مَعْقُولَةٌ. وَمَنْ قَرَأَهَا ﴿صَوَافَّ﴾ قَالَ: تُصَفُّ بَيْنَ يَدَيْهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمَا: "فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِيَ" يَعْنِي: خَالِصَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: "صوافيَ": لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ كَشِرْكِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَصْنَامِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قَالَ: ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: يَعْنِي: سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يَعْنِي: نُحِرَتْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يَعْنِي: مَاتَتْ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ البَدَنة [[في ت: "البدن".]] إِذَا نُحرت حَتَّى تَمُوتَ وتَبْرد حَرَكَتُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: "وَلَا تُعجِلُوا النفوسَ أَنْ تَزْهَق" [[رواه الدارقطني في السنن (٤/٢٨٣) من طريق سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل عن الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مرفوعا وسعيد بن سلام العطار كذبه أحمد وابن نمير، وضعف البيهقي هذا الحديث في السنن الكبرى (٩/٢٧٨) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ فَرافصَة الْحَنَفِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ [[ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٧٨) .]] وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ شَدّاد بْنِ أَوْسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ [[في ت: "الذبحة".]] ولْيُحدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَته، ولْيُرِحْ ذَبِيحته" [[صحيح مسلم برقم (١٩٥٥) .]] . وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا قُطع مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهُوَ مَيْتَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ [[المسند (٥/٢١٨) وسنن أبي داود برقم (٢٨٥٨) وسنن الترمذي برقم (١٤٨٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ َ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ [[في أ: "الناس".]] : قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أَمْرُ إِبَاحَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجِبُ. وَهُوَ وَجْه لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَانِعِ وَالْمُعْتَرِّ، فَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَانِعُ: الْمُسْتَغْنِي بِمَا أَعْطَيْتَهُ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ، ويُلمّ بِكَ أَنْ تُعْطِيَهُ مِنَ اللَّحْمِ، وَلَا يَسْأَلُ. وَكَذَا قال مجاهد، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَانِعُ: الْمُتَعَفِّفُ. وَالْمُعْتَرُّ: السَّائِلُ. وَهَذَا قولُ قَتَادَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَمُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وعِكْرِمَة [[في ف، أ: "وعكرمة وزيد بن أسلم".]] ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ، ومُقَاتِل بْنُ حَيَّان، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: الْقَانِعُ: هُوَ الَّذِي يَقْنع إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيكَ، يَتَضَرَّعُ وَلَا يَسْأَلُكَ. وَهَذَا لَفْظُ الْحَسَنِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْقَانِعُ: هُوَ السَّائِلُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّمَّاخ. لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فَيُغْني ... مَفَاقِرَه [[في ت: "مفاقه".]] ، أَعَفُّ مِنَ القُنُوع [[البيت في ديوانه (ص٢٢١) أ. هـ مستفادا من حاشية الشعب.]] قَالَ: يَعْنِي مِنَ السُّؤَّالِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْقَانِعُ: الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ. وَالْمُعْتَرُّ: الصَّدِيقُ وَالضَّعِيفُ [[في ت: "والضيف".]] الَّذِي يَزُورُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "عن أبيه عبد الرحمن".]] بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: الْقَانِعُ: جَارُكَ الْغَنِيُّ [الَّذِي يُبْصِرُ مَا يَدْخُلُ بَيْتَكَ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيكَ [[في أ: "يعتزل".]] مِنَ النَّاسِ. وَعَنْهُ: أَنَّ الْقَانِعَ: هُوَ الطَّامِعُ. وَالْمُعْتَرُّ: هُوَ الَّذِي يَعْتَر بالبُدْن مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ، وَعَنْهُ الْقَانِعُ: أَهْلُ مَكَّةَ. وَاخْتَارَ ابنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْقَانِعَ: هُوَ السَّائِلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَقْنَعَ بِيَدِهِ إِذَا رَفَعَهَا لِلسُّؤَالِ، وَالْمُعْتَرُّ مِنَ الِاعْتِرَارِ، وَهُوَ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِأَكْلِ اللَّحْمِ. وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةُ تُجزَّأ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ لِصَاحِبِهَا يَأْكُلُهُ [مِنْهَا] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، وَثُلُثٌ يُهْدِيهِ لِأَصْحَابِهِ، وَثُلُثٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَكَلُّوا وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٩٧٧) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]] وَفِي رواية: "فكلوا وادخروا وتصدقوا". وفي رواية: "فكلوا وأطعموا وتصدقوا" [[رواه مالك في الموطأ (٢/٤٨٤) من حديث جابر رضي الله عنه.]] . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْمُضَحِّيَ يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ، لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الْحَجِّ: ٢٨] ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: "فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا". فَإِنْ أَكَلَ الْكُلَّ فَقِيلَ [[في ت، ف، أ. "فقد فقيل".]] : لَا يُضَمِّنُ شَيْئًا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيج من الشافعية. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُضَمِّنُهَا كُلَّهَا بِمِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا. وَقِيلَ: يُضَمِّنُ نِصْفَهَا. وَقِيلَ: ثُلُثَهَا. وَقِيلَ: أَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا. وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا الْجُلُودُ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ قَتَادَةَ ابن النُّعْمَانِ فِي حَدِيثِ الْأَضَاحِيِّ: "فَكُلُوا وَتَصَّدَّقُوا، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا، وَلَا تَبِيعُوهَا" [[المسند (٤/١٥) .]] . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ [فِي ذَلِكَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَاسِمُ الْفُقَرَاءَ ثَمَنَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] . عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ [[في ت: "يبدأ]] بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ [عَجَّلَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ، والبخاري، وفي هـ: "يبديه".]] لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٥٥٤٥) وصحيح مسلم برقم (١٩٦١) .]] . فَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْأَضْحَى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْخُطْبَتَيْنِ. زَادَ أَحْمَدُ: وَأَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَأَلَّا تَذْبَحُوا حَتَّى يَذْبَحَ الْإِمَامُ" [[لم يقع لي في مسلم هذا اللفظ وينظر صحيح مسلم (٣/١٥٥١) .]] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا أَهْلُ السَّوَادِ مِنَ الْقُرَى وَنَحْوِهِمْ [[في ف: "وغيرها".]] ، فَلَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، إِذْ لَا صَلَاةَ عِيدٍ [[في أ: "عيد تشرع".]] عِنْدَهُ لَهُمْ. وَأَمَّا أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَلَا يَذْبَحُوا حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قِيلَ: لَا يُشْرَعُ الذَّبْحُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: يَوْمُ النَّحْرِ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، لِتَيَسُّرِ [[في ف: "لتيسر".]] الْأَضَاحِيِّ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمٌ بَعْدَهُ لِلْجَمِيعِ. وَقِيلَ: وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقِيلَ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ [[المسند (٤/٨٢) .]] . وَقِيلَ: إِنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ يَمْتَدُّ إِلَى آخَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ : يَقُولُ تَعَالَى: مِنْ أَجْلِ هَذَا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُم﴾ أَيْ: ذَلَّلْنَاهَا لَكُمْ، أَيْ: جَعَلْنَاهَا مُنْقَادَةً لَكُمْ خَاضِعَةً، إِنْ شِئْتُمْ رَكِبْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ حَلَبْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَبَحْتُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ -٧٣] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
22:37

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شَرَعَ لَكُمْ نَحْرَ هَذِهِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، لِتَذْكُرُوهُ عِنْدَ ذَبْحِهَا، فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ [[في ت، ف: "الرزاق".]] لَا أَنَّهُ يَنَالُهُ شَيْءٌ مِنْ لُحُومِهَا وَلَا دِمَائِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ. وَقَدْ كَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ إِذَا ذَبَحُوهَا لِآلِهَتِهِمْ وَضَعُوا عَلَيْهَا مِنْ لُحُومٍ قرابتنهم، وَنَضَحُوا عَلَيْهَا مِنْ دِمَائِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَنْضَحُونَ الْبَيْتَ بِلُحُومِ الْإِبِلِ وَدِمَائِهَا، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَنْضَحَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أَيْ: يَتَقَبَّلُ ذَلِكَ وَيَجْزِي عَلَيْهِ. كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ [[في ت، ف: "ألوانكم".]] ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٦٤) .]] وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ" كَمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ. رَوَاهُ [[في ت: "ورواه".]] ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وحَسّنه عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ سِيقَ لِتَحْقِيقِ الْقَبُولِ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ أَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى يَتَبَادَرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ سِوَى هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ وَكِيع، عَنْ [يَحْيَى] [[زيادة من ت.]] بْنِ مُسْلِمٍ أَبِي الضَّحَّاكِ: سَأَلْتُ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ عَنْ جُلُودِ الْأَضَاحِيِّ، فَقَالَ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ ، إِنْ شِئْتَ فَبِعْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَصَدَّقْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَخَّرَ [[في ت، ف: "سخرناها".]] لَكُمُ البُدن، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أَيْ: لِتُعَظِّمُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ وَمَا يُحِبُّهُ، وَمَا يَرْضَاهُ، وَنَهَاكُمْ عَنْ فِعْلِ مَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ الْمُحْسِنِينَ، أَيْ: فِي عَمَلِهِمُ، الْقَائِمِينَ بِحُدُودِ اللَّهِ، الْمُتَّبِعِينَ مَا شَرَع لَهُمُ، الْمُصَدِّقِينَ الرسولَ فِيمَا أَبْلَغَهُمْ وَجَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [مَسْأَلَةٌ] [[زيادة من ف.]] . وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى الْقَوْلِ [[في ت: "بالقول".]] بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَنْ ملك نصابا، وزاد أَبُو حَنِيفَةَ اشْتِرَاطَ الْإِقَامَةِ أَيْضًا. وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: "مَنْ وَجَدَ سَعَة فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلانا" [[المسند (٢/٣٢١) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٢٣) .]] عَلَى أَنَّ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [[في إسناده عبد الله بن عياش، قال البوصيري في الزوائد (٣/٥٠) : "وإن روى له مسلم فإنما روى له في المتابعات والشواهد فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم، وابن يونس: منكر الحديث وذكره ابن حبان في الثقات". ثم نقل عن البيهقي أنه بلغه عن الترمذي: أن الصحيح عن أبي هريرة موقوف أ. هـ. ويمكن أن يجاب بأن هذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما في حديث: "من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا" ذكر ذلك ابن الجوزي وهناك لا يلزم استنكاره.]] . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرٌ سِنِينَ يُضَحِّي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [[سنن الترمذي برقم (١٥٠٧) وحسنه.]] . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" [[رواه ابن ماجه في السنن برقم (١٧٨٩) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.]] . وَقَدْ تَقَدَّمُ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم".]] ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ فَأَسْقَطَ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو سَريحةَ: كُنْتُ جَارًا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَكَانَا لَا يُضَحِّيَانِ خَشْيَةَ أَنْ يَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ دَارٍ أَوْ مَحَلَّةٍ، سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِظْهَارُ الشِّعَارِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ -وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ-عَنْ مِخْنَف بْنِ سُلَيْمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ بِعَرَفَاتٍ: "عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحَاةٌ وعَتِيرة، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ [[في ف، أ: "قال: هي".]] الَّتِي تَدْعُونَهَا الرَّجبية". وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِهِ [[المسند (٤/١٢٥) وسنن أبي داود برقم (٢٧٨٨) وسنن الترمذي برقم (١٥١٨) وسنن النسائي (٧/١٦٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٢٥) .]] . وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، يَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ [حَتَّى تَبَاهَى] [[زيادة من ت، ف.]] النَّاسُ فَصَارَ كَمَا تَرَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ [[سنن الترمذي برقم (١٥٠٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٤٧) .]] . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَمَّا مِقْدَارُ سِنّ الْأُضْحِيَّةِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّة، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ" [[صحيح مسلم برقم (١٩٦٣) .]] . وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّ الجذَعَ لَا يُجْزِئُ. وَقَابَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الجَذَع يُجْزِئُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَهُمَا غَرِيبَانِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يُجْزِئُ الثَّني مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعِزِ، وَالْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، فَأَمَّا الثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ: فَهُوَ الَّذِي لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ. وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ [سَنَتَانِ] [[زيادة من ف.]] وَدَخَلَ فِي [الثَّالِثَةِ] [[زيادة من ف.]] ، وَقِيلَ: [مَا لَهُ] [[زيادة من ف.]] ثَلَاثٌ [وَدَخَلَ فِي] [[زيادة من ف.]] الرَّابِعَةِ. وَمِنَ الْمَعِزِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ. وَأَمَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ فَقِيلَ: مَا لَهُ سَنَةٌ، وَقِيلَ: عَشْرَةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَمَانيَةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِي سِنِّه، وَمَا دُونَهُ فَهُوَ حَمَل، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحَمَلَ شَعْرُ ظَهْرِهِ قَائِمٌ، والجذَع شَعْرُ ظَهْرِهِ نَائِمٌ، قَدِ انْعَدَلَ صدْعين، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
22:38

۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ شَرَّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدَ الْفُجَّارِ، وَيَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٦] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: ٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ أَيْ: لَا يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا، وَهُوَ الْخِيَانةُ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لَا يَفِي بِمَا قَالَ. وَالْكُفْرُ [[في ت: "والكفور".]] : الْجَحْدُ لِلنِّعَمِ، فَلَا يَعْتَرِفُ بِهَا.
22:39

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ

قَالَ العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ [[في ف، أ: "وقال مجاهد والضحاك وقتادة".]] هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ -هُوَ البَطِين-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ [[في ت، ف: "خرج".]] النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ليهلكُن. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، بِهِ [[زيادة من ف.]] وَزَادَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[في ت: "ماجه".]] مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ -زَادَ التِّرْمِذِيُّ: ووَكِيع، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ [[سنن الترمذي برقم (٣١٧١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٥) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَكِنْ هُوَ يُرِيدُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُبْلُوا [[في ت، أ: "يبذلوا".]] جَهْدَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤ -٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [[في ت: "بأيديهم".]] وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤، ١٥] ، وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٦] ، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٢] ، وَقَالَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وَقَدْ فَعَلَ. وَإِنَّمَا شَرَعَ [اللَّهُ] [[تفسير الطبري (١٧/١٢٣) والمسند (١/٢١٦) .]] تَعَالَى الْجِهَادَ فِي الْوَقْتِ الْأَلْيَقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِمَكَّةَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ عَدَدًا، فَلَوْ أمرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْعُشْرِ، بِقِتَالِ الْبَاقِينَ [[في ت: "المنافقين".]] لشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَايَعَ أهلُ يَثْرِبَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَمِيلُ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي -يَعْنُونَ أَهْلَ مِنَى-لَيَالِيَ مِنى فَنَقْتُلُهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إني لم أومر بِهَذَا". فَلَمَّا بَغَى الْمُشْرِكُونَ، وَأَخْرَجُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَشَرَّدُوا أَصْحَابَهُ شَذرَ مَذَر، فَذَهَبَ [[في ف: "فذهبت".]] مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَآخَرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِالْمَدِينَةِ، وَوَافَاهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَامُوا بِنَصْرِهِ وَصَارَتْ لهم دار إسلام ومَعْقلا يلجؤون إِلَيْهِ -شَرَعَ اللَّهُ جِهَادَ الْأَعْدَاءِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ﴾ قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. ﴿إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أَيْ: مَا كَانَ لَهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ إِسَاءَةٌ، وَلَا كَانَ لَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنَّهُمْ عَبَدُوا اللَّهَ [[في ف، أ: "وحد الله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ: ٨] . وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ المسلمون يرتجزون في بناء الخندق، ويقولون: لا هُمّ [[في أ: "والله".]] لَولا أنتَ مَا اهتَدَينا ... وَلا تَصَدّقَْنا وَلا صَلَّينَا ... فَأنزلَنْ سَكينَةً عَلَينَا ... وَثَبّت الأقْدَامَ إنْ لاقَينَا ... إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوا عَلَينَا ... إذَا أرَادوا فتْنَةً أبَيْنَا [[الأبيات لعامر بن الأكوع كما في صحيح مسلم برقم (١٨٠٣) .]] فَيُوَافِقُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَيَقُولُ مَعَهُمْ آخِرَ كُلِّ قَافِيَةٍ، فَإِذَا قَالُوا: "إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"، يَقُولُ: "أَبَيْنَا"، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ قَوْمٍ بِقَوْمٍ، ويكشفُ شَرّ أُنَاسٍ عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا يَخْلُقُهُ وَيُقَدِّرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَأَهْلَكَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ. ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وَهِيَ الْمَعَابِدُ الصِّغَارُ لِلرُّهْبَانِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَعَابِدُ الصَّابِئِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: صَوَامِعُ الْمَجُوسِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: هِيَ الْبُيُوتُ الَّتِي عَلَى الطُّرُقِ. ﴿وَبِيَعٌ﴾ : وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْهَا، وَأَكْثَرُ عَابِدِينَ فِيهَا. وَهِيَ لِلنَّصَارَى أَيْضًا. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ [[في أ: "أبو".]] صَخْرٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وخُصَيف، وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ. وَحَكَى السُّدِّيُّ، عَمَّنْ حَدّثه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ، وَمُجَاهِدٌ إِنَّمَا قَالَ: هِيَ الْكَنَائِسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ : قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَوَاتُ: الْكَنَائِسُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: إِنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ. وَهُمْ يُسَمُّونَهَا صَلُوتا. وَحَكَى السُّدِّيُّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا كَنَائِسُ النصارى. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَغَيْرُهُ: الصَّلَوَاتُ: مَعَابِدُ الصَّابِئِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: الصَّلَوَاتُ: مَسَاجِدُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالطُّرُقِ. وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فَقَدْ قِيلَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا﴾ عَائِدٌ إِلَى الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْمَذْكُورَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجَمِيعُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصوابُ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ الرُّهْبَانِ وبِيعُ النَّصَارَى وَصَلَوَاتُ الْيَهُودِ، وَهِيَ كَنَائِسُهُمْ، وَمَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا تَرَقٍّ مِنَ الْأَقَلِّ إِلَى الْأَكْثَرِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَهِيَ أَكْثَرُ عُمَّارا وَأَكْثَرُ عُبَّادًا، وَهُمْ ذَوُو الْقَصْدِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ كَقَوْلِهِ [[في ت: "لقوله".]] تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٧، ٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وَصَف نَفْسَهُ بِالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ، فَبِقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَبِعِزَّتِهِ لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، فَقِيرٌ إِلَيْهِ. وَمَنْ كَانَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ناصرَه فَهُوَ الْمَنْصُورُ، وَعَدُوُّهُ هُوَ الْمَقْهُورُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٧١ -١٧٣] وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] .
22:40

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

قَالَ العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ [[في ف، أ: "وقال مجاهد والضحاك وقتادة".]] هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ -هُوَ البَطِين-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ [[في ت، ف: "خرج".]] النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ليهلكُن. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، بِهِ [[زيادة من ف.]] وَزَادَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[في ت: "ماجه".]] مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ -زَادَ التِّرْمِذِيُّ: ووَكِيع، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ [[سنن الترمذي برقم (٣١٧١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٥) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَكِنْ هُوَ يُرِيدُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُبْلُوا [[في ت، أ: "يبذلوا".]] جَهْدَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤ -٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [[في ت: "بأيديهم".]] وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤، ١٥] ، وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٦] ، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٢] ، وَقَالَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] . وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وَقَدْ فَعَلَ. وَإِنَّمَا شَرَعَ [اللَّهُ] [[تفسير الطبري (١٧/١٢٣) والمسند (١/٢١٦) .]] تَعَالَى الْجِهَادَ فِي الْوَقْتِ الْأَلْيَقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِمَكَّةَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ عَدَدًا، فَلَوْ أمرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْعُشْرِ، بِقِتَالِ الْبَاقِينَ [[في ت: "المنافقين".]] لشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَايَعَ أهلُ يَثْرِبَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَمِيلُ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي -يَعْنُونَ أَهْلَ مِنَى-لَيَالِيَ مِنى فَنَقْتُلُهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إني لم أومر بِهَذَا". فَلَمَّا بَغَى الْمُشْرِكُونَ، وَأَخْرَجُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَشَرَّدُوا أَصْحَابَهُ شَذرَ مَذَر، فَذَهَبَ [[في ف: "فذهبت".]] مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَآخَرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِالْمَدِينَةِ، وَوَافَاهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَامُوا بِنَصْرِهِ وَصَارَتْ لهم دار إسلام ومَعْقلا يلجؤون إِلَيْهِ -شَرَعَ اللَّهُ جِهَادَ الْأَعْدَاءِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ﴾ قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. ﴿إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أَيْ: مَا كَانَ لَهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ إِسَاءَةٌ، وَلَا كَانَ لَهُمْ ذَنْبٌ إِلَّا أَنَّهُمْ عَبَدُوا اللَّهَ [[في ف، أ: "وحد الله".]] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ١] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [الْبُرُوجِ: ٨] . وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ المسلمون يرتجزون في بناء الخندق، ويقولون: لا هُمّ [[في أ: "والله".]] لَولا أنتَ مَا اهتَدَينا ... وَلا تَصَدّقَْنا وَلا صَلَّينَا ... فَأنزلَنْ سَكينَةً عَلَينَا ... وَثَبّت الأقْدَامَ إنْ لاقَينَا ... إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوا عَلَينَا ... إذَا أرَادوا فتْنَةً أبَيْنَا [[الأبيات لعامر بن الأكوع كما في صحيح مسلم برقم (١٨٠٣) .]] فَيُوَافِقُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَيَقُولُ مَعَهُمْ آخِرَ كُلِّ قَافِيَةٍ، فَإِذَا قَالُوا: "إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"، يَقُولُ: "أَبَيْنَا"، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ قَوْمٍ بِقَوْمٍ، ويكشفُ شَرّ أُنَاسٍ عَنْ غَيْرِهِمْ، بِمَا يَخْلُقُهُ وَيُقَدِّرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَأَهْلَكَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ. ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وَهِيَ الْمَعَابِدُ الصِّغَارُ لِلرُّهْبَانِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَعَابِدُ الصَّابِئِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: صَوَامِعُ الْمَجُوسِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: هِيَ الْبُيُوتُ الَّتِي عَلَى الطُّرُقِ. ﴿وَبِيَعٌ﴾ : وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْهَا، وَأَكْثَرُ عَابِدِينَ فِيهَا. وَهِيَ لِلنَّصَارَى أَيْضًا. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ [[في أ: "أبو".]] صَخْرٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وخُصَيف، وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ. وَحَكَى السُّدِّيُّ، عَمَّنْ حَدّثه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ، وَمُجَاهِدٌ إِنَّمَا قَالَ: هِيَ الْكَنَائِسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ : قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَوَاتُ: الْكَنَائِسُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: إِنَّهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ. وَهُمْ يُسَمُّونَهَا صَلُوتا. وَحَكَى السُّدِّيُّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا كَنَائِسُ النصارى. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَغَيْرُهُ: الصَّلَوَاتُ: مَعَابِدُ الصَّابِئِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: الصَّلَوَاتُ: مَسَاجِدُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالطُّرُقِ. وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فَقَدْ قِيلَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا﴾ عَائِدٌ إِلَى الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْمَذْكُورَاتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجَمِيعُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصوابُ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ الرُّهْبَانِ وبِيعُ النَّصَارَى وَصَلَوَاتُ الْيَهُودِ، وَهِيَ كَنَائِسُهُمْ، وَمَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا تَرَقٍّ مِنَ الْأَقَلِّ إِلَى الْأَكْثَرِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَهِيَ أَكْثَرُ عُمَّارا وَأَكْثَرُ عُبَّادًا، وَهُمْ ذَوُو الْقَصْدِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ كَقَوْلِهِ [[في ت: "لقوله".]] تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٧، ٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وَصَف نَفْسَهُ بِالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ، فَبِقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَبِعِزَّتِهِ لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، فَقِيرٌ إِلَيْهِ. وَمَنْ كَانَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ناصرَه فَهُوَ الْمَنْصُورُ، وَعَدُوُّهُ هُوَ الْمَقْهُورُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٧١ -١٧٣] وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] .
22:41

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَاني، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، فَأُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَّا أَنْ قُلْنَا: "رَبُّنَا اللَّهُ"، ثُمَّ مُكنّا فِي الْأَرْضِ، فَأَقَمْنَا الصَّلَاةَ، وَآتَيْنَا الزَّكَاةَ، وَأَمَرْنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْنَا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، فَهِيَ لِي ولأصحابي. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ الصَّبَاحُ بْنُ سِوَادَةَ الْكِنْدِيُّ: سَمِعَتْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْوَالِي وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهَا عَلَى الْوَالِي وَالْمُولَى عَلَيْهِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا لَكَمَ عَلَى الْوَالِي مِنْ ذَلكم، وَبِمَا لِلْوَالِي عَلَيْكُمْ مِنْهُ؟ إِنَّ لَكُمْ عَلَى الْوَالِي مِنْ ذَلِكُمْ أَنْ يُؤَاخِذَكُمْ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَأَنْ يَأْخُذَ لِبَعْضِكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنْ يَهْدِيَكُمْ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مَا اسْتَطَاعَ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ الطَّاعَةَ غَيْرَ الْمَبْزُوزَةِ وَلَا الْمُسْتَكْرَهَةِ، وَلَا الْمُخَالِفَ سِرُّهَا عَلَانِيَتَهَا. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ [كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] [[زيادة من أ.]] ﴾ [النُّورِ: ٥٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٣] . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾ : وَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ مَا صَنَعُوا.
22:42

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نبيَّه مُحَمَّدًا ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ [[في ف، أ: "وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مدين".]] : ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أَيْ: مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ؟! ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٤] ، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ [[في ت، ف: "وكأين".]] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَيْ: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: مُكَذِّبَةٌ لِرَسُولِهَا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أَيْ: قَدْ خُرِّبَتْ مَنَازِلُهَا وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أَيْ: لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُها أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي المُبَيّض بِالْجِصِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي المَلِيح، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المُنيف الْمُرْتَفِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّدِيدُ الْمَنِيعُ الْحَصِينُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ، وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ، عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ": حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّار، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "ابن".]] جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَا مُوسَى، اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، وَاطْلُبِ الْآثَارَ وَالْعِبَرَ، حَتَّى تَتَخَرَّقَ النَّعْلَانِ [[في ت، ف: "تخرق النعال".]] وَتُكْسَرَ الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بِالزُّهْدِ، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ [[في ت، ف: "بالقرب".]] ، وقرِّره بِالْفَنَاءِ [[في ت، ف: "وتدبره بالثناء".]] ، وبَصِّره فَجَائِعَ [[في ت، ف، أ: "بمجامع".]] الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ [[في ف: "بصولة".]] الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ [[في ت، أ: "وذكره بأم كتاب".]] مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا. أَيْ: فَانْظُرُوا [[في ت، ف: "فينظروا".]] مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنَ النِّقَمِ وَالنَّكَالِ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ، وَإِنْ كَانتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ سَلِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ إِلَى الْعِبَرِ، وَلَا تَدْرِي مَا الْخَبَرُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن سَارَةَ [[في ت، ف، أ: "ابن حبان".]] الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّنْتَريني، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سبع عشرة وخمسمائة: يَا مَن يُصيخُ إِلَى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى بِهِ الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... إِنْ كُنتَ لَا تَسْمَع الذكْرَى، فَفِيمَ تُرَى ... فِي رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟ ... ليسَ الأصَمّ وَلَا الأعمَى سوَى رَجُل ... لَمْ يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ... لَا الدَّهْرُ يَبْقَى وَلا الدُّنْيَا، وَلا الفَلَك الْـ ... أَعْلَى وَلَا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ... لَيَرْحَلَنّ عَن الدَّنْيَا، وَإن كَرِها [[في ت، ف، أ: "كرهن".]] فرَاقها، الثَّاوِيَانِ: البَدْو والحَضَرُ ...
22:43

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نبيَّه مُحَمَّدًا ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ [[في ف، أ: "وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مدين".]] : ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أَيْ: مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ؟! ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٤] ، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ [[في ت، ف: "وكأين".]] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَيْ: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: مُكَذِّبَةٌ لِرَسُولِهَا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أَيْ: قَدْ خُرِّبَتْ مَنَازِلُهَا وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أَيْ: لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُها أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي المُبَيّض بِالْجِصِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي المَلِيح، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المُنيف الْمُرْتَفِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّدِيدُ الْمَنِيعُ الْحَصِينُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ، وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ، عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ": حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّار، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "ابن".]] جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَا مُوسَى، اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، وَاطْلُبِ الْآثَارَ وَالْعِبَرَ، حَتَّى تَتَخَرَّقَ النَّعْلَانِ [[في ت، ف: "تخرق النعال".]] وَتُكْسَرَ الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بِالزُّهْدِ، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ [[في ت، ف: "بالقرب".]] ، وقرِّره بِالْفَنَاءِ [[في ت، ف: "وتدبره بالثناء".]] ، وبَصِّره فَجَائِعَ [[في ت، ف، أ: "بمجامع".]] الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ [[في ف: "بصولة".]] الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ [[في ت، أ: "وذكره بأم كتاب".]] مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا. أَيْ: فَانْظُرُوا [[في ت، ف: "فينظروا".]] مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنَ النِّقَمِ وَالنَّكَالِ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ، وَإِنْ كَانتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ سَلِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ إِلَى الْعِبَرِ، وَلَا تَدْرِي مَا الْخَبَرُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن سَارَةَ [[في ت، ف، أ: "ابن حبان".]] الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّنْتَريني، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سبع عشرة وخمسمائة: يَا مَن يُصيخُ إِلَى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى بِهِ الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... إِنْ كُنتَ لَا تَسْمَع الذكْرَى، فَفِيمَ تُرَى ... فِي رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟ ... ليسَ الأصَمّ وَلَا الأعمَى سوَى رَجُل ... لَمْ يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ... لَا الدَّهْرُ يَبْقَى وَلا الدُّنْيَا، وَلا الفَلَك الْـ ... أَعْلَى وَلَا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ... لَيَرْحَلَنّ عَن الدَّنْيَا، وَإن كَرِها [[في ت، ف، أ: "كرهن".]] فرَاقها، الثَّاوِيَانِ: البَدْو والحَضَرُ ...
22:44

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نبيَّه مُحَمَّدًا ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ [[في ف، أ: "وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مدين".]] : ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أَيْ: مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ؟! ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٤] ، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ [[في ت، ف: "وكأين".]] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَيْ: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: مُكَذِّبَةٌ لِرَسُولِهَا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أَيْ: قَدْ خُرِّبَتْ مَنَازِلُهَا وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أَيْ: لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُها أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي المُبَيّض بِالْجِصِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي المَلِيح، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المُنيف الْمُرْتَفِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّدِيدُ الْمَنِيعُ الْحَصِينُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ، وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ، عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ": حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّار، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "ابن".]] جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَا مُوسَى، اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، وَاطْلُبِ الْآثَارَ وَالْعِبَرَ، حَتَّى تَتَخَرَّقَ النَّعْلَانِ [[في ت، ف: "تخرق النعال".]] وَتُكْسَرَ الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بِالزُّهْدِ، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ [[في ت، ف: "بالقرب".]] ، وقرِّره بِالْفَنَاءِ [[في ت، ف: "وتدبره بالثناء".]] ، وبَصِّره فَجَائِعَ [[في ت، ف، أ: "بمجامع".]] الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ [[في ف: "بصولة".]] الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ [[في ت، أ: "وذكره بأم كتاب".]] مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا. أَيْ: فَانْظُرُوا [[في ت، ف: "فينظروا".]] مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنَ النِّقَمِ وَالنَّكَالِ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ، وَإِنْ كَانتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ سَلِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ إِلَى الْعِبَرِ، وَلَا تَدْرِي مَا الْخَبَرُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن سَارَةَ [[في ت، ف، أ: "ابن حبان".]] الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّنْتَريني، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سبع عشرة وخمسمائة: يَا مَن يُصيخُ إِلَى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى بِهِ الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... إِنْ كُنتَ لَا تَسْمَع الذكْرَى، فَفِيمَ تُرَى ... فِي رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟ ... ليسَ الأصَمّ وَلَا الأعمَى سوَى رَجُل ... لَمْ يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ... لَا الدَّهْرُ يَبْقَى وَلا الدُّنْيَا، وَلا الفَلَك الْـ ... أَعْلَى وَلَا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ... لَيَرْحَلَنّ عَن الدَّنْيَا، وَإن كَرِها [[في ت، ف، أ: "كرهن".]] فرَاقها، الثَّاوِيَانِ: البَدْو والحَضَرُ ...
22:45

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نبيَّه مُحَمَّدًا ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ [[في ف، أ: "وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مدين".]] : ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أَيْ: مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ؟! ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٤] ، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ [[في ت، ف: "وكأين".]] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَيْ: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: مُكَذِّبَةٌ لِرَسُولِهَا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أَيْ: قَدْ خُرِّبَتْ مَنَازِلُهَا وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أَيْ: لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُها أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي المُبَيّض بِالْجِصِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي المَلِيح، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المُنيف الْمُرْتَفِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّدِيدُ الْمَنِيعُ الْحَصِينُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ، وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ، عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ": حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّار، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "ابن".]] جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَا مُوسَى، اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، وَاطْلُبِ الْآثَارَ وَالْعِبَرَ، حَتَّى تَتَخَرَّقَ النَّعْلَانِ [[في ت، ف: "تخرق النعال".]] وَتُكْسَرَ الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بِالزُّهْدِ، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ [[في ت، ف: "بالقرب".]] ، وقرِّره بِالْفَنَاءِ [[في ت، ف: "وتدبره بالثناء".]] ، وبَصِّره فَجَائِعَ [[في ت، ف، أ: "بمجامع".]] الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ [[في ف: "بصولة".]] الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ [[في ت، أ: "وذكره بأم كتاب".]] مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا. أَيْ: فَانْظُرُوا [[في ت، ف: "فينظروا".]] مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنَ النِّقَمِ وَالنَّكَالِ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ، وَإِنْ كَانتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ سَلِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ إِلَى الْعِبَرِ، وَلَا تَدْرِي مَا الْخَبَرُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن سَارَةَ [[في ت، ف، أ: "ابن حبان".]] الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّنْتَريني، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سبع عشرة وخمسمائة: يَا مَن يُصيخُ إِلَى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى بِهِ الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... إِنْ كُنتَ لَا تَسْمَع الذكْرَى، فَفِيمَ تُرَى ... فِي رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟ ... ليسَ الأصَمّ وَلَا الأعمَى سوَى رَجُل ... لَمْ يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ... لَا الدَّهْرُ يَبْقَى وَلا الدُّنْيَا، وَلا الفَلَك الْـ ... أَعْلَى وَلَا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ... لَيَرْحَلَنّ عَن الدَّنْيَا، وَإن كَرِها [[في ت، ف، أ: "كرهن".]] فرَاقها، الثَّاوِيَانِ: البَدْو والحَضَرُ ...
22:46

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نبيَّه مُحَمَّدًا ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ [[في ف، أ: "وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مدين".]] : ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أَيْ: مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ، وَمُعَاقَبَتِي لَهُمْ؟! ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٤] ، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ [[في ت، ف: "وكأين".]] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَيْ: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ] [[زيادة من ف، أ.]] أَيْ: مُكَذِّبَةٌ لِرَسُولِهَا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أَيْ: قَدْ خُرِّبَتْ مَنَازِلُهَا وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أَيْ: لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُها أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي المُبَيّض بِالْجِصِّ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي المَلِيح، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المُنيف الْمُرْتَفِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّدِيدُ الْمَنِيعُ الْحَصِينُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ، وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ، عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ": حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّار، حَدَّثَنَا [[في ت، ف: "ابن".]] جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَا مُوسَى، اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، وَاطْلُبِ الْآثَارَ وَالْعِبَرَ، حَتَّى تَتَخَرَّقَ النَّعْلَانِ [[في ت، ف: "تخرق النعال".]] وَتُكْسَرَ الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بِالزُّهْدِ، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ [[في ت، ف: "بالقرب".]] ، وقرِّره بِالْفَنَاءِ [[في ت، ف: "وتدبره بالثناء".]] ، وبَصِّره فَجَائِعَ [[في ت، ف، أ: "بمجامع".]] الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ [[في ف: "بصولة".]] الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ [[في ت، أ: "وذكره بأم كتاب".]] مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا. أَيْ: فَانْظُرُوا [[في ت، ف: "فينظروا".]] مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنَ النِّقَمِ وَالنَّكَالِ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ، وَإِنْ كَانتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ سَلِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ إِلَى الْعِبَرِ، وَلَا تَدْرِي مَا الْخَبَرُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى -وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن سَارَةَ [[في ت، ف، أ: "ابن حبان".]] الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّنْتَريني، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سبع عشرة وخمسمائة: يَا مَن يُصيخُ إِلَى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى بِهِ الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... إِنْ كُنتَ لَا تَسْمَع الذكْرَى، فَفِيمَ تُرَى ... فِي رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟ ... ليسَ الأصَمّ وَلَا الأعمَى سوَى رَجُل ... لَمْ يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ... لَا الدَّهْرُ يَبْقَى وَلا الدُّنْيَا، وَلا الفَلَك الْـ ... أَعْلَى وَلَا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ... لَيَرْحَلَنّ عَن الدَّنْيَا، وَإن كَرِها [[في ت، ف، أ: "كرهن".]] فرَاقها، الثَّاوِيَانِ: البَدْو والحَضَرُ ...
22:47

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليه وسلامه".]] : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُلْحِدُونَ الْمُكَذِّبُونَ [[في ت، ف: "الملحدين المكذبين".]] بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣٢] ، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ وَعَد، مِنْ إِقَامَةِ السَّاعَةِ وَالِانتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَالْإِكْرَامِ لِأَوْلِيَائِهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، وَهَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ؟ فَقَالَ: لَا. فَذَكَرَ آيَةَ وَعِيدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَمِنَ [[في ت، ف، أ: "من".]] الْعَجَمِ أَنْتَ؟ إِنَّ الْعَرَبَ تَعدُ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَعْدِ لُؤْمًا، وَعَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا، أومَا سمعتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[هو عامر بن الطفيل والبيت في اللسان مادة (ختأ) ، (وعد) .]] : لَا يُرْهِبُ ابنَ الْعَمِّ مِنِّي [[في ت، ف، أ: "والجار".]] سَطْوَتي ... وَلَا أخْتَتِي [[في ت، ف، أ: "ينثني".]] مِنْ سَطْوة المُتَهَدّد ... فَإِنِّي وَإن أوْعَدْتُه أوْ وَعَدْتُه ... لَمُخْلِفُ إيعَادي ومُنْجزُ مَوْعدي ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أَيْ: هُوَ تَعَالَى لَا يَعجَل، فَإِنَّ مِقْدَارَ أَلْفِ سَنَةٍ عِنْدَ خَلْقِهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُكْمِهِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الِانتِقَامِ قَادِرٌ، وَأَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أجَّلَ وأنظَر وَأَمْلَى؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفة، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، خَمْسِمِائَةِ عَامٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٣٥٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٨) أي أن النصف يوم خمسمائه عام.]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا [[في ت: "مرفوعا".]] ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ سُمَيْر بْنِ نَهَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِمِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ. قُلْتُ: وَمَا نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: أوَما تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ . قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [[تفسير الطبري (١٧/١٢٩) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ شُرَيح بْنِ [[في ت: "عن".]] عُبَيد، عَنْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاص، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا، أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَمَا نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٥٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سنَان [[في ف، أ: "شيبان".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قَالَ: مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي خلق الله فيها السموات وَالْأَرْضَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشّار [[في ت: "يسار".]] ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ [[تفسير الطبري (١٧/١٢٩) .]] . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٥] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَارِمٌ -مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ-حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيق، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أسلمَ قَالَ: إن الله تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وَجَعَلَ أَجَلَ الدُّنْيَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَجَعَلَ السَّاعَةَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ، فَقَدْ مَضَتِ السِّتَّةُ الْأَيَّامُ، وَأَنْتُمْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. فَمَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ الْحَامِلِ إِذَا دَخَلَتْ شَهْرَهَا، فِي أَيَّةِ لحظة ولدت كان تماما.
22:48

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليه وسلامه".]] : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُلْحِدُونَ الْمُكَذِّبُونَ [[في ت، ف: "الملحدين المكذبين".]] بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف.]] تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣٢] ، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ وَعَد، مِنْ إِقَامَةِ السَّاعَةِ وَالِانتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَالْإِكْرَامِ لِأَوْلِيَائِهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، وَهَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ؟ فَقَالَ: لَا. فَذَكَرَ آيَةَ وَعِيدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَمِنَ [[في ت، ف، أ: "من".]] الْعَجَمِ أَنْتَ؟ إِنَّ الْعَرَبَ تَعدُ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَعْدِ لُؤْمًا، وَعَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا، أومَا سمعتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[هو عامر بن الطفيل والبيت في اللسان مادة (ختأ) ، (وعد) .]] : لَا يُرْهِبُ ابنَ الْعَمِّ مِنِّي [[في ت، ف، أ: "والجار".]] سَطْوَتي ... وَلَا أخْتَتِي [[في ت، ف، أ: "ينثني".]] مِنْ سَطْوة المُتَهَدّد ... فَإِنِّي وَإن أوْعَدْتُه أوْ وَعَدْتُه ... لَمُخْلِفُ إيعَادي ومُنْجزُ مَوْعدي ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أَيْ: هُوَ تَعَالَى لَا يَعجَل، فَإِنَّ مِقْدَارَ أَلْفِ سَنَةٍ عِنْدَ خَلْقِهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُكْمِهِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الِانتِقَامِ قَادِرٌ، وَأَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أجَّلَ وأنظَر وَأَمْلَى؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفة، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، خَمْسِمِائَةِ عَامٍ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٣٥٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٨) أي أن النصف يوم خمسمائه عام.]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا [[في ت: "مرفوعا".]] ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ سُمَيْر بْنِ نَهَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِمِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ. قُلْتُ: وَمَا نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: أوَما تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ . قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [[تفسير الطبري (١٧/١٢٩) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ شُرَيح بْنِ [[في ت: "عن".]] عُبَيد، عَنْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاص، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا، أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَمَا نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٣٥٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سنَان [[في ف، أ: "شيبان".]] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قَالَ: مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي خلق الله فيها السموات وَالْأَرْضَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ بَشّار [[في ت: "يسار".]] ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ [[تفسير الطبري (١٧/١٢٩) .]] . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٥] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَارِمٌ -مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ-حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيق، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أسلمَ قَالَ: إن الله تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وَجَعَلَ أَجَلَ الدُّنْيَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَجَعَلَ السَّاعَةَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ، فَقَدْ مَضَتِ السِّتَّةُ الْأَيَّامُ، وَأَنْتُمْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. فَمَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ الْحَامِلِ إِذَا دَخَلَتْ شَهْرَهَا، فِي أَيَّةِ لحظة ولدت كان تماما.
22:49

قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْكَفَّارُ وُقُوعَ الْعَذَابِ، وَاسْتَعْجَلُوهُ بِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، أَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمُ الْعَذَابَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَى مَنْ يَتُوبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَضَلَّ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ وَيَخْتَارُ، [وَ] [[زيادة من ف.]] ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤١] وَ ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: مَغْفِرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَمُجَازَاةٌ حَسَنةٌ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. [وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيّ: إِذَا سمعتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَهُوَ الْجَنَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يُثَبّطون النَّاسَ عَنْ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُثَبِّطِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ : مُرَاغِمِينَ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ : وَهِيَ النَّارُ الْحَارَّةُ الْمُوجِعَةُ الشَّدِيدُ عَذَابُهَا وَنَكَالُهَا، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .
22:50

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْكَفَّارُ وُقُوعَ الْعَذَابِ، وَاسْتَعْجَلُوهُ بِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، أَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمُ الْعَذَابَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَى مَنْ يَتُوبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَضَلَّ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ وَيَخْتَارُ، [وَ] [[زيادة من ف.]] ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤١] وَ ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: مَغْفِرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَمُجَازَاةٌ حَسَنةٌ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. [وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيّ: إِذَا سمعتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَهُوَ الْجَنَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يُثَبّطون النَّاسَ عَنْ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُثَبِّطِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ : مُرَاغِمِينَ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ : وَهِيَ النَّارُ الْحَارَّةُ الْمُوجِعَةُ الشَّدِيدُ عَذَابُهَا وَنَكَالُهَا، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .
22:51

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْكَفَّارُ وُقُوعَ الْعَذَابِ، وَاسْتَعْجَلُوهُ بِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، أَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمُ الْعَذَابَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَى مَنْ يَتُوبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَضَلَّ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ وَيَخْتَارُ، [وَ] [[زيادة من ف.]] ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤١] وَ ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: مَغْفِرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَمُجَازَاةٌ حَسَنةٌ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. [وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيّ: إِذَا سمعتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَهُوَ الْجَنَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يُثَبّطون النَّاسَ عَنْ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُثَبِّطِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ : مُرَاغِمِينَ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ : وَهِيَ النَّارُ الْحَارَّةُ الْمُوجِعَةُ الشَّدِيدُ عَذَابُهَا وَنَكَالُهَا، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .
22:52

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ

قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا قِصَّةَ الغَرَانيق، وَمَا كَانَ مِنْ رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ظَنا مِنْهُمْ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمُوا. وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مُرْسَلَةٌ، وَلَمْ أَرَهَا مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ "النَّجْمَ" فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَوْضِعَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قَالَ: فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: "تِلْكَ الغَرَانيق الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ [[في ت، ف: "شفاعتهم".]] تُرْتَجَى". قَالُوا: مَا ذَكَرَ آلهَتنا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ. فسجَدَ وَسَجَدُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] [[زيادة من ف، أوفي ت: "الآية".]] ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أُمِّيَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِيمَا أَحْسَبُ، الشَّكُّ فِي الْحَدِيثِ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِمَكَّةَ سُورَةَ "النَّجْمِ"، حَتَّى انتَهَى إِلَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا [[في ف، أ: "لا نعلمه".]] يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. وَإِنَّمَا يُروى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٦٣) "كشف الأستار".]] . ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَنِ السُّدِّيِّ، مُرْسَلًا. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، مُرْسَلًا أَيْضًا [[تفسير الطبري (١٧/١٣١) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُصَلِّي] [[زيادة من أ.]] عِنْدَ الْمَقَامِ إِذْ نَعَس، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانهِ "وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى. وَإِنَّهَا لَمَعَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى"، فَحَفِظَهَا الْمُشْرِكُونَ. وَأَجْرَى الشَّيْطَانُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ قَرَأَهَا، فزَلَّت بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى] [[زيادة من ف، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، فدَحَرَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ أَقْرَرْنَاهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالشَّرِّ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ وَأَصْحَابَهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَأَحْزَنَهُ ضَلَالُهُمْ، فَكَانَ [[في ف: "وكان".]] يَتَمَنَّى هُداهم، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله سورة "النَّجْمِ" قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ حِينَ ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَاغِيتَ، فَقَالَ: "وَإِنَّهُنَّ لَهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَهِيَ الَّتِي تُرْتَجَى [[في أ: "ترجى".]] ". وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ، فَوَقَعَتْ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ، وَزَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، وَتَبَاشَرُوا بِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا، قَدْ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ، وَدِينِ قَوْمِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [آخِرَ النَّجْمِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، سَجَدَ وَسَجَدَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ. غَيْرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَ رَجُلًا كَبِيرًا، فَرَفَعَ عَلَى [[في ت، أ: "ملء".]] كَفِّهِ تُرَابًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ. فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا [[في ت: "الفريقان منهما كلاهما".]] مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ، لِسُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَعَجِبُوا لِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ إِيمَانٍ وَلَا يَقِينٍ -وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا الْآيَةَ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ-فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ لِمَا أَلْقَى الشيطانُ فِي أُمْنِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَدَّثَهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَرَأَهَا فِي السُّورَةِ، فَسَجَدُوا لِتَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ. فَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ، وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ، وَتَحَدَّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، وَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى التُّرَابِ عَلَى كَفِّهِ، وحُدِّثوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَحَفِظَهُ [[في ت، أ: "وحفظه الله".]] مِنَ الْفِرْيَةِ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ، فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهِ قَضَاءَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ، انقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالِهِمْ [[في ف: "بضلالتهم".]] وَعَدَاوَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ. وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [[في أ: "الحافظ".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" فَلَمْ يَجُزْ بِهِ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، سَاقَهُ فِي مُغَازِيهِ بِنَحْوِهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَكُلُّهَا مُرْسَلَاتٌ وَمُنْقَطِعَاتٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سَاقَهَا الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَ هَاهُنَا سُؤَالًا كَيْفَ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا مَعَ الْعِصْمَةِ الْمَضْمُونَةِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ حَكَى أَجْوِبَةً عَنِ النَّاسِ، مِنْ أَلْطَفِهَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ أَوْقَعَ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ صَدَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ كذلك في نفس الأمر، بل إنما كَانَ مِنْ صَنِيعِ الشَّيْطَانِ لَا مِنْ رَسُولِ الرَّحْمَنِ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٥/٣٩٤) .]] . وَهَكَذَا تَنَوَّعَتْ أَجْوِبَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ "الشِّفَاءِ" لِهَذَا، وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[كذا في جميع النسخ وكلام القاضي عياض في الشفاء (٢/١٠٧) أذكره مختصرا له، قال رحمه الله: "فاعلم، أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثانى: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر بقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: "والله ما هكذا أنزلت". إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فيما أحسب -الشك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر، رحمه الله، أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "والنجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرأن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل - عليه السلام-، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ... ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت " وإن كادوا ليفتنونك.. " الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه، حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه: أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن اليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له، وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ". وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك (٢/١١١-١١٤) وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال: "هذا من وضع الزنادقة" وهذا هو الصواب. للاستزادة: انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص-٣١٤ لمحمد أبي شهبة، ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق لمحمد ناصر الدين الألباني.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، هَذَا فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليه وسلامه".]] ، أَيْ: لَا يَهيدنّك ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ مِثْلَ هَذَا مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، يَقُولُ: إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [[زيادة من ف، أ.]] ] يَعْنِي: إِذَا قَالَ. وَيُقَالُ: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ : قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٨] ، يَقُولُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَمَنَّى﴾ أَيْ: تَلَا وَقَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أَيْ: فِي تِلَاوَتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي عُثْمَانَ حِينَ قُتِلَ: تَمَنّى كتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلة ... وآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ [[البيت في اللسان، مادة (منى) غير منسوب.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ : إِذَا تَلَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ، حَقِيقَةُ النَّسْخِ لُغَةً: الْإِزَالَةُ وَالرَّفْعُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ فَيُبْطِلُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَسَخَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [[في ف، أ: "عليم حكيم".]] ﴾ ، [أَيْ: بِمَا يَكُونُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْحَوَادِثِ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ] [[زيادة من ت.]] ، ﴿حَكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي تَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ وَشِرْكٌ وَكُفْرٌ وَنِفَاقٌ، كَالْمُشْرِكِينَ حِينَ فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ من الشيطان. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ: الْمُنَافِقُونَ ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ : الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُمُ [الْكَافِرُونَ] [[زيادة من ت.]] الْيَهُودُ. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: فِي ضَلَالٍ وَمُخَالَفَةٍ وَعِنَادٍ بَعِيدٍ، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ النَّافِعَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنَّ مَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَحِفْظِهِ وَحَرَسَهُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ كِتَابٌ حَكِيمٌ، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُوهُ وَيَنْقَادُوا لَهُ، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْضَعُ وَتَذِلُّ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَيُوَفِّقُهُمْ لِمُخَالَفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ يَهْدِيهِمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُوصِلِ إِلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّاتِ، وَيُزَحْزِحُهُمْ عَنِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَالدَّرَكَاتِ.
22:53

لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ

قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا قِصَّةَ الغَرَانيق، وَمَا كَانَ مِنْ رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ظَنا مِنْهُمْ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمُوا. وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مُرْسَلَةٌ، وَلَمْ أَرَهَا مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ "النَّجْمَ" فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَوْضِعَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قَالَ: فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: "تِلْكَ الغَرَانيق الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ [[في ت، ف: "شفاعتهم".]] تُرْتَجَى". قَالُوا: مَا ذَكَرَ آلهَتنا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ. فسجَدَ وَسَجَدُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] [[زيادة من ف، أوفي ت: "الآية".]] ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أُمِّيَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِيمَا أَحْسَبُ، الشَّكُّ فِي الْحَدِيثِ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِمَكَّةَ سُورَةَ "النَّجْمِ"، حَتَّى انتَهَى إِلَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا [[في ف، أ: "لا نعلمه".]] يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. وَإِنَّمَا يُروى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٦٣) "كشف الأستار".]] . ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَنِ السُّدِّيِّ، مُرْسَلًا. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، مُرْسَلًا أَيْضًا [[تفسير الطبري (١٧/١٣١) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُصَلِّي] [[زيادة من أ.]] عِنْدَ الْمَقَامِ إِذْ نَعَس، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانهِ "وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى. وَإِنَّهَا لَمَعَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى"، فَحَفِظَهَا الْمُشْرِكُونَ. وَأَجْرَى الشَّيْطَانُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ قَرَأَهَا، فزَلَّت بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى] [[زيادة من ف، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، فدَحَرَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ أَقْرَرْنَاهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالشَّرِّ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ وَأَصْحَابَهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَأَحْزَنَهُ ضَلَالُهُمْ، فَكَانَ [[في ف: "وكان".]] يَتَمَنَّى هُداهم، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله سورة "النَّجْمِ" قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ حِينَ ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَاغِيتَ، فَقَالَ: "وَإِنَّهُنَّ لَهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَهِيَ الَّتِي تُرْتَجَى [[في أ: "ترجى".]] ". وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ، فَوَقَعَتْ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ، وَزَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، وَتَبَاشَرُوا بِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا، قَدْ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ، وَدِينِ قَوْمِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [آخِرَ النَّجْمِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، سَجَدَ وَسَجَدَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ. غَيْرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَ رَجُلًا كَبِيرًا، فَرَفَعَ عَلَى [[في ت، أ: "ملء".]] كَفِّهِ تُرَابًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ. فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا [[في ت: "الفريقان منهما كلاهما".]] مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ، لِسُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَعَجِبُوا لِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ إِيمَانٍ وَلَا يَقِينٍ -وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا الْآيَةَ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ-فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ لِمَا أَلْقَى الشيطانُ فِي أُمْنِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَدَّثَهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَرَأَهَا فِي السُّورَةِ، فَسَجَدُوا لِتَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ. فَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ، وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ، وَتَحَدَّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، وَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى التُّرَابِ عَلَى كَفِّهِ، وحُدِّثوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَحَفِظَهُ [[في ت، أ: "وحفظه الله".]] مِنَ الْفِرْيَةِ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ، فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهِ قَضَاءَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ، انقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالِهِمْ [[في ف: "بضلالتهم".]] وَعَدَاوَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ. وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [[في أ: "الحافظ".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" فَلَمْ يَجُزْ بِهِ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، سَاقَهُ فِي مُغَازِيهِ بِنَحْوِهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَكُلُّهَا مُرْسَلَاتٌ وَمُنْقَطِعَاتٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سَاقَهَا الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَ هَاهُنَا سُؤَالًا كَيْفَ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا مَعَ الْعِصْمَةِ الْمَضْمُونَةِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ حَكَى أَجْوِبَةً عَنِ النَّاسِ، مِنْ أَلْطَفِهَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ أَوْقَعَ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ صَدَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ كذلك في نفس الأمر، بل إنما كَانَ مِنْ صَنِيعِ الشَّيْطَانِ لَا مِنْ رَسُولِ الرَّحْمَنِ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٥/٣٩٤) .]] . وَهَكَذَا تَنَوَّعَتْ أَجْوِبَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ "الشِّفَاءِ" لِهَذَا، وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[كذا في جميع النسخ وكلام القاضي عياض في الشفاء (٢/١٠٧) أذكره مختصرا له، قال رحمه الله: "فاعلم، أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثانى: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر بقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: "والله ما هكذا أنزلت". إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فيما أحسب -الشك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر، رحمه الله، أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "والنجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرأن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل - عليه السلام-، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ... ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت " وإن كادوا ليفتنونك.. " الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه، حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه: أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن اليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له، وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ". وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك (٢/١١١-١١٤) وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال: "هذا من وضع الزنادقة" وهذا هو الصواب. للاستزادة: انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص-٣١٤ لمحمد أبي شهبة، ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق لمحمد ناصر الدين الألباني.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، هَذَا فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليه وسلامه".]] ، أَيْ: لَا يَهيدنّك ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ مِثْلَ هَذَا مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، يَقُولُ: إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [[زيادة من ف، أ.]] ] يَعْنِي: إِذَا قَالَ. وَيُقَالُ: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ : قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٨] ، يَقُولُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَمَنَّى﴾ أَيْ: تَلَا وَقَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أَيْ: فِي تِلَاوَتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي عُثْمَانَ حِينَ قُتِلَ: تَمَنّى كتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلة ... وآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ [[البيت في اللسان، مادة (منى) غير منسوب.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ : إِذَا تَلَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ، حَقِيقَةُ النَّسْخِ لُغَةً: الْإِزَالَةُ وَالرَّفْعُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ فَيُبْطِلُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَسَخَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [[في ف، أ: "عليم حكيم".]] ﴾ ، [أَيْ: بِمَا يَكُونُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْحَوَادِثِ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ] [[زيادة من ت.]] ، ﴿حَكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي تَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ وَشِرْكٌ وَكُفْرٌ وَنِفَاقٌ، كَالْمُشْرِكِينَ حِينَ فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ من الشيطان. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ: الْمُنَافِقُونَ ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ : الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُمُ [الْكَافِرُونَ] [[زيادة من ت.]] الْيَهُودُ. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: فِي ضَلَالٍ وَمُخَالَفَةٍ وَعِنَادٍ بَعِيدٍ، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ النَّافِعَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنَّ مَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَحِفْظِهِ وَحَرَسَهُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ كِتَابٌ حَكِيمٌ، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُوهُ وَيَنْقَادُوا لَهُ، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْضَعُ وَتَذِلُّ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَيُوَفِّقُهُمْ لِمُخَالَفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ يَهْدِيهِمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُوصِلِ إِلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّاتِ، وَيُزَحْزِحُهُمْ عَنِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَالدَّرَكَاتِ.
22:54

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ

قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا قِصَّةَ الغَرَانيق، وَمَا كَانَ مِنْ رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ظَنا مِنْهُمْ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمُوا. وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مُرْسَلَةٌ، وَلَمْ أَرَهَا مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ "النَّجْمَ" فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَوْضِعَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قَالَ: فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: "تِلْكَ الغَرَانيق الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ [[في ت، ف: "شفاعتهم".]] تُرْتَجَى". قَالُوا: مَا ذَكَرَ آلهَتنا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ. فسجَدَ وَسَجَدُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] [[زيادة من ف، أوفي ت: "الآية".]] ﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أُمِّيَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِيمَا أَحْسَبُ، الشَّكُّ فِي الْحَدِيثِ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِمَكَّةَ سُورَةَ "النَّجْمِ"، حَتَّى انتَهَى إِلَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا [[في ف، أ: "لا نعلمه".]] يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. وَإِنَّمَا يُروى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٦٣) "كشف الأستار".]] . ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَنِ السُّدِّيِّ، مُرْسَلًا. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، مُرْسَلًا أَيْضًا [[تفسير الطبري (١٧/١٣١) .]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُصَلِّي] [[زيادة من أ.]] عِنْدَ الْمَقَامِ إِذْ نَعَس، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانهِ "وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى. وَإِنَّهَا لَمَعَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى"، فَحَفِظَهَا الْمُشْرِكُونَ. وَأَجْرَى الشَّيْطَانُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ قَرَأَهَا، فزَلَّت بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى] [[زيادة من ف، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، فدَحَرَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ أَقْرَرْنَاهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالشَّرِّ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ وَأَصْحَابَهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَأَحْزَنَهُ ضَلَالُهُمْ، فَكَانَ [[في ف: "وكان".]] يَتَمَنَّى هُداهم، فَلَمَّا أَنْزَلَ الله سورة "النَّجْمِ" قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ حِينَ ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَاغِيتَ، فَقَالَ: "وَإِنَّهُنَّ لَهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى. وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَهِيَ الَّتِي تُرْتَجَى [[في أ: "ترجى".]] ". وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ، فَوَقَعَتْ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ، وَزَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، وَتَبَاشَرُوا بِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا، قَدْ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ، وَدِينِ قَوْمِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [آخِرَ النَّجْمِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، سَجَدَ وَسَجَدَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ. غَيْرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَ رَجُلًا كَبِيرًا، فَرَفَعَ عَلَى [[في ت، أ: "ملء".]] كَفِّهِ تُرَابًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ. فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا [[في ت: "الفريقان منهما كلاهما".]] مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ، لِسُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَعَجِبُوا لِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ إِيمَانٍ وَلَا يَقِينٍ -وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا الْآيَةَ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ-فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ لِمَا أَلْقَى الشيطانُ فِي أُمْنِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَدَّثَهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَرَأَهَا فِي السُّورَةِ، فَسَجَدُوا لِتَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ. فَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ، وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ، وَتَحَدَّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، وَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى التُّرَابِ عَلَى كَفِّهِ، وحُدِّثوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَحَفِظَهُ [[في ت، أ: "وحفظه الله".]] مِنَ الْفِرْيَةِ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ، فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهِ قَضَاءَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ، انقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالِهِمْ [[في ف: "بضلالتهم".]] وَعَدَاوَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ. وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، نَحْوَهُ [[تفسير الطبري (١٧/١٣٣) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [[في أ: "الحافظ".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" فَلَمْ يَجُزْ بِهِ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، سَاقَهُ فِي مُغَازِيهِ بِنَحْوِهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَكُلُّهَا مُرْسَلَاتٌ وَمُنْقَطِعَاتٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سَاقَهَا الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَ هَاهُنَا سُؤَالًا كَيْفَ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا مَعَ الْعِصْمَةِ الْمَضْمُونَةِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ حَكَى أَجْوِبَةً عَنِ النَّاسِ، مِنْ أَلْطَفِهَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ أَوْقَعَ فِي مَسَامِعِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ صَدَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ كذلك في نفس الأمر، بل إنما كَانَ مِنْ صَنِيعِ الشَّيْطَانِ لَا مِنْ رَسُولِ الرَّحْمَنِ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٥/٣٩٤) .]] . وَهَكَذَا تَنَوَّعَتْ أَجْوِبَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ "الشِّفَاءِ" لِهَذَا، وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ [[كذا في جميع النسخ وكلام القاضي عياض في الشفاء (٢/١٠٧) أذكره مختصرا له، قال رحمه الله: "فاعلم، أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثانى: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر بقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: "والله ما هكذا أنزلت". إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فيما أحسب -الشك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر، رحمه الله، أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "والنجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرأن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل - عليه السلام-، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ... ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت " وإن كادوا ليفتنونك.. " الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه، حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه: أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن اليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له، وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ". وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك (٢/١١١-١١٤) وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال: "هذا من وضع الزنادقة" وهذا هو الصواب. للاستزادة: انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص-٣١٤ لمحمد أبي شهبة، ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق لمحمد ناصر الدين الألباني.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، هَذَا فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليه وسلامه".]] ، أَيْ: لَا يَهيدنّك ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ مِثْلَ هَذَا مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، يَقُولُ: إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [[زيادة من ف، أ.]] ] يَعْنِي: إِذَا قَالَ. وَيُقَالُ: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ : قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٨] ، يَقُولُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَمَنَّى﴾ أَيْ: تَلَا وَقَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أَيْ: فِي تِلَاوَتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي عُثْمَانَ حِينَ قُتِلَ: تَمَنّى كتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلة ... وآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ [[البيت في اللسان، مادة (منى) غير منسوب.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ : إِذَا تَلَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ، حَقِيقَةُ النَّسْخِ لُغَةً: الْإِزَالَةُ وَالرَّفْعُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ فَيُبْطِلُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَسَخَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [[في ف، أ: "عليم حكيم".]] ﴾ ، [أَيْ: بِمَا يَكُونُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْحَوَادِثِ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ] [[زيادة من ت.]] ، ﴿حَكِيمٌ﴾ أَيْ: فِي تَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ وَشِرْكٌ وَكُفْرٌ وَنِفَاقٌ، كَالْمُشْرِكِينَ حِينَ فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ من الشيطان. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ: الْمُنَافِقُونَ ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ : الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُمُ [الْكَافِرُونَ] [[زيادة من ت.]] الْيَهُودُ. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: فِي ضَلَالٍ وَمُخَالَفَةٍ وَعِنَادٍ بَعِيدٍ، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ النَّافِعَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنَّ مَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَحِفْظِهِ وَحَرَسَهُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ كِتَابٌ حَكِيمٌ، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُوهُ وَيَنْقَادُوا لَهُ، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْضَعُ وَتَذِلُّ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَيُوَفِّقُهُمْ لِمُخَالَفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ يَهْدِيهِمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُوصِلِ إِلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّاتِ، وَيُزَحْزِحُهُمْ عَنِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَالدَّرَكَاتِ.
22:55

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ، أَيْ: فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿مِنْهُ﴾ أَيْ: مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: فَجْأَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿بَغْتَةً﴾ ، بَغَتَ [الْقَوْمَ] [[في ت: "اليوم" والمثبت من ف، أ.]] أَمْرُ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ قَوْمًا قَطُّ إِلَّا عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وَغَرَّتِهِمْ وَنِعْمَتِهِمْ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ [[في أ: "فلا يغتر به".]] إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ [فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَا لَيْلَةَ لَهُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ مِنْ جُمْلَةِ مَا أُوعِدُوا بِهِ، لَكِنَّ هَذَا هو المراد؛ ولهذا قَالَ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٢٦] . ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَصَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى مَا عَلِمُوا، وَتَوَافَقَ قُلُوبُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ [[في أ: "وأفعالهم".]] . ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . أَيْ: لَهُمُ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: كَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْحَقِّ، وَجَحَدُوا بِهِ [[في أ: "وجحدته".]] وَكَذَّبُوا بِهِ، وَخَالَفُوا الرُّسُلَ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ: مُقَابَلَةُ اسْتِكْبَارِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ [[في أ: "وإبائهم".]] عَنِ الْحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] أَيْ: صَاغِرِينَ.
22:56

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ، أَيْ: فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿مِنْهُ﴾ أَيْ: مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: فَجْأَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿بَغْتَةً﴾ ، بَغَتَ [الْقَوْمَ] [[في ت: "اليوم" والمثبت من ف، أ.]] أَمْرُ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ قَوْمًا قَطُّ إِلَّا عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وَغَرَّتِهِمْ وَنِعْمَتِهِمْ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ [[في أ: "فلا يغتر به".]] إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ [فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَا لَيْلَةَ لَهُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ مِنْ جُمْلَةِ مَا أُوعِدُوا بِهِ، لَكِنَّ هَذَا هو المراد؛ ولهذا قَالَ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٢٦] . ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَصَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى مَا عَلِمُوا، وَتَوَافَقَ قُلُوبُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ [[في أ: "وأفعالهم".]] . ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . أَيْ: لَهُمُ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: كَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْحَقِّ، وَجَحَدُوا بِهِ [[في أ: "وجحدته".]] وَكَذَّبُوا بِهِ، وَخَالَفُوا الرُّسُلَ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ: مُقَابَلَةُ اسْتِكْبَارِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ [[في أ: "وإبائهم".]] عَنِ الْحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] أَيْ: صَاغِرِينَ.
22:57

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ، أَيْ: فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿مِنْهُ﴾ أَيْ: مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: فَجْأَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿بَغْتَةً﴾ ، بَغَتَ [الْقَوْمَ] [[في ت: "اليوم" والمثبت من ف، أ.]] أَمْرُ اللَّهِ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ قَوْمًا قَطُّ إِلَّا عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ وَغَرَّتِهِمْ وَنِعْمَتِهِمْ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَغْتَرُّ بِاللَّهِ [[في أ: "فلا يغتر به".]] إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ [فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَا لَيْلَةَ لَهُ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ مِنْ جُمْلَةِ مَا أُوعِدُوا بِهِ، لَكِنَّ هَذَا هو المراد؛ ولهذا قَالَ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٢٦] . ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَصَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى مَا عَلِمُوا، وَتَوَافَقَ قُلُوبُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ [[في أ: "وأفعالهم".]] . ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . أَيْ: لَهُمُ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: كَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْحَقِّ، وَجَحَدُوا بِهِ [[في أ: "وجحدته".]] وَكَذَّبُوا بِهِ، وَخَالَفُوا الرُّسُلَ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ: مُقَابَلَةُ اسْتِكْبَارِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ [[في أ: "وإبائهم".]] عَنِ الْحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] أَيْ: صَاغِرِينَ.
22:58

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَطَلَبًا لِمَا عِنْدَهُ، وَتَرَكَ الْأَوْطَانَ وَالْأَهْلِينَ والخِلان، وَفَارَقَ بِلَادَهُ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أَيْ: فِي الْجِهَادِ ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ أَيْ: حَتْفُ أَنْفِهِمْ [[في أ: "أنفسهم".]] ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ عَلَى فُرُشِهِمْ، فَقَدْ حَصَلُوا عَلَى الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أَيْ: ليُجْريَن عَلَيْهِمْ [[في أ: "ليجزيهم عليه".]] مِنْ فَضْلِهِ وَرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ أَيِ: الْجَنَّةَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٨، ٨٩] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الرَّاحَةُ وَالرِّزْقُ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِمَنْ يُهَاجِرُ وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، ﴿حَلِيمٌ﴾ أَيْ: يَحْلُمُ وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَيُكَفِّرُهَا عَنْهُمْ بِهِجْرَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَإِنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّهِ يُرْزَقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩] ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ [[في أ: "مر".]] وَأَمَّا من تُوُفي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِجْرَاءَ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَعَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا المسيَّب بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْح، عَنِ ابْنِ [[في أ: "أبي".]] الْحَارِثِ -يَعْنِي: عَبْدَ الْكَرِيمِ-عَنِ ابْنِ عُقْبَةَ -يَعْنِي: أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عُقْبَةَ-قَالَ: حَدَّثَنَا [[في أ: "قال".]] شُرَحْبِيل بْنُ السِّمْط: طَالَ رِبَاطُنَا وَإِقَامَتُنَا عَلَى حِصْنٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَمَرَّ بِي سَلْمَانُ-يَعْنِي: الْفَارِسِيَّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَجْرِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وَأَمِنَ [[في أ: "وأومن".]] مِنَ الفَتَّانين" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي هَمَّامٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قُبَيْلٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ سَيْفٍ الْمُعَافِرِيَّ يَقُولَانِ: كُنَّا بِرُودِسَ، وَمَعَنَا فَضَالة بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ -صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-فَمَرَّ بِجِنَازَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا قَتِيلٌ وَالْأُخْرَى مُتَوَفًّى، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى الْقَتِيلِ، فَقَالَ فَضَالَةُ: مَا لِيَ [[في أ: "ما".]] أَرَى النَّاسَ مَالُوا مَعَ هَذَا، وَتَرَكُوا هَذَا؟! فَقَالُوا: هَذَا قَتِيلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفرتيهما بُعثت، اسْمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] [[زيادة من ف، أوفي هـ، ت: "حتى آخر الآية".]] ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا سَلَامَانُ بْنُ عَامِرٍ الشَّعْبَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَم الْخَوْلَانِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ حَضَرَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فِي الْبَحْرِ مَعَ جِنَازَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا أُصِيبَ بِمَنْجَنِيقٍ وَالْآخَرُ تُوُفِّيَ، فَجَلَسَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عِنْدَ قَبْرِ الْمُتَوَفَّى، فَقِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ الشَّهِيدَ فَلَمْ تَجْلِسْ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بعثتُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا] [[زيادة من ف، وفي ت: "إلى قوله".]] يَرْضَوْنَهُ﴾ فَمَا تَبْتَغِي [[في أ: "ينبغي".]] أَيُّهَا الْعَبْدُ إِذَا أُدْخِلْتَ مُدْخَلًا تَرْضَاهُ وَرُزِقَتْ رِزْقًا حَسَنًا، وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بُعِثْتُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهَبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، عَنْ سَلَامَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ فَضَالَةُ بِرُودِسَ أَمِيرًا عَلَى الْأَرْبَاعِ، فَخُرِجَ بِجِنَازَتَيْ رَجُلَيْنِ، أَحَدِهِمَا قَتِيلٌ [[في أ: "قتل".]] والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم [[تفسير الطبري (١٧/١٣٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ ، ذَكَرَ [[في أ: "قال".]] مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَقُوا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَهْرِ مُحَرَّمٍ، فَنَاشَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِئَلَّا يُقَاتِلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا قِتَالَهُمْ وَبَغَوْا عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، [وَ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
22:59

لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَطَلَبًا لِمَا عِنْدَهُ، وَتَرَكَ الْأَوْطَانَ وَالْأَهْلِينَ والخِلان، وَفَارَقَ بِلَادَهُ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أَيْ: فِي الْجِهَادِ ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ أَيْ: حَتْفُ أَنْفِهِمْ [[في أ: "أنفسهم".]] ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ عَلَى فُرُشِهِمْ، فَقَدْ حَصَلُوا عَلَى الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أَيْ: ليُجْريَن عَلَيْهِمْ [[في أ: "ليجزيهم عليه".]] مِنْ فَضْلِهِ وَرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ أَيِ: الْجَنَّةَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٨، ٨٩] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الرَّاحَةُ وَالرِّزْقُ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِمَنْ يُهَاجِرُ وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، ﴿حَلِيمٌ﴾ أَيْ: يَحْلُمُ وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَيُكَفِّرُهَا عَنْهُمْ بِهِجْرَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَإِنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّهِ يُرْزَقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩] ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ [[في أ: "مر".]] وَأَمَّا من تُوُفي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِجْرَاءَ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَعَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا المسيَّب بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْح، عَنِ ابْنِ [[في أ: "أبي".]] الْحَارِثِ -يَعْنِي: عَبْدَ الْكَرِيمِ-عَنِ ابْنِ عُقْبَةَ -يَعْنِي: أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عُقْبَةَ-قَالَ: حَدَّثَنَا [[في أ: "قال".]] شُرَحْبِيل بْنُ السِّمْط: طَالَ رِبَاطُنَا وَإِقَامَتُنَا عَلَى حِصْنٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَمَرَّ بِي سَلْمَانُ-يَعْنِي: الْفَارِسِيَّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَجْرِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وَأَمِنَ [[في أ: "وأومن".]] مِنَ الفَتَّانين" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي هَمَّامٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قُبَيْلٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ سَيْفٍ الْمُعَافِرِيَّ يَقُولَانِ: كُنَّا بِرُودِسَ، وَمَعَنَا فَضَالة بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ -صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-فَمَرَّ بِجِنَازَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا قَتِيلٌ وَالْأُخْرَى مُتَوَفًّى، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى الْقَتِيلِ، فَقَالَ فَضَالَةُ: مَا لِيَ [[في أ: "ما".]] أَرَى النَّاسَ مَالُوا مَعَ هَذَا، وَتَرَكُوا هَذَا؟! فَقَالُوا: هَذَا قَتِيلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفرتيهما بُعثت، اسْمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] [[زيادة من ف، أوفي هـ، ت: "حتى آخر الآية".]] ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا سَلَامَانُ بْنُ عَامِرٍ الشَّعْبَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَم الْخَوْلَانِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ حَضَرَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فِي الْبَحْرِ مَعَ جِنَازَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا أُصِيبَ بِمَنْجَنِيقٍ وَالْآخَرُ تُوُفِّيَ، فَجَلَسَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عِنْدَ قَبْرِ الْمُتَوَفَّى، فَقِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ الشَّهِيدَ فَلَمْ تَجْلِسْ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بعثتُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا] [[زيادة من ف، وفي ت: "إلى قوله".]] يَرْضَوْنَهُ﴾ فَمَا تَبْتَغِي [[في أ: "ينبغي".]] أَيُّهَا الْعَبْدُ إِذَا أُدْخِلْتَ مُدْخَلًا تَرْضَاهُ وَرُزِقَتْ رِزْقًا حَسَنًا، وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بُعِثْتُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهَبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، عَنْ سَلَامَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ فَضَالَةُ بِرُودِسَ أَمِيرًا عَلَى الْأَرْبَاعِ، فَخُرِجَ بِجِنَازَتَيْ رَجُلَيْنِ، أَحَدِهِمَا قَتِيلٌ [[في أ: "قتل".]] والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم [[تفسير الطبري (١٧/١٣٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ ، ذَكَرَ [[في أ: "قال".]] مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَقُوا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَهْرِ مُحَرَّمٍ، فَنَاشَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِئَلَّا يُقَاتِلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا قِتَالَهُمْ وَبَغَوْا عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، [وَ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
22:60

۞ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَطَلَبًا لِمَا عِنْدَهُ، وَتَرَكَ الْأَوْطَانَ وَالْأَهْلِينَ والخِلان، وَفَارَقَ بِلَادَهُ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أَيْ: فِي الْجِهَادِ ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ أَيْ: حَتْفُ أَنْفِهِمْ [[في أ: "أنفسهم".]] ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ عَلَى فُرُشِهِمْ، فَقَدْ حَصَلُوا عَلَى الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أَيْ: ليُجْريَن عَلَيْهِمْ [[في أ: "ليجزيهم عليه".]] مِنْ فَضْلِهِ وَرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ أَيِ: الْجَنَّةَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٨٨، ٨٩] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الرَّاحَةُ وَالرِّزْقُ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، كَمَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِمَنْ يُهَاجِرُ وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، ﴿حَلِيمٌ﴾ أَيْ: يَحْلُمُ وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَيُكَفِّرُهَا عَنْهُمْ بِهِجْرَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَإِنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّهِ يُرْزَقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩] ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ [[في أ: "مر".]] وَأَمَّا من تُوُفي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مُهَاجِرٍ أَوْ غَيْرِ مُهَاجِرٍ، فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِجْرَاءَ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَعَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا المسيَّب بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْح، عَنِ ابْنِ [[في أ: "أبي".]] الْحَارِثِ -يَعْنِي: عَبْدَ الْكَرِيمِ-عَنِ ابْنِ عُقْبَةَ -يَعْنِي: أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عُقْبَةَ-قَالَ: حَدَّثَنَا [[في أ: "قال".]] شُرَحْبِيل بْنُ السِّمْط: طَالَ رِبَاطُنَا وَإِقَامَتُنَا عَلَى حِصْنٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَمَرَّ بِي سَلْمَانُ-يَعْنِي: الْفَارِسِيَّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَجْرِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وَأَمِنَ [[في أ: "وأومن".]] مِنَ الفَتَّانين" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي هَمَّامٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قُبَيْلٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ سَيْفٍ الْمُعَافِرِيَّ يَقُولَانِ: كُنَّا بِرُودِسَ، وَمَعَنَا فَضَالة بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ -صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-فَمَرَّ بِجِنَازَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا قَتِيلٌ وَالْأُخْرَى مُتَوَفًّى، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى الْقَتِيلِ، فَقَالَ فَضَالَةُ: مَا لِيَ [[في أ: "ما".]] أَرَى النَّاسَ مَالُوا مَعَ هَذَا، وَتَرَكُوا هَذَا؟! فَقَالُوا: هَذَا قَتِيلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفرتيهما بُعثت، اسْمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] [[زيادة من ف، أوفي هـ، ت: "حتى آخر الآية".]] ﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا سَلَامَانُ بْنُ عَامِرٍ الشَّعْبَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَم الْخَوْلَانِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ حَضَرَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فِي الْبَحْرِ مَعَ جِنَازَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا أُصِيبَ بِمَنْجَنِيقٍ وَالْآخَرُ تُوُفِّيَ، فَجَلَسَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عِنْدَ قَبْرِ الْمُتَوَفَّى، فَقِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ الشَّهِيدَ فَلَمْ تَجْلِسْ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بعثتُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا] [[زيادة من ف، وفي ت: "إلى قوله".]] يَرْضَوْنَهُ﴾ فَمَا تَبْتَغِي [[في أ: "ينبغي".]] أَيُّهَا الْعَبْدُ إِذَا أُدْخِلْتَ مُدْخَلًا تَرْضَاهُ وَرُزِقَتْ رِزْقًا حَسَنًا، وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بُعِثْتُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهَبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، عَنْ سَلَامَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ فَضَالَةُ بِرُودِسَ أَمِيرًا عَلَى الْأَرْبَاعِ، فَخُرِجَ بِجِنَازَتَيْ رَجُلَيْنِ، أَحَدِهِمَا قَتِيلٌ [[في أ: "قتل".]] والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم [[تفسير الطبري (١٧/١٣٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ ، ذَكَرَ [[في أ: "قال".]] مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَقُوا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَهْرِ مُحَرَّمٍ، فَنَاشَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِئَلَّا يُقَاتِلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا قِتَالَهُمْ وَبَغَوْا عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، [وَ] [[زيادة من أ.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
22:61

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [[زيادة من ف، أ: وفي ت: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦، ٢٧] وَمَعْنَى إِيلَاجِهِ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارَ فِي اللَّيْلِ: إِدْخَالُهُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيْلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ، كَمَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَارَةً يُطَوِّلُ النَّهَارَ وَيُقَصِّرُ اللَّيْلَ، كَمَا فِي الصَّيْفِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ بِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ فِي أَحْوَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ. وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْوُجُودِ، الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ: ﴿الْكَبِيرُ [[في ت، ف: "وهو الكبير".]] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٩] فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَظْمَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ، الْعَلِيُّ الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ، الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَكْبَرَ مِنْهُ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ، وَعَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ [الْمُعْتَدُونَ] [[زيادة من أ.]] عُلُوًّا كَبِيرًا.
22:62

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [[زيادة من ف، أ: وفي ت: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦، ٢٧] وَمَعْنَى إِيلَاجِهِ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارَ فِي اللَّيْلِ: إِدْخَالُهُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيْلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ، كَمَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَارَةً يُطَوِّلُ النَّهَارَ وَيُقَصِّرُ اللَّيْلَ، كَمَا فِي الصَّيْفِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ بِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ فِي أَحْوَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ. وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْوُجُودِ، الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ: ﴿الْكَبِيرُ [[في ت، ف: "وهو الكبير".]] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٩] فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَظْمَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ، الْعَلِيُّ الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ، الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَكْبَرَ مِنْهُ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ، وَعَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ [الْمُعْتَدُونَ] [[زيادة من أ.]] عُلُوًّا كَبِيرًا.
22:63

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ: وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ... ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.
22:64

لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ: وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ... ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.
22:65

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ: وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ... ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.
22:66

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ: وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ... ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.
22:67

لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] . فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .
22:68

وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] . فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .
22:69

ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] . فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .
22:70

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِ عِلْمِهِ بِخَلْقِهِ، وَأَنَّهُ محيط بما في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا، وَكَتَبَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ خلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٦٥٣) بلفظ "كتب الله مقادير الخلائق".]] . وَفِي السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[جاء من حديث عبادة بن الصامت: أخرجه أبو داود في السنن برقم (٤٧٠٠) والترمذي في السنن برقم (٣٣١٩) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وجاء من حديث ابن عباس: رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٧٨) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقُ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ مَسِيرَة مِائَةِ عَامٍ، وَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ -وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: اكْتُبْ. قَالَ الْقَلَمُ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: عِلْمِي فِي خَلْقِي إِلَى يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ. فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَقَدَّرَهَا وَكَتَبَهَا أَيْضًا، فَمَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ قَدْ عَلِمَهُ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَيَعْلَمُ قَبْلَ الْخَلْقِ أَنَّ هَذَا يُطِيعُ بِاخْتِيَارِهِ، وَهَذَا يَعْصِي بِاخْتِيَارِهِ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَهُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
22:71

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا جَهِلُوا وَكَفَرُوا، وَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، يَعْنِي: حُجَّةً وَبُرْهَانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٧] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: وَلَا عِلْمَ لَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَائْتَفَكُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَلَقَّوْهُ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَأَصْلُهُ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَهُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَإِذَا ذُكِرَتْ لَهُمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحُجَجُ وَالدَّلَائِلُ الْوَاضِحَاتُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ رُسُلَهُ الْكِرَامَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أَيْ: يَكَادُونَ يُبَادِرُونَ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَبْسُطُونَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ! ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ. ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[في ت، ف، أ: "كفروا وبئس المصير".]] ﴾ أَيِ: النَّارُ وَعَذَابُهَا وَنَكَالُهَا أَشَدُّ وَأَشَقُّ وَأَطَمُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا تُخَوِّفُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ عَلَى صَنِيعِكُمْ هَذَا أَعْظَمُ مِمَّا تَنَالُونَ مِنْهُمْ، إِنْ نِلْتُمْ بِزَعْمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلًا وَمَقِيلًا وَمَرْجِعًا وَمَوْئِلًا وَمُقَامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .
22:72

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا جَهِلُوا وَكَفَرُوا، وَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، يَعْنِي: حُجَّةً وَبُرْهَانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٧] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: وَلَا عِلْمَ لَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَائْتَفَكُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَلَقَّوْهُ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَأَصْلُهُ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَهُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَإِذَا ذُكِرَتْ لَهُمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحُجَجُ وَالدَّلَائِلُ الْوَاضِحَاتُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ رُسُلَهُ الْكِرَامَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أَيْ: يَكَادُونَ يُبَادِرُونَ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَبْسُطُونَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ! ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ. ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[في ت، ف، أ: "كفروا وبئس المصير".]] ﴾ أَيِ: النَّارُ وَعَذَابُهَا وَنَكَالُهَا أَشَدُّ وَأَشَقُّ وَأَطَمُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا تُخَوِّفُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ عَلَى صَنِيعِكُمْ هَذَا أَعْظَمُ مِمَّا تَنَالُونَ مِنْهُمْ، إِنْ نِلْتُمْ بِزَعْمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلًا وَمَقِيلًا وَمَرْجِعًا وَمَوْئِلًا وَمُقَامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .
22:73

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى حَقَارَةِ الْأَصْنَامِ وَسَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أَيْ: لِمَا يَعْبُدُهُ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أَيْ: أَنْصِتُوا وَتَفَهَّمُوا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أَيْ: لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ عَلَى أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ خَلَقَ [خَلْقًا] [[زيادة من ت، ف، والمسند.]] كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا مِثْلَ خَلْقِي ذَرّة، أَوْ ذُبَابَةً، أَوْ حَبَّة" [[المسند (٢/٣٩١)]] . وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، مِنْ طَرِيقِ عُمَارة، عَنْ أَبِي زُرْعةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شُعَيْرَةً" [[صحيح البخاري برقم (٥٩٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢١١١) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ عَاجِزُونَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَالِانتِصَارِ مِنْهُ، لَوْ سَلَبَهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي عَلَيْهَا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ لَمَا قَدَرَتْ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا وَالذُّبَابُ مِنْ أَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَحْقَرِهَا وَلِهَذَا [قَالَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ] [[زيادة، ت، ف.]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ: الصَّنَمُ، وَالْمَطْلُوبُ: الذُّبَابُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الطَّالِبُ: الْعَابِدُ، وَالْمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَيْ: مَا عَرَفُوا قَدْرَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ حِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنْ هَذِهِ [[في أ: "هذا الذي".]] الَّتِي لَا تُقَاوِمُ الذُّبَابَ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٢، ١٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَزَّ [[في ف: "قدر".]] كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، فَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، لِعَظْمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
22:74

مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى حَقَارَةِ الْأَصْنَامِ وَسَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أَيْ: لِمَا يَعْبُدُهُ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أَيْ: أَنْصِتُوا وَتَفَهَّمُوا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أَيْ: لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ عَلَى أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ خَلَقَ [خَلْقًا] [[زيادة من ت، ف، والمسند.]] كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا مِثْلَ خَلْقِي ذَرّة، أَوْ ذُبَابَةً، أَوْ حَبَّة" [[المسند (٢/٣٩١)]] . وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، مِنْ طَرِيقِ عُمَارة، عَنْ أَبِي زُرْعةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شُعَيْرَةً" [[صحيح البخاري برقم (٥٩٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢١١١) .]] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ عَاجِزُونَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَالِانتِصَارِ مِنْهُ، لَوْ سَلَبَهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي عَلَيْهَا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ لَمَا قَدَرَتْ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا وَالذُّبَابُ مِنْ أَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَحْقَرِهَا وَلِهَذَا [قَالَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ] [[زيادة، ت، ف.]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ: الصَّنَمُ، وَالْمَطْلُوبُ: الذُّبَابُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الطَّالِبُ: الْعَابِدُ، وَالْمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَيْ: مَا عَرَفُوا قَدْرَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ حِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنْ هَذِهِ [[في أ: "هذا الذي".]] الَّتِي لَا تُقَاوِمُ الذُّبَابَ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٢، ١٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَزَّ [[في ف: "قدر".]] كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، فَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، لِعَظْمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
22:75

ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فِيمَا يَشَاءُ مِنْ شَرْعِهِ وقَدَره، وَمِنَ النَّاسِ لِإِبْلَاغِ رِسَالَاتِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أَرْسَلَهُمْ بِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ] [[زيادة من ف، أ. وفي ت: "إلى قوله".]] وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٦ -٢٨] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، شَهِيدٌ عَلَى مَا يُقَالُ لَهُمْ، حَافِظٌ لَهُمْ، نَاصِرٌ لِجَنَابِهِمْ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] .
22:76

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فِيمَا يَشَاءُ مِنْ شَرْعِهِ وقَدَره، وَمِنَ النَّاسِ لِإِبْلَاغِ رِسَالَاتِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أَرْسَلَهُمْ بِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ] [[زيادة من ف، أ. وفي ت: "إلى قوله".]] وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٦ -٢٨] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، شَهِيدٌ عَلَى مَا يُقَالُ لَهُمْ، حَافِظٌ لَهُمْ، نَاصِرٌ لِجَنَابِهِمْ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] .
22:77

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩

اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ: هَلْ هِيَ مَشْرُوعٌ السجودُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ الْأُولَى حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "فُضلت سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْوَالِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أَيْ: يَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، اللَّهُ اصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَفَضَّلَكُمْ وَشَرَّفَكُمْ وَخَصَّكُمْ بِأَكْرَمِ رَسُولٍ، وَأَكْمَلِ شَرْعٍ. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ، وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ فَشَقَ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَالصَّلَاةُ -الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ-تَجِبُ فِي الحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ تُقْصَر إِلَى ثِنْتَين، وَفِي الْخَوْفِ يُصَلِّيهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ رَكْعَةً، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وتُصَلى رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَكَذَا فِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقِيَامُ فِيهَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَيُصَلِّيهَا الْمَرِيضُ جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ، فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "عليه الصلاة والسلام"، وفي ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] : "بُعِثْتُ بالحنِيفيَّة السَّمحة" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٢٦٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] وَقَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، حِينَ بَعَثَهُمَا أميرَين إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرا وَلَا تُعسِّرَا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٣٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٣٢) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يَعْنِي: مِنْ ضِيقٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مِنْ ضِيقٍ، بَلْ وَسَّعه عَلَيْكُمْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ. [قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ت، ف.]] . قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] . وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكََ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُسَمِّ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي الْقُرْآنِ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّهُ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَفِي الذِّكْرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ثُمَّ حَثَّهُمْ وَأَغْرَاهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ مِلَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا نَوّه بِهِ مِنْ ذِكْرِهَا وَالثَّنَاءِ عَلَيْهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَقَدِيمِ الزَّمَانِ، فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، يُتْلَى عَلَى الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيب، أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ [[في ت: "سالم".]] أَنَّ أَخَاهُ زَيْدَ بْنَ سَلَّامٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِثيّ جَهَنَّمَ". قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَادْعُوَا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاكُمْ بِهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ" [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٩) .]] . وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [الْآيَةَ: ٢١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ هَكَذَا أُمَّةً وَسَطًا عُدولا [[في أ: "عدلا".]] خِيَارًا، مَشْهُودًا بِعَدَالَتِكُمْ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ مُعْتَرِفَةٌ يَوْمَئِذٍ بِسِيَادَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في أ: "بسيادتهم وفضلهم".]] عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ سِوَاهَا؛ فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَالرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ بَلَّغَهَا ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ نُوحٍ وَأُمَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: قَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، وَأَدُّوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ، وَطَاعَةِ مَا أَوْجَبَ، وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ. وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقامُ الصَّلَاةِ وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ، بِمَا أَوْجَبَ، لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، مِنْ إِخْرَاجِ جُزْءٍ نَزَرَ مِنْ مَالِهِ فِي السَّنة لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ مِنْ سُورَةِ "التَّوْبَةِ" [[انظر تفسير الآية: ٦٠ من سورة التوبة.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أَيِ: اعْتَضِدُوا بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ، وَتَوَكَّلُوا [[في أ: "اتكلوا".]] عَلَيْهِ، وتَأيَّدوا بِهِ، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أَيْ: حَافِظُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ومُظفركُم عَلَى أَعْدَائِكُمْ، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يَعْنِي: [نِعْمَ] [[زيادة من ت.]] الْوَلِيُّ وَنِعْمَ النَّاصِرُ مِنَ الْأَعْدَاءِ. قَالَ وُهَيْب بْنُ الْوَرْدِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إِذَا غضبتَ أَذْكُرُكَ إِذَا غضبتُ، فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلمتَ فَاصْبِرْ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالنِّعْمَةُ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ. هَذَا آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْحَجِّ"، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحسان إلى يوم الدين [[في ت: "وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل".]] .
22:78

وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ

اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ: هَلْ هِيَ مَشْرُوعٌ السجودُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ الْأُولَى حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "فُضلت سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْوَالِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أَيْ: يَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، اللَّهُ اصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَفَضَّلَكُمْ وَشَرَّفَكُمْ وَخَصَّكُمْ بِأَكْرَمِ رَسُولٍ، وَأَكْمَلِ شَرْعٍ. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ، وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ فَشَقَ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَالصَّلَاةُ -الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ-تَجِبُ فِي الحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ تُقْصَر إِلَى ثِنْتَين، وَفِي الْخَوْفِ يُصَلِّيهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ رَكْعَةً، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وتُصَلى رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَكَذَا فِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقِيَامُ فِيهَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَيُصَلِّيهَا الْمَرِيضُ جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ، فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "عليه الصلاة والسلام"، وفي ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] : "بُعِثْتُ بالحنِيفيَّة السَّمحة" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٢٦٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] وَقَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، حِينَ بَعَثَهُمَا أميرَين إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرا وَلَا تُعسِّرَا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٣٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٣٢) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يَعْنِي: مِنْ ضِيقٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مِنْ ضِيقٍ، بَلْ وَسَّعه عَلَيْكُمْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ. [قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ت، ف.]] . قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] . وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكََ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُسَمِّ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي الْقُرْآنِ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّهُ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَفِي الذِّكْرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ثُمَّ حَثَّهُمْ وَأَغْرَاهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ مِلَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا نَوّه بِهِ مِنْ ذِكْرِهَا وَالثَّنَاءِ عَلَيْهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَقَدِيمِ الزَّمَانِ، فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، يُتْلَى عَلَى الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيب، أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ [[في ت: "سالم".]] أَنَّ أَخَاهُ زَيْدَ بْنَ سَلَّامٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِثيّ جَهَنَّمَ". قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَادْعُوَا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاكُمْ بِهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ" [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٩) .]] . وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [الْآيَةَ: ٢١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ هَكَذَا أُمَّةً وَسَطًا عُدولا [[في أ: "عدلا".]] خِيَارًا، مَشْهُودًا بِعَدَالَتِكُمْ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ مُعْتَرِفَةٌ يَوْمَئِذٍ بِسِيَادَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في أ: "بسيادتهم وفضلهم".]] عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ سِوَاهَا؛ فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَالرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ بَلَّغَهَا ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ نُوحٍ وَأُمَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: قَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، وَأَدُّوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ، وَطَاعَةِ مَا أَوْجَبَ، وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ. وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقامُ الصَّلَاةِ وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ، بِمَا أَوْجَبَ، لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، مِنْ إِخْرَاجِ جُزْءٍ نَزَرَ مِنْ مَالِهِ فِي السَّنة لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ مِنْ سُورَةِ "التَّوْبَةِ" [[انظر تفسير الآية: ٦٠ من سورة التوبة.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أَيِ: اعْتَضِدُوا بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ، وَتَوَكَّلُوا [[في أ: "اتكلوا".]] عَلَيْهِ، وتَأيَّدوا بِهِ، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أَيْ: حَافِظُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ومُظفركُم عَلَى أَعْدَائِكُمْ، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يَعْنِي: [نِعْمَ] [[زيادة من ت.]] الْوَلِيُّ وَنِعْمَ النَّاصِرُ مِنَ الْأَعْدَاءِ. قَالَ وُهَيْب بْنُ الْوَرْدِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إِذَا غضبتَ أَذْكُرُكَ إِذَا غضبتُ، فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلمتَ فَاصْبِرْ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالنِّعْمَةُ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ. هَذَا آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْحَجِّ"، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحسان إلى يوم الدين [[في ت: "وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل".]] .